صورة الاسلام، علل تشويهها في الفكر الاصلاحي – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
صورة الاسلام

علل تشويهها في الفكر الاصلاحي

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 16-11- 1438/ 09-08-2017


هذا بحث كتب خلال مقام الأستاذ بماليزيا. نعيد نشر بعضه لصلته بما عرضناه في فصول إصلاح علوم الملة الخمسة أو بصورة أدق لصلة صورة الإسلام فيه بما ينتج عن أمراض علوم الملة وتصور مفكري الأمة لمنزلتها ولعقدها إزاء من صار يعد مثالا أعلى. وفيه فصلان يليها الهوامش والتعليقات التي يتكون منها جهاز البحث.
النص
إن الاتصال المبدئي بين الدين والدنيا في الاسلام صار بفعل الاغتصابين (اغتصاب العلماء للسلطة الروحية واغتصاب الامراء للسلطة الزمانية) مجرد كلام لا يعبر عن حقيقة فعلية في تاريخ المسلمين. وما يزعم من انفصال مبدئي بينهما عند المسيحيين صار بفضل تحرر المسيحيين من الاغتصابين كلاما لا يعبر عن حقيقة فعليه في تاريخهم كذلك. فالدولة الغربية الحديثة لم تفصل الدين عن الدولة كما يزعم السطحي من المفكرين بل هي افتكت كل وظائف الدين من الكنيسة ولم تبق لها إلا الكلام في الدين.
فاسئلة الحياة الجوهرية صارت جزءا من الحياة الثقافية العامة ثم هي أخدت منها مسؤولية التربية والتعابير الروحية عن التجربة الوجودية والرعاية الاجتماعية خاصة. وحتى العلاج الروحي في خلوة الاعتراف عوضته الدولة الحديثة بالاعتراف على كرسي المحلل النفسي.
ولا نعني بهذه الاشارة ما قصده بعض المصلحين الذين وجدوا مسلمين من دون اسلام في أوروبا واسلاما من دون مسلمين في أرض الاسلام. فليس لمثل هذا كلام من معنى. لا يمكن للمرء أن يكون مسلما من دون اسلام. ولا يمكن للاسلام أن يكون اسلاما من دون مسلمين.
وإذن فالظاهرة أعمق من هذا الهراء. وإنما قيل مثل هذا الكلام لتبرير ايديولوجية الاصلاحيين المعتمدة على التحديث بتقليد الغرب في مظاهر حضارته دون أصولها العميقة التي بقيت مجهولة عند مفكري الاصلاح الأول. فكان أن اجتمع الداءان في عملية الاصلاح الموالية بسبب هذا التبرير السخيف لاخذ مظاهر حضارة دون فهم عللها فضلا عن عدم فهم علل حال الحضارة التي يراد إصلاحها بهذا الخيار:
داء الحضارة الاسلامية ببعث الروح في التحالف بين السلطتين المغتصبتين الروحية والسياسية.
وداء الحضارة الغربية الحديثة بأخذ شمولية التنوير الغربي ومحاولة المطابقة بينه وبين قيم الإسلام(1) .
فكل الحركات الاصلاحية حافظت على خاصية الاغتصابين من التراث الاسلامي وأضافت إليهما خاصية التنوير الشمولي من التراث الغربي الحديث الذي اعتبروه اسلاما من دون مسلمين! لكن ما حصل في الحقيقة التاريخية هو أن الاسلام من حيث هو ممارسة روحية حية في كل أوجه الحياة العمرانية والتي حاولنا في غير موضع حصرها في ضروب القيم الخسمة قتله الاغتصابان:
1- اغتصاب السلطة التشريعية باعادة تكوين سلطة روحية منفصلة عن إرادة الامة الدينية مؤلفة مما يسمى العلماء
2- واغتصاب السلطة التنفيذية باعادة تكوين سلطة زمانية منفصلة عن إرادة الامة السياسية مؤلفة مما يسمى الأمراء.
