صورة الاسلام، علل تشويهها في الفكر الاصلاحي – الفصل الرابع – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
صورة الاسلام

علل تشويهها في الفكر الاصلاحي

– الفصل الرابع –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 18-11- 1438/ 11-08-2017


لا بد من الاعتراف بأمرين جوهريين يحسبان لهيجل. فهو يسلم للاسلام بكونه دينا كونيا ويسلم له بكونه قد حقق المصالحة بين قيم الروح المتعالية وتعيينها الفعلي في الوجود الدنيوي (بين الدين والسياسة بتكوين دولة ذات شرع يستند إلى القيم الدينية). لكنه يعتبر الأمرين مقصورين على الوجه السالب منهما كما تعينا في الثورة الروحية الحقيقية (=التي هي عنده الاصلاح البروتستني). وهذه المقدمة ضرورية حتى يستطيع أن ينسب سوالب واقع المسلمين إلى الاسلام النسبة التي باتت ملزومة الفكر الغربي كله وخاصة لما تأثر به المصلحون سلبا أو إيجابا منذئذ إلى الآن: فكر أحد تلامذة هيجل الصغار قصدت صاحب الرشدية اللاتينية(15) .
فالمسيحية هي التي حققت حسب هيجل المصالحة الحقيقية في مرحلة الاصلاح بعد أن قضت الوقت اللازم فأصبحت بفضله التجربة الناجحة في ما كان فيه الاسلام تجربة الاصلاح الفاشلة أو وجهه السالب.
وبعد تأسيس امكانية نسبة أدواء واقع المسلمين لدينهم يستدل هيجل بهذا الواقع على تنافي الاسلام مع بناء الدولة العضوية معللا ذلك بما ينسبه إلى الاسلام من قول بالمساواة المطلقة التي لا تراعي المنازل ومن ثم من نفي للتعيين تبعا لنفي الوحدة العضوية عن الذات الالهية كما يزعم هيجل:” يختلف كل دين (عن غيره من الأديان) اختلافا جوهريا إذا كان مبدؤه على حال تجعل ما ينتسب إلى تصور الروح المتحقق بتوازن فيه محققا مبدأه الذاتي المعين (في كل جوانب حياة الامة المؤمنة به).
أما عندما لا يبلغ تصور الروح (في أحد الأديان) إلى عمقه الحقيقي فإنه ستوجد كما أشرنا سابقا وجوه من حياة الشعب (المؤمن بذلك الدين) لا يكون فيها مبدأ الدين عقليا بل هو سيتنازل أمام نزوات التحكم أو هو يتصرف بصورة من الصور تصرفا غير حر… كذلك هو الشأن في الاسلام. فتعصبه جعل المؤمنين به مندفعين إلى تملك العالم إلا أنه دين عاجز عن بناء دولة متخلقة الاعضاء تكون فيها الدولة ذات وحدة عضوية فلا يستطيع بناء نظام قانوني للحرية”(16) .
لم يبق هيجل لبوش وجوق حملته الدعائية-وفي مقدمتهم علمانيونا وليبراليونا الجدد- شيئا يقولونه: يكفي أن يقرأوا هيجل! وكلهم لا يخفون أنهم من المنتسبين جميعا إلى الهيجلية المحدثة. لكن بوش وجماته من اليمين المسيحي المتصهين لا يكتفون بالقول بنهاية التاريخ مثله بل هم يحاولون انهاءه بالقوة ليكون الشكل العمراني الذي هم عليه الغاية التي يتوقف عندها التاريخ. وبذلك يقول كل المصلحين منا سواء انتسبوا إلى الاصلانية الدينية أو إلى الاصلانية العلمانية. فانظر ما يقول هيجل حول نهاية الاسلام وحال المسلمين وقارن الاوصاف الواردة في كلامه بالاوصاف التي تجدها في دعاية المسيحية الصيهونية. لكن لا تنس حكمة تكذيب التاريخ له تكذيبه الذي هو سبب فشلهم التاريخي المؤدي إلى نقمتهم التهديمية علة المراجعة الواجبة لكل الأحكام السخيفة حول الاسلام وحول كيفية اصلاح شأن المسلمين: “وفي الوقت الراهن فإن الاسلام الذي فرض عليه الادبار إلى آسيا وافريقيا ولم يبق وجوده متسامحا معه إلا في زاوية محدودة من أوروبا بسبب التحاسد بين القوى المسيحية امحى منذ زمن بعد من تاريخ العالم وعاد إلى التسيب والسكون الشرقيين”(17)
وطبعا فليس هذا عيب هيجل وحده. فمنا من هم أكثر منه تحاملا على أديان غيرهم من خلال نسبة عيوب الواقع إلى تأثيرها. فكل من يتكلم في الظاهرة الدينية منا أو منهم ليقارن واقع الخصم بواجب نصه هو لا بواقعه ينتهي إلى مثل هذه النتائج. ذلك أن هيجل لو كان فعلا يقارن نص الاسلام بنص المسيحية لاختلف الأمر: هو يقارن واقع الدولة العثمانية بقيم المسيحية لا بواقع الدولة الالمانية في عصره التي كانت أشبه بحال العرب اليوم.
