فكر ابن تيمية في عشر مسائل – الفصل الخامس – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
فكر ابن تيمية في عشر مسائل

الفصل الخامس

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 22-10- 1438/ 19-08-2017


السؤال الثامن
ما طبيعة أزمة فن الفنون:الصلة بين النص المؤسس والوجود؟
إن الطابع المعقد لهذا السؤال يقتضي أن نفرده بالجواب بخلاف ما فعلنا في المرحلة الرابعة من أجوبتنا: فهو سؤال مضاعف إذ هو يقتضي أن نفهم طبيعة النص المؤسس وطبيعة فهم ابن تيمية له وكيفية استعماله. وإذن فقبل أن نجيب عن السؤال فلنحدد القصد بالنص المؤسس عامة ومميزات النص المؤسس في حضارة الإسلام أعني القرآن الكريم بالقياس إلى النصوص الأخرى المؤسسة. فلكل حضارة قصة تنزل بها ذاتها في الوجود وتعلل مشروعية نظامها القيمي في الأذهان وفي الأعيان.
لذلك فأسطورة المقابلة بين حضارات لا يقيدها نص وحضارات يقيدها نص تحقيرا للثانية وتمجيدا للأولى من سخافات العلمانيين العرب والليبراليين وتوابعهم من القوميين العرب ومن توهماتهم الدالة على الجهل بالانثروبولوجيا عامة وانثروبولوجيا الأديان خاصة. فهذه الفكرة السخيفة التي يتغنى بها جماعة النعي على تعلق الأمة بمقدساتها ونصها المؤسس تدل على أنهم يجهلون أهم مبدأ يحدد المقصود بالمقومات التي تشترك فيها جميع الحضارات ومنها النص المؤسس بحيث إنهم متخلفون ليس على الانثروبولوجيا الحديثة فحسب بل حتى على إرهاصاتها عند ابن خلدون.
فالحضارات لا تقوم من دون مقومين مادي ورمزي المقومين اللذين يبدأ بهما ابن خلدونه مقدمته في بابها الأول المتعلق بالجغرافيا والمناخ والفنون الرمزية وأصناف التعبير عما يتعلق بوضع النص المؤسس تأريخا للأديان الطبيعية. فالأول طبيعي مضاعف هو المكان والزمان والثاني ثقافي مضاعف هو أنظمة اللحم الذهني للجماعة(النص المؤسس والتربية) وأنظمة اللحم العيني للجماعة (الاقتصاد والحكم).
فما من حضارة إلا ولها شيء ما يؤدي هذه الوظيفة التأسيسية سواء كان نصا مكتوبا أو مرويا في الحضارات التي لم تتجاوز المرحلة الشفوية, بإن النص المكتوب مهما بلغ من قوة الحضور لا يلغي الصيغة الشفوية التي تصل النصوص الراقية بترجمات شعبية يغلب عليها الخرافة أكثر من التأسيس الفعلي. والصراع بين الصيغتين من مقومات كل حضارة لأنه يمثل صراعا بين مستوييها الخاص بنخبتها العلمية والروحية والعام لبقية الشعب بسبب اختلاف مستويات الإدراك والتصور.
ولنأت إلى المميزات التي يختص بها القرآن ليس من حيث المضمون (لأن جميع النصوص المؤسسة تتضمن تقريبا نفس المضامين التي أشرنا إليها مع تفاوت النسب بينها بسبب مراحل تطور الوعي الديني كما يؤرخ لذلك القرآن الكريم في قصه للتجارب الدينية السابقة) بل من حيث الشكل وطبيعة العلاقة بالجماعة.
فمن حيث هذه العلاقة هو النص الأول الذي يلغي السلطة الروحية التي تتوسط بين النص والشعب ولم يبق منها إلا الوساطة المعرفية والتعليمية ويصحب ذلك ضرورة تعميم التعليم لمعرفة النص مباشرة من كل مؤمن معرفة لا تجعله بالضرورة مختصا فيه بل قادرا على التمييز بين منتحلي الاختصاص فيه. ومعنى ذلك أن الخاصية المميزة الأولى هي نفي طبقة لها وظيفة أداء الشعائر بديلا من الشعب والتوسط بينه وبين الخالق.