فالدين الإسلامي بوجهيه ما بعد التاريخي (المثل العليا العقدية الشرعية) والتاريخي (محاولات تحقيقها الفعلي أو السياسة) انقلب إلى ممارسة خارجية ليس للمؤمن فيها مجاهدة حية. صار المسلم صار خاضعا لأوامر العلماء وتعليماتهم في حياته الروحية. وتحولت السياسة ببعدها المشرئب إلى ما بعد التاريخ وببعدها الساعي إلى التحرر من ضرورات التاريخ إلى ممارسة خارجية ليس للمواطن فيها مشاركة حية.
فالمواطن صار خاضعا لاوامر الأمراء وتعليماتهم. وبذلك لم يعد بين المسلمين مؤمن (بسبب طغيان من يسمون بالعلماء) أو مواطن (بسبب طغيان من يسمون بالأمراء) لفقدان الوازع الذاتي الذي تحول إلى وازع خارجي بمصطلح ابن خلدون.
وقد عرف ابن خلدون هذه الظاهرة ببعديها السياسي والتربوي عند المقابلة بين الاحكام السلطانية والأحكام التعليمية من جهة والاحكام الشرعية في المجالين من جهة ثانية فقال:
” فقد تبين أن الاحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي.وأما (الاحكام ) الشرعية فغير مفسدة للبأس لان الوازع فيها ذاتي. ولهذا كانت الاحكام السلطانية والتعليمية مما يؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم. والدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآٍداب”(2) .
والمعلوم أن ابن خلدون لا يعني أن كل الاحكام السياسية والتربوية من حيث هي سياسية وتربوية مفسدة للبأس بل هو يقصر ذلك عليها عندما يكون الوازع فيها خارجيا بالقهر والعسف. لذلك فهو قد قابل طابع أحكامهما الخارجي بالأحكام الشرعية التي هي ذاتية. غير أن التعليم في المجتمع الاسلامي بحكم استحواذ النخبة الدينية عليه جعل التربية الدينية هي بدورها تربية لا تحصل إلا بالقهر والعسف. فجمعها نوع التعليم مع الاحكام السلطانية وتعاضد الاغتصابان اللذان أشرنا إليهما: في جملة واحدة قتل الاسلام من حيث هو وازع ذاتي بنوع الحكم السياسي وبنوع التربية الدينية.
فلم يقتصر مآل الأمر بالمسلم إلى فقدان صفات المسلم الحقيقية فحسب بل هو فقد معاني الانسانية كما قال ابن خلدون:
“ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:
1- سطا به القهر وضيق على النفس انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل.
2- وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه.
3- وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا.
4- وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك.
5- بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضب عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين.
وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء.”(3)
فمن هم المسلمون الذين وجدهم رجال الإصلاح بدون اسلام في دار الاسلام ووجدوهم في الغرب بدون اسلام؟ إن ما يقصدونه هو بالذات عين الداء. فالاسلام الذي يتحدثون عن غيابه هناك وحضوره هنا بغيابه عند المسيحيين وبحضوره عند المسلمين لا يمكن أن يكونوا قد قصدوا به السلوك النابع من القناعة الذاتية أو الوازع الذاتي بلغة ابن خلدون بل هو سلطان الفقهاء على العامة. وإلا لما فهمنا كيف يكون الاوروبيون مسلمين بدون اسلام ويكون الاسلام بدون مسلمين في ارض الاسلام؟ ما الذي غاب عند الاوروبيين لينفى عنهم الاسلام وما الذي حضر عندهم ليعدوا مسلمين ؟ وما الذي حضر عند المسلمين ليثبت لهم الاسلام وما الذي غاب لينفى عنهم كونهم مسلمين ؟ كيف يمكن الفصل بين الدين وممارسته في الحالتين:
فتوجد ممارسة اسلامية من دون اسلام عند الاوروبيين
ويوجد اسلام من دون ممارسة عند المسلمين ؟
فإما أن يصح الواحد من الحكمين أو الآخر. إذا كان ما لأجله نفي وجود الاسلام في بلاد الغرب هو عينه ما لأجله نفي وجود المسلمين في بلاد الاسلام كان معنى ذلك الوحيد حصر الاسلام في الاسلام الرسمي كما يحدده الفقهاء. وإذا كانت أوروبا فيها مسلمون وأرض الاسلام ليس فيها مسلمون كان معنى ذلك الوحيد هو أن صفة الاسلام الحقيقي هي ممارسة قيم الاسلام. فيكون الاسلام موزعا بين فهمين متناقضين ويكون فكر الاصلاحيين مترددا بينهما وعاجزا عن فهم حقيقة الداء التي وصفه ابن خلدون في الفقرتين اللتين أوردنا.
