ارهاصات ثورة المدرسة النقدية ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة – الفصل الثالث – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله


ارهاصات ثورة المدرسة النقدية

ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 09-11- 1438/ 02-08-2017


أجملت الكلام على المدرسة النقدية الفلسفية-الغزالي وابن تيمية وابن خلدون-وتكلمت على الأولين وعلى
فلسفة النظر وآن أوان الكلام على فلسفة العمل.
كان الغزالي ممثلا للفلسفة للنقد الفلسفي عامة فتحا لمنفذ يوسع آفاق العقل والروح ويتجاوز المقابلات السطحية بينهما وبدرسنا فلسفة النظر التيمية.
والآن نتكلم على ما أصبح ممكنا في فلسفة العمل والتجاوز الصريح للعلوم الزائفة في النظر والعمل والشروع في تأسيس العلوم الإنسانية بخطى ثابتة.
وبخلاف اسلوب ابن تيمية فكر ابن خلدون نسقي رغم كونه لا يخلو من ومضات لا تقل عبقرية عن ومضات ابن تيمية: ولهذه العلة فعرضه إضافته أيسر بكثير.
وحتى لا نقع في خطأ كبير فالأمر لا يتعلق بما يعرض عادة بحثا عن كونت وماركس في فكره. فما نطلبه أعمق غورا وابعد دورا في تجاوز القديم والوسيط.
كونت ومارس أتيا بعد ثورات تحققت في الغرب دينية وفلسفية وعلمية وسياسية واجتماعية ومن ثم فموضوعات فكرهما تحققت قبله والسعي إليها ليس طفرة.
وكم أتمنى لو توفرت دراسات عينية للوقائع الدينية والفلسفية والعلمية والسياسية والاجتماعية موضوع فكر المدرسة النقدية لتساعدنا على وصله بها.
فما تصورناه طفريا لعله ليس كذلك ولعل ما تقدم على ثالوث المدرسة النقدية وما عاصرهم كان متضمنا لإرهاصات جعلت اعتبارهم لها منطلقا لفكرهم.
والأمر الوحيد الذي أنا واثق منه هو أن تعثر الحضارة الإسلامية والصراع بين الفكرين الفلسفي والديني المعاصرين لهم كان لهما دور الدافع الرئيس.
فالفكر لا يبدع عن عدم بل إن إشكالات حقيقية تدفعه للعلاج الباحث عن حلول فيكون إبداعه استجابة لتحد لا يقتصر على الجدل والصراع الكلامي.
وابن خلدون ينطلق من قضية ابستمولوجية: طبيعة الظاهرة التاريخية وطبيعة علمها أو بلغة المقابلة مع فلسفة عصره لماذا استثني التاريخ منها؟
فلنورد نصه من فاتحة المقدمة: “أما بعد فإن فن التاريخ….1-إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق في القرون الأول تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال (..) 2-وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك اصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق”.
تكفي المقابلة بين “في ظاهره” و “في باطنه”. ثم المقابلة بين “أصيل في الحكمة عريق” و “جدير بأن يعد في علومها وخليق”. المقابلتان مفيدتان لغرضنا.
ولأبدأ بالمقابلة الثانية التي تبدو محتوية على تناقض: كيف يكون التاريخ أصيلا في الحكمة وعريق ويحتاج إلى التنويه إلى جدارة هو محروم منها؟
في الحقيقة التنويه يعني أن من تقدم عليه لم ير أنه أصيل في الحكمة وعريق لعدم اعتباره جديرا بأن يعد من علومها وخليق. إشارة ذكية لمنزلته قبله.
وهو انقلاب أول وتغير جذري أعطي للتاريخ منزلة ابستمولوجية لا تعترف بها الفلسفة قبل ابن خلدون فأرسطو ينفي قابلية التاريخ للعلم لعرضية أحداثه.
وعندما نعلم العلم نصل إلى الانقلاب الثوري الثاني الذي لا بد من حصوله ليصبح للتاريخ هذه المنزلة: ويتعلق بما لأجله ينفي ارسطو علمية التاريخ.
فالعلم في ابستمولوجيا الفلسفة القديمة والوسيطة علم للكلي والضروري وموضوع التاريخ الجزئي والعرضي: وقابليتهما للعلم تقتضي تغيير طبيعة موضوعه.
لا بد أن يكون موضوع العلم لا تاريخي لأنه كلي وضروري كما في علوم الطبيعة عامة أو في الرياضيات والمنطق: النتيجة علوم الإنسان غير ممكنة فلسفيا.
