صورة الاسلام، علل تشويهها في الفكر الاصلاحي – الفصل الثالث – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
صورة الاسلام

علل تشويهها في الفكر الاصلاحي

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 18-11- 1438/ 11-08-2017


ولما كانت القيم التي يحيا بها العمران الانساني هي ما وصفنا وكانت معرفة عمق التجربة الدينية للامم لا يمكن أن تقاس إلا بالاضافة إلى عمق التجربة فيها فإن للامرين علاقة خفية لا بد من تعريفها لفهم ارتباط التجربة الدينية التي هي جوهر الحياة الروحية بأحكام السلطان القيم على التنافس في الخيرات أو القيم. فالقيم هي في الذات البشرية والعمران الانساني ما يناسب صفات الذات الالهية التي لأجلها اعتبر ابن خلدون الانسان محبا للتأله(8) أو للاتصاف بقبس من صفات الذات الالهية الذاتية أو بلغة الكلام الصفات النفسية(9) :
1- فقيم الذوق كلها تدور حول صفة الحياة. لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الحياة في الوجدان البشري قصدت لذة الجنس أو حب الجمال. ولهذه العلة رمز بها إلى اللذة القصوى في الآخرة.
2- وقيم الرزق كلها تدور حول صفة القدرة لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز القدرة في الوجدان البشري قصدت لذة الملكية أو حب المال. ولهذه العلة رمز بعلاماته في وصف حياة الجنة في الآخرة.
4- وقيم العمل كلها تدور حول صفة الارادة لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الارادة في الوجدان البشري قصدت لذة السلطة أو حب الجلال. ولهذا رمز بثمراته في الآخرة حيث يكون مجرد الارادة فعلا
5- وقيم الوجود كلها تدور حول صفة الوجود لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الوجود في الوجدان البشري قصدت لذة شهود المطلق أو حب المتعال. ولهذا رمز بجوهره أو الخلود في الآخرة.
3- وقيم النظر كلها تدور حول صفة العلم إنها حب السؤال لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز العلم في الوجدان البشري قصدت لذة المعرفة التي يصعب تحديد رمزها لما سنرى من الاسباب. وهي رمز لهاجميعا بدلالة دنيوية حيث يكون العلم أداة وبدلالة اخروية حيث يصبح غاية هي العبادة المطلقة.
وقد أخرت قيم النظر رغم كون منزلتها في نظام القيم هي الثالثة لسببين: أولهما هو علة كونها كان ينبغي أن تكون في الوسط وثانيهما هو علة كونها كان ينبغي ان تكون في الاول والأخير:
أولا لان معناها بالقياس إلى غيرها يتحدد بنوع توجهها. فإذا التفتت إلى ما تقدم عليها مباشرة وما تأخر عنها مباشرة أي إلى قيم الرزق وقيم العمل غلب عليها دور الأداة فتصبح من جنسهما أي إنها اداة ارتزاق بيد صاحب الرزق الذي يستخدم أهلها أو أداة تسلط بيد صاحب السلطة الذي يستخدم أهلها. وعندما تلتفت إلى النوع الاول والنوع الاخير من القيم أي قيم الذوق وقيم الوجود فإنها تصبح غاية في ذاتها فتصبح من جنسهما أي ذوقا معرفيا ووجودا معرفيا وتلكما هما ذروة المعرفة.
ثانيا لأن معناها بقياس غيرها من القيم إليها هي أنها مشروطة فيها جميعا من حيث هي ما أشرنا إليه في مدلول الوحي العام: فهي حدس الوجود سواء كان ذوقيا أو رزقيا أو نظريا أو عمليا أو وجوديا. ذلك أنه من العسير تصور افعال الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود من دون ادراك يسبقها أو يصاحبها أو يليها أو مع بعض هذه الادراكات اثنين اثنين أو معها جميعا لا يبقي لها الوجود فضلا عن المعنى. فيكون ما قتله الاغتصابان عند المسلمين هو:
1- حب الجمال ومفهوم اللذة التي تحولت إلى حياة بهيمية في غياب الفنون الجميلة التي تؤنسها
2- وحب المال أو مفهوم الملكية(10) التي انقلبت إلى سلب ونهب لغياب العدل الذي يثمرها
3- وحب السؤال أو مفهوم النظرية التي انقلبت إلى ايديولوجيا لغياب الفكر النقدي(11)
4- وحب الجلال أو مفهوم الشرائع أو القوانين التي انقلبت إلى أداة استحواذ القوي على حقوق الضعيف واستحياء كرامته لغياب مفهوم المواطنة
5- وحب المتعال أو مفهوم الشهود الوجودي الذي انقلب إلى عقيدة عجائز أو مضغ شعارات عقدية خالية من كل نسغ لغياب التجربة الوجودية الحية.