والغريب أن نفس هذا الفكر ينتهي إلى حلٍ ضميره أن تحقيق التطابق بين عقيدة المسلمين وسلوكهم ينبغي أن يكون بتخلقهم بأخلاق الاوروبيين (وكان ينبغي أن يكون الحل بالنسبة إلى الاوروبي باعتقاد معتقدات المسلمين. لكنهم لم يبحثوا القضية لانها ليست مطلوبهم). وحتى يتبين سخف هذا الفهم فينبغي أن نستنتج منه أن مسلمي الصدر قد كانوا على الاخلاق الأوروبية لأنهم كانوا يمارسون الاسلام حقا وذوي عقيدة اسلامية رسمية. وإلا لكان اسلام الصدر اسلاما من دون مسلمين ! وهذا الموقف السطحي جاهل بأمرين :
1-أحدهما فلسفي قد نفهم غفلتهم عنه لبعد غوره
2-والثاني تاريخي لا يمكن أن يغفل عنه انسان مهما كان ضغيف الفرقان والوجدان.
فأما الامر الفلسفي فهو كون المثل عامة والاسلامية خاصة (لأنها تتضمن دعوى الكونية الخاتمة أي إنها ليست مثلا لزمن معين) لا يمكن أن تتحقق في سلوك قوم مهما قاربوا التمام بمن في ذلك أهل عصر الرسول: لذلك لم يخل القرآن من نقد الكثير من سلوكهم.
والقصد أن المرء لا يمكن أن يكون مسلما بالتقليد سواء قلد الصدر أو قلد الاوروبيين بل هو لا يكون مسلما حقا إلا بالاشرئباب الدائم إلى مثل الاسلام في طوقه إلى استكمال ذاته من ذاته. أما إذا تصورنا قيم الاسلام قد تحققت في زمن ما في ماضينا أو في حاضر الغرب فإن جعل المرء مسلما يصبح مقصورا على تقليد ذلك الزمن. وذلك هو جوهر الاغتراب الروحي والذي يمكن ان يعد السمة الجوهرية لما يمكن ان يسمى موت التجربة الروحية. لذلك كانت الحركة الاصلاحية مترددة بين تقليدين:
1-تقليد الصدر
وتقليد الغرب
من دون روح الصدر الحية ولا روح أوروبا أي انعدام الاشرئباب النابع من الذات أو الوازع الذاتي بلغة ابن خلدون.
وأما الامر التاريخي فيمكن صوغه في شكل سؤال: كيف يزعمون أن الاوروبيين يمارسون قيم الاسلام من دون اسلام ؟ فهبنا سلمنا بأنهم أفاضل في تعاملهم في ما بينهم وهو أمر لا نسلمه إلا جدلا -ومن عاش في أوروبا مثلي يعلم ذلك يقين العلم-أفيكون ما يمارسه الأوروبيون في بلدانهم لا يدحضه ما يمارسونه في كل بلدان العالم الأخرى؟ أم إن ما يفعله الاوروبيون في العالم ينبغي أن يغض عنه الطرف لكونه ليس موجها لمن هم في منزلة البشر المقصورة عليهم ؟ كيف يتغاضى المصلحون الأوائل على ما تفعله اوروبا ببلدانهم لمجرد أن بعضها حماهم من بعضها ليستعمله في مناوراته السياسية(4) ؟
ولما كان ذلك ينفي الطابع الكوني للقيم التي يمارسونها بات حالهم ليس أفضل من حالنا. وليس الغرض أن نخفف من مسؤوليتنا الخلقية بل الهدف بيان الطابع الكوني للازمة الخلقية الانسانية. فسلوك الأوروبيين الاستعماري يبين أنهم أكثر منها كذبا وغشا وخداعا خاصة عندما يتكلمون عن الرسالة التحضيرية وحقوق الانسان. بل إن كل ذلك عندهم أكبر. فكذبنا وخداعنا وغشنا كلها ذات أشكال بدائية ليست بعيدة الغور وأثرها لا يتجاوز الفعل الحيني.
