الدراسات القرآنية، حقيقتها وأصالة القرآن الكريم – الفصل الثاني – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

الدراسات القرآنية

حقيقتها وأصالة القرآن الكريم

– الفصل الثاني –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 12-10- 1438/ 07-07-2017

محاضرة بنصف ساعة لا تكفي لإثبات حقيقة القرآن الكريم: ما بعد أخلاق تبدع سياقين تاريخي ونصي يحددان واقعا مثاليا، يحدد حقيقة الوجود فيتجاوز ظاهره.

وظاهر الوجود هو ما يجعل الدنيا سيدة الأخلاق. وباطنه هو ما يجعل الأخلاق سيدة الدنيا فتكون حقيقة الوجود هي ما وراء ظاهره ويضفي عليه معناه.

وما يحول دون فهم ذلك، هو هذه المناهج التي يدعون أنها حديثة وهي أقدم من القديم من حيث الدافع الإيديولوجي والنظرية المعرفية التي تتأسس عليها.

لن أعود إلى الدافع الإيديولوجي الذي هو في الحقيقة نفس الجدل الكنيسي الوسيط النافي لأصالة القرآن وحقيقة الإسلام وصدق الرسول لنقده تحريفها.

وعندما تحلل هذا الجدل، تجده لا يتجاوز تهمتي الانتحال وغياب ما به يعرفون الدين أي المعجزات أو غرق العادات التي تمتلئ بها كتبهم المحرفة.

وما يحيرني هو أن مبدأ رفض الجدل مع اهل الكتاب واعتبار الإيمان بكل الكتب والأنبياء (مع ضمير بعد إصلاحها بالقرآن) حال دون نقد المعجزات.

لكن نقدها في الحقيقة ورد في القرآن بأسلوب شديد اللطافة: فالرسول انتهى إلى رد مفهم في قضية المعاجزة. أولا، المعجزات لا تثبت شيئا بل هي للتخويف.

وثانيا، رسالة الدين القويم تخاطب الإنسان بما هو به إنسان: عقله وقلبه فهو بهما يتلقى الرسالة والوجود، ومنهما يستمد ما يقتنع به بحرية ضميره.

فيكون مشكل القرآن هو مشكل الأسلوب الذي تستعمله رسالة الدين القويم لوظيفيتي البشير والنذير الذي لا يفرض بل يذكر بما في فطرة الإنسان ولا يسيطر.

ومشكل الأسلوب مضاعف: العلمي وله بعدان، مثالي من حقيقة الوجود، وتمثيلي من ظاهره الطبيعي. وفني، وله بعدان مثالي كذلك، وتمثيلي من ظاهره التاريخي.

فتكون أساليب القرآن التي تحرره من السياق التاريخي والثقافي أحداثا ونصوصا نوعان مضاعفان: العلمي والتمثيل الطبيعي، والفني والتمثيل التاريخي.

والفرق بين بعدي الأسلوبين هو سر وهاء القراءات التي تدعي الحداثة والأصالة في آن: فكلتاهما تحكم ظاهر الطبيعة والتاريخ في القرآن له أو عليه.

وحتى يكون كلامي مفحما، فمن يحكم الطبيعة لصالح القرآن مثلا هم دجالو الأعجاز العلمي. ومن يحكم التاريخ لصالحه مثلا هم دجالو الوعاظ والدعاة.

ومن يحكم الطبيعة ضد القرآن هم دعاة الإلحاد بما يدعونه من علم الطبيعة. ومن يحكم التاريخ ضد القرآن هم دجالو التحديث بما يدعونه من علم التاريخ.

لكن التمثيل القرآني من الطبيعة والتاريخ، أمثلة لفهم النماذج المثالية. لكنها ليست مستخرجة منها بالاستقراء حتى يمكن الاحتكام إليها له أو عليه.

ولهذه العلة، فكل من يحتكم للأمثلة الطبيعية والتاريخية الموجودة في القرآن له أو عليه لا يختلف عمن يفسر القرآن بالإسرائيليات وأسباب النزول.

الحداثيون يستعملون الإسرائيليات وأسباب النزول لدحض القرآن، والتقليديون يستعملونهما لدعمه. ووضع المثل لا العلمي والفني غني عن الدعم ولا يدحض.

ذلك أن العلم والفن إذ يضعان المثل يبدعانها ويبدعان مفهوميا وما صدقيا أي إن العلم والفن يبدعان الموضوع وأسلوب علاجه فيكون خلقا عن عدم.

