الدراسات القرآنية، حقيقتها وأصالة القرآن الكريم – الفصل الخامس – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

الدراسات القرآنية

حقيقتها وأصالة القرآن الكريم

– الفصل الخامس –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 13-10- 1438/ 08-07-2017

آخر فصول هذه المحاولة أخصصه لمدلول ما بعد الأخلاق بوصفه العلم الرئيس الواصل بين العالمين الأعلى والأدنى. وكلاهما إبداع لواقعيهما وليس اتباعا.

فـ”المعادلة الوجودية” هي موضوع العلم الرئيس أو الأرشيتاكتونيك القرآنية المؤسسة لعلوم الملة واعمالها حقيقهما وزائفهما بحسب تراتب العالمين.

فبين اختيار ظاهر الوجود أو حقيقته معيارا لعلم الإنسان وعمله، يكون الإنسان عبدا لسيلان الظاهر أو سيدا عليه. في الحالة الاولى تفسد معاني الإنسانية.

فلنعرض المعادلة ولنقارنها بالمعادلة الفلسفية، علمين رئيسين كانا مختلفين ثم اتحدا بعد أن أدركت الفلسفة ما سبقها إليه الدين فتحررت من المطابقة.

فالمطابقة أي القول بأن الوجود مطلق الشفافية والعقل يعكس الوجود عكس المرآة لما يتراءى عليها هي عين الموقف السوفسطائي: الإنسان مقياس كل شيء.

وهو موقف يدل على السذاجة الابستمولوجية: فمهما فعل الإنسان للتحرر من خلب الحواس بدعوى تجاوزها بالمنطق والعقل، يبقى الوجود دائما غير الإدراك.

والإدراك الذي يبدو منفعلا هو في الحقيقة فعل يبدع صورة عن الوجود مناسبة في حدود تعامله معه ويبقى في أسرار الوجود ما لا يتناهى مما نجهله: غيب.

وهو ما عبر عنه ابن تيمية بأن كل تصور وراءه تصور أفضل إلى غير غاية وعبر عنه ابن خلدون في دحض الميتافيزيقا باستحالة رد الوجود إلى الإدراك.

ومن فضائل الفلسفة الحديثة أنها أدركت خطأ نظرية المطابقة وتحررت من وهم سذاجة الإدراك المطلق. لم يبق قائلا بها غير دجالي التصوف والباطنية.

ومن يدعي علما لدنيا يتجاوز ما حددته معادلة القرآن الوجودية وانتهت إليه الفلسفة الحديثة، كذاب أشر يغالط العامة بعلم زائف ليستعبدها ويستغلها.

فيكون عمله هو عين ما جاء الإسلام لتحرير الإنسانية منه، وهو القسم النقدي من القرآن: نقد التحريف الذي هو توظيف يلغي الحريتين الروحية والسياسية.

ما المعادلة الوجودية موضوع العلم الرئيس؟ خمس حدود: قطبان الله والإنسان يحيطان بوسيطين الطبيعة والتاريخ وبينهما تواصل القطبين مباشر وغير مباشر.

وهذه المعادلة هي كل ما يدور حوله القرآن الكريم بوصفه العلم الرئيس مع ما يترتب عليه في مجالات الفعل: الخمسة المضاعفة (فرديا وجماعيا).

فالعلم الرئيس يدرس هذه المعادلة وما يتفرع عنها أي الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود في مستوى الفرد وفي نظائرها الجماعية كما وصفنا.

ويمكن القول إن هذا الحصر تحديد جامع مانع لمضمون القرآن الكريم بوصفه رسالة تصل بين عالمين وحياتين يمثلان بنية الوعي الإنساني إيجابا أو سلبا.

ما معنى إيجابا أو سلبا. إيجابا مفهوم. سلبا بمعنى أن الملحد هو أيضا لابد له منهما حتى وإن تمثل إلحاده في سلبهما بتحكيم منطق الغرق في الظاهر.