لكن مصائب العالم الحالي كلها ناتجة عن ثنائية سلوكهم الخلقي في جميع مجالات القيم: الذوقية (ينهبون فنون العالم) والرزقية (ينهبون العالم) والنظرية (يتنكرون لفضل غيرهم من الامم في تاريخ المعرفة) والعملية (سياستهم العنصرية والاستعبادية) والوجودية (وهذا بيت القصيد لأنه علة الادواء السابقة كلها: يؤلهون الانسان الغربي تطبقيا لنظرية الشعب المختار بستار بنوة عيسى للرب). فإذا أراد المصلحون أن يجعلونا هكذا فعلى الاقل كان ينبغي أن يقولوا إنهم يريدون أن يجعلوا المسلمين شركاء في سلطان ابليس على الكون أي سلطان الفساد في الارض والطغيان على المستضعفين: ليس ذلك من الاسلام في شيء.
فالأوروبيون عامة ومستعمرتاهم (روسيا بالماركسية سابقا وأمريكا بالبروتستنتينية) خاصة يبدون في الداخل ذوي قيم وبحدود شديدة النسبية ( وهو أمر لا يعلمه من لم يعش في الغرب مدة طويلة ولم يتشرب ثقافتهم بعمق وكلا الامرين لسوء الحظ غائب عند مفكري الاصلاح) لم يعجب بها المصلحون إلا لسوء الفهم. لكنهم مع غيرهم كواسر ليس عندهم إلا الغذر والكذب والنفاق. وحتى في ما بينهم: فما يحدث في القتال الدائم ( ويسمى اقتصاد سوق) وفي الحروب الداخلية ( في القرنين الأخيرين كل الحروب كانت أوروبية حتى عندما تعم العالم أو تندلع خارج أوروبا ويكفي دليلا ما بين الهند وباكستان أو مابين اسرائيل والعرب أو كل ما يجري في الشرق الاقصى من الصين إلى اليابان وما بينهما وما دونهما من الدويلات).
وهم يسمون ذلك كله سياسة واقعية ومصلحة دولةRaison d’Etat : كل العالم عندهم جوهيم. والعلة أن القيم ليست عندهم من جنس الوازع الذاتي الذي يتكلم عليه ابن خلدون أو القيم التي يتكلم عليها كنط أو الاحكام الروحية التي يتكلم عليها الاسلام وإلا لكانت مثلا كونية لا يتوقف العمل بها عند الحدود القومية. إنما هي في الحقيقة حيل للعيش معا في مجتمع عاني من الحروب الأهلية فوصلت مافياته المتصارعة إلى قناعة بعدم جدوى التخادع الداخلي لتكوين مافية متجهة إلى خداع العالم الخارجي: وهذا يسمى موديس فيفنديModus vivendi (حال تعايش) وليس حياة سلمية تحكمها القيم.
ويمكن فهم ذلك بمقارنة السياسة الداخلية لأي بلد غربي مع سياسته الخارجية. فكل حروب العالم الثالث الحالية بذرات زرعوها هم بل أكثر من ذلك هم الذين يغذونها بالفنيين وبالاسلحة.
والمعلوم أن ذلك كله يحصل بالتأييد الشعبي حتى لايتصور الناس أننا نتكلم على النخبة السياسية التي قد تكون هي الوحيدة المقصودة. فكل الإبادات الجماعية في العالم الثالث هي ثمرة سياساتهم إما خلال الاستعمار أو بعد ما يسمى بالاستقلال الذي هو استعمار اذكى يطبق سياستهم بأيدي من استعملوه من أبناء البلد. وكل ذلك يقع لارضاء حاجات شعوبهم التي تفرض عليهم بآلية الديموقراطية المزعومة ترضيتهم على حساب الشعوب الاخرى ولو بابادتها ليستأثروا بثروات أرضها: وسنرى شيئا فشيئا كلما ازداد شح الثروات كما هي الحال الآن بالنسبة إلى الطاقة سنرى شعوب الغرب تطالب حكوماتها بغزو العالم الثالث للتغلب على الندرة المتزايدة.
