حال الأمة، “معاني الانسانية” او الحرية الروحية والسياسية – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

حال الامة

“معاني الإنسانية” أو الحرية الروحية والسياسية

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 19-10- 1438/ 14-07-2017

كلما قلبت حال العرب مع أعدائهم، وجدتهم العلة الأولى في تجريد أنفسهم من شروط المقاومة والتمكين لأي عدو حتى لو كان دونهم إمكانات وشروط قوة.

هذه حالهم مع إسرائيل قبل أن تصبح دولة وهذه حالهم قبل أن يشتد عود ثورة الخميني. كذلك هم في كل وضع يدعو للاجتهاد والجهاد لأنهم يفضلون الرقاد.

ولا يمكن أن يفسر هذا الوضع بخاصيات عرقية لأنهم في لحظة من لحظات تاريخهم كانوا قادرين على فتح جل العالم القديم والتغلب على امبراطوريتي عصرهم.

فماذا حدث لتصبح هذه حالهم؟ حذر القرآن من أن الأعراب والعرب تجاوزوا مرحلة الأعراب بفضل الإسلام الذي مكنهم من تجاوز بناء حضارة كونية.

لذلك فلا ينبغي أن يخطئ قارئ ابن خلدون فيتصور أن كلامه على “العرب” يعني العرب بل هو يعتبره مفهوم انثروبولوجيا يصف البداوة الأولى لأي شعب.

وقد ربط المفهوم بحضارة الجمال والترحال في الصحاري كل الصحاري وليس في صحاري الجزيرة. كما لا يمكن تفسير الظاهرة بما يعلل به سقوط الأندلس.

فلا أقصى البداوة ولا أقصى الحضارة بكافيين لتفسير ما حل بالعرب الذين نمثلهم نحن الآن بوصفنا خلائفهم في الجزيرة وفي الشتات بعد الفتوحات.

وهنا يأتي التفسير الخلدوني الأعمق: وهو ناتج عن عاملين أحدهما سياسي ببعدي التربية والحكم، والثاني ثقافي ببعدي ما يشبه صدام حضاري شعوبي وطائفي.

وهذه العناصر الأربعة يوحدها سلبا عدم تجذر فاعلية القيم القرآنية في المجتمعات الإسلامية. وإيجابا سبق ثورة الإسلام لعصرها الذي لم يحن إلا الآن.

وقد يعاب علي تحميلي المسؤولية كلها لمن يسمون “علماء” الإسلام. فرغم اجتهادهم وجهادهم غلب عليهم الفهم الساذج لمشروع الإسلام واستراتيجية تحقيقه.

فقد قلبوا منطق القرآن الكريم في تحقيق مقومي الوجود الإنساني، فبلغ بهم الأمر إلى جعلهما متنافيين: مقوم الاستعمار في الأرض ومقوم الاستخلاف.

لكأن القرآن لم يحدد شرط الجمع الموفق بينهما عندما حدد في فصلت 53 دور المعرفة التي تحقق المقومين فتمكن الأمة من شروط عزتها المادية والروحية.

قلبوا وجهة المعرفة فجعلوها شرحا لغويا لنص القرآن وسنة الرسول أي تعليم القرآن وبيان دلالاته ليس بالأقوال بل بالأفعال المؤسسة لدولة الإسلام.

استعاضوا عن البحث في آيات الآفاق (الطبيعة والتاريخ في الأعيان) والأنفس (وثمرتها في الأذهان) مزقوا وحدة القرآن تجاهلا لنهي سابعة آل عمران.

وكما حددت الآية فإن حصر العلم في التأويل اللغوي دليل مرض القلوب ومؤد إلى الفتنة فالكلام يحسمه السيف في غياب معيار الاحتكام العلمي للتجربة.

ولهذه العلة صارت العلوم الزائفة مجرد منابت للحروب الطائفية والأهلية التي لا تتوقف لتأويلات متنافية وكلها على خطأ لحيدها عن معيار فصلت 53.

