الدراسات القرآنية، حقيقتها وأصالة القرآن الكريم – الفصل الثالث – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

الدراسات القرآنية

حقيقتها وأصالة القرآن الكريم

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 12-10- 1438/ 07-07-2017

سأخصص الفصل الثالث من عرض الورقة إلى الابستيمولوجيا والأكسيولوجيا القرآنيتين المشروطتين في تحديد طبيعة العلاقة بين العالمين في النظر والعمل.
فالإبستمولوجيا والأكسيولوجيا القرآنيتان شارطتان لفرضية العالمين وانشداد الإنسان إليهما بوصفهما عالم المثال والحقيقة وعالم الممثول والدنيا.
وطبعا ليس القصد بالمثال والممثول والحقيقة والدنيا معناهما الأفلاطوني. فأفلاطون لا يؤمن بعالمين وحياتين، بل نظريته خطة لتفسير الطبيعة والتاريخ.
والفرق هو طبيعة المقابلة: في القرآن ما بعد أخلاق وليست ما بعد طبيعة. ما بعد الطبيعة طبيعة أسمى وليست حقيقة روحية وإلهية يشارك فيها الإنسان.
والعلة هي أن أفلاطون يقول بنظرية المعرفة المطابقة ويتوهم أن عالم المثل معلوم وليس من الغيب ويستمد منه علما مطلقا هو عين حقيقة الوجود.
كما يستمد من نظرية المعرفة المطابقة أكسيولوجية مطلقة وهي دنيوية هي نظريته في الدولة -الجمهورية- التي لا تختلف عن دنيوية النظرية الماركسية.
ولا يغترن أحد بما يستعمله أفلاطون من “ميثولوجيا” أسلوبا يعبر به عما يضفي على ابستمولوجيته وأكسيولوجيته بعدا شبه مقدس هو مجرد “فكشن” اسلوبية.
وبصورة أوضع فهو لا يختلف عن الرؤية الهيجلية: لا يوجد وراء “الماهنا=ديسزايت” شيء حقيقي هو “الماهناك=ينزايت” إلا ما في الأذهان: ذاتية مطلقة.
أما القرآن فهو لا يعتبر العالم الآخر مثلا عديم القيام الذاتي من جنس نسبة الرياضي للطبيعي، بل هو يعتبره عالم الحقيقة الأسمى، والدنيا حقيقة أدنى.
والعلاقة أشبه بعلاقة المدلول بالدليل. فالآيات هي ما يتجلى من الحقيقة تحيل دائما إلى ما وراءها بوصفه حقيقتها: آيات الله في الآفاق والأنفس.
والإحالة التي تبرزها الآيات بوصفها رموزا لماوراء الدنيا ليس مجرد ظاهر عديم الكثافة الوجودية بل هي درجة وجودية تنبه العقل والقلب إلى الحقيقة.
فلنحدد الإبستمولوجيا والأكسيولوجيا أساسي نظرية المعرفة ونظرية الأخلاق القرآنيتين شرطين في التربية والحكم ليكون الاستعمار في الأرض خلافة.
ولست أدعي أني أول من انتبه لذلك: فالانتباه إليه مكن الغزالي وابن تيمية وابن خلدون من وضع علامات أولى في طريق تؤدي إلى تجاوز الفكر القديم.
وتلك هي علة أعجابي بهم ومحاولة ابراز ما أهمل من فكرهم بسبب إيديولوجيتي الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي القاتلين للفكر الفلسفي الحر والمبدع.
ابستمولوجية القرآن ثورة معرفية ولا علاقة لها بخرافة الإعجاز العلمي: ليس في القرآن قوانين علمية رغم تحايل المؤولين. فالقوانين نماذج رياضية
القرآن يحدد طبيعة قوانين الطبيعة بكونها رياضية، لكنه لا يعطينا أي قانون رياضي لأي ظاهرة طبيعية. والأمران متخلفان بإطلاق. الأول وحده ممكن.
تلك ثورة ابستمولوجية القرآن: آيات الآفاق والانفس لا توجد في القرآن بل ما يوجد فيه هو توجيه الإنسان إليها ليقوم بالبحث العلمي ليعلمها منها.
فابستمولوجية القرآن تتمثل في تحديد طبيعة الموضوع الطبيعي(رياضية) وطبيعة المنهج الممكن من معرفة قوانينه: الشكل الرياضي والمضمون التجريبي.
والرياضي إبداع لنماذج نظرية لشكل القوانين والتجريبي إبداع لنماذج تجريبية لمضمون القوانين. وكلا الإبداعين قراءة نسبية لآيات الآفاق والأنفس.
وهي نسبية لأن القرآن يضع لها حدا لا تستطيع تجاوزه: كل موجود مهما كان ضئيل القيمة وتافهها فيه من الغيب اللامتناهي الذي لا يمكن الإحاطة به.
وهذا الغيب اللامتناهي في كل موجود مهما كان تافها هو أن كل موجود هو حصيلة كل الوجود وكأنه نقطة لقاء كل الموجودات بوصفها كل المخلوقات.