فكيف يغفل المصلحون هذا ويتصورون الغرب يحيا بقيم شبيهة بقيم الاسلام؟ أيكون الاسلام قائلا بحصر مفعول القيم في الأهل أم هو يعتبرها كونية تعم كل الكائنات فضلا عن البشر ؟ أيكون المصلحون هم أنفسهم جاهلين بقيم الاسلام ؟ أم إنهم في الحقيقة يعالجون القضية بمنطق السياسي الواقعي والتخلي عن منطق القيم الاسلامية والعلمية لان همهم الوحيد هو استعادة حظٍ من السلطان يقاسمون به الأمراء الجدد سلطانهم الامراء الذين بدأ الغرب يزرعهم بدءا بمصر في ذلك الوقت: أليس محمد علي نفسه من الاوروبيين؟ ألا ينطبق عليه عندئذ الجمع بين سلوك المسلم الذي وجودوه في أوروبا والاسلام الذي وجدوه في دار الاسلام فيكون قد جمع الصفتين اللتين يبحث عن جمعهما المصلحون؟
لم يهتم المصلحون بكون الارغام أو الوازع الخارجي هو عين الداء الذي تعاني منه البشرية في العالم كله سواء تعين ذلك خارج بلدان أصحابه أو فيها. إنه داء كوني لذلك فعلاجه لا يمكن أن يكون إلا كونيا: لذلك كانت الرسالة الخاتمة خاتمة وكونية. فهي خاتمة لتختم كل سلطان روحي أو زماني فوق الجماعة. وهي كونية لتحرر الانسانية بالتعارف من هذا الازدواج الذي يجعل القيم خاضعة لحدود التقاليد الخاصة بشعب دون شعب. إنه داء كوني لا يتميز شكله عندنا عن شكله عندهم إلا بكونه متوجها إلى الداخل لعجزه عن التوجه إلى الخارج.
فهل نريد للاسلام أن يصبح تقاليد شعب أو جماعة شعوب أم هو رسالة كونية؟ لكن مفكري الاصلاح الذين يتصورون الدين هذا التصور لا بد أن يكونوا منطلقين من موقف فقهي يجد الحل في الوازع الخارجي والتقليد المزدوج (للصدر وللغرب) من أجل تحقيق التحالف بين العلماء والامراء منطلقا للاصلاح المزعوم في دار الإسلام(5). وها نحن نرى كيف كانت الغاية. فقد تعملق الوازع الخارجي للاسلام الرسمي وتقزم الاعتناق الذاتي للاسلام الصادق(6) فبات المسلمون عديمي الحياة الروحية التي حصرت في مظاهرها. وأكبر العلامات فقدان القدرة على الابداع في كل المجالات مادية كانت أو روحية: وذلك ما كان علينا بيانه لسبر أغوار فكر الاصلاحييينC.Q.F.D.
الهوامش:
1) والغريب أن هذه المطابقة هي عين ما يقول به هيجل. فهو يعتبر الدين الاسلامي دين العقل الميتافزيقي المجرد الذي يصحر الوجود حاصرا كل الاسلام في آراء احدى فرقه أي الجهمية وغايتها الباطنية كما هو بين من عرضه لتاريخ الفلسفة الاسلامية التي لا يعتبر ممثلا لها إلا هذا النوع من الكلام لانه يعود بها إلى الواحد الشرقي المجرد. ولما كنت لا أتصور أحدا من أوائل المصلحين قرأ هيجل أو فهمه حتى لو تصورناه قرأه فإن الفرضية المعقولة الوحيدة هي نسبة التطابق إلى أن المصلحين كانوا ميالين إلى الحل الاعتزالي الجهمي وغايته الباطنية التي تعتبر الدين مجرد ايديولوجيا سياسية لسوق الجماهير سوق معبد البعير !
2) انظر ابن خلدون المقدمة دار الكتاب اللبناني بيروت ط.3 في 1967. صز 222.
