الابداع والاعلام، دلالة ترديهما العميقة : مأساة أمة – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

الابداع والاعلام

دلالة ترديهما العميقة: مأساة أمة

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 16-10- 1438/ 11-07-2017

هذا فصل كتبه الأستاذ قبل الثورة بأعوام حاول فيه فهم الأزمة السياسية والخلقية التي تمر بها الأمة مبينا أنها ليست مقصورة على النخبة السياسية بل هي شاملة. وقد تبين النكوص ضد الثورة في بلاد الربيع العربي صحة ما وصف إذ إن جل النخب التقليدي والتحديثي المزعومين وخاصة أدعياء الإبداع والإعلاميين مثلوا أهم المؤيدين لعود الأنظمة الاستبدادية كما هو بين من مصر وتونس وما نراه الآن يجري في الخليج.

النص

يمثل تردي الإبداع والإعلام في الحضارة العربية الإسلامية الحالية- وهو ترد لا ينكره أحد لتواتر علاماته، رغم ما أشرنا إليه سابقا من نضوج النخب العربية في الجملة- عرض الداءين الرئيسيين اللذين يكاد يحصل حولهما شبه إجماع توصيفي لأمراض مجتمعنا العربي الإسلامي الحديث. لكن هذا الإجماع وجه التشخيص والعلاج إلى حلول أحادية النظرة فأفسد شروط التحليل العلمي لأهم هذه الأمراض في لحظتها الراهنة وحال دون إصلاح شؤوننا العامة.

فأما العلامة الأولى فهي ما ألم بمجال الإبداع الأدبي الذي يكاد أن يغرق في مستقنع الطحالب والزعانف. فلا أحد يمكن أن يزعم أن الحل والعقد في تحديد المعايير والقيم العامة المسيطرة على الساحة الإبداعية يوجد بيد أفضل المبدعين ولا حتى أقرب المفضولين إلى ذوي الفضل: ولعل أكبر مؤيدات هذه الظاهرة ما يغلب على اتحادات الكتاب العربية. فأغلب روادها من عيون الأحزاب الحاكمة ووزارات داخلياتها.

وأما العلامة الثانية فهي ما أحاط بمجال الإخبار الإعلامي الذي يكاد يتلخص في الإيديولوجيا الرسمية وفي بروباجندا الأحزاب وعبادة الأشخاص والأنظمة الحاكمة: وتصح نفس المؤيدات والعلامات حتى وإن اختلف التعين التنظيمي التابع والمتبوع إذ ننتقل من وزارة الداخلية إلى وزارة الإعلام ومن اتحاد الكتاب إلى نقابة الصحافيين.

لكن طابع هذا التوصيف المباشر وبساطته قد يجعلانا نرتاب من بداهة التشخيص الذي ينتهي في الغاية إلى إهمال علل الأدواء لحصر الهم في علاماتها وقصر التشخيص على أدنى العلل أعني العلل السياسية التي يعتقدها البعض ناتجة عن طبيعة السلوك السياسي للحكام والأحزاب الحاكمة. لكأن الحكام والأحزاب بيدهم عصى سحرية يجعلون بها الجميع رهن طوعهم يفعلون ما يريدون.

فلماذا يهمل أصحاب هذا التصور العجول النظر في إمكانية قلب العلية خاصة ومن شروط السلوك السياسي صلاحا أو طلاحا الأخلاق العامة التي تجعل الأمرين ممكنين؟ ألا يكون التفسير السريع بفساد الأنظمة والحكام وحده مجرد مهرب هدفه تجنب المعارك الحقيقية وقصر الهم على مجرد الجدل السياسي الذي ينتهي إلى الحل السهل المتمثل في السلوك الانقلابي: لكأننا لم نجرب هذا السلوك ونتأكد أنه لم يغير شيئا بعد قرن كامل من الغوغاء السياسية التي حالت دون كل استقرار مؤسسي شارط للتربية المدنية وللمحكومية السلمية؟ ألسنا نرى الجمهوريات التي عوضنا بها الملكيات ما يزال واقعها أدهى من سلطنات القرون الوسطى؟