ففسدت السياسة ببعديها التربوي والحكمي وفسدت اللحمة الحضارية ببعديها العرقي والثقافي. فكان المآل إلى التخريب الذاتي ما ييسر تغول الأعداء.

وقد سبق فتكلمت على تفسير ابن خلدون لهذا العامل الموحد السلبي (عدم تجذر قيم القرآن) والموجب سبق الإسلام الثوري للحريتين اللتين لعصرهما.

وحان اوان تفسيره لما بينه وبين وضعنا الحالي من تماثل عجيب. مازلت أعجب من انتقال عاصمة الإسلام إلى الشام ثم العراق حتى قرأت ابن خلدون.

فسر ابن خلدون ظاهرة الفتنة الكبرى والحرب الأهلية التي نتجت عنها بالأنثروبولوجيا القبلية العربية ورؤية كبرى القبائل لدور قريش بفضل الإسلام.

وقد اعتبر لحظة الصدر لحظة مستثناة من سنن التاريخ الإنساني العادي لأنها شبه معجزة تاريخية لم تصمد طويلا وطبعا هو لم يقل بسبب سبقها لعصرها.

وبلغتنا الحديثة كان العصر والمصر دون مستوى ثورتي القرآن الروحية (العلاقة المباشرة بين المؤمن وربه) والسياسية (حكم الاحرار لأنفسهم بأنفسهم).

ولهذه العلة حكم المسلمين من كانوا أقرب إلى ثقافة العصر الروحية والسياسية وقيمها أعني بالاستناد إلى الغساسنة أو بالاستناد إلى المناذرة.

واكتفوا بما كان سائدا من أخلاق موضوعية ليس للمؤمن فيها حرية روحية ولا للجماعة حرية سياسية فصار الإسلام لتبرير الموجود بدل تحقيق المنشود

وكل ما يتعلق بالمنشود القرآني اعتبر مقصورا على الأقوال إذا ما استثنينا العبادات وأول ما عداها بصورة تجعله يثبت الموجود ولا يكاد يتجاوزه.

ولذلك فلم يكن الاستبداد والفساد أمرا جديدا في حضارة الإسلام بعد قوسي الصدر أو الحكم الراشدي بل هو في الحقيقة تناغم مع ثقافة العصر في المصر.

وإذن فالتفسير الخلدوني للفتنة الكبرى وانتقال ثقل الإسلام من مركزه الأول يماثل حال العرب الراهنة مع فارق جوهري في العلاقة بحضارة العصر.

عودة المركز الأصلي مع انعكاس المناخ الروحي: فقد العرب سلطانهم على عقدة التأخر الحضاري بالقياس إلى محيطهم: انتقلوا من السيادة إلى التعبية.

فالقبائل العربية التي كانت أكثر تابعة حضاريا ونافست قريش تجاوزت استفادت من الرسالة وثورة الإسلام لكنها كيفتها مع الثقافة التي ربوا عليها.

أما الآن فالعودة إلى المركز أصبحت تابعة حضاريا بشروط الحضارة التي استتبعتهم وفقدوا عزة الإسلام التي تبناها منافسو قريشا بعد العصر الراشدي.

بلغة أوضح: الاغتراب الحضاري الأول لم يمنع أصحابه من الاعتزاز كعرب بالإسلام حتى وإن كيفوه لثقافة عصرهم مع بقائهم سادة على الأقل رمزيا.

والاغتراب الحضاري الحالي أفقدهم العزة الروحية والرمزية الإسلامية: تبعيتهم جعلت بقاء سلطانهم الشكلي مشروطا بالحرب على شرط عزتهم منذ قرن.

بدأ الأمر بالبحث عن شرعية للدول القطرية التي وطدها الاستعمار لتصبح محميات تحت سلطانه وهو ما تواصله الأنظمة القبلية والعسكرية منذ قرن.

فصار العراقي بابليا والسوري فينيقيا والمصري فرعونيا والتونسي قرطاجنيا في الافعال حتى وإن تكونت حركات قومية وإسلامية في الأقوال بمراكز قطرية.