3))انظر ابن خلدون المقدمة, ص. 1042-1043
4) من عجائب الدهر أنك تسمع البعض يقيس تلاعب بعض المستعمربن بهم في مناوراته مع منافسيه من المستعمرين على بلادهم يقيسون ذلك بهجرة الرسول وأصحابه. شتان بين الثرى والثريا. فالهجرة كانت في توجهها إلى الخارج حملة اعلامية وفي توجهها إلى المدينة تأسيس دولة الاسلام. هذا فضلا عن كون القصة نفسها تبدو غير قابلة للتصديق على الاقل بالشكل الذي تقص به. فليت شعري كيف يكون النجاشي قادرا على فهم الآيات التي قرئت عليه في مريم ولا تجد اليوم من حكام العرب من هو قادر على فهم الخطيب الذي تكلم في حضرته إلى الحد الموصوف في القصة فضلا عن تذوق فصاحته والاستمتاع بها ؟ أما اللجوء السياسي المزعوم فهو قبول اختياري لدور الدمية في مخططات المستعمر من أجل طموح سياسي وهو في أفضل الحالات عند من يمكن تنزيههم عن العمالة بحث عن راحة شخصية لاغير. فلا أتصور فرنسا تقبل بالعروة الوثقى لو لم تكن تؤدي وظيفة في تنافسها مع انجلترا على مصر وباقي الوطن العربي. والامر الآن لم يعد محتاجا للتدليل: يكفي السماع لتلفزة المستقبل في لندن. وهي ليست شاذة إلا بكون أصحابها بلغت بهم الوقاحة إلى حد عدم اخفاء طبيعة دورهم في العمالة للداخل والخارج على حد سواء.
5) لذلك فليس بالصدفة أن تكون كل الحركات الاسلامية ذات تنظيم عسكري وفاشي وأن يكون كل ما وصل منها إلى الحكم وصل إليه بالعنف وبالانقلاب العسكري. وذلك بين في حالتي الشيعة والسنة ولا حاجة لمزيد التوضيح.
6) قد يفهم المتعجل أن ذلك دعوة للتصوف. ولن يقول ذلك إلا من لم يفهم أهمية نفي السلطان الروحي والاستغناء عن خرق العادات للدلالة على صدق الرسالة وختم الوحي حتى لا يزعم أحد أن له علما لدنيا غير العلم الممكن لكل البشر. لذلك فكل من يتصورنا نرى الحل في المهرب الصوفي يحهل حقيقة التصوف وتاريخه على الأقل عندنا. فتاريخيا ليس التصوف عندنا بأقل ارغاما خارجيا من الفقه. الفرق الوحيد أن الفقه يستعمل الوسائل المادية للارغام والتصوف يستعمل الوسائل الرمزية لارغام اعتى. كل التخريف الصوفي حول الكرامات والوساطة ليس إلا وسيلة رمزية لافقاد الامة عقلها وتحويلها إلى دمى تساق من الخارج من قبل أصحاب الكرامات والخوارق والوسطاء. لذلك فضرر سلطان الفقهاء هين بالقياس إلى ضرر سلطان المتصوفة. إنهم جوهر السلطان الروحي الذي أفسد الاسلام وأعاده إلى ما جاء ثورة عليه. بل إن الفقهاء لم يركنوا إلى هذا النوع من الفساد إلا بسبب التنافس مع المتصوفة على سوق الجماعة بعد أن صيروها عامة. أما التصوف فطبيعته أنه بمجرد تجاوزها مرحلة مجاهدة التقوى والاستقامة (وهما درجات التدين الصادق) يتحول إلى ذروة النفاق الساعي إلى ادعاء علم مستحيل وتصرف في الاكوان اكثر استحالة (وهما درجتا التدين الكاذب أو التصوف المذموم) فيكون بين خليتين: إما غر مخادع لنفسه أو ابليس ماكر يخادع الناس. ولا يمكن أن يكون المتصوف جاهلا بامتناع هذا العلم الذي يدعيه. فهو إن لم يعلمه من نص القرآن فلا أقل من أن يكون قد علمه من محاولة تحقيق ثمراته: فأقصى ما وجدته في كتاباتهم هو –كما أثبت ذلك ابن خلدون بعد الغزالي الذي لسوء الحظ عاد فوقع في نفس الاخطاء- مبتذلات الفكر الفلسفي في الافلاطونية المحدثة وبعض ما نتج عنها وعن الفكر التنجيمي التي من جنس أسرار المصريين. من هنا نفهم أهمية نفي السلطان الروحي والاستغناء عن خرق العادات للدلالة على صدق الرسالة وختم الوحي حتى لا يزعم أحد أن له علما لدنيا غير العلم الممكن لكل البشر .

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s