لذلك فقد باتت كل سلوكاتنا مترددة بين متردم من الافعال الانعكاسية الأقرب إلى السلوك الحيواني والتسيب المهمل الاقرب إلى سلوك العوامل الطبيعية لفرط ما يغلب من فوضى على ما يرشح من هذه السجون الخمسة التي قتلت أنواع الابداع القيمي. فتكون كل طاقاتنا الحيوية مهملة كالمياة غير المجدولة بأقنية تمكن من السلطان عليها ومن استعمالها في الحياة العمرانية مصادر حياة في شكل:
1- طاقة ذوقية للابداع الجمالي
2- وطاقة رزقية للابداع المالي
3- وطاقة نظرية للابداع السؤالي
4- وطاقة عملية للابداع الجلالي
5- وطاقة روحية للابداع المتعالي.
وتلك هي المصادر التي قتلها الطاغوت التشريعي والطاغوت التنفيذي الناتجين عن استبداد العلماء بالتشريع والامراء بالتنفيذ في الظاهر لكون الحقيقة الباطنة هي العكس تماما: العلماء يسوغون شرعا إرادة الامراء فيكون المشرع الحقيقي هو الأمراء بغطاء العلماء ومن ثم فلهم دون سواهم يعود السلطان التشريعي والسلطان التنفيذي قبالة السيلان الابدي للثورة الصامتة على الطاغوت ممثلة بالفوضى التي عمت وجودنا والكذب النسقي الذي هو تقية دائمة عند المغلوب.
تلك هي علة العلل التي ينبغي علاجها إذا كنا نريد للمسلمين دينا أولا وفلسفة دين ثانيا تحيي الاسلام الذي هو أهم ثورة حدثت في تاريخ البشرية وكاد يقتلها اغتصاب العلماء المزيفين للسلطة التشريعية في مجالات القيم الخمسة واغتصاب الامراء المزيفين للسطة التنفيذية فيها: فأصبحت الأمة كما وصف ابن خلدون في الفقرة الاخيرة أسفل سافلين لانههم كادوا يفقدونها معاني الانسانية. وحتى يكون العلاج شافيا فلا بد من التسليم بمبدئين:
أولهما سلبي وينفي أن يكون التحرر من الماضي بنفيه فيكفي فيه استبدال الكلام المزعوم قديما بالكلام المزعوم جديدا. لا بد من العودة إلى قضايا الكلام القديم لتحديد ما حصل فيها ليؤدي إلى ما أدى إليه من مآس:
1- لم أصبح الفكر النظري علم الكلام ببعديه مقصورا على ايديولوجيات فرق بدل البحث عن الحقيقة ومن ثم صراع فرق بدل تواص بالحق؟
2- ولم أصبح الفكر العملي علم الفقه ببعديه مقصورا على ايديولوجيات مذاهب بدل البحث عن الحق ومن ثم صراع مذاهب حقوقية بدل تواص بالصبر؟
قد يرفض مثل هذا الكلام من يعتبره مجرد عودة إلى قضايا الكلام القديمة ظنا منه أن الكلام القديم قد فات وانقضى ولم يعد للكلام في قضاياه فائدة وأن ما يسميه كلاما جديدا جديد حقا. فكل قضايا الكلام الغربي الحديث هي قضايا الكلام القديم. كانت تدور حول ذات الله وأفعاله ثم أصبحت تدور حول ذات الانسان وأفعاله. ومن ثم فأصحاب الكلام الجديد من المسلمين يريدون تمسيح الكلام الاسلامي دون قصد أو بقصد (الله وحده يعلم السرائر) وذلك باستبدال الثويولوجيا بالانثروبولوجيا.
