مدخل لاصلاح علوم الملّة – الفصل الخامس – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

مدخل

لاصلاح علوم الملة

– الفصل الخامس –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في02-11- 1438/ 26-07-2017

ننهي الكلام في المدخل لإصلاح علوم الملة بعد أن بينا طبيعة الثورة التي تحققت لتجاوز التحريفين الفلسفي والديني بمعيار آل عمران 7 وفصلت 53.

وأجبنا عن الاعتراض الذي يشكك في الثورة النقدية بدعوى عدم حصول نتائج في الواقع الفعلي بعموم الظاهرة فجل الحضارات انهارت لحظة بلوغ الذروة.

كذلك حصل للمصريين والبابليين واليونان وحتى روما وحتى الاتحاد السوفياتي أخيرا لأنه لم يكن متخلفا علميا ولا تقنيا بل بسبب حيثيات يعسر حصرها.

ولا يعني ذلك أن أومن بأن للحضارات عمرا محدودا بل هي مثل الظاهرات الحية تتوالى أجيالها وأحيانا تسبت فتتوقف لوقت وتلك حال حضارتنا الإسلامية.

وهي الآن في آخر لحظات سباتها لأن حركتها تزداد زخما في كل المناشط ولدى كل شعوبها متعددة الإثنيات والمذاهب والمستويات التنموية والحضارية.

وما يعنيني في بحثي هو قلب الحضارة الإسلامية أي استئناف دور السنة فيها وخاصة مؤسسي دولة الإسلام والمحافظين عليها إلى حرب التحرير من الاستعمار

والفصل الخامس والاخير أخصصه لغاية عمل المدرسة النقدية في ما يمكن تسميته الصوغ الأخير لتجاوز عصر العلوم الزائفة أو المنعرج الحاسم نحو الحداثة.

والهدف الجواب عن سؤالين:

1-ما البديل الذي اقترحه ابن خلدون للتحرر من فساد معاني الإنسانية بإصلاح نظامي التربية والحكم

2-وما شروط الاستئناف؟

السؤال الأول: يسير وعسير في آن.

إنه بكل بساطة خطة المقدمة نفسها وفيها محاكاة لأسلوب العلاج القرآني قسم نقدي لطبائع العمران وقسم بنائي لشرائعه.

بينت في بحث الدراسات القرآنية غفلة الحداثيين عن ثورة الإسلام الروحية والسياسية في القرآن علاجا ينقد الماضي ويقدم مشروع المستقبل البديل.

وتجارب الماضي التي ينقدها كلها تجارب نكوص إلى القانون الطبيعي وابتعاد على القانون الخلقي بمعنى سلطان الطبائع على الشرائع في التاريخ الفعلي.

ومشروع المستقبل هو بناء نظام سياسي ببعديه التربية والحكم ليستعيد سلطان الشرائع على الطبائع وتمكين الإنسان من تعمير الأرض بقيم الاستخلاف.

نفس هذه الخطة يتبعها ابن خلدون في المقدمة دون أن يكون ذلك نسخا للعلاج القرآني إلا من حيث البنية العلاجية: نقد الموجود وتحديد شروط المنشود.

أطلب من القارئ أن يفتح المقدمة ويبدأ بالباب الأول.

ينقسم الباب الأول إلى خمسة أقسام وأصل: الشرط الجغرافي-المناخي فالثقافي-الرمزي فالتأثير المتبادل باتجاهيه.

والأصل هو علاقة بين الإنسان والقوة الإلهية وحيرة المستقبل متعينة في طلب نظام متعال للسكن في العالم باطمئنان أو الدين أصلا للعناصر الأربعة.

الباب الأول يمثل إذن وضع المقدمات الأساسية لبناء المشروع بوجهيه النقدي والبنائي في الأبواب الخمسة للعلوم الخمسة التي يتألف منها المشروع.

الباب الثاني لما قبل الدولة والباب الثالث للدولة والباب الرابع للمدينة والباب الخامس للاقتصاد والباب السادس للعلوم والتربية واللغة والفنون: علوم الشرائع أو الثقافة.

فهذه علوم الثقافة أو الشرائع التي أدخلها الإنسان على الطبيعة فيه وخارجه إذ هو القطب الثاني في علاقته بالقطب الاول أو القوة الإلهية الناظمة للكون.

عناصر المعادلة الوجودية: القطب الأول (الله) والوسيطان الطبيعة والتاريخ والقطب الثاني (الإنسان) والتواصل بين المباشر القطبين وغير المباشر بتوسط الوسيطين.