ومهما سلمنا بأن أخلاق النخب السياسية ليست على أحسن ما يرام ومهما قبلنا باستحالة تبرئة الأحزاب الفاشية أو القبائل البدائية أو الطوائف العنصرية التي تتقاسم أقطار الوطن بتسلط وعنجهية ذاتيين وبتآمر وتدبير أجنبيين من جرم الاستفادة النسقية من أدواء مجتمعاتنا بدلا من السعي إلى تقويمها، فهل من الجدية أن نتوهم نهضتنا لا يعوقها إلا طبيعة الأنظمة وأخلاق الحكام أو غياب الديموقراطية الشكلية؟ أفتكون أخلاق النخب الأخرى أفضل وخاصة النخبة الجامعية المنتجة لكل النخب وخاصة للتي يزين منها سلوك هؤلاء الحكام؟ هل ترى نخبنا الجامعية الإعلامية تقبل المقارنة مع نظيراتها في المجتمعات التي نعتبرها نماذج تُحتذى، أم إن استشراء الداء في هذه النخبة يثبت أنها أول المتواطئين مع كل المفسدين بحيث إن العلامتين اللتين يكثر النعي عليهما لا تشيران إلا إلى تفشي هذا الداء السرطاني وفساد الأخلاق العمومية والقيم الشارطة للصلاح في المجالين السياسي والمدني؟ لمَ لا يكون النمو العجيب للطحالب والزعانف و”البصاصين” في ساحتي الإبداع والإعلام الناتجين عن تردي التعليم إلى شبة تعميم للأمية وتكديس الخريجين العاطلين علة تبعية المجالين للأحزاب الحاكمة بما توفره لها من نخب مزيفة ومثقفين مرتزقة, التبعية التي سيطرت منذ نصف قرن فأصبحت السمة الغالبة على كل حياتنا الفكرية والخلقية بدلا من اعتباره معلولا لها ؟

وبصورة أدق لماذا لا ننظر في دلالة التعليل المتبادل بين الظاهرتين –فساد القيم الخلقية العامة التي يمثل تردي الإبداع وتبعية الإعلام علامتيها القصويين وفساد الأنظمة التي يمثل توظيف هذا التردي دلالتها المثلى- فنفسرهما بمنطق أكثر جدية يركز على طبيعة التفاعل بين الاقتصادي أولا والتربوي ثانيا والثقافي ثالثا والخلقي

رابعا والسياسي أخيرا في المستويين الوطني والدولي تفسيرا يجعل الظاهرة أمرا قابلا للتعليل الكلي الذي يتجاوز الوضع العربي الراهن فتصبح من ثم قابلة للعلاج الهادف إلى تحقيق شروط النقلة إلى وضع سوي؟ إذا قبلنا بمثل هذا العلاج المعقد ومتعدد التعليل صار بوسعنا أن نتخلص من حصر الأمر في النعي على الحكام وأنظمتهم وحدها لكأنهم أتونا من المريخ فلا يبقون كما هم عندنا الآن مناطا نعلق عليه كل مآزقنا التي لا نريد لها حلا لكوننا نهمل التعليل الصحيح والعلاج الأليم لنرضى بالمسكنات والمهدئات الإيديولوجية التي جعلت البعض ينتقل بقفزة يصعب فهم منطقها من هوى الديموقراطية الشعبية إلى الهيام بالديموقراطية البرجوازية.

لا ننكر أهمية الإصلاح السياسي خاصة إذا كان تدريجيا وسلميا. لكن هذا الإصلاح لا يكون البداية إلا بشرط ألا يصبح الغاية. فالسياسة لها معنيان: فن الحكم وطبيعته شكلا وتلك هي الأداة وجوهر الأحكام وقيمها مضمونا وذلك هو الهدف. لذلك فعلينا الخروج من معارك البداية التي طالت قرنا كاملا لنحدد جواب الغاية التي لم يدر حولها حوار جدي:

فكيف نعلل الرشوة السائدة عندنا في كل الأنشطة الاجتماعية؟

والانتخابات المزيفة في كل التنظيمات الحديثة ذات الآلية الانتخابية؟

والبضائع المغشوشة في كل الإنتاجات المحلية؟ والخدمات المنحطة في كل المصالح المدنية؟

والقضاء الذي فقد ثقة المتقاضين في كل الأصناف الحكمية؟

والتعليم المتدني في كل المستويات التربوية؟

والعملة المتدهورة في التبادلات الداخلية والخارجية؟

والقيم بجميع أصنافها الجمالية والخلقية والمعرفية والحقوقية والروحية التي صارت دون العملة صمودا أمام التآكل المتسارع؟

أليس ذلك كله من الأمور التي لا ينفيها إلا معاند ولا يرتاح إليها إلا مهادن للشر استفادة من ثمراته المرة في المدى البعيد؟