لذلك فسننهي البحث في حاضر الاسلام ومستقبله بمسألتين مهمتين من مسائل الكلام الموسوم بالكلام الحديث لنرى العلاقة بين الاصل والنسخة ولكن في ترتيب مقلوب إذ لا بد من البدء بالحدث التاريخي للختم بمعناه كما يقتضي ذلك مدخل علم الكلام المزعوم جديدا أو بلغة علم الكلام المزعوم قديما لا بد من البدء بالشاهد لنختم بالغائب:
1- منزلة الحضارة الاسلامية في فلسفة التاريخ وصلتها بمسألة العلاقة بين كلمة الله والمسيح.
2- ومنزلة الاسلام في فلسفة الدين وصلتها بمسألة العلاقة بين الذات الالهية والذات الانسانية
وسيكون منطلقنا في بحث المسألتين منظور هيجل السلبي. وما كنا لنخوص في الرد على هيجل حول موقفه من الاسلام حاضرا ( في عصره أي في الربع الاول من القرن التاسع عشر ) ومستقبلا ( منذئذ إلى الآن بالقياس إلى هيجل ومن اٍلآن فصاعدا بالقياس إلينا) لو لم يكن موقفه قد أصبح الموقف الرسمي لاعداء الاسلام في الداخل قبل الخارج وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة وصعود حركة الصحوة الاسلامية. ذلك أن منهج الرد ليس المنهج المفضل لدينا لذلك فلن يكون الكلام على رأي هيجل إلا منطلقا لما هو أهم: علاج مسألة التحريف في مفهومها القرآني بالصيغة الفلسفية التي توصل إليها ابن حزم.
ذلك أننا لا يمكن أن نصحح تصورنا للغايات السامية التي يعد الصراع الحالي أحد وجوه التدافع عليها من منظور الاسلام الصراع الحالي بين الاسلام وتمسيح العالم من دون تصحيح الفهم الرديء لطبيعة الثورة المحمدية ليس في الغرب فحسب بل عند المسلمين الذين هم بدورهم يسيئون فهم الاسلام لمجرد وضعه في نفس مستوى الدين المسيحي متناسين أنه محرف مرتين:
التحريف المتقدم على الاسلام الذي أصلح التحريف
ثم تحريف الاصلاح الاسلامي بما يسمى الاصلاح البروتستنتي الذي هو تحريف للمنظور الاصلاحي الذي حدد به الاسلام العلاقة بين الروحي والزماني محققا الصلح الحقيقي بين الدين والدنيا.
فلما كانت المسيحية في التحريف المتقدم تنفي الدنيا باسم الدين أصحبت في التحريف المتأخر تنفي الدين باسم الدنيا أي إنها لم تترك لنيتشة مهمة قلب نظام القيم الافلاطوني المحرف إذ سبقته فحرفته في الاتجاه المقابل: وذلك ما يمثله رمز لوسيفار في أدب جوته.
لذلك فقبل الشروع في علاج المسألتين لا بد من الانطلاق من تصنيف الأديان الذي وضعه ابن حزم ليميز بين الآراء حول الحقيقة عامة سواء كانت الحقيقة التي حددتها الاديان المنزلة أو الحقيقة التي حددتها الفلسفات الطبيعية حتى نفهم منظور الاسلام ومنزلته من منظور اسلامي متحرر من تأثير االفلسفات الغربية الحديثة التأثير الذي يصعب أن يكون المرء منا عريا عنه بعد أن ربينا عليها عقودا وعقودا تربية همها الرئيسي أن تنسينا كل مبادئ حياة فكرنا الذاتية له وأهمها: نفي اطلاق الخصوصيات بديلا من المتعاليات الكونية التي هي جوهر الحقيقة الفطرية ومن ثم التي لا يختلف فيها الديني والعقلي إلا بالاسلوب.
فابن حزم حاول في الفصل تصنيف الآراء حول الحقيقة فاستعمل القسمة الافلاطونية على النحو التالي. فقد اعتبر المجال المقسوم وجود الحقيقة بمعنيي الوجود ( قيام الشيء بداته وحضوره في ادراك واجده). واعتبر معيار التقسيم خصائص الادارك الموصل إليها بمعنيي الادراك (السعي إلى المدرَك للحصول على بعض الحقيقة بالجهد الشخصي أو العقل وتلقي المدرَك بمعنى الوعي المباشر ببعض الحقيقة التي لا يكفي فيها الادراك العقلي ). وقطعت القسمة عنده أربع مراحل:
1- المرحلة الاولى المقابلة بين من يقول بوجود الحقيقة وقابليتها للعلم ومن ينفيهما: ويضرب ابن حزم على النفاة مثال السوفسطائيين.
