سر الدفاع عن حماقات البليهي – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

سر

الدفاع عن حماقات البليهي

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 12-10- 1438/ 08-07-2017

هذا نص كتبه مؤلف خيالي (يعبر عن موقف طلبة الاستاذ أبي يعرب) تعليقا على ردود بعض الليبراليين الخليجيين على مقال الأستاذ ابي يعرب حول موقف البليهي من الحضارة الغربية وتبجيله لها على ما عداها. وقد نشر مباشرة بعد ردودهم على مقاله الذي نشر بعد حواراته المشار إليه فيه منذ ما يقرب من عقدين نعيد نشره إذ قد يفيد في الحد من الشوفينية المناطقية بين النخب العربية. (نشر في مجموعة عبد العزيز قاسم)

تعليقا على مقالة أبو يعرب المرزوقي (آرية دونها آرية هتلر)

بقلم: د.عبد الله الراجحي (شخصية خيالية)

لعله من المفيد أن يشير المرء إلى أن الاعتذار لمثل المواقف التي عبر عنها الأستاذ البليهي في مكاشفاته والمدافعين عنها في ردودهم على الأستاذ أبي يعرب المرزوقي في مقاله “آرية دونها آرية هتلر” فيذكر بما سبق لأبي يعرب أن أثبته في أحد كتبه أعني إحدى الثوابت في مسار نخبنا الفكري التي انبهرت بالغرب على طول الوطن العربي وعرضه. فالمعلوم أن هذه النخب قد تصورت مجرد التطبع بطباع الفرنجة الظاهرية يكفي لكي يتحقق التحديث الحقيقي متناسين نظرية ابن خلدون الشهيرة حول العلاقة بين تغيير الظاهر وتغيير الباطن في محاكاة المغلوب للغالب.

فلا شيء يمكن أن يعاب على هذه الظاهرة ما دامت من الثوابت العمرانية. كل النخب العربية كررت بحسب توالي التقاء أقطارهم بالغرب ظاهرة الانبهار والتأثر السطحي ولم تتحرر منه إلا بالتدريج لما تعرفت على الغرب حقا وفهمت أن التحديث مغامرة فريدة النوع لا يمكن فيها لمحاكاة المظاهر أن تكون مؤثرة:

  1. فبداية الظاهرة كانت عند نخب الشام بسبب التأثير المسيحي والمسألة الشرقية منذ ما قبل عصر الاستعمار المباشرة: لكن الشام وخاصة لبنان لا يزال طائفيا حتى النخاع ولم يصبح ديموقراطيا إلا في الكلام الصحفي وثرثرة المقاهي.

  2. ثم تلت نخب مصر بسبب هجرة بعض النخب الأولى وبسبب بداية النهضة فيها قبل غيرها من أقاليم الوطن: لكن قصور الباشوات قبل ما يسمى بالثورة ثم فجور الاثرياء الجدد بعدها لم يجعلا مصر أوروبية رغم أوهام طه حسين.

  3. ثم تلت نخب المغرب العربي الذي كان الاستعمار فيه توطينيا وأكثر تأثيرا مما حصل في أي إقليم عربي آخر. لكن أحلام ثورات التحرير ذهبت هباء وعاد المغرب العربي إلى غطيط العروشية والقبلية والجهوية والديموقراطية الورقية بحيث إن بلاد المغرب تقدمت حتى على الغرب في النصوص وهي لم تزل في “البعبوص”.

  4. ثم تلت نخب الخليج العربي التي صارت بلادها تعتمد على الحماية المباشرة للأمريكان بعد فعلة صدام في الكويت: وما أظن التجربة ستكون أفضل مهما تعالت العمارات وناطحت السحب. فلا يمكن لأمة أن تصبح حرة وديموقراطية إذا كان الناس جميعا عالة على الدولة التي توزع فتات ما يبقى من طفرة البترول ولا تدري ما العمل بعدها.

  5. وأخيرا تلت نخب الخليج الباقية بعد فعلة ابن لادن وهجمة الاستعمار الثقافي على السعودية المعقل الأخير للصمود الثقافي. فقد ينهار جدار الصد والصمود ولا يتحقق شيء مهما تغنى البعض بالليبرالية في الكلام ركوبا للموجة الاعلامية وعاش على قيم الحقيقة القبلية.