فقد كان الالمان في القرن الثامن عشر والقرن التاسع قبل حرب 1870 كرة تتقاذفها قوى العصر. ثم هي قد انتهت إلى ما يحلم به هيجل أعني “الدولة العقل” في الرايش الثالث الذي حول الشعب الألماني إلى جسد ميت يتحرك كالدمى بالنحيب الهتلري. ولو قارن واقع ملة بواقع ملة لاختلف الامر. فواقع الالمان والمسيحيين في عصر هيجل لم يكن أفضل حال من واقع المسلمين إذا قبلنا المعايير التي يقدمها لقيس التفاضل بين الامم وهو بات أسوأ لو استعملنا معايير كونية يحددها منظار التاريخ الطويل لا التاريخ القصير. فعقلانية تصرف الدولة وعدالة القانون والتوازن والتخلق العضوي للدولة إلخ.. ليست حقائق في الغرب حتى وإن بدا الامر كذلك في السطح.
لو لم يجدوا من يستعبدون خارج بلدانهم لفعلوا ما يفعل مستعبدونا داخل بلداننا. الدولة الحديثة ليست عقلانية ولا قانونها عادل ولا هي متوازنة التخلق إلا إذ قصرنا القيم في حدودها وفي الحدود التي تمكنها من ادعاء هذه الشبائه واعتبرنا نفيها خارج ذينك النوعين من الحدود مشروعا. لذلك كان هيجل أكثر الفلاسفة تبريرا للاستعمار أي لاستعباد القدر الاكبر من البشر من أجل القدر الأصغر فلم يتغير شيء من بداية التاريخ إلى نهايته: كل ما في الامر أن القبيلة البدائية صارت دولة تدعي العقلانية ! ومثله كل الايديولوجيات الغربية التي تولدت عن المثالية الالمانية والرومانسية: تسمي فرض تصورات الغرب رسالة تحضيرية رسالة تمكنت بتوسطها من تبرير جرائم لا يمكن للخيال أن يتصورها. كل ذلك هو ما كلفنا الله بالجهاد ضده: منع الحرية العقدية واستحلال المستضعفين في الارض. تلك هي رسالة الاسلام لو كان يحق لنا أن نقارن نصا بنص !
فالمثل التي يتكلم عليها هيجل هي عينها المثل التي يحلم بها كل إنسان منذ فجر التاريخ حتى وإن كانت بعض الاديان والايديولوجيات مبنية على نفي كونيتها. ذلك أن هيجل نفسه بنظرية العقل المتعين في الدولة التي هي في نفس الوقت دولة شعب معين ومن ثم روح شعب بعينه لا بد أن ينتهي إلى قيم غير كونية تفرز بين من هو أهل لهذه القيم أي السادة ومن لا يستأهلونها أي العبيد الذين ينبغي تحريرهم كما تحرر أمريكا العراقيين حاليا وكما حرر الاستعمار قبل ذلك شعوب الارض في حملة الرسالة التحضيرية.