2- المرحلة الثانية المقابلة بين من يقول بكفاية الادراك العقلي وينفي ماعداه ومن ينفي الكفاية ويثبت الادراك بالتلقي أو الوحي: ويضرب ابن حزم على النفاة مثال البراهمانيين.
3- المرحلة الثالثة المقابلة بين من يقول بكلية المخاطبين بالوحي ومن ينفي ذلك لقوله بنظرية الشعب المختار: ويطلق ابن حزم على النفاة اسم اليهود.
4- المرحلة الاخيرة المقابلة بين من يقول بكلية انتخاب الرسل من جميع الامم ومن ينفي ذلك بلوغا بعقيدة شعب الله المختار إلى غايتها حصرا للرسل فيه: ويطلق ابن حزم على النفاة اسم المسيحيين.
ويمكن أن نضيف النتيجة التي قصد إليها صاحب التصنيف دون أن يكون لها المعنى الذي أصبح لها في عصرنا كما سنرى: فنجمع السوالب (نفي الحقيقة ونفي الوحي ونفي كونية المخاطبين وكونية الرسل) ونجمع الموجبات (اثبات الحقيقة واثبات النبوة واثبات كونية المخاطبين وكونية الرسل) لنحدد حدي المقابلة المطلقة التي لم تتعين في عصر ابن حزم بالدلالات التي صارت لها الآن وتعينت اليوم في المقابلة المطلقة بين المنظور الغالب على الاسلام من منظور الاسلام ( ممثلا بهذا التصنيف ) والمنظور الغالب على الغرب من منظور الغرب ممثلا بفلسفة هيجل الدينية والتاريخية والمعركة الجارية حاليا في الواقع التاريخي وفي شعارات دعايتها. فالقول بوجود الحقيقة وعلمها بالعقل وعلمها بالوحي وكلية المخاطبين وكلية المرسلين كلها مبادئ يشترطها القرآن في اسلام المسلم سواء انتسب إلى دار الاسلام وحقبته التاريخيتين أو كان من غير المكان والزمان الاسلاميين: أي ما تقدم على الاسلام وفي الامم الاخرى المعاصرة له وإلى الابد.
أما الأنفاء أو السلوب فتنقسم إلى حزبين متلازمين كل منهما تغلب عليه صفتين ظاهرتين تضمران الصفتين الاخريين :
فأما نفي الصفتين الاوليين فهو مميز الطبعانية وما بعد الحداثة (نفي الحقيقة ونفي علمها).
وأما نفي الصفتين الاخيرتين فهو مميز الصهيونية والمسيحية الصهيونية (نفي كلية المخاطبين وكلية الرسل). والواقع أن النفيين الاخيرين يعودان إلى النفيين الاولين أو يؤديان إليهما لان الرسالة الخاصة والرسول الخاص لا يمكن أن يكونا كذلك إلا إذا نفيا الحقيقة الكلية والحاجة إلى كونية الرسالات: فلا تكون الرسالات مضمونها الحقيقة الكونية واقعا وتصورا بل مضمونها ايديولوجيا عرقية واقعا إن ليس تصورا. وعندئذ نفهم لم كان لا بد أن يكون النفاة مجتمعين هم أعداء الاسلام في المعركة الحالية: الطبعانية القائلة بالنسبوية الثقافية كما تتعين في فكر ما بعد الحداثة والوحيانية القائلة بالشعب المختار كما تتعين في المسيحية الصهيونية.
يبدأ هيجل مقارنا بين الدينين المسيحي والاسلامي الدينين اللذين ينتسبان إلى نفس المرحلة التاريخية في فلسفته التاريخية فيقول:” تلك هي الروحانية والمصالحة الروحانية التي بزغت (في الحقبة الرابعة من تاريخ العالم). وهذه المصالحة الروحانية هي مبدأ الشكل الرابع (من أشكال تاريخ العالم الهيجلي). فقد بلغ الروح إلى الوعي بأنه هو الحق. وما بقى الوعي كذلك فكذلك سيكون الفكر. ومن الضروري أن يكون هذا الشكل الرابع هو بدوره شكلا مضاعفا:
1- فهو الروح من حيث هو وعي بعالم باطني عالم الروح الذي اصبح واعيا بكونه من حيث هو جوهر أنه الوعي ب(الوجود) الأسمى وعيا عقليا.
