مدخل لاصلاح علوم الملّة – الفصل الثالث – ابو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

مدخل

لاصلاح علوم الملة

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في01-11- 1438/ 25-07-2017

كانت البداية النقدية (تهافت الفلاسفة وخاصة مقدماته) قد حددت دافعه وموضوع النقد وأهدافه دون نفي لدور العقل العلمي المدرك لحدود المعلوم.

لم يكن قصد الغزالي تحريم الفكر الفلسفي ولا تكفير الفلاسفة كما يدعي خصومه من الحداثيين المزيفين بل إن عمله النقدي كان بداية الفكر الحديث بحق.

فدافعه ظاهرة مرضية نعيشها الآن وهي أنصاف المثقفين الذين تسكرهم زبيبة فيدعون الممتنع: ظنوا الفلسفة حربا على الدين وتنصلا من الأخلاق وعلما مطلقا.

فميز بين الفلاسفة المدركين لحدود العلم والذين لا يدعون علما يقتضي نفي وجود الله ويوم الحساب. فما يتجاوز المنطق والرياضيات معرفة ظنية.

وكان هدف الكتاب الرد بمعرفة ظنية على معرفة ظنية مبينا أن اليقين العلمي الوحيد الذي لا خلاف فيه بينه وبين الفلاسفة هو المنطق والرياضيات.

وبذلك توصل الغزالي إلى تحديد الكاريكاتورين:

من يتصور الدين يشمل مجال العلوم الجوهري

ومن يتصور مجال العلوم يشمل مجال الدين الجوهري.

التهافت فضح للكاريكاتوري أدعياء المعرفة الدينية والمعرفة الفلسفية ومصدر الخلاف بين أنصاف العلماء الخالطين بين المجالين الديني والفلسفي.

ولو بقي مشروع الغزالي عند هذا الحد لكان الوصل بينه وبين بطلي النقد الفلسفي العربي قابلا لأن يكون دون قطيعة بينهما وبينه.

لكن القطيعة حدثت.

وقد حدثت في مجال النظر بفضل القفزة النوعية عند ابن تيمية وفي مجال العمل بفضل القفزة النوعية عند ابن خلدون. فخرجنا من الفكر القديم والوسيط.

ما القطيعة؟

بعد هذا النقد الدقيق والمحدد موضوعا وأهدافا ودوافع قدم الغزالي حلا ترقيعيا فعالج شكل علوم الملة ومضمونها بالمنطق والتصوف.

القطع مع حله -ابن تيمية في النظر وابن خلدون في العمل- تجاوز النقد -ظاهر الإشكال- إلى عمقه الابستيمولوجي (ابن تيمية) والأكسيولوجي (ابن خلدون).

وسأحاول في هذا الفصل الثالث بيان طبيعة القطع مع الحل النظري الذي قدمه الغزالي والوعي الحاد بطبيعة الإشكال الابستيمولوجي عند ابن تيمية.

فالعلاج لا يقتصر على تبني المنطق لإصلاح علوم الملة من حيث أسسها النظرية بل البحث في تأسيس يصلح الفلسفة بتجاوز نظرية المعرفة الدغمائية.

انقلبت العلاقة: اكتشف ابن تيمية أن ما يحتاج إلى الإصلاح مشترك بين الفلسفة والدين وأنه يتجاوز التقابل بينهما لتعلقه بنظرية المعرفة والوجود.

والأمر شديد اللطافة والدقة.

لذلك لا أعجب من الغفلة عنه: سأل ابن تيمية عن مناط التعارض هل هو مضمون المعرفة العقلية أم قدرة العقل المعرفية؟

ولا أشك أن غير المتطفلين على الفلسفة من الباحثين الجديين سيطلب دليل ما أقدمه هنا من أعمال الرجل أو مما سبق أن قدمته من بحوث أكاديمية حولها.

المهم أن ابن تيمية قلب الأمر كله في درء التعارض: بدلا من الكلام على المقابلة بين مضمونين سأل عن القدرة المحصلة للمضمونين هل هي واحدة أم لا؟

وبذلك صار البحث ابستمولوجيا وليس طلبا للتوفيق بين العقل والنقل.

فأخرج الفكر الإسلامي من مأزق نظرية معرفة تؤدي إلى العلاقة التقابلية بينهما.

وعندئذ تبين أن الفلسفة أحوج إلى الإصلاح من الدين: فهو أدرك حدود القدرة العقلية في معرفة الوجود وتحرر من نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة.

ولهذه العلة فأكبر ثورة حققها ابن تيمية هي نظرية التصور القاصر دائما وأن كل تصور وراءه تصور أدق وأعمق بلا حد ولا نهاية لاستحالة التطابق.

