فكر ابن تيمية في عشر مسائل – الفصل السادس – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
تأصيل الدولة ووظائفها في الاسلام

– الفصل الثاني –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 08-12- 1438/ 30-08-2017


السؤال التاسع:
كيف حل ابن تيمية أزمة الأداتين؟
1-ما بعد التاريخ
2-وما بعد المنطق
تدرجنا صعدا من الأيسر إلى الأعسر. وها نحن قد وصلنا إلى مباحث قد لا يستطيع متابعتها إلا الصبور الذي يجمع بين تكوين فلسفي متين يمكن من تاريخ الفكر وفنيات العلاج الفلسفيين وما لهما من صلة بالممارسات الفكرية الأخرى التي تتبادل معهما التأثير والتأثر. لذلك فالحاجة ماسة إلى شيء من التذكير بالأساسيات التي تساعد القارئ بما لا ننشغل به عادة في التلاخيص. فقد وضع ابن تيمية حلا عسير الفهم والتطبيق للخروج من المآزق الكلامية التي نتجت عن مبدأي علم الكلام:
1-قياس الشاهد على الغائب لمعرفة ما وراء الشاهد دون تمييز بين ما يقبل الشهادة (الغائب) وما لا يقبلها (الغيب).
2-ومعيار التأويل لرد ما لا يتفق فيه الوحي مع العقل بمعنى ما يحصل عليه من معرفة بالمبدأ الأول الخالي من التمييز المشار إليه.
وهذا الحل هو ما نريد بيان عسره الذي كان مناسبة لفتح أفق جديد ليس للفكر الإسلامي وحده بل للفكر الإنساني كله. وعلة العسر لعلها تتمثل خاصة في أن ابن تيمية يبدو عند أخذ فكره بفهم أولي وكأنه يقر المبدئين الكلامين ويبحث في شروط استعمالهما السوي وليس في كيفية تحرير الفكر منهما انطلاقا من اعتقاده باستحالة المعرفة الكلامية والميتافيزيقية التي لو كانت ممكنة لأغنت عن الوحي.
لكن تعميق البحث في مسعاه يبين أنه في الحقيقة قد تمكن من تعيين المأزق الذي لا يمكن علاجه فضلا عن الخروج منه وتجاوزه كلاميا ما يعد لثورة قد لا يكون مدركا لها بصورة تامة الوضوح لكنه بمجرد تحديده لشرط الموقف البديل من الموقف الذي يرد المنقول للمعقول في حالة عدم التطابق: نفي التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول, مع نفي مبدأي الكلام كله المشار إليهما.
ولا ننفي أن هذه العبارة السحرية التي يستعملها ابن تيمية يمكن أن تقرأ قراءة تقليدية فلا تغير شيئا بخصوص أساسي أطروحات علم الكلام فيكون معناها: إذا صححنا الأخبار ومحصنا الحقائق العقلية، فإننا لن نجد تناقضا بين النقل والعقل. لكن عندئذ يكون ابن تيمية مواصلا الاندراج في الموقف الكلامي الفلسفي وإن طلب مزيدا من التمحيص لا غير: ويكون قصاراه في ذلك أنه قد وقف الموقف الرشدي من الكلام وليس من الإشكالية التأويلية. كذلك قرئت حلوله فظن متكلما أبرع من غيره لكنه يبقى متكلما. تلك أماني بعض المتكلمين الجدد من ذوي الثقافة الفلسفية الصحفية رغم عنترياتهم السخيفة والعناوين الرنانة تضحك حتى المبتدئين في الفكر الفلسفي وخاصة وأغلبهم من ذوي التكوين التقليدي الذي لا يتجاوز ثقافة معلمي الكُتَّاب أي مدارس تحفيظ القرآن الكريم للأطفال.
