أكل الانعام، الارتكاس والعودة الى اسفل سافلين – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
أكل الانعام

الارتكاس والعودة الى اسفل سافلين

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 17-11- 1438/ 10-08-2017


شرع مدير الصفحة في نشر مقال كتبته في ماليزيا بعنوان صورة الإسلام أحاول فيه فهم علل التعثر الذي تعاني منها الأمة منذ قرن دون نفي ما تحقق.
فبعث أمة نامت قرونا ليس مهمة يسيرة. فهي تعاني من أمراض ذاتية سنحاول تشخيصها ومن محيط معاد منذ بدايتها لأنها ذات مشروع كوني قد يعتبر عدوانيا.
وإذ أعتقد أن الإبداع الإنساني بمستوييه الرمزي والمادي مشروط بمشروع يتجاوز به الإنسان حياته العضوية فغايته العميقة روحية غاية وسياسية أداة.
وهذان هما البعدان المقومان للإنسان من حيث هو إنسان سواء في تعينه الفردي أو الجمعي. قيامه مشروط بحياته العضوية مطية لحياته الروحية غاية.
والحياة العضوية المطية هي الاستعمار في الارض والحياة الروحية الغاية هي الاستخلاف أو تحقيق القيم التي بها يرتفع الإنسان روحيا وهي خمسة أصناف.
وجملتها هي الحياة الروحية سواء فهمناها دينيا أو فلسفيا: القيم الثلاث المعتادة أي الخير والجمال والحق ثم شرطها في الإنسان وشرطها في الوجود.
والشرطان من باب الممكن وليس من باب الحاصل لذلك فهما قيمتان يسعى إليهما الإنسان لنقلهما من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل أي الجهة والمطلق.
فلو لم يكن الإنسان موجها أي مميزا بين الممكن والواجب والممتنع لما كان حرا يرى المنشود باستقلال عن الموجود فيسعى إلى غير الحاصل من الممكن.
لكن ذلك لا يكفي إذا لم يكن له وعي بدرجات مختلفة من الشفيف يدرك به الفرق بين الناقص والتام وبين النسبي والمطلق: دليل ديكارت على وجود الله
فيكون أساس القيم الأربعة: الخير والجمال والحق والحرية الوجود التام أو الله الذي بالقياس إليه يكون مقوم الإنسان فيه ما يجعله يشرئب لما يتجاوزه.
وعمل هذه القيم المقومة للوعي الإنساني الفردي والجمعي من حيث هو متجاوز لمقومه العضوي وقيامه الدنيوي إلى مقومه الروحي وقيامه الأخروي فيه.
مقام الإنسان فردا وجماعة ليس أخرويا في الآخرة فحسب كما بعد لمقامه الدنيوي بل هو ملازم له لأنه هو غايته ومعناه الذي يجعله لا يخلد للدنيا.
وهذا البحث شرح لمفهوم “فساد معاني الإنسانية” الخلدوني الذي يفسر تعثر الأمة إذا انطلقنا من المقابلة بين المناعة العضوية والحصانة الروحية.
والمقابلة بينهما تعني المقارنة لأن بينهما وجوه شبه كثيرة وتعني كذلك التمييز بينهما بما يتمايز به مقوما الإنسان العضوي والروحي ومنزلتاه.
فالإنسان يفضل غيره من الحيوان بالجمع بين المناعة في كيانه العضوي والحصانة في كيانه الروحي. والثانية تشمل الفرد والجماعة شمول الأولى لهما.
وأهم خاصية لهذا الجمع بين المناعة العضوية والحصانة الروحية لأنهما متفاعلتان في الفرد والجماعة سلبا وإيجابا بتبادل التأثير بين النفس والبدن.
وهذا الكلام محير: فهل للجماعة بدن ونفس؟ فإن كان كيان الجماعة ذا قيام فعلي ومتعين فينبغي تحديد البدني والنفسي منه لأنه شرط تشخيص دائهما.
وللتيسير ما الذي يصيبه فقدان المناعة وما الذي يصيبه فقدان الحصانة أو ضعفهما في أي أمة تعثرت في نموها أو في استرجاع ما أفقدها إياه مرضها؟
ومرضها سماه ابن خلدون “فساد معاني الإنسانية”. هذا الفساد يصيب البدن لخلل في المناعة والروح لخلل في الحصانة: مقالة علل تشويه صورة الإسلام.
فلنورد نص ابن خلدون: «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:1- سطا به القهر وضيق على النفس انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل. 2- وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه.3- وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا.4- وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك. 5- بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء.”(المقدمة الباب السادس الفصل 40)
جمع ابن خلدون بعدي السياسة: التربية والحكم بتأثير الاستبداد والعنف السلبي والقصد بيان التأثير الإيجابي الذي يتمثل في الجمع بين التربية والحكم المتحررين من الاستبداد في تكوين الفرد والجماعة غاية لمشروع المقدمة.