وفي خلال كلامي مع الأستاذ أبي يعرب ذكرت له ما يدور من حوار أثارته أخت فاضلة في موقع ليبرالي سعودي حول مقاله “آرية دونها آرية هتلر”. واستأذنته في أن أعلق على الدعاوى التي ذكرها لم يعالجها فلم ير مانعا لكنه اعتبر ذلك مضيعة للوقت ففهمت الإشارة. فالمعلوم أن الأستاذ أبا يعرب قد أشار في نصه إلى خمس دعاوى هي:

  1. الدعوى الأولى: تتعلق بمفهوم الغرب دوره في الحضارة الإنسانية واستثناء الأمم الأخرى منها.

  2. الدعوى الثانية: تتعلق بالإستراتيجية التقليدية في التمييز بين المسلمين والإسلام حتى نعود إلى القولة الشهيرة بوجود إسلام بغير مسلمين في ومسلمين بغير إسلام في الشرق.

  3. الدعوى الثالثة: تتعلق بتحديات الحاضر العربي الإسلامي ومن ثم بأهم محركات التاريخ الإنساني.

  4. الدعوى الرابعة: تعلق بمفهوم الحضارة والخلط بين مظاهرها وأعماقها ومن ثم بسطحية هذا الفهم للغرب والشرق على حد سواء.

  5. الدعوى الأخيرة: وهي أصل كل هذه الدعاوى هي النظرية التي توصل إليها هتلر لكونه منطقيا في استدلاله وأغفلها البليهي ربما لأنه أدرك بلاهة القول بها: إنها التفسير العنصري للتاريخ الإنساني.

لكن ما اطلعت عليه من آراء أدلى بها بعض المدافعين عن البليهي رافضين الاستماع لدعوة الأخت لمناقشة الأفكار بدل التهجم على الأشخاص لم يجد نفعا. ولعلهم محقون ومعذورون: فمن الصعب أن يجد المرء في كلام الأستاذ البليهي أفكارا يدافع عنها إذ إن ما ورد في مكاشفاته شعارات تجدها في أدبيات المنبهرين بالغرب منذ بداية النهضة إلى الآن.

ولما كان الأستاذ أبو يعرب لم يعالج من الدعاوى إلا الدعويين الأولى والثانية مكتفيا بتحريرهما لكونهما المؤطرتين للإشكالية ولما كان قصده صريحا بأنه لن يتجاوز ذلك الحد لأن العينة كافية واعتبر اقتراحي بعلاجها مضيعة للوقت فقد رأيت من واجبي أن أقدم بعض الملاحظات حول هذا الحوار وما رأيته فيه من سوء التفاهم. ولست أفعل دفاعا عن أستاذي لاستغنائه عمن يدافع عنه بل غايتي أن أشرح ما غاب عن الأخوة والأخوات من مقاصد أبي يعرب وأن أدعو للمنافحين عن “فيلسوفهم” البليهي إلى النقاش الفكري الذي لا يكتفي بالدفاع عن الشعارات بالشعارات. فلعل ذلك يغني الأمة عن كلام المنافقين للبليهي الذين يوهمون الأمة العربية الإسلامية بأن لها مفكرين رواد كما فعلت في غير ميدان الفكر من الأمجاد الكاذبة عند التحديثيين.

فأغلب المنبهرين بالغرب لا يعرف منه إلا البهرج ومن ثم فمعرفته ليست معرفة حقيقة. لذلك تراهم يخلطون بين أضواء هوليوود أو دعاية الحرب النفسية على الأمم المغلوبة وحقيقة الغرب التي لا تبعد كثيرا عن أي عمران آخر فيه الخير والشر وفيه الفضائل والرذائل وهو ليس بأحسن حال إلا لعلل لا علاقة لها بما يتصورونه من التفسيرات الوهمية. لكن الأدهى من ذلك هو تصورهم أن استيراد أنماط العيش يمكن أن يكون بديلا من تعلم سر القوة الحقيقية بخلاف ما فعلت كل الأمم التي بدأت النهضة بعدنا وحققت شروطها وبقينا يوما بعد يوم نزداد تخلفا بسبب ذهنية الخواجات التي سيطرت على نخبنا الفكرية والسياسية قلبا للقوانين حتى صارت التوالي مقدمات.

سأعلق على ما اطلعت عليه من مواقف حول ما كتبه الأستاذ أبو يعرب في كلامه على الدعويين الأولين لأفهم ذهنية هذه النخب العربية التي تزايد على الجميع في الكلام على التحديث وهي تستبدل السلفية الشرقية بالسلفية غربية ويتصورون أنفسهم ثوارا وهم لا يختلفون إلا بنوع السلف الذي ينتسبون إليه: إنهم يمضغون مبتذلات التحديث الغربي دون فهم وإلا لعلموا أن ما يدعون إليه تجاوزه الغرب منذ قرن وبدأ يبحث عن حلول أخرى بعد أن بزه غيره في سر قوته أعني ما لا يخطر على بال الليبراليين العرب كما يتبين من تقارير التنمية التي يصدعون بها آذاننا.