وهذه القراءة لو قبلت لكان معناها أن ابن تيمية لا يطالب إلى بالتأكد من صحة النقل وصراحة العقل ليوافق على المطابقة بين العقل والنقل. فيكون من ثم قائلا مثل المتكلمين بأن العقل هو الحكم النهائي في دلالات الوحي: وهذا وحده كان يمكن أن يكون كافيا للشك في هذا الفهم لو كان منتحلوه ذوي فطنة. فعندئذ يكون الأمر وكأنه لا فرق بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين: أي أنه لا يقول بتعالي بعض ما في النقل على ما في العقل. فلكأنه يسلم بأن الوحي يقاس بالعقل بمجرد أن نكون قد صححنا الأول وصرحنا الثاني. وقد انخدعت أنا نفسي بهذا الفهم الأولي لولا ثورة ابن خلدون رحمه الله وما لها من صلة بأحد عنصري معيار ابن تيمية في الظاهر وبهما معا في الباطن.
فبعد فهم الشروط التي وضعها ابن خلدون لمفهوم تصحيح المنقول عند تطبيقها على شروط تصريح المعقول وبيانه علل امتناع الميتافيزيقا أي المعرفة العقلية المتجاوزة للتجربة الحاصلة أو ممكنة الحصول أصبح بالوسع الولوج إلى فكر ابن تيمية ولمح عناصر ثورته الفكرية المكملة لثورة ابن خلدون وإذ هي متقدمة عليها فهي إذن شارطة لها ليس بعلاقة بين المفكرين بل بتغير في مناخ الفكر العام الذي كان من ثمراته ثورتاهما.
ومعنى ذلك أن ترميم المدارس الأربعة في القرنين السادس والسابع وما تعرضت إليه من نقد هو الذي مكن الفكر الإسلامي عامة وذروته العربية خاصة من تحقيق هذا الانقلاب الثوري في الفكرين النظري والعملي.
ولا بد هنا من تذكير سريع بهذا المناخ الفكري الذي وصفناه بمفهوم الترميم وعالجنا مقدماته ونتائجه بصورة معمقة في الجزء الأول من رسالتنا الذي نشر بعنوان تجليات الفلسفة العربية. فالمقصود هو إعادة بناء صرح الفلسفة والكلام والفقه والتصوف مباشرة بعد الزلزال الذي ضربها جميعا بسبب ثورة الغزالي ترميما مثله في الكلام والفقه كما هو معلوم الرازي ومثله في الكلام والتصوف ابن عربي ومثله في الفلسفة والكلام ابن رشد ومثله في الفلسفة والتصوف السهروردي المقتول: كل ذلك في القرن السادس القرن الذي يمكن ان نسميه قرن بناء المدرسية الإسلامية في هذا المجالات من منطلق ما بينها من صلات هي التي أشرنا إليها عند ممثليها.
فهؤلاء المفكرون الكبار كلهم يردون على زلزال الغزالي مباشرة أو بصورة غير مباشرة: سعيا لترميم الفلسفة والكلام والفقه والتصوف وأصلها جميعا أعني العلاقة المتبادلة بين النص المؤسس والوجود. فمحاولة الترميم الفلسفي الكلامي النقدي للتجربة الإسلامية التي نقدها الغزالي فيها عودة إلى أرسطو (ابن رشد وابن عربي) وإلى أفلاطون (السهروردي والرازي). وهو ما يسر العلاقة المباشرة بين الاستئناف النقدي الجذري ممثلا بابن تيمية في النظر خاصة (تجاوز ميتافيزيقا ارسطو) وفي العمل ممثلا بابن خلدون خاصة (تجاوز ميتاتاريخ أفلاطون) العلاقة المباشرة مع المصدرين الأفلاطوني والأرسطي: وتلك هي علة تسمية الجزء الثاني من رسالتي بالإشارة إلى هذه الأسماء الأربعة: أرسطو وأفلاطون مصدرين وابن تيمية وابن خلدون تجاوزين للمصدرين بثورة نظرية وثورة عملية كانت موضوع الرسالة في مسألة الكليات العقلية.