2- لكن إرادة الروح تكون بالمقابل روحا مجردا وثابتا في التجريد الروحي. وما ظل الوعي على هذا النحو من الثبات في التجريد سيبقى الواقع مثله.
فيكون الواقع مترابطا مع عالم دنيوي لم ينضو في الروحي ولم يصبح نظاما عقليا يحايث في الوعي. ذلك هو جوهر العالم المحمدي (=عالم الاسلام) الذي هو أسمى ترق لمبدأ (روح) الشرق.
فلا شك أنه دين تلا المسيحية ظهورا في التاريخ وأنه أعلى ادراك للواحد (في الشرق). لكن المسيحية لكي تصبح صورة متعينة في الدنيا كان لا بد لعملها أن يستمر قرونا. ولم يتحقق ذلك إلا مع شارل الأكبر (الخامس). وكون الاسلام بالمقابل قد أصبح مملكة دنيوية (قبل المسيحية) فالعلة هي أن المبدأ المجرد يتحقق بصورة أسرع (من المبدأ المعين الذي هو مبدأ الغرب المسيحي بالمقابل مع المبدأ المجرد الاسلامي). إنه نظام متعين في العالم الارضي متقدم في الوجود التاريخي على نظام العالم المسيحي”(12) .
والآن هل ينبغي أن نفهم وحدانية الاسلام كما فهمها هيجل الذي اعتبرها من جنس التنوير التصحيري لكونها تقول حسب رأيه بالوحدانية المطلقة اطلاقا سالبا لكل تعين ومن ثم فهي تنفي التعيين المسيحي لمفهوم الله الناتج عن التثليث الذي هو تعضٍ موجب (فيكون الاقنوم الاول هو المبدأ في اطلاقه والاقنوم الثاني هو العالم المادي أو الطبيعة والاقنوم الثالث هو العالم الروحي أو التاريخ)(13) ؟ فلنتابع التعرف على الفهم الهيجلي قبل الجواب. يضيف هيجل:”وفي الجملة ففي حين بدأ الغرب يتنزل في عرضي الأحداث والنمو والخصوصية كان لا بد أن يحصل في العالم الاتجاه المقابل لتوحيد الكل في ثورة الشرق التي قضت على كل خصوصية و على كل آصرة فطهرت الوجدان تطهيرا تاما لكونها لم تر الموضوع المطلق إلا في الواحد المجرد ولكونها كذلك جعلت الوعي الذاتي الخالص والعلم الغاية الوحيدة للحقيقة-كماجعلت كل آصرة آصرة وجود”(14)
الهوامش:
8) يؤسس ابن خلدون نظرية الانسان كلها على مفهوم حب التأله والاستخلاف. انظر في ذلك كثيرا من محاولاتنا وخاصة كتاب الاجتماع النظري الخلدوني والتاريخ العربي المعاصر الدار العربية للكتاب تونس 1985 وكتاب محاولة في العلاقة بين السلطان الروحي والسلطان الزماني من خلال شفاء السائل لابن خلدون الدار العربية للكتاب تونس 1991.
9) أنظر كيف يعرف القاضي عبد الجبار الصفات المستحقة للذات الالهية بذاتها فيقول:” فعند شيخنا أبي علي أنه تعالي يستحق الصفات الاربع التي هي كونه قادرا عالما حيا موجودا لذاته. وعند شيخنا أبي هاشم يستحقها لما هوعليه في ذاته. وقال أبو الهذيل إنه تعالى علام بعلم هو هو وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي إلا أنه لم تتلخص له العبارة ألا ترى أن من يقول: إن الله تعالي عالم بعلم لاي قول إن العلم هو ذاته تعالى. فأما عند سليمان بن جرير وغيره من الصفاتية فإنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان لا توصف بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ولا بالقدم. وعنذ هشام بن الحكم إنه تعالى عالم بعلم محدث. وعند الكلابية إنه تعالى يستحق الصفات لمعان أزلية وأراد بالازلي القديم إلا أنه لما رأى المسلمين متفقين على أنه لا قديم مع الله لم يتجاسر على اطلاق القول بذلك. ثم نبغ الاشعري وأطلق القول بأنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان قديمة لوقاحته وقلة مبالالته بالاسلام والمسلمين” الأصول الخمسة تحقيق الد. عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة الطبعة الاولى القاهرة 1965 ص. 182-183.