وما من أحد قرأ القرآن والسنة لم يسلم بأنهما يدعوان إلى تحقيق القيم بصورة كونية لتعم كل البشر لان الإسلام لم يأت للعرب أو المسلمين وحدهم. فكيف انتهى هيجل إلى أن المشكل متأت من نص الاسلام في مفهوم الله ومن تأثيرها المزعوم: هل توجد في التاريخ دولة وصل بها التنوع والتعدد وهما شرطا التعضي الحقيقي إلى ما حصل في الدولة الاسلامية التي لم تطبق التعدد المذهبي في نفس الملة فحسب بل طبقت التعدد الملي في نفس الحضارة فكان لكل الاديان المعترف بها في القرآن أن تمارس شعائرها وشرائعها وكان المسلم حرا في أن يختار مذهبه الشرعي والعقدي؟ وهل يوجد في التاريخ عكس ما وصفنا باطلاق في غير التاريخ المسيحي الذي لا يزال إلى الآن حتى بعد أن خفت دور الكنسية قادرا على أن يقيم أوروبا كلها قومة رجل وحد لمنع تركيا من دخول النادي الاوروبي لمجرد كون غالبية سكانها من المسلمين؟
يكفي أن تنظر في التعدد الثقافي واللساني والعرقي والعرفي في أي دولة اسلامية والوحدة القاتلة في أي دولة أوروبية حيث تفرض لغة واحدة ونمط قانوني واحد وثقافة واحدة ونمط عيش واحد: أليست هذه هي الوحدة التصحيرية التي قتلت الانواع النباتية الحيوانية والتنوع الثقافي ؟ كم من شعب ولغة وثقافة أفناها الغزو الغربي ولم يمسسها الفتح الاسلامي ؟
لذلك فالسؤال الحقيقي هو: هل هذه القيم موجودة في واقع المسيحيين أولا؟ وهل هي موجودة عندهم لانهم مسيحيون بتأثير من دينهم؟ ثم هل عدم هذه القيم في واقعنا أكبر من عدمها في واقعهم حقا ؟ وهل هذا العدم لاننا مسلمون وبتأثير من ديننا ؟ أليس من المفروض أن تقع المقارنة بين نص ونص أو بين واقع وواقع أو بين نص وواقعه لا غير لا بين مثل نصنا وواقع الغير ؟
وكان ابن خلدون قد حاول تخليص الباحثين من مثل هذه الاوهام عندما بين أنه لا يمكن للدعوة الدينية بذاتها أن تكون مؤثرة رغم أنها عند مصاحبتها للعامل المؤثر في الحدث التاريخي تزيده قوة (وسنرى العامل المؤثر ما هو إذ هو ليس العصبية كما يتصور من يقرأ ابن خلدون بسطحية المسارعين لعرض المشاريع لنيل مرتبة النجومية ومن ثم للانتساب إلى السلطة الروحية المستبدة بتقاسم النفوذ مع السلطة الزمانية المستبدة). كما بين أن العامل المؤثر من دون العامل العقدي لا يمكن أن يدوم تأثيره. فيكون المؤثر العقدي مؤديا دورين:
1- الأول هو دور عامل تعميق الاثر وتقويته لانه يجعل فعل العامل المؤثر جامعا بين قوته الذاتيه وقوة قناعة مستعمله في فعله فينقلب الوزع من الوزع الاجنبي إلى الوزع الذاتي.
2- والثاني وهو أهم هو دور المثبت للاثر والمحقق لشروط بقائه من خلال اخضاعه إلى احكام تحد من انقلابه إلى ضده افراطا أو تفريطا. فيكون الوزع الذاتي ذاتي التعديل الدائم.
ولما كان التاريخ من أصله عالميا (هكذا كان وهو كذلك سيبقى والفرق الوحيد بين حقبه شكلي ولا معنى له لأن اتساع حدود العالم مكانا ناظرها ضيقها زمانا بحكم تسارع الاتصال. فما كان صراع قبائل على الكلا والماء صار صراع دول ومجموعات على البترول والغذاء. وقد يعود إلى ما كان بحكم تزايد السكان وتناقص الموارد) فإن كل واحد من هذه العوامل يصبح ذا وجهين:
1- عامل التعميق الاضافي أي حاصل الصراع بين عوامل التعميق العقدية داخل نفس الامة في عامل التعميق الاضافي بين الامم المتصارعة في التاريخ
2- ثم عامل التثبيت الاضافي بنفس الشروط.