وطبعا لم يكن الترتيب المعكوس في المدرسة اليونانية بالقياس إليه في المدرسة العربية تحكميا أو حبا في السجع، بل هو بسبب كون العلاج في التجربة العربية كان بعكس ما كان عليه في المدرسة اليونانية: فهم أفلاطون عملي لأنه سقراطي حتى وإن اشتهر بالمثاليات وهم أرسطو نظري ما أسس لنقده لأفلاطون. وهذه العلاقة بين النظر والعمل من حيث الترتيب هي عينها العلاقة بينهما في الأزمة التي نعالجها رغم ترابط الحلين الأفلاطوني الأرسطي والحلين التيمي الخلدوني: فهَم الأول نظري لكونه يقدم العقدي على الشرعي وهم ابن خلدون العكس. فهو يعتبر الشرعي والسياسي مثل أفلاطون متقدمين في الفاعلية وحتى في تكوين الإنسان التربوي. لكن علاقة الترابط بينهما تبقى هي هي: عند الزوجين اليونانين والزوجين الإسلاميين لا يمكن تغيير أحدهما من دون تغيير الثاني التغيير المناسب له.
ومعنى ذلك أن ابن خلدون هو الذي فتح لي الطريق لفهم ابن تيمية. فعندما يتكلم المرء على صحيح المنقول يضع نفسه بوعي أو بغير وعي أمام مفارقة يعسر حلها: فالمنقول خبر عن حدث. والحدث قد يكون مما بقي له أثر موضوعي يمكن الاحتكام إليه للتأكد من صحة الخبر. لكن أغلب المنقول حتى عندما لا يكون متعلقا بالعالم الآخر لا يكون له أثر موضوعي يمكن الاحتكام إليه للتأكد من صحة الخبر. وفي الحالتين فإن مطابقة الخبر المنقول للحدث الحاصل سواء من حيث الوقوع أو من حيث المعنى يضعنا أما قضية يبدو حلها شبه مستحيل.
لكن ابن تيمية لم يعالجها وبقي ظاهر تعامله معها مقصورا في الأغلب على منهج المحدثين بالتجريح والتعديل مع معيار وضعه صراحة تلميذه ابن القيم هو معيار الاحتكام إلى القرآن قبولا وردا للأحاديث مبدأ تمحيص الحديث الذي رد إليه كل المبادئ وقدمه عليها. لكن هذا الاحتكام غير صالح في مشكله الثاني أعني مشكل صريح المعقول: فالقرآن في هذه الحالة لا يمكن أن يكون قاضيا ومتقاضيا في آن. لا يمكن لابن تيمية أن يعتبر صريح المعقول ما يطابق القرآن دون أن يتهم بالمصادرة على المطلوب لأن ذلك يعني أن المشكل محسوم من البداية ولم يعد مجال للبحث أصلا. مأزق ابن تيمية كان يعني أحد أمرين كلاهما ذي صلة بثورة ابن خلدون:
– إما افتراض الحل الخلدوني لمشكل صحيح المنقول حاصلا.
– أو انتظار حصوله لكي يصبح مشكل صحيح المنقول قابلا للحل.
ومعنى ذلك أن ابن تيمية ما كان بوسعه أن يقدم مفهوم “صحيح المنقول” بمعنى غير المعنى الذي يستعمل به في علم الحديث إلا في إحدى هاتين الحالتين: إما أن يكون حل ابن خلدون قد حصل أو أن يكون قد توقع حصول ما من جنسه. فيكون ابن تيمية وكأنه اشترط لمعياره وضع علم جديد هو ما حققه ابن خلدون. وتلك هي فرضيتنا. واساس الفرضية مضاعف ويتمثل في:
1- الحل الذي قدمه ابن تيمية للعنصر الثاني من مأزقه في علاج المسألة الكلامية التي رفض حلها الكلامي: صريح المعقول.
2-اضطرار ابن خلدون إلى ما هو من جنسه لعلاج مسألته التي هي شروط علم صحيح المنقول.
