الثورة ، جراحة بلا بنج – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

الثورة

جراحة بلا بنج

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 16-10- 1438/ 11-07-2017

من يكتفي بظاهر الأحداث وعنتريات الثورة المضادة، لن يتردد في القول إن الثورة قد خسرت المعركة في كل بلاد الربيع وليست بعيدة عن خسرانها في تونس.

حتى إني أحيانا-رغم ميلي الدائم إلى التفاؤل-عبرت عن شيء من الإحباط. ولا صلة له بحصيلة الربيع بل بمعيقات ثمراتها بسبب “فساد معاني الإنسانية”.

وطبيعي أن تكون حركات الشعوب بطيئة، فهي سلحفاة التاريخ لكن مسار خطوتها الواثق لن يتوقف ومن سيربح قصب السبق هو السلحفاة وليس ارانب العملاء.

وهذا سأحاول بيانه بحجج قد تدق، فلا تراها العين المجردة لأنها خيوط لا مرئية في محددات الحركات التاريخ المديد التي تعمل بتراكم لامتناهي الصغر.

وحتى أيسر الأمر على القارئ فلأبدأ فأعين قصدي بحصيلة سنوات الربيع الست التي مرت وما يظهره وكأنه خرج خاسرا منها بمعيار التاريخ القصير.

فالحصيلة في كل تحول نوعي للتاريخ المديد-بخلاف التاريخ القصير (مفهومان خلدونيان) تبدو أولى تجلياتها سلبية. وقد شبهتها مرة بالجراحة دون بنج.

الجراحة البدنية تستعمل البنج لئلا يتألم المريض الخاضع للعملية الجراحية. الثورات جراحة روحية من شروط نجاحها إيقاظ المريض وليس تنويمه: بلا بنج.

وهذه الخاصية كونية: لا تخلو منها ثورة ذات أبعاد كونية في الماضي البعيد وفي الماضي القريب والآن في حاضر بالنسبة الإقليم القاطر لدار الإسلام.

وقد لا يصدق القراء أني بهذه المناسبة أشكر أعداء الأمة من كان منهم منها، ومن كان منهم من خارجها على تحقيق هذه المهمة بصورة أسهمت فيما سأبين.

وهذا السهم اعتبره من مكر الله الخير: يمكن للأعداء أن يكونوا من حيث لم يقصدوا أداة لا واعية لتحقيق عكس ما يسعون إليه فيكونوا عونا لعدوهم.

وأقصد بالأعداء الخمسة: أي الأنظمة العميلة بصنفيها (القبلي والعسكري) والذراعان (إيران وإسرائيل) والسندان (روسيا وأمريكا) وميليشياتهم (قلما وسيفا).

كل هؤلاء أسهموا في إزالة العوائق أو البنج الذي كان يمكن أن يجعل الحقبة مثل بداية القرن الماضي جراحة جسد مريض: فكانت جراحة روح وهاجة ووثابة.

وسأبدأ بآخر الأعداء أو الأداة المباشرة لفعلهم: فمليشيات القلم والسيف أعادت إلى شباب الأمة فضائل الاجتهاد والجهاد وأخلاق أجدادهم الفاتحين.

فلا يمكن لثورة أن تنضج من دون هذه الخطوة الأولى التي يستعيد فيها الشباب مقومات الرجولة ومثل البطولة حتى يكون كالمؤسسين الأول لمجد حضارته.

وقبل أن أواصل ينبغي أن أشير إلى أن هذه المحاولة تعكس نظرية كلاوسفيتز في الحرب ليس لخطإ فيها، بل لأنها لا تنطبق على حرب الاستئناف بالمطاولة.

ما حدده كلاوسفيتز من عوامل يعرف بها ربح الحرب تنطبق على الحروب بين الدول القائمة وليس على الحروب على الدول التي تستعيد قيام فقدته لقرون.

حروب الاستئناف يصدق عليها مفهوم الانبعاث شبه الأخروي. فهي تتقوم بما لا يقبل التصديق فيعترض عليها كما يعترض على البعث {أإنا لمردودون}؟

ما يحدث في لحظتنا التاريخية الراهنة هي إثبات أننا مردودون ليس في الحافرة بل في التاريخ الكوني. والفضل في ذلك هو تساقط الحوائل دون الانبعاث.

وهذا هو القسم الأول من كل ثورة. وأهم ثمراته هي ذهاب مفعول البنج التاريخي الذي أنام الأمة طيلة قرون. ما يجري عملية إيقاظ من بنج الانحطاط.

ما يحدث يثبت أن الأمة ليست {عظاما نخرة} وهي مردودة بمعنى استئناف دورها التاريخي الكوني ولولا علم الأعداء برجحان ذلك لما تألبوا عليها هكذا.