أما من حيث الشكل فهو إن صح التعبير أول محاولة لوضع ما أطلقنا عليه اسم علم الكلام التاريخي والنصي أساسا كليا لأصناف استعماله الخمسة:
1-في الحكم والشرائع المنظمة للجماعة والمفسرة للتاريخ الإنساني.
2-وفي التعليم ومجالاته الإنسانية والطبيعية: انفسكم والآفاق.
3-وفي الاقتصاد ومعاييره وقيمه وأخلاقه
4-وفي الثقافة وقيمها التي تسمو بالإنسان ذوقا وكرامة
5-وفي العلاقة بالمطلق أو هذه الخاصية الجوهرية التي اشرنا إليها, أعني جعل الجماعة متصلة مباشرة بالمطلق من خلال صلتها المباشرة بالنص. فلا يكون بينها وبين المطلق وسيط ذو سلطان روحي حتى وإن قُبلت الحاجة إلى الوسيط المعرفي كما في كل الاختصاصات التي تتطلب معرفة فنية لا يمكن أن يحصل عليها الجميع بنفس الدرجة من الحصول ومن ثم فلا بد من معلمين بالمعنى الفني للتعليم وليس بمعنى قيادة الضمائر كالحال في الكنسية. وكل ذلك بمنهج نقدي لظاهرتين يعالجهما القرآن الكريم هما ظاهرتان تفسدان هذه العلاقة أداة تلق (الفكر الإنساني: الجاهلية فقدانا للعلم وللحلم) ومضمونا متلقى ( النص المؤسس: زيادة أو نقصانا ماديا أو معنويا):
الجاهلية في الموقف من الوجود والآخرأي أخلاق التعامل بين البشر.
التحريف في الموقف من النص المؤسس وما يصدر عن الآخر والوجود.
والمنهج النقدي القرآني كما هو بين لكل منصف يريد حقا أن ينظر إلى النص كما هو دون قيسه على النصوص التي هي مضمون نقده بمعيار إصلاح التحريف استنادا إلى قاعدة التصديق والهمينة هذا المنهج يعتمد على العلاجين التاليين:
1-نقد تاريخي للتجارب الحضارية السابقة وبالخصوص وجهها الديني والخلقي من منطلق نقد الفكر ومواقفه التي تجعله لا يفهم لجهل أو لتجاهل: ولعل أفضل مثال هو سورة هود التي تعرض ست حالات منقودة يتوسط ثلاثتها الأولى (نوح وهود وصالح) وثلاثتها الثانية (لوط وشعيب وموسى) نموذج النقد التساؤلي الفلسفي الديني(إبراهيم) ومحققه الفعلي في التاريخ (محمد) فنعلم التجارب الحضارية الأساسية التي يمكن المنهج الإبراهيمي (نظريا) والمحمدي (عمليا) من إصلاحها.
2-ونقد تاريخي للنصوص السابقة وخاصة النصين المنزلين اللذين يقبلهما ويعتبر نفسه مكلفا بحمايتهما (معنى كلمة هيمنة ليس السيطرة فحسب بل هو الائتمان على الشيء كذلك). وأساس نقد النصوص في هذه الحالات النموذجية مطبقا على نصين خاصة هما التوراة والإنجيل يعتمد قاعدتين وضعتهما الآية 48 من المائدة: 1-التعدد الديني مقصود لأن الله كان يمكن أن يوحد البشرية حول دين واحد. 2-وغاية التعدد المحافظة على الكليات الأساسية غاية للتسابق في تحقيقها بين أهل الشرعات والمنهاجات المتعدد. فلا يكون النقد إذن للتهديم بل هو للإصلاح من أجل المحافظة على التعدد لتحقيق التسابق في الخيرات.
وطبعا فذلك يقتضي استعمال المنطق السليم بقاعدة الأولى وتاريخ النصوص ونقدها والهرمينوطيقا كما في محاولة إصلاح المعتقدات حول المسيح عليه السلام. وهو يقتضي خاصة خلق التسامح التي جعلت القرآن يقر جميع الأديان (في ثلاث مواضع من القرآن الكريم بما في ذلك الذين أشركوا -في أحدها-معتبرا إياهم ضمن من سيحاكم يوم الدين بمقتضى أفعاله) في ما يتعلق بالحكم النهائي وحدد دور الدولة الإسلامية في تمكينها من التعايش تحت حمايتها ورعايتها بل وذمتها.