3- وأثر الحاصل الأول في الحاصل الثاني
4- وأثر الحاصل الثاني في الحاصل الاول فتكون أدوار العامل العقدي بذلك أربعة
5- ويجمعها أصل واحد تتفرع عنها أربعتها. وهذا الأصل الواحد هو صراع البقاء الخاص بالنوع الانساني من حيث هو حيوان داخليا وخارجيا مع من يشاركه بيئته من الكائنات أو الظاهرات الاخرى.
وتلك هي علة الحاجة إلى الدين من المنظور الاسلامي: فهو الذي يسعى إلى تحرير الانسان من هذه الدوامة الجهنمية بتعويض الصراع الحيواني من أجل البقاء إلى علاقة تعارف بين القبائل والشعوب. لكن الدين يمكن أن يتحول بتحالف السلط التي تستحوذ عليه إلى أداة ايديولوجية في نفس هذا الصراع: وذلك ما يسميه القرآن طاغوتا ناتجا عن تحريف هدف الرسالات السماوية. وذلك هو جوهر ما حققه التحريف الثاني اعني ما يسمى بالاصلاح البروتستنتي. ذلك على الاقل ما يقدمه القرآن لتفسير الظاهرة الدينية في علاقتها بالعوامل المؤثرة في التاريخ. أما ما أضافه ابن خلدون فهو القول إن التاريخ الفعلي هو بدوره يجري بحسب هذا الفهم: أي إن العامل العقدي إذا كان حقيقيا فإنه سيكون غاية ما يصل إليه العقل من قوانين من دونها يؤول تاريخ الأمم إلى التخريب الذاتي. وذلك هو مضمون المقدمة.
ومعنى ذلك أن ابن خلدون يعتبر قيم الرسالة الخاتمة غاية ما يمكن للعقل أن يكتشفه من قوانين للتاريخ إذا تدرج في التعديل الذاتي الذي يضفي عليه المعقولية الكونية لا معقولية حضارة دون حضارة. وقد رمزت سورة العصر للواقع الانساني في علاقته بمنظوره لمنزلة الانسان الوجودية والقيمية تحريفا أو تصحيحا فحددت الوقوع في الخسر بالاشارة إلى شروط الاستثناء منه بصورة تلغي كل محاولات الادعياء من أصحاب المشروعات الذين يبنون الكون بأمانيهم. فثلاثة من الشروط الخمسة التي وضعتها لا يكون فيها الفرد قادرا على الفعل بمفرده. لذلك فكل المشروعات أماني.
فأما الشرطان الأولان فهما فرديان: الايمان والعمل الصالح.
وأما الشرطان الثانيان فهما جماعيان لا يقع أي منهما من دون المشاركة كما تبرز في الفعلين: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وأما الشرط الحامس فهو أصل الشروط جميعا أعني منزلة الانسان كما تحددها سورة العصر تحديدا لا يمكن ان يكون منافيا لما ينبغي أن ينتهي إليه البحث العقلي المجرد إذا كان فعلا متجردا للحق.
فبهذا الشرط لا بد أن يتطابق مع جوهر المنظور الوجودي والقيمي الاسلاميين المنظور الذي يرفض التحريف الوجودي (تأليه الانسان وجوديا أي العقيدة الاساسية في الاديان المحرفة) والتحريف القيمي (تأليه الانسان قيميا أي الشريعة الاساسية في الاديان المحرفة) :فسواء صدقنا بالقسم الوارد في بدء السورة أو لم نصدق ( سواء كنا متدينين أو غير متدينين ) فإن فهم معناه يجعلك تسلم بأن الإنسان يكون في خسر بغير هذه الشروط ولا يخرج منه إلا بها. لكن صاحب القسم من المنظور الاسلامي هنا هو الله وليس محمد كما يمكن أن يذهب إليه من يحتكم إلى العقل وحده. والمقسوم به هو العصر. وهو من المنظور الاسلامي وقت الصلاة المفضلة في العقيدة الاسلامية أعني الصلاة الوسطي (قبلها اثنتان وبعدها اثنتان).