ولما كانت الأنظمة العسكرية هي بدورها قبلية لأن الجيوش العربية وخاصة في المشرق مؤلفة من أميين وقادة ريفيين أقرب إلى البداوة رغم المظاهر.

وحتى إذا كان بينهم بعض “أشباه البرجوازية والأسر الغنية” فهم للزينة وغالبا ما يكونوا ممن ليس له وقت للعناية بدوره في بناء جيش بثقافة حديثة.

ولذلك فوصولهم إلى الحكم “ريف” الدولة ولم يحضرها وزادها إلى استبدادها وفسادها ما يأتي من البداوة من عجرفة وعنف وانعدام الانضباط المبدع.

وإذن فكل بلاد العرب يحكمها القبائل صراحة في الأنظمة القبلية التي تدعي الحكم بالإسلام أو ضمنا في الانظمة العسكرية التي تدعي الحكم بالقومية

وهذا هو وجه التماثل الأول مع ما ولي الصدر من خروج عن ثورتي الإسلام الروحية والسياسية مع تغير النظرة إلى الذات: من عزة الإسلام إلى ذل التبعية.

فالبعث في سوريا والعراق ليس حزبا بل هو قبيلة. ففي سوريا قبيلة أكثر بداوة من بداوة الخليج: العلويون من أقصى البداوة ومثلهم بعث العراق.

وعبد الناصر وحزبه ومن حوالي الثورة المزعومة ريفيون صدقوا الأوهام الإيديولوجية الشعبوية فلم يبقوا للدولة أثر وريفوا مصر التي كانت واعدة.

ولا ينبغي أن يصدق المرء الأقوال: فلا أحد منهم قرأ ابن خلدون وفهم شروط بناء الدول فقضوا بالشعبوية على التنمية الاقتصادية والتنمية العلمية.

بقي شكل الحكم المنحط أي الاستبداد والفساد المشروطين بالتبعية لحام سواء كان السوفيات سابقا أو الامريكان حاليا لفقدان شروط الحماية والرعاية.

وهذه هي الحال التي يفسر بها ابن خلدون علل الانحطاط: فساد معاني الإنسانية في بعدي السياسة أي رعاية الفرد والجماعة وحمايتهما: التربية والحكم.

بهذه الظواهر تفهم إفلاس الجزائر وليبيا ومصر وسوريا والعراق وسيليهم بلاد الخليج فالثروة الطبيعية ناضبة ولا تعوض إن حصل إلا بعد آلاف القرون.

العرب اليوم لهم من الإسلام قشوره ومن الحداثة بثورها المستوردة أما هم فأخلاقهم ما تزال بدائية عياشون على الموجود وعاجزون عن إبداع المنشود.

كل عربي فيه نبض حياة يشعر بهذا الوضع ويألم له إذا كان يؤمن بطموح الاستئناف وقيادة أمة ذات دور كوني به دخلوا التاريخ العالمي: ثورتا الإسلام.

وثورتا الإسلام أي الحرية الروحية والحرية السياسية هما ما يعتبره ابن خلدون معاني الإنسانية وهما ما يعتبره قد فسد بسبب فساد التربية والحكم.

فيكون الحل الخلدوني هو تحقيق ثورتي الإسلامي في التربية الحكم: أن يكون الفرد حرا روحيا من كل وساطة والجماعة حرة سياسيا تحكم نفسها بنفسها.

وهكذا، فبخلاف ما يزعم بعض عرب الشمال ليس الإسلام هو الذي يمثل إيديولوجيا بدوية قضت على حضارة الغساسنة والمناذرة بل هو ثورة تجاوزت عبوديتهما.

ونفس هذا الكلام يقال لليبراليين واليساريين والعلمانيين والملحدين: الإسلام ليس متخلفا على الحداثة بل الحداثة لم تصل بعد لتحقيق ثورتيه.