ولهذه العلة، قلت ذات مرة إن الإلحاد مستحيل وإنه لو كان ممكنا لكنت أول القائلين به: فالوعي يتمنى التخلص من السيلان ليرتاح من الدوار الوجودي.

فوجود السيلان الأبدي في ظاهر الوجود هو الذي يجعل الوعي يسمو فيتحرر منه بما سميناه الموجب من المعادلة: فهي أشبه بالأوتاد الممسكة بالسيلان.

الوعي الإنساني بنيته الجوهرية دينية وقد يصاغ فلسفيا فيكون ميتافيزيقا المطابقة الدغمائية ثم ينضج فيصبح ميتااثيقا اللامطابقة النقدية.

العلم الرئيس أو ما بعد الأخلاق يدرس عناصر المعادلة بمستواها المثالي والتمثيلي: نظرية الله ونظرية الإنسان ونظرية الطبيعة ونظرية التاريخ.

لكن لبه وقلبه هو الوصل بين هذه العناصر وصلا مباشرا بين القطبين، ثم وصلا غير مباشر بينهما نزولا وصعودا بتوسط الوسيطين أي الطبيعة والتاريخ.

وحتى نفهم هذه العلاقة بين الدين والفلسفة، سأبين حقيقة ما ينفيه الكثير من أدعياء الفلسفة: فالفلسفة هي التي تتبع الدين حتى في نظرية المعرفة.

وهذا يقتضي استطرادا قصيرا حول تطور العلم الرئيس الفلسفي أو الأرشيتاكتونيك الفلسفية. فأول صوغ حاول أرسطو صوغه في كتاب الميتافيزيقا دون حسم.

فجعل المنطق مدخلا ليس منه واعتبره محتويا على ثلاثة علوم هي الطبيعيات والرياضيات والعلم الذي كان ينوي تأسيسه والذي سمي لاحقا ما بعد الطبيعة.

والمعلوم أن هذا الاسم ليس اسم علم، بل كان في البداية اسم محل في مكتبة أحد تلاميذ المدرسة الأرسطية: الكتاب الذي وضع بعد كتاب السماع الطبيعي.

فالكتاب كان مجموعة مقالات غير مرتبة إلا أبجديا وهو ما لا يضفي عليها وحدة المصنف في علم معين، بل هي مقالات لم تتسق بعد في علم ذي وحدة بينة.

ولهذه العلة ما يزال مشكل وحدة كتاب ما بعد الطبيعة محل بحث، قليل من يقول بها. وفي الحقيقة فهو لم يعتبر علما ذا وحدة إلا بفضل إلهيات ابن سينا.

فهو أدخل المنطق الذي أصبح علما ولم يبق مجرد مدخل واعتبر مبادئ المنطقيات والطبيعيات والرياضيات والإلهيات موضوعه وسماه “ما قبل الطبيعة”.

وهو ما قبلها لأنه يؤسسها، ولا بعد ما بعدها إلا بمعنى أنها تؤول إليها إذا انطلقنا منها. إذ كل علم يتسلم مبادئه من علم أرقى إلى أن نصل إليه.

ولذلك سمي العلم الرئيس أي إنه في الغاية مؤسس مبادئ كل العلوم، وهو من ثم عين البداية لكل علم حقيقي إذ منه يستمد تعليل مبادئه التي تسلمها.

ومن أراد أن يتأكد من هذا المسار، فليراجع مقدمة شرح ابن رشد لمقالة اللام (المقالة 12) من كتاب الميتافيزيقا لأرسطو، حيث يحاول اثبات وحدة المصنف.

وهذا العلم الرئيس في صيغته السينوية التي جودت صيغته الأرسطية ظل مسيطرا إلى أن صيغ في الفلسفة الحديثة بلغة كريستيان فولف تلميذ لايبنتز.

ففي صيغة فولف التي لا تناسب الفكر الحديث وغلب عليها الدرس الدغمائي للفكر الوسيط أصبح العلم الرئيس مؤلفا من أربع موضوعات وغابت إضافة ابن سينا.