أما من المنظور العقلي البحت فهو الوقت المفضل في مراحل عمر الانسان. فبعد الطفولة والشباب تأتي الكهولة وسطا بينهما وبين الشيخوخة وأرذل العمر. ومعنى ذلك أن السورة تتحدث عن المستقبل منذئذ.
لكأنها تقول إن الانسان مقبل على الوقوع في الخسر الذي ترمز إليه الشيخوخة وأرذل العمر إذا بقي التحريفان مسيطرين وهي تشترط للخروج من هذا المآل العودة إلى الطفولة والشباب بعملية الاصلاح عودة إلى رمزي الحياة المبدعة والفطرية بفضل سؤال الكهولة الذي تريد اعادة طرحه وتحقيق شروطه بتحرير الطفولة والشباب من التحريفين أو من عقدة الخطئية وعقدة الكبرياء.
ولما كان القسم بها رمزا للنظرية التي تحدد شروط الخروج من الخسر بوجودها وشروط البقاء فيه بعدمها كان ذلك رمزا بإشارة الوسط إلى التوسط الذي هو منزلة الأمة الاسلامية في التاريخ الكوني وفي منظورها لمنزلتي الإنسان الوجودية والقيمية: وذلك هو مضمون الرسالة الخاتمة العقدي والشرعي. فهي تحدد نفسها بكونها اصلاحا لتحريف الرسالتين المتقدمتين عليها مباشرة والفاعلتين في المسرح التاريخي (المسيحية واليهودية) بتحريفهما للرسالتين المؤسستين اللتين تقدمتا عليهما أعني الآدمية والنوحية.
فالمسيحية حرفت الآدمية بإعادة عقيدة الخطيئة الموروثة بعد أن جبتها توبة آدم كما ورد في القرآن الكريم اصلاحا لهذا التحريف.
واليهودية حرفت النوحية بحصر النجاة في شعب مختار واغراق البقية بعد أن تخلص منها نوح لما أنقذ من كل زوجين اثنين كما ورد في القرآن اصلاحا لهذا التحريف.
وهي تعتبر نفسها مصلحة بفضل احياء السؤال الوجودي المطلق عن الذات الالهية كما صاغة ابراهيم عليه السلام: البحث عن الذات المطلة والتعالي عن الطاغوت أو تأليه غيره من الموجودات. وبهده العودة إلى الدينين الاصليين بعد تخليصهما من التحريفين يصبح الانسان مقبلا على تحقيقهما جوابا عن السؤال الوجودي المطلق:
1- نظرية البراءة الأصلية بديلا من نظرية الخطيئة الموروثة: تحرير البشرية من عقدة الخطيئة ومن اعتباره بحاجة إلى منج يحل فيه الرب فيصبح أصحاب هذه العقيدة مستعبدين لكل من عداهم لانهم أبناء الله والمكلفون بتحضير غيرهم حيث يتصاحب الغزو والتبشير.
2- نظرية الأخوة البشرية بديلا من نظرية الشعب المختار: تحرير البشرية من الاقتتال ومن الاغراق المتبادل ليكون الخطاب للبشرية كلها وليس مقصورا على شعب مختار يستعبد المستعبدين ليستعبد بها باقي البشرية: إذ يتحول المسيحيون إلى أداة دولة اليهود تماما كما يصور ذلك لوثر.
لذلك فمضمون الرسالة الخاتمة هو مضمون سورة العصر ولا شيء غيره: فالتشريع من المنظور الفردي مبني على الايمان والعمل الصالح. وهو من المنظور الجمعي مبني على معيارين كلاهما بصيغة الاشتراك. فالاشتراك في الاجتهاد يكون معيار الحقيقة فيه هو الاجماع الناتج عن التواصي بالحق. والاشتراك في الجهاد يكون معيار الحق فيه هو الاجماع الناتج عن التواصي بالصبر. وهذا يغني عن عقيدة أو تشريع سماويين بعد القرآن. لذلك كانت الرسالة خاتمة.