وبعبارة خلدونية، الوجود لا يقبل الرد للإدراك أبدا.

ما ندركه منه ليس ترائيا تاما للوجود على مرآة العقل بل هو صورة ينتجها عنه العقل بحدود قدرته. فالعقل ليس كاميرا بل رسام.

وبالتحرر من القول بالمطابقة يعود ابن تيمية إلى المنطق ليبين أنه لا يمثل الحل: فاعتماده على المطابقة يجعله مشروطا بالإنسان مقياس كل شيء.

وإذا كان العقل من حيث هو قدرة معرفية واحدا في المعرفة التي تسمى عقلية وفي المعرفة التي تسمى نقلية فبم تتعارض المعرفتان وبم تتمايزان إذن؟

الفرق بين المعرفتين هو طبيعة نظرية المعرفة: هل ما يعلمه العقل الإنساني حقيقة مطلقة فيكون الوجود مطلق الشفافية يتطابق فيه الإدراك والوجود؟

ما يدعيه الفلاسفة وتبناه المتكلمون (الرازي نموذجا) هو وهم اعتبار ما يعلمه العقل هو عين حقيقة الوجود: علة القول بتأويل النقل ليطابق العقل.

فيكون الخطأ متمثلا في المقارنة بين مضمونين أحدهما يسمونه عقليا والثاني نقليا والاول يرونه مطابقا للحقيقة المطلقة والثاني خيالات للعامة.

لكأن الفلاسفة والمتكلمين كانوا ماركسيين قبل ماركس: الدين إيديولوجيا شعبية والحقيقة “العلمية” هي ما يدركه الفلاسفة والمتكلمون بنظرية المطابقة.

قوة ابن تيمية جاءت في مفهوم شديد اللطافة “صريح المعقول”. الصريح هنا لا تعني الصراحة بل الصُراح. القصد الخالص لا العلني: أعني شكلا بلا مضمون.

وهذا الشكل الخالص هو القدرة العقلية المشتركة بين العلمي والديني. وكلاهما له مضمون مستمد من مجال تجريبي مختلف. حسي للأول ووجداني للثاني.

والوجداني يجعل الإنسان يدرك أن الوجود أوسع من الإدراك. فالوجدان يذوق الفرق بين الإدراك وما يتعالى عليه كما في الحب والجمال والخشية الجلال.

وكل من يتصور الوجود مقصورا على الإدراك فهو عديم الوجدان لا يذوق جمالا ولا يخشى جلالا. عقله سديم حدسه وعقيم وجدانه وبهيم فكره وسقيم بصيرته.

وزبدة القول إن ابن تيمية نقل الإشكال كله إلى البحث الابستيمولوجي: ما المعرفة العلمية وما شروطها وكيف يكون العقل أفضل بعلم حدود ما يستطيع.

وهو بذلك يوافق الغزالي حتى إن اختلف معه مطلق الاختلاف: يوافقه على أن المدخل لإصلاح علوم الملة يكون بنقد الفلسفة قبلها ويختلف معه في الحل.

الغزالي نقد الفلسفة وتبنى رؤيتها. وابن تيمية نقد الرؤية نفسها. ومنذئذ لم تتجاوز الفلسفة هذا المدخل: عودة على الذات لنقد رؤيتها للعقل والوجود.

وفي الفضاء الذي خلا بين المعلوم واللامعلوم من الوجود ظهر محل المذوق منه أي مجال الجمالي والجلالي من تجارب الإنسان اساس كل ذوق روحي وديني.

وتلك هي بداية تجاوز علم الكلام إلى فلسفة الدين وتجاوز الفقه العقيم إلى فلسفة التاريخ التي تصل بين القانونين اللذين يحكمان حياة الإنسان.

فعلم الشرائع بديل من عقيم الفقه إنه علم علاقة القانون الطبيعي بالقانون الخلقي لتنظيم العمران البشري تنظيما سياسيا خلقيا بالتربية والحكم.

وتلك هي ثورة ابن خلدون

ولذلك اعتبرت ثورة ابن تيمية شرط إمكان لثورة ابن خلدون.

ولأني لم أجد تعليلا يرضيني لثورة الثاني اكتشفت ثورة الأول.

فثورة ابن خلدون في تغيير علم الشرائع لم أجد لها تأسيسا في تراثنا الفلسفي ولا في تراث يونان. وهو ما دعاني للبحث في تراثنا غير الفلسفي التقليدي.