ووضع المثل لا يسأل بالمقارنة مع ظاهر الوجود الطبيعي والتاريخي، بل يسأل كما يسأل أي عمل اكسيومي: مقدمه وتاليه وتناسق المنظومة الحاصلة.

فالنماذج لا تقاس بظاهر الموجود، بل العكس ظاهره يقاس عليها: فهو بينة مثالية مجردة يمكن تطبيقها على ما يشاكلها من قوانينه بعد اكتشافها.

ولهذه العلة، قال القرآن في فصلت 53: حقيقة القرآن نعلمها عندما نرى آيات الآفاق والأنفس، والآيات تحيل إلى ما هي آيات منه ونكتشفه وراء ظاهره.

لكن ما يعقد الأمر، هو أن القرآن لا يكتفي بإبداع النماذج التحليلية شرط الاستدلال العقلي وهو ليس في متناول الجميع وفيها فلسفة الدين خاصة.

بل هو يضيف إبداع النماذج المثالية بالأباديع الفنية التي تشبه إلى حد كبير المشاهد المسرحية -مثل مشهد استخلاف آدم-وهي أقرب إلى أذهان الجميع.

لكنها في الحقيقة لا تبدع إلّا نفس المضمون النموذجي، لكن الشخوص التي تحضر في المشاهد شبه المسرحية هي تشخيص حي للمفهومات حتى يدركها كل إنسان.

وهي بهذا المعنى، لغة القرآن الأساسية. لأنها تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان ولا يحتاج للعربية أو للترجمة لفهم القرآن: يراه مشاهد شبه سينمائية.

فالمشاهد تمثل عرضا حيا يكاد يغني في التمثيل الصامت عن الكلام. فالإنسان العادي يفهم لما يرى الله يحاور الملائكة حول أهلية آدم للاستخلاف.

والكلام المصاحب سيناريو يقبل الترجمة بيسر لأي لغة. وتلك هي أهم معجزات القرآن: الترجمة المتبادلة بين الابداعين العقلي المجرد والقلبي المعين.

معجزة القرآن التي أضاعها المفسرون القدامى وأدعياء التحديث الجدد ولم يبق لهم إلّا وهم الاحتكام المباشر لظاهر الطبيعة والتاريخ للقرآن أو عليه.

هل يوجد من يحترم ناقدا فنيا يعير لوحة فنان مبدع بمقارنتها مع ما يتوهم بعكس بليد، أنه المثال الواقعي الذي نسخه الرسام؟ أليس هذا دليل غبائه؟

هل يوجد أبستيمولوجي يعتقد أن إقليديس أو أي رياضي مبدع استمد اكسيومية علمه بالاستقراء من “الواقع” الذي يسميه الطبيعة وليس العكس في علمها؟

لشرح الإبداع الأتم كتبت “الشعر المطلق والإعجاز القرآني”. فالنسقية الأكسيومية في العلم والنسقية الفنية في الفن تحررهما من السياق يبقى نسبيا.

ومعنى ذلك أن تجاوز رياضيات اقليدس ممكن، وتجاوز بيكاسو ممكن. لكن تجاوز القرآن مستحيل لأنه الرسالة الخاتمة. فكيف أثبت ذلك؟ معضلة حياتي كلها.

ذلك أن الحل يقتضي أن يكون القرآن نسقا ما بعد علمي وما بعد فني يعالج اللامتناهيات الوجودية معرفيا وجماليا بصورة لا يمكن تجاوزها عقلا وقلبا.

والمعضلة هي: كيف يمكن أن أثبت اللاممكن رغم كونه حاصلا؟ وبعبارة أوجز: كيف نثبت أن النبوة ضرورة الحصول والختم؟ المشكل ليس وجودها بل ختمها.

فلا أحد يقبل بان منظومة علمية أو فنية ستكون خاتمة للعلم وللفن؟ كلنا يعتقد أن العلم والفن مفتوحان إلى غير غاية. فكيف تختم الرسالات والوحي؟

ذلك هو التحدي الذي قررت التصدي له رغم أن واضعه لم يكن قصده علاج مسألة قرآنية، بل مسألة شعرية بحتة: ابن سينا في شرحه لكتاب ارسطو في الشعر.