ردود فعل عجيبة

لست أدري لماذا لم ينتبه الأخوة والأخوات المتوددون للأستاذ البليهي ربما لما له من جاه. فالناس لا يمكن أن يصبحوا بين عشية وضحاها ملائكة يدافعون بهذه الحماسة عن الفكر. من الصعب التسليم بأن العمل لوجه الله بات الخلق السائد في الدنيا. تعليقي لن يتجاوز العناصر التالية:

فأولا كل من يقرأ نص أبي يعرب يجد أنه قد حاول مرتين على الأقل أن يعتذر لموقف الأستاذ البليهي معللا موقفه بحال الحضارة العربية الإسلامية الحالية وحرصه على استنهاض الهمم. فيكون بذلك قد قدم القصد الحسن اعتذارا عن مواقف الأستاذ البليهي المفرطة التي يحط بها من كل الحضارات وليس من الحضارة العربية وحدها مستثنيا من حكمه حضارة واحدة هي الحضارة الغربية. وقد اقتصر كلام الأستاذ أبو يعرب على تفنيد كلامه بعد أن رده إلى تأثير كذبتين اختلقهما الغرب الحديث ليوجد لنفسه أصلا متقدما على الحضارة العربية الإسلامية التي كان في صراع معها منذ العصور الوسطى إلى الآن.

فبخصوص الكذبة الأولى بين الأستاذ أبو يعرب بالاعتماد على أكبر فليسوفين يونانيين صلة الحضارة اليونانية بما قبلها في مجال المؤسسات التربوية وأدوات التعبير المعرفي وفي العلوم والفلسفة اليونانية.

وبخصوص الكذبة الثانية اكتفي الأستاذ أبو يعرب بالإحالة على الأستاذ رشدي راشد الذي بين دور ما قبلها وخاصة دور علوم المسلمين في مجال العلوم والفلسفة الحديثين.

والمعلوم أنه لم يعد أحد ممن يوثق في علمه يشكك في أن حصر الحضارة في الغرب قديمه وحديثه نتج عن كذبتين وليس عن حقيقتين تؤيدهما الوثائق والوقائع. فالمعجزة اليونانية القديمة والمعجزة الأوروبية الحديثة كلتاهما كذبة لم يعد أحد من الغربيين أنفسهم يصدقها. لكن ما العمل مع الأستاذ البليهي وأمثاله هداهم الله حتى وإن كان عذرهم هو ما نعاني منه فعلا من انحطاط لا يجادل فيه أحد أيضا؟

والأخطر من ذلك -وهو ما لم يغص فيه أبو يعرب بخلاف عادته لكون المقالة كانت شبه هزلية-هو الظن بأن المُثل يمكن أن تتعين في شكل تاريخي محدد. ذلك أنه لو تم ذلك لأصبحت أوثانا: أي إن الأستاذ البليهي خاصة وكل الليبراليين العرب من حيث لا يدرون هم في الحقيقة سلفية غربية تصارع سلفية إسلامية. والحصيلة أنهم بقوا سلفيين حتى النخاع: كانوا وهابيين فصاروا بوشيين. ولا فرق عندي بين أن تكون سلفيا إسلاميا أو سلفيا أمريكيا: فأنت في الحالتين تخلط بين المثال الأعلى والوثن الذي صنعته منه وظننته تحقيقا له في حين أن المثل لا تتحقق بل ما يتحقق هو السعي الدائم لتحقيقها أي المغامرة التاريخية التي هي خاصة بالأمم أمة أمة دائما.

فأنت في الحالتين السلفيتين قد وثنت المثل وجعلتها متحققة فعلا ولم يبق إلا أن تحاكيها: فما الفرق بين أن التقليد والتقليد أم إن القردية أفضل من الببغائية؟ لا فرق بين دفاع السلفية الأهلية عن اللحية والعقال والدفاع عن حلق اللحية وتعويض العقال بالقبعة. إن الدفاع عن عدم اللحية وعدم العقال فضلا عن الدفاع عن القبعة أو البرنيطة كالحال عند صاحب الذي عافت نفسه مواصلة القراءة إن ذلك ليس ثورة ولا فكر ولا تقدم بل هو استبدال تقليد بتقليد. وأصحاب الموقفين كلاهما لم يفهموا بعد أن التاريخ تراجيديا إبداع وليس مهزلة تقليد.

