ارهاصات ثورة المدرسة النقدية ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة – الفصل الرابع – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله


ارهاصات ثورة المدرسة النقدية

ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة

– الفصل الرابع –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 14-11- 1438/ 07-08-2017


فلنسلم جدلا-بما حاولت بيانه-أن انقلابة حصلت في الرؤية الوجودية والمعرفية استمدتها المدرسة النقدية من رؤية القرآن بديلا من الميتافيزيقا.
وهذا البديل يمكن أن يوصف مثل الميتافيزيقا بكونه علما رئيسا لكنه ليس ميتافيزيقا بل ميتاتاريخ وأفضل تسميته ميتاأخلاق لتعلقه بأفعال الإنسان.
لكن مكونات المنظومة التي تنتج عن هذا المابعد مختلفة ولم تقترب المنظومة الفلسفية من المنظومة التي اسستها مدرسة النقد إلا في الفلسفة الحديثة.
فالتاريخ لم يكن من مقومات منظومة العلوم التي يتألف منها العلم الرئيس بل كان يعتبر مستثنى منها رغم أن بعض ما أصبح من علوم الإنسان كان فيها.
لكنها كانت ثلاثتها (السياسة والأخلاق والاقتصاد المنزلي) تتأسس على الطبيعة وليس على التاريخ (بنية النفس أو بينة الأسرة) وهو ما قلبه ابن خلدون.
فهذه الموضوعات الثلاثة-السياسة والأخلاق والاقتصاد-يؤسسها ابن خلدون على صيرورة تاريخية هي أشكال انتظام العمران وليس على طبيعة ثابتة.
وطبعا قد يحتج الكثير باستعمال ابن خلدون مفهوم طبائع العمران والاجتماع ويستعمل النموذج الهيلومورفي فيظنون أن يحفظ معانيها الفلسفية القديمة.
لكنه في الحقيقة لا يؤمن بالضرورة الطبيعي بل بمجاري العادات ويعتبر التاريخية هي المحددة لعلاقة الطبيعية والثقافة أو علاقة الإنسان بالطبيعة.
وسأختم دراسة ثورة المدرسة النقدية بتحليل تغير العلم الرئيس لأني وضعت انطلاقا منه مفهوم المعادلة الوجودية التي يلتقي فيها الإسلام والحداثة.
وقصدي أن الفلسفة الحديثة تجاوزت القديمة في الاتجاه الذي حددته المدرسة النقدية ترجمة فلسفية لرؤية العلاقة بين فلسفة التاريخ وفلسفة الدين.
وهي العلاقة التي يعبر عنها شعبيا وفقهيا بالعلاقة بين الدنيا والدين أو بين الوجودين الشاهد وما بعده في ذاته وفي رؤاه البشرية المتعددة.
وقبل التقدم في التحليل فلأشرح علة تفضيلي “ميتاأخلاق” على ميتاتاريخ رغم وحدة المعنى. العلة هي أن ميتاأخلاق تشير الفرق النوعي مع ميتافيزيقا.
فـ”فيزيقا” في ميتافيزيقا تشير إلى الضرورة في فعل الطبيعة و”أخلاق” في ميتاأخلاق تشير إلى الحرية في لفعل الإنسان: والتاريخ هو علاقة المميز.
فيكون الانقلاب الذي حصل هو أن العلم الرئيس أو الرؤية الجامعة لمنظومة العلوم أو المعارف الإنسانية قلب رؤية العلاقة بين الضرورة والحرية.
ومعنى ذلك أن المحدد ليس فعل الضرورة في الحرية فيكون الإنسان منفعلا بل فعل الحرية في الضرورة لكون الإنسان مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها
وهذه هي الرؤية القرآنية العميقة التي مكنت بعد فهمها من قلب العلاقة: فالطبيعة لم تبق طبيعية بل صارت خاضعة لرؤية إنسانية بمقتضى علاقته بها.
وعلاقته بها هي رؤية التسخير ورؤية ارتباطه بالعمل على علم: فالطبيعة هي بدورها تاريخية خلقت لغاية وذات قوانين رياضية تمكن من السلطان عليها.
وبصورة أدق من السلطان على ما يستجيب لحاجاته مع حرز عدم الفساد في الأرض أي إن ما للإنسان من قدرات يمكن أن تتجاوز التعمير إلى التدمير.
ولهذه العلة ربط الاستعمار في الأرض بالاستخلاف فيها أي بشرائع تحول دونه وتوهم الربوبية فلا يتعامل مع الطبيعة وكأنها خالقها ومسخرها دون حد.
فلأذكر بالمعادلة الوجودية: القطب الأول الله القطب الثاني الخليفة أو الإنسان. بين القطبين وسطيان الطبيعة والتاريخ وفي قلب المعادلة التواصل.
والتواصل الذي في القلب أبين بين القطب الأول والطبيعة على يمينه والتاريخ والقطب الثاني على يساره يجري في الاتجاهين وعلى مستويين مختلفين.
فأما الاتجاهان فهو من القطب الأول إلى القطب الثاني والعكس من القطب الثاني إلى القطب الاول. وأما المستويان فهما بالوسيطين أو من دونهما.
ومن دونهما عبادة بسيطة وهو الفروض الخمسة في الإسلام مثلا وبهما عبادة مركبة لأنها تحقق مقومي الوجود الإنساني: تعمير الأرض والاستخلاف.
والعبادة البسيطة يكفيها علم وعمل بسيطان يمكن أن ينجزهما الفرد كفرد لكن العبادة المركبة تحتاج لعلم وعمل معقدين لا تنجزهما إلا الجماعة المنظمة.