ولا تقتصر صحة هذا الكلام على دور العقائد الدينية وحدها في صلتها بالمؤثر في التاريخ بل هو يصح على كل نسق رمزي قابل للاستعمال النافع أو الضار بما في ذلك النظريات العلمية في علاقتها باستعمالاتها. والأمر هنا قابل للمقارنة حتى باستعمال الأدوات المادية. فنفس الأداة يمكن أن تستعمل للضر ويمكن أن تستعمل للنفع.
ثم يأتي بعد ذلك ما يمكن أن ينسب إلى النسق العقدي أو إلى النسق العلمي أو إلى الأداة المادية من نفع أو ضر ذاتي لها بحسب معايير أخرى لا يكتفى فيها بالاحتكام إلى التاريخ القصير كما يفعل هيجل عندما ظن الاسلام قد غادر ركح التاريخ وظن التاريخ سينتهي في الولايات المتحدة الأمريكية في نظرية الدائرة بحسب تكوير الارض واعتقد أن الدولة المركزية تعين الروح الكلي في العالم أي العقيدة المسيحية التي نجحت في ما فشل فيه الاسلام. لم يكن يدري أن التاريخ يمكن أن يستأنف دورة جديدة وأن الشرق يعود من جديد فضلا عن الاسلام الذي اعتبره قد طرد إليه وإلى افريقيا من بلاد الحضارة الاوروبية !
وما يمكن ان ينسب إلى العقائد الدينية من ضرر بذاتها هو ما يطلق عليه القرآن ثمرة ما حل بها من تحريف يجعل استعمالها الضار هو الاستعمال الوحيد الممكن لانه جزء من تعاليم العقيدة نفسها وليس ناتجا عن استعمالها استعمالا منافيا لتعاليمها. ومعنى ذلك أن العقيدة السوية يمكن أن تستعمل للضر والنفع على حد سواء. وتلك حال الاسلام. لكن العقائد المحرفة لا يمكن أن تستعمل الا للضر لانها لذلك جعلت حتى وإن بدا أن حال أصحابها أفضل من حال المسلمين. وذلك ما نحاول بيانه في العنوان الاخير من هذه المحاولة: فلسفة الدين الاسلامية وكيف حددت أصل التحريف في علاقته بنظرية الانسان الاله وأصل الطاغوت في علاقته بعقيدة كلمة الله

الهوامش
16) أنظر هيجل:” G.W.F. Hegel, Vorlesungen ueber die Philosophie der Weltgeschichte, G.Lasson, PB, Leipzig Verlag von Felix Meiner, 1920, s.112:“ Die Religion unterscheidet sich danach wesentlich, ob ihr Prinzip so ist, dass alles, was zum Begriff des Geistes gehoert, im religioesen Prinzip ausgeglichen ist, sein eigenes bestimmtes Prinzip erlangt hat. Wird der Geist nicht in seiner wahrhaften Tiefe gefasst, so gibt es, wie erwaehnt, Seiten im Leben eines Volkes, wo es unvernuenftig, seiner Willkuer preisgegeben ist oder auf irgend eine Weise sich unfrei verhaelt….So auch bei der Mohammedanischen Religion. Der Fanatismus derselben hat ihre Bekenner getrieben, die Welt zu erobern, ist aber dazu unfaehig, dass ein Staat sich zu einem gegliederten, organischen Statsleben, einer gesetzlichen Ordnung fuer die Freiheit bilde“.
17) انظر هيجل: G.W.F. Hegel, Vorlesungen überr die Philosophie der Geschichte, Werke, 12 stw, n°612, s.434:“ Gegenwärtig nach Asien und Afrika zurückgedrängt und nur in einem Winkel Europas durch die Eifersucht der christlichen Mächte geduldet, ist der Islam schon lägnst von dem Boden der Weltgeschichte verschwunden und in orientalische Gemächlichkeit und Ruhe zurückgetreten.“

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s