فعندما نتكلم على الماضي وخاصة على الصدر فلا ينبغي أن يكون القصد محاكاة ما فعلوا بل محاكاة قدرتهم على الفعل فنكون مثلهم فاعلين وليس محاكين لأفعالهم. لذلك بين أبو يعرب الفرق بين السنة والسن وبين الجماعة والجمع: فالمطلوب أن نسن سننا وأن نجمع جماعات لا أن نحاكي سننا وجماعة. فنوحد الأمة بأن نبدع مستقبلها كما وحدها القدامى بأن أبدعوا مستقبلها الذي صار ماضينا.

وثانيا لم يكن هم الأستاذ أبو يعرب الدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية حتى يتهمه أحد المتفاقهين بالصحونجية بل كان قصده البين من كلامه رفض التشويه الذي يلحق بمفهوم الحضارة عامة من حيث هي إنسانية أسهمت فيها كل الأمم التي يذكر التاريخ دورها ويتناساه الأستاذ البليهي بحيث إنه لما تحدث عن الاكتشافات الأساسية التي تستند إليها كل حضارة (الحرف والرقم والدولة والتربية والأمة) لم ينسب ذلك إلى المسلمين وإلا لصح عليه النهي عن خلق والإتيان بمثله بل هو يتكلم على كل الحضارات القديمة وخاصة حضارة ما بين النهرين وحضارة حوض النيل فضلا عن حضارات الشرق الأقصى التي لم يتكلم عليها لأنه ليس من عادته الكلام في لا يعلم.

وثالثا كل قارئ موضوعي لا يجد في نص أبي يعرب اتهاما للأستاذ البليهي بشيء فضلا عن أن يكون قد قصده بصفته سعوديا أو عربيا أو مسؤولا كبيرا أو مفكرا كبيرا كان أو صغيرا فيلسوفا كان أو فقيها. ولعلي أسمح لنفسي بالسؤال عن سر العظمة المنسوب إلى الأستاذ البليهي ما هو: فهل مجرد التعيين في مجلس الشورى والترويج للشعارات يكفي ليكون المرء فيلسوفا؟ ما مقدار اطلاعه على التراث الفلسفي؟ وماذا كتب بالمعنى الأكاديمي أو حتى بالمعنى الإبداعي؟ هل من يطلع على بعض الجرائد في الطب يصبح طبيبا عند أهل هذا المنتدى فيحق له أن يبقر بطون الناس فضلا عن بقر بطون الحضارات وتزعم الإصلاح في المعقل الأخير لصمود حصانة الأمة؟

ومع ذلك فقد كان كلام الأستاذ المرزوقي مقصورا على ما قرأ وفهم من المسائل الاثنتي عشرة التي وردت في الحلقة الأولى من المكاشفة لا يعدوها أعني بمقتضى ما قصر عليه قوله في المقارنة بين الآريتين مقارنة بينت أن هتلر كان أكثر تواضعا من الأستاذ البليهي عندما حاول حصر علامات الإنسانية في الآريين. كل ما عدى شعاراته التي يظنها المدافعون عنه فكرا لا يعني أبا يعرب لذلك فقصده لم يتجاوز بيان خصائص الموقف الذي تصدر عنها الأقوال التي قرأنا عنها جميعا في المكاشفات وفي حدود اختصاص أبي يعرب لم يتجاوزه قيد أنملة.

تلك هي علة المقارنة مع قولة هتلر. فالهدف كان بيان اللوازم التي تتلو على قول البليهي لو منطقيا مثل الآريين الذين يعجب بهم ولا يتصف بأهم صفة يزعمونها لأنفسهم وينفيها بعضهم عن غيرهم فيزايد البليهي عليه بأن يسلم لهم بذلك أعني العقل المنطقي الصارم والدقيق: كان عليه أن يقول بما قال به هتلر أعني ألا يعتبر إنسانا من لا تتعين فيه صفات الإنسان المقومة أعني الإنتاج الحضاري بكل أشكاله. لذلك أورد أبو يعرب الشكل المنطقي الذي يلزم عنه القول بما قال به هتلر.

