فكر ابن تيمية في عشر مسائل – الفصل الثالث – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

فكر ابن تيمية في عشر مسائل

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 20-10- 1435/ 17-08-2014

جواب السؤال الرابع

ما طبيعة تشخيص ابن تيمية لأزمة الحضارة انطلاقا من الغزالي؟

اعتذرنا عن الإسهاب في كلامنا على ابن تيمية. وسكتنا عن الإيجاز في كلامنا على ابن خلدون قبله. لكن الأمرين يبدوان قابلين للفهم من منطلق علاقة فكريهما بما بعدهما:

فابن خلدون ظلم مرة واحدة أعني أنه ظلم بقراءاته. لكنه نجا من استعمال حركات سياسية ذات تأثير فعلي في التاريخ. فلم يتهم بما اتهمت به.

وابن تيمية ظلم مرتـيـن أعني أنه ظلم بقراءاته وبتحميله مسؤولية حركات ذات تأثير فعلي في التاريخ استعملت فكره فشوهته.

لذلك أوجزنا في الأول واضطررنا لشيء من الإطالة في الثاني.

ولنعد بعد هذا التوضيح إلى سؤالنا الرابع.

حددنا في جواب السؤال الثالث معارك ابن تيمية الفكرية بأصنافها الخمسة (أصول الفقه وأصول التصوف وأصول الكلام وأصول الفلسفة وأصل الاصول أو علاقة النص المؤسس بهذه الأصناف المتفرعة عنه تحديدا للعلاقة المتبادلة بين النص المؤسس ومعاني الوجود) مع بيان أهم ما يمكن أن ينسب إليه من إبداعات ثورية مثلت بداية التجاوز الفعلي للفكر القديم (ملخصا في صورته اليونانية) والوسيط (ملخصا في صورته الإسلامية قبله).

ولعله من المفيد أن نعذر مشوهي فكر ابن تيمية وابن خلدون من قرائهما بغير قصد وحتى بقصد. فكل عمل مبدع شديد العمق بالضرورة. ومن ثم فالنفاذ إليه يتطلب توالي المحاولات لتوالي الحفر الباحث عن منبع الماء وذلك بنبط بئر التراث الفكري نبطا تراكميا. وفي هذا المضمار يندرج مسعانا للوصل بين إبداعات الرجل وصلتها بعملاق سابق حدد جوهر الازمة التي تعاني منها الحضارة الإسلامية قصدت حجة الإسلام أبا حامد الغزالي: فتشخيص ابن تيمية الذي نريد الكلام فيه الآن ينطلق من فشل تشخيص أبي حامد أو بصورة أدق من فشل العلاج الذي اقترحه (ونفس الأمر يمكن أن يقال عن تشخيص ابن خلدون ولكن ليس منطلق تهافت الفلاسفة بل من منطلق فضائح الباطنية). فلما تقرأ مقدمات تهافت الفلاسفة الأربع تجد أساسين هما جوهر ثورة حجة الإسلام المنسية. وهذان الاساسان ينفيان كل ما قيل عما ينسب إليه من كونه مؤسس الانحطاط الإسلامي وعدو الفلسفة الأول في حين أنه في الحقيقة مؤسس منطلقها الجديد كما تعين عند ابن تيمية في النظر وعند ابن خلدون في العمل:

الأساس الأول:

يتعلق بدافع كتابة تهافت الفلاسفة المباشر والأساسي. فدافعه كان ما لاحظه من سلوك المتجملين بكليشهات الفكر الفلسفي وقشوره وخاصة من موقفهم من الدين والأخلاق بحجة مفادها أن الدين والأخلاق لو كانا حقيقيين لكان الفلاسفة أولى الناس بمعرفتهما لما عرفوا به من علم وحصافة. وحتى يتظاهر هؤلاء المتجملون بالتفلسف والعلم العقلي لبابتهم يقفون هذا الموقف المستهتر بالأديان: ولعل هذا الوصف الذي انطلق منه الغزالي أكثر صحة في عصرنا فجل أدعياء الحداثة منطلقهم التقليد البليد لمن لم يفهم القدامة ولا الحداثة إذ جلهم من أرباع المثقفين.

الأساس الثاني:

يتعلق بالغاية من كتابة التهافت المباشرة والاساسية. فالتمييز بين ما يقبل العلم العقلي السوي وما يكون ادعاء العلم فيه أقرب إلى توهم المهلوسين منه إلى المعرفة العقلية، أعني الميتافيزيقا التي كتب فيها كتابه بأسلوب جدلي ينفي ما يثبته الفلاسفة ويثبت ما ينفونه. ومن ثم فغاية الكتاب هي تحقيق الفصل الفلسفي -اؤكد على كلمة فلسفي أي بالعقل وقبليا- بين العلم واللاعلم وبين ما يقبل العلم وما يكون دعوى علم وليس بعلم (راجع أبا يعرب مفهوم السببية عند الغزالي وكذلك ضميمة المثالية الألمانية: الشبكة بيروت 2011). من هنا جاء استثناؤه للرياضيات والمنطق من عملية النقد التي قام بها في الكتاب (وكذلك تطبيقاتهما في علوم الطبيعة بمعيار التجربة الممكنة: مثل الفلك والموسيقي). ومن هنا كذلك بيانه -الذي ينفي ما يدعى من تكفيره للفلاسفة بسبب فكرهم الفلسفي-أن كبار الفلاسفة وخاصة أفلاطون وأرسطو لم يكونوا معادين للدين (إذ يؤمنون بأهم مبدئين أعني وجود الله والبعث أو على الأقل لا ينفونهما) وأنهم خاصة لم يزعموا أن الميتافيزيقا علم.