فكلاوسفيتز يعتبر الشرط الأول في ربح الحرب القضاء على جيش العدو. لكن كلامه على جيش يحارب عدو أمته لا جيش يخدم عدو أمته كجيوش الثورة المضادة.

نظرية كلاوسفيتز لا تنطبق بل عكسها هو الذي ينطبق: لما تنهار جيوش العملاء تتحرر الشعوب فتصبح حامية نفسها ونعود إلى جهاد الدفع فرض عين بحق.

وحتى لو صدقنا أن جيش العملاء يمكن أن يكون حاميا للأمة، فهو بحاله الراهنة لن يستطيع محاربة الأعداء لأنه لا ينتج سلاحه فلا يصمد أكثر من يوم.

هو لحماية النظام المستبد والفاسد وليس لحماية الاوطان ولا الشعوب بل بالعكس هو أداة احتلالها كما هوبين على الاقل في سوريا ومصر وليبيا واليمن.

والنتيجة أن الثورة ستصل إلى ضرورة تكوين جيش شعبي يستطيع القيام بحرب المطاولة التي لا يمكن أن يربحها العدو مهما كان قويا: فالشعوب لا تغلب.

المبدأ الثاني لكلاوسفيتر او الشرط الثاني للانتصار: الاستحواذ على ثروة البلاد التي يمكن ان يستعيد بها العدو جيشه. وهذا ايضا لا ينطبق.

فالثروة محتلة في بلادنا بصورة لا يقدر عليها أي جيش خارجي. والمحتل: الحكام المستبدين والفاسدين وأزلامهم من النخب العميلة والمستشارين الأجانب.

احتلال العدو الخارج الصريح يحفز المقاومة كما حدث في حروب التحرير بخلاف ما حصل بعد الجلاء من تحقيق أهداف الاستعمار بقيادات منا عميلة.

وهذا يزيل العائق الثاني. ونصل إلى العائق الثالث والاخير وهو شرط النصر عند كلاوسفيتز: القضاء على الحصانة الروحية وإرادة المقاومة عند العدو.

هذه جربها الأعداء طيلة قرون الاستعمار. فلم يستطيعوا. والأنظمة العميلة صار برنامج عملها واستراتيجية بقائها تعتمد على هذا الهدف بدلا من العدو.

لذلك، فالأعداء الخارجيين يفيدون الشعب لأنهم بنفس المطالب يفقدون عملاءهم إذ يبتنونها كل مصداقية فيصبحون عند الجميع محاربي الإسلام نفسه.

وهكذا فما وضعه كلاوسفيتز من شروط للنصر في الحرب بين جيشين مخلصين لنظامين وطنيين مؤمنين بعقائد شعوبهم لا تنطبق عندما ينعكس الأمر فيها جميعا.

وبذلك فهي تصبح شروط مساعدة على التحرير من العدو وليست مساعدة له على النصر: فهي الجراحة التي قلت إنها تحصل بدون مخدر الحكم الأهلي العميل.

ذلك قصدي بشكر الأعداء: فهم يوقظون النائمين ويزيلون التخدير بجراحة عدوانية لا شك في ذلك، لكنها مرحلة ضرورية للاستئناف فالمفعول الروحي حاصل.

الثورة ربحت القلوب: علة الجزع والهلع الذي يجعل رابوع الشر يقدمون على محاصرة قطر الفاشلة ويمول انقلاب تركيا الفاشل ويسند ماريشالات الخيانة.

لكن الأهم من ذلك كله، هو أن الأعداء وهم يتوهمون تهديم معالم الحضارة العربية الإسلامية في الأعيان وفي الأذهان لم يهدموا إلى محنطاتها فيهما.

وأكثر من ذلك، فهم أيضا وهذا عندي أهم شيء في المرحلة الاولى من كل ثورة على الاغتراب الحضاري: هدموا ما بنوه طيلة عهد الاستعمار لمنع الاستئناف.

وأولها وأهمها وأخطرها: الدولة القطرة التي هي في الحقية وثن هدفه الأول والأخير تفتين المكان وتشتيت الزمان ومنع دورهما في الاقتصاد والثقافة.

فالدويلات القطرية فصلها الاستعمار في الجغرافيا والتاريخ بصورة تحول دون شروط التنمية الاقتصادية والتنمية الثقافية لئلا تكون إلا محميات له.

أعلم أن الكثير يدعي أن الغرب وعملاءه يسعون إلى تفتيت المفتت الجغرافي وتشتيت المشتت التاريخي وهذه كذبة: لن يستطيع تغيير حصيلة التاريخ المديد.