10) قد يتصور البعض أن موت حب المال من المحال. لكننا لا نفهم بحب المال ما ينتج عن السلب والنهب فهذ ليس حبا للمال بل كراهية للعمل ما نقصده هو حب الملكية الناتجة عن العمل. وذلك هو قصد ابن خلدون من المقابلة بين المال الناتج عن الجاه أو استغلال السلطة والمال الناتج عن العمل المنتج. وبهذا المعنى فإنه قلما تجد مسلما بفهم أن لذة المال ليس في كونه حاصلا بل في تحصيله: هو لذة لانه ثمرة عمل. إنه يستمد لذته من كونه ثمرة جهد من كونه أداة تحصيل ثمرات تكون لذيذة بتلك اللذة إذ لذته هي أساسا لذة الشعور بالقدرة المحصلة للمال والقدرة المستفيدة ما يمكن أن يحصل به. أما إذا كان موروثا (وعادة من دون ان يكون المورث صاحب جهد) أو مغتصب فإنه ليس مالا بل ثمرة عنف وأداة عنف ناتجتين عن الحرابة التي صارت الحكم الغالب لأن المحترب هو الدولة نفسها. لذلك فإن هوس الهيام بالسياسة بين المسلمين لا يمكن تفسيره بالحرص على الشأن العام فهذا أدنى هموم من يبحث عن المال الذي من هذا الجنس بل لأن السياسة باتت السبيل الاقرب للنهب والسلب.
11) أكره الأشياء عند المسلمين الآن هو السؤال النظري. وكل من حاوله يصبح من المنبوذين من الجميع حكما ومعاركة وخاصة من سوفسطائي العصر من دون علم السوفسطائيين المنطقي واللساني ولا فنهم الخطابي والجدالي قصدت فضلات الاحزاب التي سيطرت على الصحافة في الداخل وفي المهجر وعلى كل ما يسمى منظمات اسلامية أو عربية.
12) Idem, s.243-4:“ Es ist also die Geistigkeit und die geistige Versoehnung, die aufgegangen ist; und diese geistige Versoehnung ist das Prinzip der vierten Gestalt. Der Geist ist zu dem Bewusstsein gekommen, dass der Geist das Wahrhafte ist. Sofern das Bewusstsein so beharrt, so ist hier fuer den Gedanken. Diese fierte Gestalt ist notwendig selbst gedoppelt: der Geist als Bewusstsein einer innerlichen Welt, der Geist, der gewusst wird als Wesen, als das Bewusstsein des Hoechsten durch den Gedanken, das Wollen des Geistes ist einerseits selbst wieder abstrakt und beharrend in der Abstraktion des Geistigen. Insofern das Bewusstsein se beharrt, so ist die Weltlichkeit einhergeht; sie ist damit verbunden, dass das Weltliche nicht ins Geistige einschlaegt, dass es nicht zu einer vernuenftigen Organization im Bewusstsein kommt. Dies macht die Mohammedanische Welt aus, die hoechste Verklaerung des orientalischen Prinzips, die hoechste Anschauung des Eine. Sie ist zwar spaeteren Ursprungs als das Christentum; aber dass dieses eine Weltgestalt wurde, ist die Arbeit langer Jahrhunderte gewesen und erst durch Karl den Grossen vollbracht worden. Dass dagegen der Mohammedanismus Weltreich wurde, ist wegen der Abstraktion des Prinzips schnell gegangen; es ist ein frueheres Weltregiment als das christilichen.“
13) وذلك هو مضمون تفسيره لمحاورة طيماوس الافلاطونية بوصف ذلك مطابقا لجوهر نظرية الوجود المسيحية.
14) أنظر: Hegel, Vorlesungen ueber die Philosophie der Geschichte, IV, Teil 1.Abs,2 Kap. S.428-429 (Werke, 12, stw. 612).…kurz, waerend das Abendland anfaengt, sich in Zuffaelligkeit, verwicklung und Partikularitaet hinzuhausen so musste die entgengengesetzte Richtung in der Welt zur Integration des Ganzen auftreten, und das geshah in der Revolution des Orients, welche alle Patikularitaet und Abhaengigkeit zerschlug und das Gemuet vollkommen aukalere und reignigte, indem sie nur den abstract Einen zum absoluten Gegenstade und ebenso das reine subjective Bewusstsein, das Wissen nur dieses Einen zu einzigen Zwecke der Wirklichkeit-das Verhaeltnisslose zuem Verhaeltnis der Existenz-machte”9

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s