واستنتاجنا يعتمد المسار المنطقي التالي. وله فرعان:
1-فإذا كان ابن تيمية قد عالج مسألة صريح المعقول علاجا كان يمكن أن يستغني عنه لو كان فهمه لصحيح المنقول يعتمد معايير علم الحديث التقليدية. فإذن لا بد وأنه كان يفكر في معايير أخرى لصحيح المنقول تتأسس على فهمه الجديد لصريح المعقول الذي حقق فيه ثورة بينة المعالم وغنية عن الإثبات إلا لجاهل بأعماله.
2-وإذا كان ابن خلدون قد اضطر إلى ما هو من جنس حل ابن تيمية لصريح المعقول حتى يتمكن من وضع علم صحيح المنقول فمعنى ذلك أنه قد أدرك العلاقة التي ظلت خفية في عمل ابن تيمية: لا يمكن بناء علم صحيح المنقول من دون بناء علم صريح المعقول. وهذا كذلك بين ولا يحتاج إلى إثبات إلا لجاهل بأعماله: فهو أول من بين استحالة الميتافيزيقا واثبت تاريخية الفكر الفلسفي حتى يؤسس فلسفية التاريخ.
وهذا التلازم بين العلمين هو عينه التلازم بين الفلسفة النظرية والطبيعية والفلسفة العملية والسياسية فلسفيا وبين العقيدة والشريعة دينيا. تلك هي فرضية العمل التي تمكن من الوصل بين ثورة ابن تيمية في فلسفة النظر لحل المشكل الذي بين امتناع حله كلاميا وفلسفيا: معيار التأويل الكلامي والفلسفي علته فساد الفلسفة النظرية كلها وعدم فهم معنى “المعقول” ما هو. فهل المعقول مضموني على أساس وهم المعيار الذي يعرف العلم بكونه معرفة الأشياء على ما هي عليه؟ وماذا يلزم عن هذا الوهم؟ جعل العقل الإنساني معيار الوجود وهو ما سماه ابن خلدونه برد الوجود للإدراك وسماه ابن تيمية بجعل الإنسان مقياس كل شيء واصفا إياه بالسفسطة في النظريات والزندقة في العمليات.
وبهذه النتيجة نصل إلى المدخل الذي يوصلنا إلى غاية هذه المحاولة: الجواب عن السؤال العاشر والأخير في الحلقة الموالية: فيم يتمثل تجاوز الميتافيزيقا والميتاتاريخ القديمين؟ أي ما طبيعة الثورة التيمية الخلدونية التي جعلتنا نعتبرها تجاوزا للثورة الأرسطية الأفلاطونية وانتقالا من العصر الفلسفي القديم والوسيط الذي هو أرسطي أفلاطوني إلى الحصر الحديث وما بعده الذي هو تيمي خلدوني حتى وإن بدا للكثير ممن يحتقرون ذواتهم أن ذلك فيه الكثير من تمجيد الفكر الإسلامي: فمن الصعب على المعقدين فهم مثل هذه الحقيقة.
فكل الفكر الإنساني بعد هذين الرجلين صار فكرا أساسه ما بعد التاريخ والروح وليس ما بعد الطبيعة والعقل وصار مداره الفنون الخمسة التي مثلت بؤرة الإشكال والحلول في فكرنا الإسلامي: الفنين العلميين (الفقه والتصوف) والفنين النظريين (الكلام والفلسف) والفن المؤسس أي علاقة النص المؤسس بالوجود في الاتجاهين. وقد كتبنا في ذلك مقالا بالفرنسية بينا فيه هذه الحقيقة بالنسبة إلى من يعتبره الكثير مؤسس الفلسفة الحديثة قصدت ديكارت بعنوان: ما بعد طبيعة أو مابعد أخلاق؟ خلال ندوة نظمتها الجامعة التونسية سنة 2000 ونشرتها في كتيب بالتعاون مع معهد جوته في تونس: ?Métahphyssique ou Méta-éthique.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s