ارهاصات ثورة المدرسة النقدية ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة – الفصل الخامس – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله


ارهاصات ثورة المدرسة النقدية

ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة

– الفصل الخامس –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 15-11- 1438/ 08-08-2017


تصورت الفصل السابق هو الأخير في قضية ثورة المدرسة النقدية وحاولت الاجابة عن سؤال محير: كيف يمكن تحقيق النظام في غياب الوساطة الروحية والسياسية؟
كان السؤال المحير يعبر عن خوف باطن: ألا يكون هيجل محقا في دعواه إن الإسلام بمثاليته المطلقة لا يمكن أن يؤسس دولة مستقرة ذات فاعلية ايجابية؟
أيكون الإسلام قد حافظ على فوضى الجاهلية بسبب الثورتين اللتين تنفيان السلطة الروحية الوسيطة بين الله والإنسان والسلطة السياسية فوقهما؟
أيكون الفهم الشيعي القائل بالسلطة الروحية الوسيطة (كنسية المرجعية) وسلطة الحق الإلهي السياسية(الوصية) هي المخرج من فوضى الديموقراطيتين؟
الا يكون ذلك كافيا لفهم تخبط الأنظمة السنية كلها وما يبدو من انتظام وسلطان للدولة الشيعية الوحيدة على الأقل خلال العقود الثلاثة الأخيرة؟
أليس اصحاب هذه الرؤية القائلة بالوساطتين الروحية والسياسية والمنافية للإسلام النافي لهذين الوساطتين هم من ثارت المدرسة النقدية على فكرهم؟
فالغزالي وابن تيمية وابن خلدون ثاروا على الفلسفة القديمة والكلام والتصوف في أشكالها المتعينة في عصرهم بوصفها تحريفا ذا شكل باطني مناف للقرآن.
فرفض توظيف الفلسفة القديمة والكلام والتصوف كأدوات لطيفة في المعركة السياسية-الدينية مثل الدافع الظرفي للنقد كما يتبين من الفضائح والمقدمة.
وبذلك كان النقد نقلا للمعركة التي كانت إيديولوجية في التوظيف الباطني لهذه الفنون إلى مستوى أرقى هو المستوى الابستيمولوجي تأسيسا لفكر جديد.
وهذا الفكر الجديد الذي يلغي التحريفين الروحي (السلطة الكنسية للمرجعية) والسياسي (سلطة الوصية المعصومة) يضعنا مباشرة أمام نسبية مخيفة.
فما يؤسسه الإسلام ليس نكوصا إلى فوضى الجاهلية بل اكتشاف لنسبية المعرفة ولذهنية تقبل التعددية وواجب الاجتهاد والجهاد فرض عين في الجماعة.
وقد وضع ابن خلدون نظرية ثورية صاغت أساس علاج السنة للفتنة الكبرى لئلا تجمد التاريخ مثل الباطنية: ما مبدأ عدم التأثيم في الاجتهاد السياسي.
وهذا المبدأ يعد في الفلسفة العملية أهم علامات الحداثة لأنه شرط الديموقراطية السياسية: وضع التعددية اللامؤثمة اساسا لطلب الحلول السياسية.
غرض هذا الفصل الذي أتمنى أن يكون الأخير في مسالة المدرسة النقدية أن اثبت سوء فهم هيجل ووهم قوة الحل الباطني بالقياس إلى الحل السني.
فالثيوقراطيا الباطنية (التشيع المعتمد على الوساطتين الروحية والسياسية) تلغي الاجتهاد والجهاد الفردي وتحول الجماعة إلى عبيد عصمتين زائفتين.
صحيح أن الفاشيات سواء كانت دينية أو وضعية تبدو أقوى من الديموقراطيات. لكن ذلك من أوهام من يتصورون النظام الظاهر دليل قوة وهو عين الهشاشة.
فشتان بين جماعة كل فرد فيها مسؤول وله وازع باطن يحركه في اتجاه الوازع الظاهر ما ظل موافقا للأسس الخلقية وبين جماعة قطيع يقودها مدع للعصمة.
ولأورد نص ابن خلدون الذي ختم به تحليل الحروب الأهلية الخمسة التي تلت الفتنة الكبرى سعيا لقلب صفحتها بمبدأ عدم التأثيم في الاجتهاد السياسي.
ففي فصل ولاية العهد (30 من باب المقدمة الثالث) قال “فاعلم أن اختلافهم (الصحابة والتابعين) إنما يقع في الأمور الدينية وينشأ عنها الاجتهاد في الأدلة الصحيحة والمدارك المعتبرة. والمجتهدون إذا اختلفوا: 1-فإن قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو مخطئ فإن جهته لا تتعين بإجماع فيبقى الكل على احتمال الإصابة ولا يتعين المخطئ منهما والتأثيم مدفوع عن الكل اجماعا. 2-وإن قلنا إن الكل على حق وإن كل مجتهد مصيب فأحرى بنفي الخطأ والتأثيم. وغاية الخلاف الذي بين الصحابة والتابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية. وهذا حكمه”.
