بنية الدولة، المقومات والوظائف -الفصل الثاني – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
بنية الدولة

المقومات والوظائف

الفصل الثاني

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 18-11- 1438/ 11-08-2017


لما تكلمت على بنية الدولة مقوماتها ووظائفها وميزت بين عرض ابن خلدون التكويني -جوناز-وعرضي البنيوي كان القصد إبراز وحدة البنية وكونيتها.
أما ابن خلدون فكان هدفه بيان تكوينيتها أو مراحل تشكل ما يسميه بصورة العمران(والاجتماع). والعرض التكويني يبرز مميزات كل مرحلة ويبين أهميتها.
لكن أهم عنصر يشد الانتباه في التكوينية كما يعرضها ابن خلدون هو التلازم بين الشوكة والشرعية مقوما جوهريا لقيام الدولة ولبقائها: تلازم الوزعين.
والوزعان كما هو معلوم يسميهما ابن خلدون تسميتين واحدة “فاليو فري” محايدة عن القيمة تسمية موضعية لأن الأول يسميه الذاتي والثاني الاجنبي.
ويسميهما ثانية تتضمن تقويما صريحا: فالوزع الذاتي ينسبه إلى الضمير والروح وأثر الدين. والثاني ينسبه إلى الأحكام السلطانية بمعنى الحكم لا العلم.
ولا يوجد فقيه يفهم هذه المقابلة فالوزع الديني عندهم ليس وزع ضمير بل وزع سلطة خارجية فيصبح أفسد حتى من الوزع الخارجي لنسيانهم البقرة 256.
ابن خلدون لما قابل بين الذاتي والخارجي وساوى بين هذه المقابلة والمقابلة بين الوزع الروحي والديني ووزع السلطة السياسية لم ينس البقرة 256.
وقد جاء ذلك صراحة في شفاء السائل ناسبا إلى الفاروق التمييز بين الوزع الروحي النابع من الضمير (تبين الرشد) والوزع المادي النابع من الخوف.
والآن سأتكلم على معضلة محيرة في كلام ابن خلدون على “فساد معاني الإنسانية”. أكثرت من الكلام على هذا المفهوم دون أن ألامس المعضلة الواردة فيها.
وقبل تحديدها فلأذكر بأن عنوان المقدمة نفسه محير: “علم العمران البشري والاجتماع الإنساني”. محير مرتين: لأنه اسم مضاعف. ولتأسسه على مقابلتين.
فهل له موضوعان أولهما العمران البشري والثاني الاجتماع الإنساني؟
وما علاقة الموضوعين إن كانا موضوعين وما طبيعة الوحدة إن كانا موضوعا واحدا؟
ثم ما الفرق بين العمران والاجتماع وما الفرق بين البشري والإنساني؟
وهل صحيح أن ابن خلدون وضع علما استقرائيا على وقائع مغربية كما يدعي بدوي؟
هل ابن خلدون أطلق استقراء شديد النقص ليس على العالم فحسب بل خاصة على مصر كما يدعي بدوي فوصف موضوعه بالبشري والإنساني؟
اسئلة عالجتها سابقا.
ولم أذكر بها لأعيد علاجها بل لبيان الإشكال في الوصفين “بشري” و”إنساني” وهل هما مجرد دعوى أم يعبران بحق عن علم كوني في العمران والاجتماع عامة.
اعتراض بدوي مضاعف:
1- يظن أن ابن خلدون لو عاش في مصر لراجع مقدمته لأن الأمر فيها متقدم على المغرب
2- جهل ابن خلدون بالفلسفة السياسية اليونانية
أربأ بنفسي فلا أفسر موقفه بنوع من التنافس مشرقي مغربي. والتنافس حميد إذا آل إلى التسابق في الخيرات. اعتقد أنه يرد إلى ما عرف به المرحوم.
العجلة داء كل عالم:
1-فهو راجع أشياء كثيرة في مصر ولم يراجع نظريته في العمران والاجتماع.
2-ابن خلدون رفض صراحة فلسفة السياسة اليونانية
ورغم وجود دور للتجربة في المقدمة فإن بنيانها أكسيومي بمعنى أن ابن خلدون ينطلق من حدود بسيطة وجملة مبادئ ثم يستنتج مثل الرياضي نظرياته.