السياسة ذات فرعين: تربية وحكم. ويمكن أن نقول إن الأولى تتوجه إلى الروحي مدخلا للعضوي والثانية إلى العضوي مدخلا إلى الروحي: المؤثر هو التوجه.
والتوجه هو سياسة التربية وسياسة الحكم. وكلمة سياسة هنا تعني طريقة العلاج التربوي والعلاج الحكمي للفرد والجماعة وأثرهما العضوي والروحي.
أحصينا آثار السياسة التربوية العنيفة التي ذكرها ابن خلدون:
1-ضيق انبساط النفس بسبب القهر
2-الكذب والخبث بسبب الخوف
3-المكر والخديعة عادة وخلق
بيت القصيد:
4-فساد معاني الإنسانية من حيث الاجتماع والتمدن بفقدان الحمية والمدافعة.
5-الكسل عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل:
فما النتيجة؟
الانقباض عن غاية الإنسانية ومداها ارتكاس وعودة أسفل سافلين. والأول عضوي ومناعي والثانية روحية وحصاني: فقدان غاية الإنسانية ومداها.
فصل ابن خلدون آثار سياسة التربية العنيفة وأجمل آثار سياسة الحكم موحدا بينهما. فساد شروط الاجتماع والتمدن أو شروط الحرية: الحمية والمدافعة.
فتصبح الأمة مغلوبة وخاضعة لإرادة غيرها: وتلك هي حال المسلمين اليوم. فما يسمى دولا إسلامية من اندونيسيا إلى المغرب محميات ومستعمرات لا غير.
في الحقيقة الارتكاس والعودة أسفل سافلين كلاهما عضوي وروحي لذلك اعتبرهما ابن خلدون مرادفين لفقدان النفس غايتها ومدى إنسانيتها. فماهما؟
هما ما فصله في كلامه على سياسة التربية: انقباض النفس (عضوي روحي) الكسل عن اكتساب الفضائل (روحي عضوي) ثم عكسهما: خلق الضغينة واكتساب الرذائل.
وقد جمع ابن خلدون كل ذلك بكلمة واحدة “الخرج” واعتبره من صفات اليهود ليس بمقتضى نظرة عنصرية بل لما حل بهم من قهر وإذلال: “وهكذا وقع لكل أمة حصلة في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراء. وانظر في اليهود وما حصل بذلك فيهم منخلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالخرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه”.
وهنا نفهم أهمية حضور قصة فرعون وموسى لفهم فساد معاني الإنسانية الناتج عن سياسة الحكم والتربية اللتين ينبغي تحرير البشرية منهما: الإسلام.
وبعبارة وجيزة يمكن القول إن ما حصل للأمة من الداخل والخارج أي بمربييها (العلماء) وحكامها (الامراء) جعلهم في وضعية اليهود بين هامان وفرعون.
واذن فعلاج الظاهرة يصفه القرآن لتحرير المستضعفين من البشر بفعل نظام الحكم ونظام التربية الطاغوتين: فلسفة القرآن السياسية تربية وحكما.
وكلا مجالي الفلسفة السياسية التربية والحكم يتوجهان إلى الحصانة للحفاظ على الوجود الروحي شرطا في المناعة للحفاظ على الوجود المادي للأمة.
ذلك أن كلا الوجودين فسدا: فالوجود المادي للأمة من أفسد أنواع الوجود ويكفي دليلا مقارنة الجوع والبطر. فلنقارن بين بدناء العرب وصومالييهم.
مرضى عضويا وروحيا: فالبدين هو من يجد ما يأكل ولا يشبع. والجائع هو من يشبع بأي مأكول مهما قل. لكنهما يشتكران في الغرق في هم الأكل كالأنعام.
وإذن فلا فرق ماديا بين فقراء العرب وأغنيائهم إلا في الظاهر: كلاهما ابتلعه الجوع الوجودي بحرمان المادي فيه دليل عدم القدرة على الروحي.
ذلك أن البدين العربي ليس من جنس البدين الأمريكي. فهذا يأكل ويعمل إذن لقيامه العضوي بعد. وذاك يأكل ولا يعمل وهو من ثم فاقد للبعد الروحي.
والجائع الأمريكي غير الصومالي. هذا ينتظر الأنواء ارتهانا بالطبيعة فلا يعمل وذاك يفسره بالسياسة فيناضل ليعمل. والعلة سياسة تربوية وحكمية.
لذلك فالبدين والجائع من العرب والمسلمين كلاهما ارتكس وعاد أسفل سافلين قرآنيا: لأن الإسلام لا يعلل أحوال البشر بالطبيعة بل من بعمل تعميرها
وعمل تعميرها هو البعد الأول من سياسة التربية والحكم في الإسلام: استعمركم في الأرض أي تعميرها واستخلفكم فيها أي تحقيق معاني الإنسانية.
لكن المسلمين بعلمائهم (التربية) وبأمرائهم (الحكم) ارتكسوا وعادوا أسفل سافلين. فلا هم يعمرون الأرض ولا هم يستخلفون فيها: يأكلون أكل الأنعام.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s