فأقصى ما يمكن فعله في دراسة الموضوعات الثلاثة التي تعتبر بدايات علوم الإنسان أي السياسة والأخلاق والاقتصاد المنزلي هو التدبير العملي.
لكن ابن خلدون دون أن يكون جاهلا بذلك-من هنا التنويه الذي يشبه اللوم-يتجاوزه ويدعي أن التاريخ أصيل في الحكمة وجدير بأن يعد من علومها وخليق.
كيف فعل ليحقق ذلك؟
الجواب هو موضوع هذا الفصل في محاولة فهم ثورة المدرسة النقدية الفلسفية العربية كما أثبتنا في ضميمة المثالية الألمانية.
وللجواب لا بد من المرور للمقابلة الأولى: بين ظاهر التاريخ وباطنه:
1-فن أدبي للأسمار حول الايام (أيام العرب مثلا).
2-علم فلسفي يعلل الوقائع.
وبها بدأ ابن خلدون فاتحة مقدمته بمعنى أنه لم يداور بل مر مباشرة لتحديد طبيعة ثورته: من منزلة فن أدبي للأسمار إلى منزلة علم لتفسير للوقائع.
ولأنها ثورة اضطر للقيام بأمر تحرمه الإبستيمولوجيا القديمة: العلم الجزئي لا يؤسس نفسه بل يتسلم مبادئه من علم أعلى إلى الغاية في العلم الرئيس.
والعلم الرئيس أو الميتافيزيقا هو الذي يؤسس العلوم يؤسس نفسه ويؤسس كل منظومة العلوم بما يشبه التصنيف والترتيب التأسيسي على انطولوجيا عامة.
ابن خلدون يتحلل من ذلك فيؤسس علمه الجديد ما يعني أمرين: أنه خارج الفلسفة التي تستثنيه وأنه بتأسيس ذاته وما يتفرع عنه بديل من علمها الرئيس.
تلك هي الثورة التي أنسبها إلى ابن خلدون. وبسبب هذا الخروج عما تمكن منه فلسفة عصره اضطررت للبحث عن شروط إمكانها خارج إطار الفلسفة السارية.
فكان علي أن أبحث عنها في مصادر ليست يونانية وليست فلسفية بالمعنى التقليدي: وليس عندي إلّا حل ذي مرحلتين:
1-نقد فلسفي للفلسفة
2-برؤية قرآنية
ففي القرآن الكريم منزلة التاريخ متقدمة على منزلة الطبيعة بل إن الطبيعة نفسها ظاهرة تاريخية لأنها مخلوقة ومتغيرة وخاصة في علاقتها بالإنسان.
ولم يصبح للتاريخ منزلة وجودية ولمعرفته منزلة ابستمولوجية حتى في الغرب إلا بفضل فلسفة الدين أو فلسفة التاريخ الإنساني بأبعادها الدينية.
لم يول للتاريخ منزلة فلسفية وجوديا (وقائعه) ومعرفيا (علومه)إلا هيجل. فقد كان يعتبره جنيس اليوم الآخر وقولا في العدل الإلهي لنفيه يوم الدين.
وابن خلدون قبله بأربع قرون جعله للتاريخ العلم الرئيس فصار ما بعد التاريخ بديلا مما بعد الطبيعة ولم يجعله حكما نهائيا بديلا من يوم الدين.
والفضل لما افترضته شرطين: نقد فلسفي للفلسفة منطلق من رؤية قرآنية لفهم الوجود كله طبيعية وإنسانيه. وهذا أعمق وابعد غورا من كونت وماركس.
فبات فهم ثورة ابن خلدون مشروطا بنقد عام للفلسفة-نفي السببية دون نفي العلم-عند الغزالي ونقد معرفي عند ابن تيمية: أفعال الإنسان قابلة للعلم.
فعلم الطبيعة غير مشروط بالسببية وهو يشمل الحرية أو الفعل الإنساني شموله للضرورة أو الفعل الطبيعي. علاقة الحرية بالضرورة شرط خلقي لا علمي.
العلم يكفيه انتظام التجربة أو مجاري العادات وهي احصائية وليست مطلقة وما يقتضيه علم الطبيعة من انتظام موجود في التاريخ: الفرق كمي لا كيفي.
نقد الغزالي لمفهوم السببية كان موضوع أول عمل فلسفي قدمته في السوربون لنيل ما يناظر الماجيستر في النظام الحالي وقد ظنه البعض بي ايتش دي.
وهو نقد يخلص العقائد من إشكالية أفعال العباد (حول الحرية والجبرية) وهو يعالج قضية فلسفية جوهرية من دونها لا تفهم فلسفة هيوم وكنط النقدية.