لكن النخب العربية العجلى كعادتها عممت نتائج مقالة كتبها أحد الماركسيين الألمان هو أرنست بلوخ (وصدرت مقالته في كتابه Ernst boch, Das Materialismus Problem, seine Geschichte und Substanz stw 7, 1972 F /M ص.479-546) وعرضها في مؤتمر ألفية ابن سينا (1961 نظمه الاتحاد السوفياتي سابقا) بعنوان اليسار الرشدي ادعى فيها أن الغزالي يمثل الظلامية واللاهوت والمثالية تمثيل اليمين الهيجلي لها بالقياس إلى يساره. ومنذئذ سادت هذه الخرافة مع رديفتها أعني تمثيل ابن رشد لليسار الأرسطي للتنوير والعلمانية المادية: خرافتي ما يسمى بالرشديين أو العقلانيين العرب الذين يتصورون في عصر ما بعد الحداثة أن مركزية العقل الميتافيزيقي الرشدي والاعتزالي ما تزال ذات معنى تسليما بأنها كان لها ذلك (راجع حوار أبي يعرب بالانجليزية مع مجلة إسلاميا الأندونيسية).

وليس هنا محل الكلام في هذا. لكن الوضع الحالي يكاد يطابق مطابقة تامة الوضع الذي فرض على الغزالي كتابة التهافت دافعا وغاية خاصة وابن تيمية حاضر في أحداث العالم الإسلامي بحضور الجماعات التي تدعي تمثيل فكره والجماعات التي تدعي التصدي لفكره: وكلتاهما أبعد ما تكون عن النفاذ إلى أساسيات إبداعاته. فلنعد إذن إلى هذه الإبداعات التي تعنينا في هذا التلخيص. فإلى حد الآن كان حل حجة الإسلام حلا لا يمكن أن يرفضه ابن تيمية أي إنه يقبل العلة المحركة والعلة الغائية. لكنه يعتقد أن الحلول التي ذهب إليها الغزالي كانت قاصرة وخاصة فيما تعلق منها بالعلة الغائية لكتابتها: ومعنى ذلك أن التمييز بين العلمي واللاعلمي لم يكن تمييزا ذا تأسيس فلسفي يضاهي التأسيس السابق لعدم التمييز بينهما ما جعل الغزالي يعود إلى نفس الموقف القديم فلم يتجاوز علاجه الاقتصار على ترميمين قاصرين:

  • ترميم عملي يمكن من علاج ظاهر للصدام بين الموقفين العمليين الفقهي والصوفي بتبني “دوزة” صوفية في إحياء علوم الدين وفي مصنفاته ذات الميل الصوفي.

  • ترميم نظري يمكن من علاج ظاهر الصدام بين الموقفين النظريين الكلامي والفلسفي بتبني “دوزة” فلسفية تدخل المنطق في علم الكلام وحتى في الفقه.

ولما كان المنطق والتصوف على ما كانا عليه يضمران الميتافيزيقا القائلة بنظرية الحقيقة المطابقة في الحقيقة النظرية التي تجعل العقل الإنساني مدعيا “العلم بالأشياء على ما هي عليه” فهما إذن يفترضان أن الإنسان مقياس كل شيء وهما في الغاية يتأسسان ضمنيا على موقف سفسطائي في النظر وزنديقي في العمل:

1-أي جعل الإنسان مقياس كل شيء إطلاقا لأحكامه في النظر (الضرورة الطبيعية)

2-وجعله مقياسا يطلق تقويمه في العمل (النفعية الطبيعية أو سلطان الأقوى).

وبذلك بات التشخيص التيمي متمما لتشخيص حجة الإسلام من حيث المنطلقات مع تجذير للحلول علته إدراك الترابط الوثيق بين نظرية الحقيقة والوجود والمنطق والأخلاق الفلسفيين. فاعتبار الطبائع أصل الشرائع بدل العكس يلغي الدين من أصله وتصبح فلسفة الأخلاق والتاريخ راجعة إلى النظرة التي تستند إليها جمهورية أفلاطون وملة الفارابي. فالعلم تقنية إنسانية والعمل ذرائع انسانية إذا اقتصرا على الطبائع أي على ما لا يتعالى عنها ردا إياهما إلى القانونين المستعملين في الفلسفة والكلام وفي التصوف والفقه أعني:

قياس الشاهد على الغائب نفيا للغيب وزعما بشفافية الوجود وإطلاق العقل مصدرا وحيدا للمعرفة مغنيا عما عداه.

تأويل ما يخالف بع النقل العقل نفيا لتعالي الوحي وإطلاق لأحكام معرفة تزعم علما بالأشياء على ما هي عليه لكأنه العلم المطلق.

وبذلك يصبح المشكل المضاعف:

1- كيف نؤسس النظر بصورة تحقق إمكان العلم وتعالي الإيمان: وذلك هو أهم مجال أبدع فيه ابن تيمية ما بعد علم جديد يمكن من التحرر من الميتافيزيقا التقليدية كما سنرى.

2-كيف نؤسس العمل بصورة تحقق إمكان القانون وتعالي الأخلاق: وذلك هو المجال الثاني المؤسس على المجال الأول لأن الحد من إطلاق العلم النظري شرط ضروري للحرية.

وإذن فهذان التعاليان هما شرطا تأسيس الحرية والشرائع ومن ثم فهما تجاوز الاقتصار على عالم الربوبية والضرورة والبلوغ إلى عالم الألوهية والحرية. وذلك ما سنحاول بيانه في المراحل الموالية.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s