ولهذه العلة فأنا لا أستطيع الخروج من مآزق نظرياته بالمقابلة بينها وبين الوقائع بل باستعراض الصلة المنطقية بين مقدماته ونتائجه مقدمه وتاليه.
ولا يمكن لعلمه أن يتأسس استقرائيا ففي ذلك تناقض مطلق: كيف يمكن أن يضع علما وظيفته النقد التاريخي إذا كان مستمدا من وقائع تاريخية؟ عجلة بدوي.
وابن خلدون صريح في أنه يضع علما أكسيوميا فيعرف الحدود البسيطة وقواعد التأليف بينها ليستنتج منها نظرياته التي سينقد بها الخبر التاريخي.
ولأمر الآن إلى المعضلة في “فساد معاني الإنسانية” التي لم أعالجها رغم أنها تعلل الطابع المضاعف لموضوع علمه وتحدد طبيعة العلاقة بينهما.
وهي إذن عقدة المقدمة لأن المعضل فيها هو الذي يفسر المعضلتين في العنوان: المقابلة بين عمران واجتماع والمقابلة بين بشري وإنساني. تلك ثورته.
ولأورد استطرادا ثانيا. طلبت من ناشر الترجمة العربية لكتاب خاتمي في الفلسفة السياسية قدمت عرضا نقديا لكتابه وهو درسه في الماجيستر. وكان عملا مفيدا لأني لاحظت أن الرجل وقف عند ويل للمصلين في عرضه للمقدمة. سماها علم اجتماع الاستبداد. صحيح لكنه نصف الحقيقة لأنه مشروع إصلاح.
ومعضلتنا تبين أن المقدمة مشروع إصلاح وليست مجرد علم اجتماع للاستبداد في مقابل من نسب إليه خاتمي دورا إيجابيا بدافع غير علمي غني عن البيان.
لكني لم أستغن عن بيانه في عرض النقدي للكتاب لأني كما فعلت مع عبد الرحمن بدوي حاولت بقدر المستطاع إعادة الأمر إلى نصابه لا لصاحبه ولا عليه.
وقبل هذين الخلافين مع بدوي وخاتمي كان لي حساب مع طه حسين: فككل المنبهرين بالغرب تعجل فتوهم ان عدم تطبيق ابن خلدون لاكتشافه في تاريخه نقصا.
وأستنتج أمرين:
– ابن خلدون لم يكن يقصد ما نفهم منه (لأنه مدير بحثه كان عالم اجتماع فرنسي)
– وبقي “بدويا” في تاريخه يقص خرافات وليست تاريخا
طبعا مثل هذا الكلام من المفروض ألا يرد عليه: فليس من ضرورات الإبداع النظري قابلية التطبيق المباشر وليس من خصائص المبدع القدرة على التطبيق.
والإبداع النظري لا يكون قابلا للتطبيق من البداية لا بد أن يتطور ويتكثف ويقترب بالتدريج من مجال تطبيقه لأنه يبدأ خطاطة عامة تتخلق ككائن حي.
وابن خلدون ختم المقدمة بما يفيد أنه أعلم بطبيعة الإبداع النظري والعلمي من طه حسين: هل يعقل لفاهم أن يدعي تطبيق الشك الديكارتي في الآداب؟
من يفاخر بتطبيق منهج ديكارت على التاريخ الأدبي يثبت سذاجته وعجلته: ديكارت يشكك فيما يبدو غير قابل للشك. أما تاريخ الأدب فيشك فيه حتى العامي.
وشك ديكارت له غاية يقف عندها وهي “الأنا أشك إذن أنا موجود”. يثبت حقيقة وجودية. فما الحقيقة التي يمكن أن يقف عندها من يشك في رواية قصيد؟
أليست بالضرورة الوثيقة الثابتة كأن يجد نص القصيد الأصلي أو الشهادة الأولى لوضعه؟ وكلاهما من الشاهد الحسي وهما بمعيار ديكارت أول شيء يشك فيه؟
لا فائدة من مواصلة الكلام فلنعد إلى المعضلة: كيف يقول ابن خلدون:
1- إن “معاني الإنسانية” هي “التي له (=للإنسان) من حيث الاجتماع والتمدن”
2- وأن هذه المعاني “هي الحمية والمدافعة”
وجمع 1و2 هو فساد معاني الإنسانية أي فساد صفتي الاجتماع والتمدن بمعنى فقدان الحمية والمدافعة.