الحروب اربعة: بين علي وأم المؤمنين وبينه وبين معاوية وواقعة الحسين مع يزيد وواقعة ابن الزبير مع عبد الملك. والدمل الذي يبطه.
وفي الحقيقة فإن رسالتي المفتوحة الأولى لعميل إيران في لبنان كانت بمناسبة موقفه من تعليق ابن خلدون على موقف ابن العربي من مقتل الحسين.
فقد عرض في خطبته بمناسبة عاشوراء بهما فلم أطق صبرا وأرسلت له ما ينبهه بأنه دون الرجلين إنصافا للحسين: فالقاضي نسب مقتله لمقتضيات شرع جده.
وابن خلدون راجعه مبينا أن هذا الحكم فيه تعسف لأن الحسين كان محقا بمنطق الشرع (يزيد لم يكن شرعيا) حتى وإن أخطأ بمنطق السياسية (سوء التقدير).
بعبارة أوضح لم يكن الحسين خارجا على حاكم شرعي حتى يقال إنه قتل بشرع جده. لم يقدر توازن القوى فكانت ثورته خطأ سياسيا. هذا حكم ابن خلدون.
وحتى يحسم الأمر وضع مبدأ عدم التأثيم وهو ليس من وضعه بل هو قراءته الفلسفية لأصله الإسلامي إذ هو في الحقيقة التطبيق السياسي لمفهوم الاجتهاد.
لكن الباطنية لا تريد قلب الصفحة ولا تزال بمنقط الوساطتين الروحية والسياسية تطالب بالثأر وتطبيق رؤية آل ساسان: عبادة العباد للعباد بدل ربهم.
صحيح أن السنة لا تطبق الرؤية القرآنية في الواقع الفعلي. لكن فكرها يعتبر هذا الواقع أمرا واقعا ينافي الأمر الواجب: حكم بالشوكة وليس بالشرعية.
وذلك هو سر الفوضى وليس المبدأين: ليست الفوضى ناتجة عن الحرية الروحية والحرية السياسية القرآنيتين بل عن القوة الحائلة دونهما وتحقيق النظام.
وبعبارة أوضح: ليست الحريتان عودة إلى الجاهلية فهما خروج منها والحائل دونهما والنظام الخلقي الذي وضعه القرآن هو نكوص المسلمين للجاهلية.
والجاهلية الحالية صنفان: صنف قبلي واضح في الأنظمة التي تدعي الأصالة وصنف عسكري واضح في الأنظمة التي تدعي الحداثة. كلاهما جاهلي وبربري متوحش.
لذلك فالثورة كما فهمها الشعب هي هي محاولة شعبية لاخراج الأمة من الجاهلية بصنفيها ومن ثم فانتخاب الأحزاب الإسلامية ذو دلالة عميقة ولطيفة.
فما يحقق الحريتين الروحية والسياسية أي الديموقراطيتين في مستوى ضمير الفرد الروحي وفي مستوى عمل الفرد السياسي هو الإسلام السياسي الحقيقي.
ولا أستنكف من استعمال الإسلام السياسي: فهو تطبيق صريح لنظرية الحكم كما يحددها القرآن في آل عمران والنساء والمائدة والشورى والبقرة.
وقد بلغت الوقاحة بأعداء الشعوب من الأنظمة وطبالي نخبها إلى حد جعل عبارة “إسلام سياسي” إرهابا ثم يدعون الحكم بقيم الإسلام والحداثة المقلوبة.
النكوص إلى جاهلية القبائل صار حكما بقيم الإسلام وإلى جاهلية العسكر صار حكما بقيم الحداثة أما الدعوة إلى الحريتين الروحية والسياسية فإرهاب.
وطبيعي أن يكون الأمر كذلك: ذلك أن حماتهم يطبقون منطق الاستعمار الذي وصف بالإرهاب كل حركات التحرر ومقاومات التحرير خلال القرون الماضية.
وإذ هم بصنفيهم القبلي والعسكري مجرد نواب لهذا الاستعمار الذي يحمي كراسيهم واستبدادهم وفسادهم فمن الطبيعي أن يعتبروا ثورة الشعوب إرهابا.
وطبيعي أن تكون الصفوية والصهيونية ومليشياتهما العربية بالقلم وبالسيف حليفة لهم في الحرب على الإسلام والشعوب رغم مسرحيات العداء القولي.
لكن الشعوب والإسلام السياسي بهذا المعنى يدركون اللعبة ولا يمكن أن يحالفوا الصفوية ولا الصهيونية وكل لجوء لإحداهما ضد الاخرى خداع ذاتي.
لا أقبل حلف الإسلام السياسي مع إيران ولا أقبل حلف الأنظمة مع إسرائيل: نعيش حربا أهلية وعلينا حسمها بهذه الصفة فلا نتحصن بالعدوين ضد الشقيقين.
وبحثي في الأصول المعرفية للخلافات العملية هدفه فهم حقيقة المعركة وأنها ليست بنت اليوم بل هي شبه ملازمة لتاريخ الأمة والنصر للإسلام حتما.
أملي أن يكون البحث قد أسهم في إفهام الشباب بأن الحرب الأهلية التي نتجت عن العلوم الزائفة والتوظيف الشيطاني للدين والفلسفة عولج نظريا.
ولم يبق إلا أن نعالج الأمر عمليا. فثورة الشباب ليست كما يزعم الدجالون ثورية عديمة الخلفية النظرية بل إن عمقها النظري ملازم لتاريخ الأمة.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s