ورابعا فإن كل من يحاول أن يزعم أن كلام الأستاذ أبي يعرب على أثر الاكتشافات التي تتأسس عليها كل حضارة ودعواه بأن كل ما جاء بعدها هو من ثمراتها وليس بديلا منها يحط من قدرها لم يكن للحط من شأن الخالف باسم السالف بل لبيان التكامل بينهما بل وتأسيس اللاحق على السابق حتما بحيث إن حلقات الإبداع الإنساني لا تتفاضل ما دامت جميعا متكاملة. وإذا حق لنا أن نفاضل فالمتقدم أفضل من المتأخر لعلتين:

أولا لأنه كان أعسر اكتشافا بسبب كون البدايات هي دائما الأصعب في أي مجال كان لو أنصف هؤلاء المعلقين.

وثانيا لأن اللاحق مدين للسابق بوجوده بإطلاق والسابق غير مدين للاحق بالوجود بل بالاكتمال. وشتان بين الأمرين.

وإني لأعجب من الأخ صاحب البرنيطة الذي لم يستطع أن يتقدم في القراءة بعد الفقرة التي انتخبها. وهو معذور فلعل البرنيطة حجبت النور عن عينيه إذ أدناها لتحميه من شمس الجزيرة العربية التي رمته فيها الأقدار. لكنه لو درس الدور الذي أدته حلقة الوصل بين التاريخين القديم والحديث أعني ما يسمى بالعصر الوسيط في العلوم والممارسات النظرية والعملية لعلم أن الحداثة التي ألبسته البرنيطة حصلت حينها حتى وإن كان قطافها لم يحن إلا بعدها.

كما أعجب من الأخ الذي يتعالم بالكلام على الكمبيوتر مدعيا أن أبا يعرب يتكلم فيما لا يعلم. وقد يكون هذا الأخ علامة العصر في المصر لأنه استعمل حاسوبا أكثر تعقيدا من حاسوب أبي يعرب بسبب القدرات المالية أو لعله زار معمل الحواسيب وأبو يعرب لم يفعل لأن معامل الكمبيوتر لم تكن موجودة في البلاد الغربية لما كان يدرس فيها ولم يتحقق شيء منها في تونس بعد لسوء حظنا فضلا عن كون أبي يعرب تقدمت به السن ولعله فقد حب الاطلاع فلم يعد يزور المعامل لينبهر بالمظاهر.

لكني أشك أن يكون هذا المعلق على علم بدور الرياضيات والمنطق في وظائف الكمبيوتر فلا يفهم أن الحاسوب قد اكتشف منذ اليوم الذي وضع فيه المنطق ذي القيمتين أعني منذ أرسطو بل ومنذ أن كان المصريون يعالجون مسائل القسمة بالطرح ومسائل الضرب بالجمع والقاعدة الثنوية رغم اكتشافهم القاعدة العشرية والستينية أو منذ أن اكتشف أهل ما بين النهرين قانون فيثاغورس ونظرية المنازل والمنزلة الخالية للتعبير عن الصفر أو منذ أن صورن العرب المنطق الأرسطي والرياضيات اليونانية وأن كل أجهزة الحساب الآلي لم تنتظر ما يتصوره أسمى من العلوم والأديان.

لو كان علامة العصر هذا يفهم حقا في الكمبيوتر لعلم أن الجهاز الصيني للعمليات الحسابية المعقدة حاسوب حتى وإن كان لا يعمل بسرعة الضوء. ولتعلم يا أخي أنه لا يقول مثل كلامك إلا منبهر ساذج لا يفهم شيئا في العلم والدين والتقنية حتى لو كان فنيا في تبديل قطع الكمبيوترات المستوردة أو حتى تاجر كبيوترات.

وأخيرا فإن ما يكاد المرء يموت منه ضحكا هو الكلام على صعود المرزوقي على أكتاف البليهي. الجاه السياسي لا علاقة له بالعلم ولا بالفلسفة وهو على كل حال خلب تذروه الرياح مثله مثل رمال الصحراء. إنه ليس مما يهتم به أبو يعرب. لكني أظن والله أعلم أنه علة هذا التودد من جماعة تعتبر الريادة الفكرية لعبة أطفال في متناول من يكاد يتهجأ العربية فضلا عن لغات العلوم والفلسفة. فالتاريخ الإنساني كله رواد الفكر فيه يعدون على الأصابع. والمعلوم أن أبا يعرب لا يزعم لنفسه ريادة ولا يمانع في أن يزعمها لنفسه من تكفيه بعض المفردات العامية مثل شعارات التقدمية والليبرالية والعلموية والتنويرية وهلم جرا من اللوبان الذي رمى به الفكر الغربي في مزابله منذ قرنين ليتلقفها أمثال المادحين لمكاشفات البليهي.