مهما فعل، فالقضاء على الدول القطرية لن ينزل دونها بل هو سيصعد إلى الوحدات التي حصلها التاريخ المديد على الأقل القوميات والمذاهب الكبرى.

سيبرز على المستوى القومي: عرب وأكراد وترك، وهؤلاء أكبر الجماعات في الإقليم. ثم سنة وشيعة، وهذان هما أكبر المذاهب والمستقل لهذه الوحدات حتما.

لذلك اعتبرت ما بشر به الأعداء من فوضى خلاقة بدعوى مزيد التفتيت يمكن بإرادة واعية لأمة تستأنف تاريخها أن تحوله لصالحها فتكون خلاقة بحق.

ولست متوهما لأن للأمر سوابق: هذا ما حدث في وحدة إيطاليا وألمانيا والصين والهند. مناورات الاستعمار ليست دائما لصالحه. ولنا مثال أقرب.

أذكر مرة أن طلبتي عجبوا لما قلت لهم إن الجزائر هي التي حررت فيتنام. ظنوا أني تجاهلت أن فرنسا خسرت فيتنام قبل حرب التحرير الجزائرية.

ولما فسرت لهم أن فرنسا التي خرجت منهكة من الحرب الثانية كان عليها أن تختار ما تقدر على حمايته من مستعمراتها. فضعفت هنا وقويت في الجزائر.

فكانت خطتها تلك خسران فيتنام وإضفاء الطابع التراجيدي الكوني على ثورة الجزائر: لعتها آخر معاركها فكان نصرها مقوما لروح حضارة فرنسا الحديثة.

اصبحت الجزائر مقوما من الوعي التاريخي الفرنسي ومن ثم من الوعي التاريخي الغربي الراقي مثلها مثل الاندلس إيجابا بدل السلب: نصر بدل هزيمة.

وهذا ما أتوقع حصوله في المعركة الجارية: لن يهزم أمريكا إلا نحن. وبدأت هزيمتها معنا في العراق وافغانستان. شباب العرب السنة هم الفرسان.

البقية كانوا من جند أمريكا أتوا على ظهر دبابتها وما بقاؤهم إلا ببقائها حامية. وما أن تنهزم وهي ستنهزم وسينهزم معها عملاؤها بمن فيهم إيران.

وطبعا وهذا لا علاقة له بداعش لأن هذه صنيعة إيران وأمريكا وليست مقاومة الشباب السني لأنها هي التي كانت ضحية داعش والحشد الشعبي وأمريكا.

استعملت استعارة قرآنية حول العظام النخرة والمردودية على لسان نفاة البعث. ذلك أن ما يسمى بالنخب الحداثية يعتبرون الأمة قد ماتت ولن تستأنف.

وقصدي أني أعتبر الإيمان بالاستئناف بلغ درجة الإيمان البعث. ففي هذه الحالة وفيها فحسب يكون شرطا في العمل التاريخي المبدع: الطموح التاريخي.

فهو الذي سيستعيد وحدة شروط القوة المادية (الاقتصاد) والروحية (الثقافة) أي شروط القدرة على الإبداعين اللذين يحققان للأمة الحماية والرعاية.

وهما شرطان من دونهما لا إمكانية للسيادة: من يحتمي بغيره ويتسول قوته لا يمكن ان يكون حرا وكريما، أي سيدا، بل هو عبد لحاميه وراعيه كحالنا.

والأهم من كل ما تقدم المرحلة الموجبة من الثورة: التحرر من فساد معاني الإنسانية أي عودة الصفات الخمس التي تمثل نفخة الروح الإلهية في الإنسان.

فبفضل هذه الجراحة التي تزيل البنج-الثورة-يسترد المسلمون فردا وجماعة شروط الاستثناء من الخسر (العصر) والصفات التي هي قبل من النفخة الإلهية.

فالفرد سيكون مؤمنا ويعمل صالحا، والجماعة ستكون متواصية بالحق ومتواصية بالصبر في استعادة الصفات الخمس التي يتقوم به الفرد والجماعة الحرين.

الصفات الخمس: الإرادة والعلم والقدرة الحياة والوجود. يستردها الفرد بمجرد التحرر من فساد معاني الإنسانية وتستردها الجماعة باسترداد افرادها لها.

وإرادة الجماعة مؤسسات سياستها وعلمها مؤسسات علومها وقدرتها مؤسسات اقتصادها وحياتها مؤسسات فنونها ووجودها مؤسسات رؤاها الدينية والفلسفية.

فتسترد الأمة حرياتها الخلقية والمعرفية والمادية والجمالية والوجودية فتكون أهلا للاستخلاف وجديرة بأن تمثل قيم الإسلام العليا في التاريخ

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s