ومثلما أني لست معنيا بالبحث عن كونت وماركس في ابن خلدون فلست معنيا كذلك بالبحث في هيوم وكنط في الغزالي: لست أبحث عن سبق العرب للغرب. آخر هم.
ما يعنيني هو ما الجسر الواصل بين نقد الغزالي للفلسفة التي ألغى شرط شروطها (السببية) والتأسيس الخلدوني للعلوم الإنساني: فنقد الغزالي لا تكفي.
في خلال البحث اكتشفت ابن تيمية. لم أكن أسمع عنه إلا أحكام نخب الحداثة الكاريكاتورية ولما كانت أسوأ من أحكامهم على الغزالي شرعت في قراءته.
فكانت دهشتي التي حاولت وصفها في الفصل السابق. فهو قد أنهى “قرآن” الفلسفة أعني التحليلات الثواني”. فالغزالي نكص إليه وطبقه حتى في المستصفى.
لما أتممت قراءة ما يعنيني من ابن تيمية تنفست الصعداء: وجدت ضالتي وسددت الثغرة في الرسالة وهي من النظام القديم أي د. الدولة ذات الجزئين.
ليست مثل البي أيتش دي. فهذه شهادة في بداية البحث وتنجز في الصغر ودكتورا الدولة شهادة غاية البحث وتنجز في الكبر وجزءاها رئيس وتكميلي.
والرئيس كان منزلة الكلي في الفلسفة والتكميلي كان إصلاح العقل. وكلاهما طبع عدة مرات وكلاهما مجلد كبير. وقد تطلبا عشر سنوات من العمل المضني.
ذلك أن الشيخ جوجل لم يكن من المساعدين في جيلي. وأعسر شيء في عصرنا كان تحصيل المصادر والمراجع وقراءتها ونقدها منطلقا للبحث فيما يظن جديدا.
وتلك أضافه الغزالي وابن تيمية وابن خلدون للفكر الفلسفي ليس العربي ولا الإسلامي فحسب بل للإنسانية: بداية جديدة في الفكرين الفلسفي والديني.
وما كان ذلك يكون ممكنا لولا تخصيص سبع سنوات بين 1972و1979 لدراسة فلسفة ارسطو ومنطقه لإعداد رسالة الحلقة الثالثة في منزلة الرياضيات في علمه.
فمن دون نظرية أرسطو في العلم ومنطقه وطبعا ردوده على أفلاطون لا يمكن فهم شيء من الفلسفة العربية لأنها مع شيء من الأفلاطونية مشائية بالجوهر.
ولا يمكن فهم نقود ابن تيمية المنطقية والميتافيزيقة من دون فهم نظرية المطابقة والعقل المرآة والهيلومورفية وخاصة منزلة الكلي في فلسفة أرسطو.
أعطانا ابن خلدون مثالا من فرغ فلسفة السياسة في علمه. فهو يعتبر الطريقتين السائدتين غير صالحتين: طريقة الفلاسفة اليتوبية والفقهاء الشرعية.
وسمى طريقته التي هي ليست يتوبية مثل المدن الفاضلة ولا شرعية مثل الأحكام السلطانية بل هي درس السياسي من حيث طبيعته في علم العمران البشري.
يتكلم على طبيعة السياسي في علم العمران البشري والاجتماع الإنساني لكنه يرفض تأسيسه مثل أفلاطون وأرسطو على ظاهرة طبيعية: النفس أو المنزل.
يؤسسه على ظاهرة تاريخية: الانتظام الجمعي لسد الحاجات المعيشية (الاقتصاد) والتعايشية (سلطة تنظيم التعاون والتنافس عليها) داخليا وخارجيا.
لم تعد النفس (أفلاطون: القوى الثلاث العقل والغضب والشهوة) ولا الأسرة (الأب والأبناء والزوجة والعبيد) هي النموذج بل نظام العيش والتعايش.
والنقلة من الفلسفة العملية السابقة إلى علم العمران البشري والاجتماع الإنساني هو الذي يترجم النقلة من الطبيعي وما بعده إلى التاريخي وما بعده.
والنقلة من الطبيعة وما بعدها إلى التاريخ وما بعده أساس الثورة الفلسفية التي أنسبها إلى الغزالي وابن تيمية وابن خلدون هي بحق بداية الحداثة.
وقصدي ببداية الحداثة اعتبار كل شيء في حياة البشر تاريخي بما في ذلك ما في الإنسان وحوله من طبيعي. كلاهما في صيرورة وتفاعل دايمين لا يتوقفان.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s