وهذا هو البعد السياسي من الوجود الإنساني أو حاجة الإنسان للدولة: الدولة بهذا المعنى من أركان العبادة لأنها شرط عبادة اساسها علم وعمل معقدان.
وهذه العبادة الثانية هي موضوع التكليف الذي يعير به تحقيق الإنسان لمقومي وجوده (مستعمر في الأرض وخليفة) أما الأولى فهي واجب العرفان للخالق.
والعلاقة بين العبادتين بينة. فالفروض التي تحقق الاعتراف بالجميل للخالق (العبادة البسيطة) لها بعد فاعل في العبادة المعقدة ومنفعل بها.
فهي فاعلية بتعليها الخلقي ومنفعلة بمؤثراتها الاجتماعية من خلال تفضيل شكلها الجماعي على شكلها الفردي ودورها بعضها في تضامن الجماعة المادي.
والعبادة البسيطة مشروطة بالعبادة المعقدة لأنها لا تكون من دون تحقيق الإنسان لمقومي وجوده: فمن دون تعمير الأرض والاستخلاف تنتفي شروطها.
ذلك أن الفروض الخمسة أربعة منها مشروطة بمستوى معين من سد الحاجات الأولية لما لها من كلفة اقتصادية (النظافة والصحة والزكاة وكلفة الحج).
والفرض الخامس أي الشهادة هي شرط الدخول في الإسلام الذي لا يتحقق بها وحدها بل لا بد من الأربعة الأخرى وتحقيق مقومي الوجود الإنساني.
وهكذا نصل إلى معضلة المعضلات وأهم شيء لم يفهمه هيجل كما تأكدت منه خلال ترجمة دروسه في فلسفة الدين وكلامه على العلاقة بين الإسلام والمسيحية.
فقد تأكد لدي أن كل فلسفة الدين الهيجلية تقبل الرد إلى ما دحضته الآية 79 من آل عمران حول تأليه المسيح عليه السلام والحاجة إلى الوساطتين.
ولأكن واضحا: أليس إلغاء الإسلام للكنسية وللحق الإلهي في الحكم-الديموقراطية الروحية والديموقراطية السياسية-علتي ما يعاني منه الإسلام؟
كيف يكون كل فرد ذاتا دينية وذاتا سياسية مباشرة ودون وسيط بينه وبين الشأن الديني والشأن السياسي؟
ألا ينفي ذلك سر الاستقرار الروحي والسياسي؟
نتيجة يردها هيجل إلى ما يسميه عبادة المجرد ورفض التعين في روحانية الإسلام الحائلة دون الاستقرار الروحي والسياسي بسبب التعصب للمجرد.
وبهذين النزعتين الديموقراطيتين في المجال الروحي وفي المجال السياسي أي نفي الوساطة فيهما يفسر عدم الاستقرار والعنف الديني والسياسي.
فالمساواة المطلقة في الديني والدنيوي(السياسي)واعتبارهما متداخلين دون تعيين لمن يتولاهما بصفات مميزة يجعل الصراع والغلبة هو المنطق الوحيد.
وطبعا سيسارع الكثير-وهم على خطأ-لبيان صحة هذه النظرة بما يراه في العالم وبما يراه خاصة بمجرد المقابلة بين الدولة الشيعية والدول السنية.
ذلك أن التمثيل السياسي والوساطة الدينية يبدوان أكثر استقرارا وأفضل تنظيما تماما كما يبدو الاستبداد أفضل من الحريتين الفكرية والسياسية.
لكن الديموقراطية الروحية (لا وساطة في الدين) والديموقراطية السياسية (المواطنون هم أصل السلطة) هما الحل الإسلامي وهما مستقبل تنظيم الأحرار.
فالقرآن يعرف المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران 104) وتحقيقهما شرطا في الانتساب للخيرية (آل عمران 110): وهما روحيان وسياسيان.
فروحيا الإنسان يأتي ربه فردا. وسياسيا مسؤولية إدارة الشأن العام “أمرهم شورى بينهم” تعني أن الفرد الذي يتخلى عن واجبه فيها مقصر دينيا.
وعهد الراشدين يوصف بالرشد لهذين العلتين: المؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر روحيا وسياسيا. والحاكم نائب بحضور المنوبين وليس بغيابهم.
لا يكفي أنهم ينوبونه بحرية بل هم يراقبون دائما بمقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن هذين الفعلين هما جوهر تحقيق مقومي وجود الإنسان.
فبالسياسي يشارك في تعمير الارض علما وعملا وسلطانا وبالروحي يشارك في الاستخلاف علما وعملا وسلطانا. وذلك كله أهمله فقهاء الانحطاط وحكامه.
ولا يعني عدم القول بالوساطة الروحية وبالحق الإلهي في الحكم أو بحق القوة فيه أن التصور الإسلامي وخاصة في فهمه السني لا يحقق الاستقرار والأمن.
فما حققه الإسلام في بديل الوساطة يشبه ما حققته التربية التي انتقلت من المعلم الوسيط الذي يلقن المتعلم إلى المعلم محرر المتعلم من التلقين.
ومعنى ذلك أن الكنسية انتهت في الإسلام دون أن يغني ذلك عن المعلمين الذين يعلمون المتعلم الاستغناء عن وساطتهم فتكون علاقته بالله غنية عنهم.
والاستغناء عن الحق الإلهي في الحكم (كما عند الشيعة وعند الكاثوليك) لا يلغي وجود الحاكم النائب الخاضع لتعاقد مع الجماعة ومراقبة دائمة منها.
هيجل يؤمن بالطبقية ويؤمن بما يشبه الحق الإلهي في الحكم لأن الأمير الحاكم عنده هو صاحب السيادة حتى وإن قال بالدستور في نظريته السياسية.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s