وكل من لم ينتبه إلى هذه المقومات في المنهج القرآني إما جاهل أو متجاهل خاصة إذا كان من أدعياء الاختصاص وكثيري الكلام على الإصلاح الديني وعلوم الأديان متناسين أن القرآن الكريم هو بالأساس نص في الإصلاح الديني مستند إلى تاريخ نقدي للتجارب السابقة. وقد يكون لما يسمى بعلماء الدين المسؤولية الأولى لهذا التردي بسبب الاقتصار على فقه عصر الانحطاط الذي حصر الدين في التراتيل والدعاء وكثرة البكاء والثغاء والإلهاء عما حددته السماء من قيم لا تقتصر على العبادات على أهميتها وضرورتها بل تهتم خاصة بشروط المعاملات التي تحترم كرامة الإنسان وحريته ومن شروط الحاكمية العادلة والشرعية, إذ هو لن يحاسب على آراء الفقهاء والمفاتي بل على سلوكه الظاهر والباطن إذ كل يأتي الله فردا.
وهكذا يتبين لمن تدبر القرآن الكريم أن ابن تيمية الذي نسبنا إليه هذا الاكتشاف هو في الحقيقة ليس مكتشفا لفن غير مسبوق بل اكتشف طريقة لجعل هذا المعين اساسا لعلم الكلام التاريخي والنصي فجعله منهجا نسقيا يستمد مبادئة الأساسية من النص القرآني ذاته دون ا لاقتصار عليه لأن المعين وظيفته تحديد البداية وشروط الحفاظ على الغاية دون العناية بالوسائط الفنية بينهما.
والغريب أن نفس المسعى يصح على ابن خلدون. ذلك أن عنوان علمه ومضمونه وحتى خطته كلها قرآنية: فالعنوان”علم العمران البشري والاجتماع الإنساني” ترجمة حرفية لاستعمار الإنسان في الارض واستخلافه فيها. ولو وصلنا ذلك بالآية الأولى من النساء لوجدنا أن المعنى الأول يتعلق بخلق الناس (صلة بالرب) والثاني يتعلق بأخلاقهم (صلة بالله) فضلا عن كون العلم ليس علما بالعمران والاجتماع الإسلاميين بل هو علم العمران البشري على الإطلاق والاجتماع الإنساني على الاطلاق ما يعني أن المرحوم عبد الرحمان بدوي أساي الظن به عندما اعتبره قد اقتصر على استقراء المجتمعات البدائية في المغرب العربي.
وحاصل القول بالنسبة إلى جواب هذا السؤال الأول هو أن ابن تيمية قد أعاد الفكر الإسلامي بفنونه الخمسة إلى فن أصلي مؤسس, بأن اكتشف أن وظيفة العلم المؤسس للعلوم الأخرى مناظرة لوظيفة النص المؤسس لوجود الإنسان ولمنزلته في الكون. وأصول منهجية هذا العلم موجودة في القرآن الكريم: النقد التاريخي للأحداث الحضارية والنقد التاريخي للنصوص المؤسسة من أجل إصلاح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة. وهو ما يجعل الكثير يخطئ فيقتصر على قراءة القرآن قراءة فقهية (بأحكامه) أو صوفية (بزهده) أو كلامية (بحجاجه) أو فلسفية (بنواميسه الكونية) أو ميتافيزيقية(بوضعه نظرية المعرفة ونظرية الوجود العامة (أنطولوجيا عامة) وفروعها الانطولوجية الثلاثة الخاصة:
نظرية الإنسان: انثروبولوجيا.
ونظرية العالم : كوسمولوجيا.
ونظرية الإله: تيولوجيا.
فرد القرآن إلى ما اشتق منه من فنون هكذا بصورة مباشرة تناس لأمر جوهري وهو أنه ما بعد لهذه الفنون ولا يرد إليها لا جملة ولا تفصيلا. فهو ليس أيا من هذه الفنون ولا هو كل هذه الفنون بل هو ما بعدها المؤسس لها معرفيا تأسيسه لوجود الإنسان وجوديا من حيث المنزلة والمعنى والمهام في الكون الموصول بخالق يحميه ويرعاه بما يمكن أن يعد النموذج الأسمى لأي دولة تامة الشروط.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s