الباب الأول هو الذي وضع المقدمات والحدين (الطبيعة والثقافة) والإنسان المشرئب لما يتعالى عليهما على تفاعلهما أساسا لانتظام مقامه في العالم

أما الابواب الخمسة الباقية فهي تعالج نظرية الشرائع أي

1- الجماعة

2-فالدولة والحكم

3-فالمدينة

4-فالاقتصاد

5-فالثقافة والتربية: موضوع التاريخ.

وإذن فالتاريخ بوصفه ما بعد هذه العلوم يدرس نقديا الأخبار العلمية حول هذه المجالات هو إذن الرئيس البديل من الميتافيزيقا: وقد سميته ميتاأخلاق.

فما القصد بالميتاأخلاق؟

الشرائع أي إضافة الثقافي للطبيعي هي أفعال الإنسان في محيطيه الطبيعي والثقافي وفي ذاته حصيلة لعلاقة الطبيعي والثقافي.

وشرط هذه الأفعال خاصية طبيعية للإنسان.

فكما بين ابن خلدون في الباب الأول فهو كائن طبيعي ومتعال على الطبيعة حوله وفيه بخاصيتي: الحرية والفكر.

والحرية هي شرط هذا الاشرئباب إلى تجاوز الحاضر والتشوف للمستقبل ومن ثم فهو يطفو فوق مجرى الأحداث إلى ما يضفي عليها المعنى: وهذا أساس الدين.

ولهذه العلة كان الباب الأول المؤسس لمقدمات علمه مؤلفا من الشروط الطبيعية (الجغرافيا والمناخ) والشروط الرمزية (التعالي على الشروط الطبيعية).

وهذا التعالي على الشروط الطبيعية هو أصل الشرائع أي ما يضيفه الإنسان إلى الطبيعة ليصبح العالم قابلا لأن يكون مقاما له يستمد منه معاشه وانسه.

واستمداد المعاش هو موضوع العمران البشري واستمداد الأنس هو موضوع الاجتماع الإنساني. وشرطهما الحرية والفكر اساسي التعالي على الغرق في الطبيعي.

ومن ثم فالطبيعي في الإنسان وفي محيطه مصدر عيشه يتحددان بصورة الإنسان عنهما وبتعامله معها فيكون الأساس ما بعد الأخلاق وليس ما بعد الطبيعة.

والقصد بما بعد الأخلاق هو ما يجعل الإنسان يعود على كيانه ومحيطه الطبيعيين ليسود عليهما بدلا من أن يكون مسودا بهما وتلك هي الحرية والفكر.

فيكون ما بعد الأخلاق هو هذه العلاقة بين الإنسان والله أو أي قوة تشغل محله (قوى الطبيعة في الأديان البدائية) وهما قطبا المعادلة الوجودية.

فيكون العلم الرئيس هو هذه الرؤية للشرائع بوصفها ثمرة تواصل وتبادل بين الإنسان وما بعد بعديه ومحيطيه الطبيعي والثقافي (الطبيعة والتاريخ).

وهو ما سميته المعادلة الوجودية: الله اولا الإنسان ثانيا وبينهما الطبيعة والتاريخ وسيطين ومحل اللقاء بينهما غير المباشر المشروط بالمباشر.

وبصورة عجيبة نجد أن هذه المعادلة الوجودية هي في آن بنية المقدمة وبينة القرآن الكريم: لكأن ابن خلدون يبين دلالة فصلت 53: حقيقة القرآن.

وهو ما أثبته صاحب بدائع السلك في طبائع الملك (ابن الأزرق) عندما استخرج من المقدمة بالتوازي 20 قضية مستندة إلى الأدلة العقلية و20 إلى الأدلة النقلية.

العلم الرئيس يتألف من: من خمس نظريات: في الله وفي الإنسان وفي الطبيعة وفي التاريخ وفي تواصل الله والإنسان مباشرة وبتوسط الطبيعة والتاريخ.

وكلها تكون محرفة فتنشأ علوم زائفة المقدمة تدحضها وتكون سوية فتنشأ العلوم التي تحقق بعدي الإنسان: تعمير الأرض بقيم الاستخلاف أو الفساد فيها.

والفساد فيها سره العلوم الزائفة التي تؤدي إلى فساد الشرائع (إضافة الإنسان بعلوم زائفة) وفساد الطبائع (لأنها تؤدي إلى حياة بدائية متوحشة).

ومن هنا يمكن الكلام على شروط الاستئناف.

وابن خلدون لم يكتب فصولا خاصة بها بل هي واردة ضمنيا في كلامه الذي وصفنا ببعديه النقدي والبنائي.