كتبت “الشعر المطلق والإعجاز القرآني” لأحدد شروط تحقيق ما طلبه ابن سينا ووعد به دون أن يمكنه عمره الوجيز من انجازه: تحديد الشعر المطلق ما هو؟

ماذا كان مشروع ابن سينا الذي بقي وعدا دون إنجاز؟: وعد خلال شرح كتاب أرسطو في الشعر بكتاب في الشعر المطلق المتحرر من الشعريات المتعددة.

فهو أدرك الفرق بين الشعرية العربية والشعرية اليونانية وتساءل عن إمكانية شعرية متجاوز للفروق الثقافية تكون شعرية كونية أو مطلقة. ولم يحددها.

فكان التحدي استكمال المشروع. وطبعا كنت أعلم أن ما وعد به ابن سينا لو تحقق، لكان قريبا مما نسميه الإعجاز القرآني الممكن عقلا والممتنع عقدا.

فكان إذن علي أن أفصل بين الإمكان العقلي والامتناع العقدي لأخوض المغامرة. فأي إنسان يعد نسخة من مثال الإنسان (آدم) دون أن يكونه عقلا وعقدا.

ولذلك، فبوسعي أن أتخيل شعرا مطلقا يكون نسخة من الأعجاز القرآني دون أن يكونه مثلما أن الإنسان نسخة من المثال الإنساني دون أن يكونه. بل أكثر.

فالإنسان مريد وعالم وقادر وحي وموجود، وكلها صفات محدودة ومتناهية فيه ولا محدودة ولامتناهية في الله. ونفس النسبة موجودة في الشعر المطلق.

فيه صفات الإعجاز القرآني لكنها متناهية ونسبية. وهو إذن مطلق بالقياس إلى اختلاف الثقافات، لكنه نسبي بالقياس إلى الإعجاز القرآني أفقا لا يدانى.

فيكون الشعر المطلق جامعا بين إبداع النماذج المعرفية والنماذج الفنية مثل القرآن دون بلوغ ما فيما يبدعه القرآن من تعال على الزمان والمكان.

مضمون الكتاب محاولة في إثبات ذلك من خلال تحديد الشروط التي تمكن من نظرية في الشعر لها هذا الدور وهي في آن إثبات لما بعد الأخلاق القرآني.

لا أنوي استعراض مضمون الكتاب فهو في متناول القارئ (دار الطليعة) لكني أنوي الكلام على معضلة الختم علة كل الحروب على الإسلام والمسلمين.

فمن يحارب الإسلام والمسلمين لا يحاربهم إلا بسبب ثمرة مبدأي الإسلام: يفسدان على المتحيلين توظيف الدين والعلم والفن بعكس ما تقتضيه طبيعتها.

فهو ليس دينا من بين الأديان بل رسالة تحدد الديني فيها فتميز بينه وبين توظيفاته أو تحريفاته النظرية الروحية والعملية السياسية: تحرير الإنسان.

مضمون الرسالة تحرير الإنسان روحيا (علاقة مباشرة بينه وبين ربه) وسياسيا (نفي الحق الإلهي في الحكم) والختم معرفيا وخلقيا جعل الإنسان سيد نفسه.

وسيادته على نفسه يترجمها القرآن بعبارة لا يوجد ما هو أبلغ منها ولا أجمل: {له ما كسب وعليه ما اكتسب}. الختم يعني تحميل الإنسان مسؤوليته.

وتحميله مسؤوليته المعرفية والخلقية يقتضي تعليمه المعرفي والخلقي. لذلك فلا بد من أبستمولوجية وأكسيولوجية قرآنيتين شرطين للتربية والحكم.

فالقرآن يلتفت للماضي بفنون نقدية لظاهر الواقع وتحريفات الديني في الأديان كما عرضت في أمثلة من تاريخ التجريبية الروحية والسياسية للبشرية.

ويلتفت إلى المستقبل بمشروع ذي فنون استراتيجية في التربية والحكم لتحرير الإنسان من هذه التحريفات وما ترتب عليها من فساد لمعاني الإنسانية.

ولذلك اعتبرت القرآن فلسفة دين وفلسفة تاريخ مؤسستين على ما بعد الأخلاق، أي على ما يسميه فلاسفتنا علما رئيسا وما يسميه اليونان أرشيتاكتونيا.

وهذا الانقلاب في الرؤى الدينية اضطرت الفلسفة الحديثة إلى تبنيه بعدما تبين لها أن ما وضعه القرآن من ابستمولوجيا وأكسيولوجيا لا مفر منه.