والعجيب أن مرددي هذه الشعارات لا يعملون أن ما تحيل عليه من الحقائق كان من ثمرات عهود لم تكن فيها هذه الشعارات ذات معنى: فكل هذه القيم كانت ثمرات أوربا ما قبل الحديثة أو أوروبا التحديث في ما بين القرون الثالث عشر والسابع عشر. وهي على كل حال ليست شروطا للحداثة بخلاف ما صدعت به آذاننا تقارير التنمية العربية كما يتبين من التجربتين الناجحتين المعروفتين تاريخيا أعني:

في الحداثة الغربية أولا حيث كانت الثورتان العلمية-التقنية والاقتصادية الثقافية متقدمتين على الثورتين السياسية والاجتماعية في أوروبا بمراحل تحققها المتوالية في انجلترا وفرنسا وألمانيا.

وفي حداثة الشرق الأقصى ثانيا بنفس الترتيب السابق مع الامتياز بكون ذلك مشهودا لنا لأنه يجري الآن وليس من تاريخ القرون الأربعة الفارطة بمراحل التحقق في اليابان والصين والهند والنمور.

ولعل ما حصل في أقاليم الوطن العربي يتكرر كما أسلفت: نخب الجزيرة التي انفتحت على الغرب في آخرة المراحل من لقاء العرب بالغرب لا بد أن يمروا بما مر به غيرهم من نخب الشام والنيل والمغرب. إنها سنة لا محيد عنها. وستمر السورة ونعود إلى التوازن بعد الانبهار الأول وعندها يمكن الكلام على دورنا ودور غيرنا ومن ثم التأسيس للتعاون البشري دون تفاخر بين الأمم: فلا فضل لأعجمي على عربي إلا بالعمل والجهد معيارا للإبداع الحضاري نقيسه على معيار التقوى الديني.

وسأسمح لنفسي بإضافة ملاحظتين أوجههما للمعجبين بفيلسوفهم البليهي لعل الثانية منهما تمكنهم من اختبار شجاعته هل هي مقصورة على الأقوال أم إنها مشفوعة بالأفعال والأولى تمكنهم من تحديد مقدار فهمه لمنطق كلامه عن دور التأثير الثقافي في مصائر الأمم:

الأولى تتعلق بالزعم إن الأمم تنتجها ثقافتها. فهذا لعمري من قلب العلاقة بين العلة والمعلول حتى وإن كان التاريخ الإنساني علله دورية. فالثقافة التي هي نتاج الأجيال السابقة تسهم في إنتاج الأجيال اللاحقة دون شك. لكن أيا كان دور الثقافة في التأثير فإنها تبقى منتج الأمم لا العكس: لو صحت النظرية القائلة إن الثقافة هي التي تنتج الأمم لكان ذلك يعني الحتمية الثقافية ولأصبحت الدعوة للتحرر من الأشكال الثقافية ممتنعة. الثقافة العربية الحالية أغلبها أنتجه الانحطاط وسعي الأمة للخروج منه هو الذي سينتج الثقافة المقبلة وليس العكس.

الثانية تتعلق بالزعم إن الليبرالية هي السبيل الوحيدة لخروج المسلمين مما هم فيه. فهذه كلمة حق أريد بها باطل. فأولا لليبرالية ثلاثة مستويات فأيها يعني صاحبنا: هل هي الليبرالية الاقتصادية؟ وهذه ليست موجودة في الخليج فحسب بل إن الاقتصاد فيها مطلق الحرية حتى إن الدولة نفسها تكاد تكون شركة خاصة للمشرفين عليها. وهل هي الليبرالية السياسية؟ أعني التداول على الحكم بالأسلوب الديموقراطي: هل يجرؤ الأستاذ البليهي على القول بهذا؟ أيكون ضد الملكية وهو عضو في إحدى مؤسساتها؟ وهل هي الليبرالية القيمية؟ أعني أن يكون الإنسان مطلق الحرية في التشريع القيمي فلا يكون فوق شرع الإنسان شرعا إلهيا؟ فهذا لا يعمل به حتى الأمريكان حتى إن القائلين به يعدون يسارا متطرفا وما كان لأحد منهم أن يحصل على الأغلبية للحكم لو قال به صراحة. أفيكون أخونا البليهي يساريا متطرفا بالمعنى الأمريكي للكلمة ؟

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s