ما اعتبره ابن خلدون قوسين فتحتا وغلقتا بسرعة في تاريخ الامة لأنهما كانا معبرتين عن معجزة تربية الإسلام والحكم في عهد الراشدين هو المستقبل

وهو ليس مستقبل المسلمين وحدهم بل مستقبل الإنسانية: فالذي يحقق شروط سورة العصر الخمسة هو المستقبل البشري كله الوعي بالخسر وشروط الاستثناء منه.

فأما الخسر فقد صار في التاريخ حقيقة فعلية: العولمة خسر بحق بمعنى أنها عين من نبهت إليه الملائكة رمزيا: الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء.

صرنا واعين بالخسر وشروط التحرر منه: الإيمان والعمل الصالح (الحرية الروحية) والتواصي بالحق والتواصي بالصبر (الحرية السياسية): تلك ثورة الإسلام.

ولا بد هنا من بيان علة علاجي الفلسفي للأحداث حتى تصل لمستوى المفهوم وتعليل إلحاحي على الوصل بالتراث الفكري الأصيل تجنبا للتفسير المستورد.

فأما محاولة ترقية الأحداث إلى مستوى المفهوم فهو شرط الانتقال بالثورة من الاحداث العابرة لئلا تصبح غابرة نقلا إياها إلى النسيج المفهومي.

ذلك أن الاحداث لا تخلد كأحداث إلى إذا صارت نسغ الحديث وإلا فهي تموت ميتة الحدث الذي يزول من الذاكرة بمضيه فتفقد الأمة التراكم المفهومي.

وعديم التراكم المفهومي عديم الذاكرة الروحية والنسيج الرمزي أعني في الحقيقة بلا عمق عقلي فيكون سكنها الرمزي سكنا بدويا تذرو الرياح آثاره.

وهذا الهدف لا يتحقق بمجرد الإضافات الجديدة بل لا بد فيه من فعل أهم هو جبر الكسر بين عهدين متقدم على بداية الانحطاط ومتأخر عن نهايته.

فما مر بين ابن خلدون وبين محاولات الاستئناف منذ قرنين يبدوا صحراء قاحلة لم تنتج من يجعل مكتشفات المدرسة النقدية العربية تثمر فعلا مؤثرا.

كلامي على ابن خلدون وابن تيمية والغزالي ونقدي لما حدث من تحريف للفكرين الديني والفلسفي في حضارتنا هدفه جبر الكسير ونبط النبع لاستئناف السيل.

فما غاض من أنهار الإبداع يمكن بنبط الينابيع أن ينتهي جفافها فيعود السيل المبدع فيها وتجري الحياة في العروق من جديد باستئناف واع بمفهوماته.

وإذا كانت ثورة الشباب عرية عن التأسيس النظري المتقدم عليها فليكن ما يحصل خلال مجراها محاولة لصوغ بنض مسعاها بما يصله مفهوميا بقيمها وروحها.

ولا يصل بين قيمها وروحها إلا فكر أهلها عندما ندرك نسيجه المفهومي ونصله بالمصدرين وما بينهما من تبادل وتواصل كما تعين في المعادلة الوجودية

وبفعل هذا الجبر لن تبقى الثورة طلقة بندقية لحظية بل هي ذات جذور تاريخية أصلها ثورة الإسلام الأولى ببعديها الروحي والسياسي وفروعها فكر الأمة.

فيصبح مؤسس الثورة ومفكروها هم كبار المبدعين في المجال الذي تعلقت به الثورة أعني تحرير الإنسان والجماعة من الاستبدادين السياسي والروحي.

وحينها يصبح الدين جوهره الحرية التي تمكن من تبين الرشد من الغي فيكون الإنسان كافرا بالطاغوت الذي هو الاستبداد السياسي والروحي ليؤمن بحق.

ثورة الشباب التي هي بداية الاستئناف قراءة حية لثورة الإسلام بدليل شعارها الشعري. فبيتا الشابي في القضاء ترجمة شعرية لسنة التغيير القرآنية

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s