ولما كان يعلل فساد معاني الإنسانية بالاستبداد السياسي في التربية والحكم فإن شروط الاستئناف من منظوره قابلة للرد إلى إصلاح هذين البعدين.

وبعدا السياسة هما التربية شرط الرعاية والحكم شرط الحماية وأصلي السيادة في الجماعة الحرة ذات الكرامة: فتعمر الأرض بقيم تؤهل الإنسان للخلافة.

وللتربية بعدان: اعداد الإنسان بوصفه عضوا في العمران البشري (العلم والعمل لسد الحاجات) واعداده بوصفه عضوا في الاجتماع الإنساني (للأنس بالعشير).

ولذلك فآخر عناصر البحث في المقدمة تعلق بالفنين المتصلين بالأنس بالعشير أي الأدب والشعر خاصة وهما أسمى من العلم والعمل لسد الحاجات.

ولنختم بالكلام في شروط الاستئناف.

وأولها التحرر من العلوم الزائفة وهو قسم مهم من الباب السادس الذي يدرس فيه العلوم ويؤرخ لها في حضارتنا.

وثانيها إصلاح مناهج التربية والتعليم بفلسفة حرية الأطفال واحترام كرامتهم وفكرهم شرطا للأخلاق والإبداع فالشدة عليهم تفسد فيهم معاني الإنسانية.

أما الحكم فله بعدان كذلك:

الأول هو دور الحماية الداخلية والخارجية

والثاني هو دور الرعاية التكوينية والتموينية.

 ولكن بوصفها صورة العمران.

أي إنه لا يحق للحكم أن يتدخل في مادة العمران التي هي من عمل الجماعة بوصفها مجتمعا مدنيا وليس بوصفها مجتمعا سياسيا: الحمايتان والانتاجان.

فالحمايتان (القضاء والامن داخليا والدبلوماسية والدفاع خارجيا) واصلهما الاطلاع على حال الناس والبلاد أساسها أخلاق جماعية وحراستها سياسية.

والرعايتان (التربية والمجتمع تكوينا والثقافة والاقتصاد تموينا) وأصلها البحث العلمي في الطبيعة والمجتمع أساسها عمل الجماعة وحراستها سياسية.

الحكم نيابة عن الجماعة وبإرادتها الحرة ومراقبتها يحرس الحمايتين والرعايتين لكنه ليس بديلا من الجماعة فيهما لأنها هي حامية نفسها وراعيتها.

ما معنى عدم تدخل الدولة في مادة العمران؟

قد حذر ابن خلدون من سيطرة الدولة على الاقتصاد لئلا تقتل الأمل عند الخواص لقدرتها على تعطيل قانون السوق.

وحذر من الغلو في الضرائب لأنها تحول دون المنتجين والإقدام عليه إذا كانت حصيلته تذهب لغيرهم وهي ضارة بمالية الدولة مرتين: التهرب أو العزوف.

فهو يعتبر صك العملة يمكن أن يؤدي إلى تزييفها مثلها مثل المكاييل والموازين وكلها ينبغي أن تكون تابعة للخليفة أو السلطة التشريعية والمعنوية.

ونفس ما يقوله عن الاقتصاد أو الانتاج المادي صراحة يقوله ضمنا حول الانتاج الرمزي أو الثقافي. وقد أتى ذلك حول علل فساد الشعر بسيطرة الكدية.

ونحن نرى الآن أن الأنظمة المستبدة والفاسدة عممت منطق الكدية على كل الإنتاج الرمزي ففقد الفكر استقلاله وأصبح أصحابه عمالا لدى الحكام.

ولعل أفضل علامات ذلك تردي حال الفكر في البلاد التي يحكمها الأنظمة العسكرية ثم تلاها حكم الأنظمة القبلية فأصبح الارتزاق حكما بدل الإبداع.

وإذن فمادة العمران-مادة بالمعنى الخلدوني وليس الفلسفي التقليدي- هي ما يتقوم به الشيء أو جوهره أوعين مدده المقيم لوجوده: الاقتصاد والثقافة

أما صورة العمران فهي الدولة تعين السياسة في مجالي التربية (أو الفاعلية الخلقية والعلمية) والحكم (أو فاعلية الحماية والرعاية) لمادة العمران.

وهذه المهام هي شروط الاستئناف وهي تقتضي إصلاح صورة العمران وتحرير مادته من استبداد من نوبتهم الأمة في حراستها ومن الفساد والظلم.

تلك هي ثمرة عمل ثالوث النقد وهي مضاعفة:

تحليل علل الانحطاط النظرية والعملية

وتقديم البديل الذي يصلح النظر والعمل

شرطين لوجود الأمة السوي.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s