فهل هذه العاهات يكفي لتفسيرها طبيعة نظام الحكم أو سلوك الحكام أو أخلاقهم أو عمالتهم مهما نسبنا إلى السياسي من قوة تأثير؟ أليست النخب السياسية إفرازا لهذا الفساد العام المستشري مما يؤكد بكل وضوح أن الأمم كيفما كانت يولى عليها؟ لا بد أن نسأل متفجعين عن العلل العميقة: لم هذا الانحطاط المتزايد في صفتي كل الأفعال التي تقتضي جهدا بشريا صفتيه التقنية والخلقية بحيث بات لا يصلح في مجتمعاتنا مما هو من عمل الإنسان إلا ما كان منه مستوردا- إن ليس في الواقع الفعلي ففي الرأي العام- مما يعني أننا سنضطر شيئا فشيئا إلى حصر تعاملنا مع الغير في استبدال ثرواتنا الطبيعية التي أعطتنا إياها أرض الآباء بالبضائع والخدمات الاستهلاكية التي تزيد التبعية تعميقا والفقر تجذرا خاصة وعدم التوازن بين حدود التبادل بين الخام والمصنع لا يتوقف تزايده؟

ما الذي يجعل الجامعات التي مر قرن تقريبا على تكوين البعض منها ما تزال تدور في فراغ فلا تنتج شيئا مما يحتاجه المجتمع بما في ذلك أدوات عملها الذاتية من أبسط التجهيزات المكتبية في الإنسانيات إلى أعقد التجهيزات المخبرية في الطبيعيات، رغم تضخم عدد الشهادات وألقاب الدكتوراهات؟

لماذا أصبحت كل النخب بحاجة إلى الإيهام بأنها تفعل شيئا لتعلل وجودها في حين يعلم الجميع أن الكل يدور في حلقة مفرغة كما يتبين من خواء أهم قاطرات الإنتاج في المجتمعات البشرية أعني الجامعات ومعاهد البحث التي صارت عندنا معامل تفرخ هذه الطحالب والزعانف أعني كل من كان من أعشار المتعلمين والعاطلين بالكامل والمتفرغين من ثم لملء المتسنقعين الإبداعي والإعلامي, بدلا من أن تكون منبع الإبداع والإعلام المثمرين عندما يكونان وسيلتي خلق المعدوم من المبتكرات وسيلتيه المصاحبتين لتبليغ الحاصل للمتعلمين أو للجمهور عامة ؟

لماذا لا يزال كل شيء يستحق الذكر في منشآتنا (كبناء المعامل والمستشفيات المختصة) ما كان حديثا أو حتى محاكيا للماضي (حتى بناء أكبر المساجد) يعود إلى الخبرة المستوردة خلال قرنين من محاولات النهوض وبعدهما ؟

ورغم أن هذه الظاهرة تبدو سائدة في بعض الأقطار العربية الغنية أكثر منها في أقطار الوطن الأخرى فإنها ليست بالأمر الخاص بهم، لكون النخب الحاكمة في الأقطار العربية الأخرى تفضل الانتقال إلى هذه المرافق بدلا من نقلها إلى أوطانها ربما بسبب قلة الموارد فتكون من حظها وحدها دون سواها من المواطنين (المدارس الراقية لشبابها والمصحات المتقدمة لشيوخها والملاهي الباذخة لكل أجيالها).

فهي فيه أكثر بروزا لكون حركة التعمير فيه تحاكي ما يوجد في أكبر حاضرات العالم المتقدم من دون أن يكون ذلك دالا على حيوية تعميرية ذاتية. فكلها منشئات ليس فيها شيء واحد عربي بحق عدا موقعها الجغرافي وملكية الاستمتاع بشروط الحماة. أما التصور والإنجاز والتجهيز والصيانة وحتى التسيير فكلها بخبرات مستوردة ومؤبدة للاستيراد ومن ثم للتبعية حتى في كيفيات العيش وفي أدنى أدواته.

وكل ذلك من آيات فشل التعليم وإفلاس الجامعة التقني والخلقي، التقني لعدم الخبرة والإتقان والخلقي لعدم التكوين السليم والضمير المهني.

لا بد من علل أعمق لتفسير وجود هذه الأدواء التي اخترنا منها علامتي أدواء الثقافة الراقية في مستوييهما الجمهوري فرعا والأكاديمي أصلا: علامة داء الإبداع العلمي والجمالي وعلامة مرض الإعلام المعرفي والسياسي.