ففيه: الانطولوجيا العامة والأنطولوجيات الفلسفية الخاصة الـثلاث: الثيولوجيا والكوسمولوجيا والانثروبولوجيا. لكن نظرية المعرفة (والمنطق) أهملت.

ويشبه ذلك ما حصل في شجرة ديكارت التي أغفلت أهم اساس لنظرياته، أعني دور الرياضيات وخاصة دور الأساس الذي بنى عليه فلسفته: الضمانة الإلهية.

ولهذه العلة، فقد اعتبرت بداية الفلسفة الحديثة بداية مضطربة لأنها بدأت تدرك أن عهد الميتافيزيقا قد انتهى لكنها لم تجد بعد البديل المناسب.

كان لا بد أن يحصل فيها ما حصل في الفلسفة العربية النقدية: لابد من المرحلة “الهيومية الكنطية” نظيرة المرحلة الغزالي التيمية والخلدونية.

عودة الإبستمولوجيا إلى العلم الرئيس واكتشاف قابلية التاريخ للعلم الفلسفي بل واكتشاف ان الفلسفة نفسها تاريخية شرط صوغ العلم الرئيس البديل.

فتناظر القطبان (الله والإنسان) والوسيطان (الطبيعة والتاريخ) وتحدد الوصل المعرفي والخلقي بين القطبين مباشرة وبوساطة الوسيطين: معادلة الوجود.

وهذا ما تبنته الفلسفة ولكن في اتجاه مقابل للاتجاه الديني: الدين ينزل من الله إلى الإنسان مباشرة وبتوسط التاريخ والطبيعة والفلسفة تعكس.

فهي تصعد من الإنسان إلى الله بصورة غير مباشرة بتوسط الطبيعة في التاريخ، ثم بصورة مباشرة في شبه تأمل روحاني صوفي كما في الوجوديات المؤمنة.

ومجمل القول وتفصيله أن الفلسفة انتهت في الأخير إلى تجاوز القول بالمطابقة الذي هو ليس شيئا آخر غير القول بأن الإنسان مقياس كل شيء: سفسطائية.

وهذا هو النقد الأساسي الذي وجهه ابن تيمية للمنطق: المنطق عندما يعتبر محددا لقوانين القول في الوجود مقبول، لكنه ليس قولا محيطا بالوجود.

ظنه محيطا هو أصل السفسطة في النظر والقرمطة في العمل بلغة ابن تيمية. والعلة هي توهم أن قوانين المنطق هي قوانين الوجود أي القول بالمطابقة.

تلك هي الثورة التي أدركها الغزالي بداية وصاغها نظريا ابن تيمية وسطا، وانتهى إلى صوغها عمليا ابن خلدون غاية وهي ما بدأت الحداثة ببداية فهمها.

أعلم أن أدعياء الحداثة لا يمكن أن يصدقوا مثل هذا الفهم فهم لسوء الحظ لا يدرسون ليتعلموا، بل يرددون شعارات إيديولوجيا الحداثة بعقم عنيد.

وقد يعذرهم الواحد إذا علم أنهم يتصورون الإسلام كما يعرضه أدعياء التأصيل الذين يخلطون بين الإسلام ونكوص المسلمين للجاهلية بسبب الانحطاط.

فاجتمع على الأمة انحطاطان أفضل من يمثلهما نوعا الانظمة العربية ونخبهما: الانحطاطان في الأنظمة القبلية ونخبها والأنظمة العسكرية ونخبها.

فالأنظمة القبلية ونخبها المسيطرة تمثل الانحطاط الذاتي الناتج عن النكوص إلى قيم الجاهلية وخلطها بقيم الإسلام التي حاولنا وصفها في الأفعال.

والأنظمة العسكرية ونخبها تمثل الانحطاط المستورد أي الموروث عن نكوص الحداثة إلى إيديولوجيا الاستعمار التي يستعبدون بها شعوبهم كأنديجان.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s