نسبية العلم أو طابعه الاجتهادي علتها أن علم الجزء لا يكون كليا إلا إذا أحاط بالكل. هو ممتنع على العقل الإنساني إلا كفرضية غائية لتاريخ العلم.
وبهذا الوجه يكون الابستمولوجي القرآني في آن ذا بعد أكسيولوجي لأنه يحرر الإنسان من وهم الإحاطة فيفهم أن علمه اجتهادي وناقص دائما فيتواضع.
والتواضع يكون في النظر والعقد وهو يعد إلى أخلاق العمل والشرع مجال الأكسيولوجيا الذي به تنتظم حياة البشر وفلسفة التاريخ: تسالم التعدد آية.
وأهم نتيجة ثورية: الوحدانية لا يتصف بها إلا الله. وكل المخلوقات توليفة متعددة المقومات وهي بحاجة لنظام توحيدي هو ما بعد الأخلاق القرآنية.
ولهذه العلة تجد الدغمائيين والمتعصبين مصدقين أن العلوم الجزئية يمكن أن تقول شيئا مطلقا: فهي نتف تغفل عن كون كل موجود بؤرة كل الوجود.
والمعنى يقرب من التمييز الهايدجري بين الأنتيك والأنطولوجيك.1- يدرس موضوعه وكأنه جزيرة مفصولة عن الباقي و2- يدرس ما يستطيع من الوجود كواحد.
وما بين الموضوعات من صلات عندما لا يغفلها العلم يصبح شديد التواضع ويتخلى عن الدغمائية والتعصب ويفهم معنى الاجتهاد الذي لا يكتمل أبدا.
ولو كان المتكلمون مدركين لأبستمولوجية القرآن لفهموا أن دغمائيتهم وتعصبهم لا يقبلان حتى في علم الشهادة، فضلا عما يزعمونه رجم بعلم الغيب.
وطبعا سيرد المتحيلون من أدعياء العلم المطلق بالقول إن هذه الابستمولوجيا تؤول إلى الشكاكية واللاأدرية. وهو دليل عدم فهم ابستمولوجية القرآن.
فهذا القول لا ينفي وجود الحقيقة، بل ينفي الإحاطة الإنسانية بها. دليل وجود الله ليس العلم المحيط به بل عدم الإحاطة به شرط الإيمان بالغيب.
ولن أطيل الكلام في الأمر. فقد خصصت لذلك فصلا سابقا حول أدلة وجود الله في صيغة تبين تلازم القطبين في المعادة الوجودية: التناظر العكسي بينهما.
ما يجعل وجود الإنسان أصل كل أدلة وجود الله. فهو الموجود الوحيد الذي يوجد بقدر علمه لحدود مقومات وجوده، أي إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده.
فهو يعلم حدود إرادته بالقياس إلى إطلاق إرادة الله وقس البقية على الإرادة. علمه وقدرته وحياته ووجوده. الإنسان مائت. والمائتية تميز حياتين.
فالحي القيوم شرط إدراك الحي غير القيوم لعدم قيومته فيكون هو الدليل على وجود الحي القيوم. وقس عليه المريد والعالم والقادر والموجود.
وهذا لا علاقة له بعلم الكلام بل هو عين بنية الوعي الإنساني في وجوده الشاهد: وهو الديني الفطري أو شهادة ابناء آدم في ظهور آبائهم (الاعراف).
بماذا شهدوا؟ بالتوحيد وبعدم الاحتجاج بالسن (صغار) وبأثر التربية (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) أي إن الفطرة عقد بين المؤمن وربه بشهاد المتعاقدين.
وما لا يضطر إليه السن والثقافة لا يمكن أن يكون مكتسبا بل هو جبلي في كيان الإنسان والخروج عنه هو المكتسب: يولد الإنسان على الفطرة وأبواه.
ولذلك، فالقرآن في الاستعراض النقدي لتاريخ الإنسانية الروحي يسعى لإبراز هذه الفطرة ويسميها الدين عند الله ويصف من هو عليها بكونه مسلما.
فيكون الإسلام بما هو الديني وما به التذكير الخاتم به هو في آن بداية وغاية البداية تعاقد والغاية تذكير به وتمام الوعي بما يقضيه العقد.
لذلك قلنا إن الختم هم تحميل الإنسان مسؤوليته بوصفه مريدا وعالما وقادرا وحيا وموجودا وهو فيها كلها حر ومدرك لحدودها ومن ثم لعلاقتها بالله.
ينتج أمران:1–أن يكون الدين الخاتم جوهر الديني في الأديان بداية وغاية 2-والتعدد الديني شرط التسابق في الخيرات للنقلة من اللاوعي إلى الوعي
وهذه النقلة أساسها نظرية المعرفة (الابستمولوجيا القرآنية) والأكسيولوجا (نظرية القيم القرآنية). سنبحث لاحقا فلسفة القرآن العملية بعد النظرية.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s