معضلة كبيرة وعميقة لكن في حلها حل ثنائية الموضوع وغاية المقدمة الأولى: مشروع الإصلاح الذي يستهدفه درس العمران البشري والاجتماع الإنساني.
وأبدأ بأول سؤال: لماذا الكلام اقتصر على فساد معاني الإنسانية أي القسم الثاني من اسم الكتاب دون الكلام فساد معاني البشرية أي القسم الأول؟
السؤال الثاني: لماذا يتعلق الفساد بالاجتماع والتمدن؟ وهل كان ما يتعلق به الفساد لو قال “فساد معاني البشرية” هو العمران والتعمر؟
السؤال الثالث: لماذا لم يقل “فساد معاني البشرية” ولم يتكمل على ما يترتب عليه أي فساد العمران والتعمر؟ ألا يفسدان؟ أم يفسدان بالفساد الأول.
السؤال 4: إذا كان فساد البشرية تاليا عن فساد الإنسانية أي فساد الاجتماع والتمدن أو فقدان الحمية والمدافعة فماذا يكون فساد العمران والتعمر؟
والسؤال الأخير: هل الحل هو العودة إلى الأرضية الأولى للعمران والاجتماع في آن أي الحالة الطبيعية التي يسيطر عليها الإنسان بالعقود الأربعة؟
وقد عرف ابن خلدون هذه الحالة بمفهومات قرآنية هي “الارتكاس” و”العودة أسفل سافلين”. وهو ما سميته بالنكوص إلى جاهلية البداوة وجاهلية الحداثة.
فالحياة الاجتماعية التي هي غاية الحياة العمرانية (الموضوع الخلدوني) لا تكون سوية إلا بعقود أربعة تحدث اطمئنانا متبادلا هو الاجتماع والتمدن.
فإذا فسدت معاني الإنسانية بمعنى فقدان خصائص الاجتماع والتمدن التي تفيد فقدان الحمية والمدافعة فمعناه أن العمران الذي يبقى هو عمران العبيد.
وفيه وصف لأخلاق العبيد: أي الصفات الخمس التي ذكرها في الفصل السابق خلقيا ونفسيا واجتماعيا فيزول الاطمئنان ويعوضه التوجس والتخادع والتغادر.
ومجموع هذه الصفات أو أخلاق العبيد سماها ابن خلدون بـ”الخرج” الذي اعتبره حصيلة ما مربه اليهود من قهر وظلم وعسف. وهذه حالنا كعرب لولا الثورة.
ولا يمكن أن أطيل الكلام على بيان مطابقة وصف ابن خلدون لهذه الحال لما نحن عليه أو لما يمكن تسميته الأخلاق الموضوعية في المجتمعات العربية.
لا أحد يطمئن لأحد. وذلك لأنه لا أحد يقوم بعمله بما يقتضيه عمله من شروط بل هو يقوم به بحسب حساب الربح السريع والخداع الوضيع مع السكوت العام.
وهذا الصمت العام هو الذي يصفه ابن خلدون بفقدان “الحمية والمدافعة” الكل مستسلم لمجاري الأحداث ومنتقم ممن فوقه على من دونه: الكل يقهر الكل.
وأداة القهر نوعان:
– أداة الاقوياء
– وأداة الضعفاء.
والأقوياء قهرهم مادي بمبرر روحي هو كنسية رجال الدين. وأداة الضعفاء هي الغش والتطفيف والكذب.
وهذا يصح على النكوص إلى الجاهلية البدوية. أما إلى الجاهلية الاستعمارية (الحديثة) فيعوض رجال الدين فيها المثقفون والإعلاميون لتمرير القهر.
وقهر الضعفاء عدوانهم بعضهم على البعض واحتماء كبارهم بأصحاب القهر المادي لأنهم من أدواتهم في سلب ثروات الشعوب: الاستبداد بحاجة للفساد.
تلك هي حال الأمة. وقد أجاد ابن خلدون في الوصف لبيان نتائج الاستبداد والفساد. فالغاية من المقدمة ليست علم اجتماع الفساد بل الإصلاح المحرر منه.
وبعبارة رمزية فيها الكثير من التجوز: ثورة الشباب في الواقع الفعلي تقدم عليها تأسيس نظري في الواقع الافتراضي لنظرية الثورة في مدرسة النقد.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s