فكانت النتيجة أن تجاوز التراث الفلسفي التقليدي جاء من غيره أي من محاولات نقده وذلك لعلتين: معرفية (عقل نقل) وسياسية (باطنية سنة).

لو اكتفينا بالظاهر لقلنا إن السنة نقلية والباطنية عقلية. لكن المدرسة النقدية بينت أن فلسفة الباطنية فكر سطحي هدفه تأسيس التعليمية الباطنية.

ومن ثم فالفلسفة الحديثة التي تحررت من نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة أنشأها هذا النقد الجذري لدعاوى الباطنية في الفلسفة القديمة والوسيطة.

وما كان بوسع ابن تيمية أن يقول ما قال في منطق ارسطو لو لم يكن على بينة من علاقة التحليلات الأوائل بالتحليلات الأواخر الأرسطية: بيت القصيد.

فهو لا يجادل في المنطق الصوري (الأوائل) ما ظل يعمل على متغيرات مجردة (أ. ب.ج) بل ما يتلو عن ملء هذه المتغيرات بقيم وجودية (الأواخر).

فهذا الملء يفترض نظرية المطابقة أولا (غاية الأواخر) ويفترض أن قطع التسلسل كضرورة للتأسيس المعرفي يجعل الوجود خاضعا لشروط معرفته (بدايتها).

فبمجرد أن نفترض أن ذلك ضروري للمعرفة النسبية نميز بين الوجود وإدراكه فنكتشف أن الفرق بينهما لا يقبل الاستنفاد فيصبح العلم نسبيا ومتواضعا.

وحينها يصبح الكلام على ضرورة رد المنقول للمعقول ليس دليل عقل فلسفي بل دليل سذاجة فلسفية: ما به يتجاوز الوجدان الذوقي الإدراك العقلي لامتناه.

وذلك هو مجال الفنون والاديان وكل التجارب الروحية التي لا تقتصر على الذريعيات المعرفية بل إن المعرفة نفسها سموها يكون بمقدار إدراكها حدودها.

وكنت دائما أتساءل عن عدم الانتقال إلى فائدة النقد التيمي في مجالي نظرية العلم ونظرية ما يتعالى عليه من مجال الوجدان كما حددناه هنا؟

والجواب لم يفتح الله علي اكتشافه إلا بعد أن ربطت المسألة بما آل إليه تحريف التصوف المتفلسف لهذا الفضاء الناتج عن الفرق بين العقلي والوجداني.

وهذا الفتح الرباني لم يأت بالصدفة بل كان ثمرة قراءتي لكتاب ابن خلدون شفاء السائل. ففيه كتب ابن خلدون فصلا في الشطح يبين فيه اللاانقيالية.

الوجداني نذوقه ولا نستطيع قوله. وفي الحقيقة هو غير مقصور على الوجداني بالمقابل مع المعقولي بل هو يشمل اللامعقول واللامقول في كل مداركنا.

فحتى مدارك الحواس الخارجية فإن ما ينقال منها هو المشترك بين الذوات Intersubjectif ; وهو قليل بالقياس إلى ما لا ينقال: وهو شخصي وفردي مطلق

ما أراه وما أسمعه وما أشمه وما ألمسه فيه من الذوق الفردي الذي لا يمكن لأحد أن يشاركني فيه. وما لا يشاركني فيه أحد أذوقه ولا أستطيع قوله.

وهو البعد الوجداني في كل إدراك للوجود بما في ذلك الإدراك الحسي المباشر والبسيط.

ويبلغ ذلك الذروة عندما تجتمع كل الحواس في الحس المطلق.

والحس المطلق هو اللذة الجنسية عندما تكون تامة فتبلغ ذروتها وهي اجتماع كل الحواس في لقاء يتجاوز الانفصال بين ذاتين متحابتين سر الوجود الحي.

ولذلك فالمثال الذي يضربه الغزالي حول خصوصية المدارك في مستوى ما لا ينقال منها هو عجز الإنسان العنين (العاجز جنسيا) عن فهم اللذة الجنسية.

وهذا الذوق ليس معرفة قابلة للقول إلا بقياس بعيد وهو أن المتلقي للخطاب يؤوله بقياسه على تجاربه أي بتخليصه من فرديته ورده إلى المشترك.

ابن تيمية في رده على التصوف بمنطق سد الذرائع دون أن يذهب إلى نفي مفهوم الذوق الوجداني لم يصل إلى الحل الخلدوني: الاعتراف به ونفي انقياله.

ولهذه العلة فالثالوث كما سأبين في الفصلين المواليين متكامل:

كل واحد منهم تقدم خطوة في حل معضلة التحريفين الفلسفي والديني في بداية جديدة.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s