ذلك أنه إذا كان الكثير يبالغ في الحديث عن المستنقعين الإبداعي والإعلامي الجمهوريين اللذين يعسر إخفاؤهما فإن مستنقعي الإبداع العلمي والإخبار الإعلامي في المستوى الأكاديمي وضعهما أسوأ. فهو أصل دائي المستوى الجمهوري اللذين يمثلان اليوم أبرز علامات الفساد العام المستشري في جسد حضارتنا التي هي ميتة ذاتيا ولا تستمد حياتها المستعارة إلا من الخبرات المستوردة ومن ثم من أجهزة حياة مصطنعة مثل المريض الذي يبقيه الأطباء في حياة نباتية آلية.

فإلى تردي مستوى الإبداع والإعلام الأول يعود تردي مستواهما الثاني لكون الجامعة هي التي تخرج منتجيه الذين يستمدون نماذجهم منه. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الصراع المفتوح في مستنقعي الإبداع والإعلام الجمهوريين ييسر فضح الدجالين والمبتعدين عن أخلاقيات المهنتين بخلاف مستنقعي الإبداع والإعلام الأكاديميين اللذين يغلب عليهما منطق المافية الحائل دون فضح الدجالين وكشف المبتعدين عن أخلاقيات الحرفتين باتت فداحة الداء بينة للجميع: أسباب انحطاطنا الأولى والأخيرة تعينت تعينها الأتم في جامعاتنا خاصة وفي نظام تعليمنا وتربيتنا عامة.

فكل نظام تربوي مؤلف من مستويين:

خاص يمثل منظومة من المؤسسات الاجتماعية التي يخصصها المجتمع لهذه الوظيفة أعني منظومة التعليم والتربية النظاميين مما قبل الابتدائي إلى ما بعد العالي.

وعام يمثل بعدا من كل المؤسسات الاجتماعية الأساسية الأخرى أعني في منظومة المؤسسات الأسرية وفي منظومة المؤسسات المنشأية الاقتصادية وفي منظومة المؤسسات السياسية وأخيرا في منظومة المؤسسات الروحية.

وإذا كانت المؤسسة المخصصة لوظيفة التربية التي يغلب عليها التكوين العام في كل أبعاد التربية هي المؤسسة المدرسية بكل مستوياتها من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة فإن كل واحد من أبعادها يغلب بصورة عامة على كل واحدة من المؤسسات الرئيسية التي أشرنا إليها: فالمؤسسة الأسرية يغلب عليها البعد العاطفي من التربية والمؤسسة المنشأية يغلب عليها بعدها المهني والمؤسسة السياسية يغلب عليها بعدها المدني والمؤسسة الروحية يغلب عليها بعد التعالي من كل هذه الأبعاد التربوية.

ولما كان كل نظام تربوي تقاس فعالياته التقنية والخلقية بنوع الإنسان الذي يكونه وكانت هذه الفعاليات تتمظهر بسلوك الإنسان والأخلاق العامة السائدة في كل المؤسسات وخاصة في المؤسسة التي توكل إليها الوظيفة التربوية، فإن كل أنظمة المؤسسات الأخرى في المجتمع يقاس نجاحها الفني الخاص بوظائفها والخلقي المشترك بينها جميعا لكونها لا تختلف الواحدة منها عن الأخرى إلا بنوع ظهور الخلق الشخصي والجمعي في ممارسة تلك الوظائف.

فيحق لذلك أن نعتبر فساد النظام التربوي علة كل فساد في المؤسسة التربوية وفي كل المؤسسات الأخرى. ولما كانت الجامعة هي قاطرة المؤسسة التربوية التي هي قاطرة ما عداها من المؤسسات، إذ هي معمل المربين ومنبت كل الكوادر في كل المجالات التي أحصينا، باتت الجامعة غاية كل تشخيص للأدواء وبداية كل تحديد للعلاج: لذلك فهي شرط الانتصار في كل معاركنا إذا كنا نريد خوضها بحق بدءا بأدواء الذات وختما بعدوان الغير الذي يكون سلاحه الأمضى عادة ما يستند إلى المعرفة بأدواء الذات.

فليس ما يصيب وظيفتي الإبداع والإعلام الجمهوريين إلا مجرد علامات على الاختلال في نبض المجتمع. وهي علامات دالة على ما أصاب وظيفتي قلبه أعني وظيفتي جامعاته: المستوى الفني والخلقي في وظيفتي الإخبار بالحاصل من المعرفة والخبرة وإبداع غير الحاصل منهما لتكوين الإنسان الذي يتحقق بهما فيكونان جوهر قيامه وعين فعالياته في الطبيعة (الاستخلاف النظري وتطبيقاته) وفي الشريعة (الاستخلاف العملي وتطبيقاته)

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s