فأما العلة الإبستمولوجية فهي التحرر من وهم نظرية المعرفة المطابقة: المعرفة اجتهاد نسبي لتصور محدود لما ندركه من الوجود ولا تكون مطابقا أبدا.

وهذا المبدأ أول من قال به واعتمد عليه في نقد الفلسفة هو ابن تيمية. لكنه لم يثبته في نظرية العمل كابن خلدون، بل اكتفى به في نظرية النظر.

وقبل محاولة الرجلين تجاوز الفلسفة اليونانية كما تجاوز القرآن كل الكتب الدينية التي حرفت بمنطق التصديق والهيمنة كان لابد من محاولة الغزالي.

فمحاولته في تهافت الفلاسفة مدلولها في مقدماتها الأربع. لم يعارض الغزالي العلم، بل وهم الاعتقاد في إطلاقه الميتافيزيقي: همه التمييز بينهما.

وتلك هي الثورة التي لم يفهمها ابن رشد عندما كتب تهافت التهافت ليعيد الخلط بين العلم والميتافيزيقا ومواصلة القول بالفكر المرآة لـ”الواقع”.

التحرر من نظرية المعرفة التي تعتبر الفكر مرآة عاكسة لـ”الواقع” عكسا أمينا لكأنه “الواقع” هو ظاهره الذي ندركه وليس أمرا عتيما بما فيه من غيب.

لذلك قال جل وعلا في فصلت 53 : حقيقة القرآن يرينها الله في آيات الأفاق والأنفس التي علينا البحث فيها لتجاوز ظاهرها بالوسع مع الإيمان بالغيب.

ابستمولوجية القرآن هي القول بأن العلم لا يكون إلا عقليا وأنه لا يكون مطلقا، بل هو معرفة نسبية وهو رياضي وتجريبي يبدع نماذج تفسيرية اجتهادية.

وأكسيولوجية القرآن تضع أن الإنسان حر ومسؤول أمام نفسه أولا، وأمام الله الذي هو أيضا حر ومسؤول أمام ذاته وأمام الإنسان: الحساب محاكمة بحجج.

وختاما فالختم هو المعادلة الوجودية التي تبين ان اعجاز القرآن هو وحدة الرسالة وحقيقة الوجود وكيان الإنسان ومشروع المستقبل تحقيق شروطها.

والمعادلة الوجودية متعينة في بنية الوعي الإنساني ببعديه المعرفي والقيمي (الأبستيمولوجي والأكسيولوجي): الله والطبيعة والوصل والتاريخ والإنسان.

ولولا ذلك لما كان الإنسان جديرا بصفة الخلافة. وإذن فالختم يحصل عندما يكون مضمون الرسالة الخاتمة عين التربية والحكم المبني على الحريتين.

فالحرية الروحية بما هي علاقة مباشرة بين المؤمن وربه علاقة بعالم الحقيقة. والسياسية بما هي علاقة بين المؤمن والشأن العام علاقة بعالم الظاهر.

الإنسان مشدود للعالمين: روحيا مشدود لعالم الحقيقة (الاخرى)، وبدنيا مشدود لعالم الظاهر(الدنيا). والرسالة الخاتمة هي استراتيجية الوصل بينهما.

والانشداد إلى عالم الحقيقة هو الاستخلاف، والانشداد إلى عالم الظاهر هو الاستعمار في الأرض وكلاهما مقوم حقيقي للوجود الإنساني: الروحي والسياسي.

والأول هو جوهر فلسفة الديني في الأديان، والثاني هو جوهر فلسفة التاريخي في التواريخ: والقرآن هو الوصل بين هذا الجوهر المضاعف وتعيناته.

وهو لا يقتصر على ما بعد الأخلاق المحدد لهذا الجوهر المضاعف، بل هو يضع استراتيجية تحقيق الممكن للإنسان من الجوهر بفضل تعينات الديني والسياسي.

وذلك هو المقصود بالتربية والحكم بمقتضى أحكام القرآن الإبستيمولوجية والأكسيولوجية فيهما كليهما استراتيجية يخاطب بها القرآن الإنسانية لتوحيدها.

لذلك فهو يتعالى على اختلاف تعينات الروحي والسياسي معتبرا تعددها من آيات الله وشرط التسابق في الخيرات (المائدة 48) لأن الإسلام بداية وغاية.

فبما هو عين الفطرة هو بداية الروحي في الأذهان وبداية السياسي في الأعيان. وبما هو الدين الخاتم غايتهما التي لا مزيد عليها: ذلك هو معنى الختم.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s