ثورة الاسلام، مفارقاتها وحقيقتها الكونية – الفصل الرابع – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
ثورة الاسلام،مفارقاتها وحقيقتها الكونية

– الفصل الرابع –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 08-12- 1438/ 30-08-2017


سأترك قلب مخمس الأنشطة، أعني القدرة التي تتعين في الإنتاج المادي أو الاقتصاد لأعود إليه بعد أن أدرس النشاطين المواليين كما درست المتقدمين.
سأدرس الوجود أو الرؤى الدينية والفلسفية المناظرة في الأعيان للإرادة أو السياسة في الأذهان. وكذلك الحياة أو الفنون الناظرة للعقل والعلوم.
فالعقل والعلوم هما أداة الإنسان لكشف أسرار الوجود الطبيعي والتاريخي في الأعيان (الآفاق). والحياة والفنون هما أداته لكشف أسرارهما في الأذهان.
فما بين ما في الأعيان من الكيان وفي الأذهان من الوجدان هما مقوما كل إنسان بوصفه مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها. فهو من الطبيعة والتاريخ وفوقهما.
وكيانه البدني هو المعبد الأسمى الذي بناه الرب في الرمزية القرآنية. إنها مرآته ذات وجهين: في أحدهما ينعكس ما في الأعيان، وفي الثاني ما في الأذهان.
وهذه المرآة التي لها وجها جانوس، تمثل مادة الإنسان الطبيعية المتشكلة بصورته الثقافية، ومن ثم فهي لا تقوم إلا بالإنتاجين المادي والرمزي.
والإنتاج الرمزي شرط إمكان للإنتاج المادي (السياسة والعلوم والفنون والرؤى). والإنتاج المادي شرط حصول للإنتاج الرمزي: علاقة العمران بالاجتماع.
قدمت الإرادة والعقل وسأقدم الأخيرين الحياة والوجود لتكون القدرة موضوع الفصل الأخير، حصيلة معقدة لما قدمت وأخرت: تلك هي منزلة القدرة في القرآن.
وفي ذلك جواب عن حيرتين: فاعلية الإسلام، وتتعلق بحيويته والفاتحة. وتاريخية وكونية الإسلام وتتعلق بشمول البشرية والكون كله مجالا لتمدد دولته.
والظاهرتان أدركهما هيجل وظنهما دالين على ميزتين:1-عبادة المجرد وغير المتعين 2-الوحدة العضوية بين الديني والسياسي. وابن خلدون يوافقه عليهما.
ولو عاش هيجل إلى يومنا، لما أول الخاصيتين التأويل السلبي الذي مال إليه أثرا خافتا لتعصب الكنسية الوسيطة، ولفهم أنهما عين مستقبل الإنسانية.
فالإنسانية بالعولمة المادية مجال واحد يمتد إلى الكون كله وليس مقصورا على المعمورة فضلا عن الدول المتلاصقة. وتحتاج لعولمة خلقية وروحية.
هيجل القائل بموت الإله ونهاية التاريخ محكمة الرب الأسمى تعريضا بيوم الدين ونفيا لما وراء العالم، كذبه التاريخ وكذب زعمه أن الإسلام خرج منه.
فالله لم يمت والتاريخ ليس الحكم النهائي واليوم الآخر شرط العدل والإسلام عاد إلى تاريخ عودة لعلها ستكون أحسن خلف لأفضل سلف في نشأته الأولى.
ومن تناظر الوظيفة بين العقل والوجدان رغم اختلاف الميدان، استمددنا تحويرا في خطة الكلام على ثورة الإسلام لنعود من المجال الخامس إلى الرابع.
الخامس الوجود أو الرؤى وصيغها الدينية والفلسفية يناظر الأول أو الإرادة وتعينها السياسي وصيغها الدينية والفلسفية في كل حضارة بلغت الكونية.
والثاني العقل أو العلوم وتعيناتها الابستمولوجية والتكنولوجية يناظر الرابع الحياة أو الفنون وتعيناتها الذوقية والسلوكية في أي حضارة ذات كونية.
وبذلك تتحدد نظرية القدرة التي هي فاعلية القيم بوجهيها المادي والروحي: فالإنتاج المادي ليس هو كفاعلية وسلوك إلا ثمرات الأربع مؤشرها الأدق.
ففيه تظهر كل فضائل الإنسان وعيوبه وكل أخياره وشروره. وفيه يعسر تحرير الإنسان من الحيوان الذي يسيطر عليه لعلاقة ذلك بقيامه المادي والرمزي.
وأفضل رموز تعبر عن هذا الدور الخطير للقدرة المتعينة في الاقتصاد رمزان قرآنيان: روحي وقانوني. فروحيا عبادة العجل، وجنائيا عقوبة المس بالملكية.
وإذن، فتغييري خطة العرض قصده بيان جوهر فلسفة القرآن المحددة للعلاقة بين عالمي الشهادة والغيب أو بين الدنيا والآخرة من خلال عمق هذه العلاقة.
فلسفة الاقتصاد بوصفها ثمرة فلسفة السياسية والعلم والفن والرؤى وعلامة صلاحها أو طلاحها هي مميز المرجعية القرآنية الأساسي في معاني الإنسانية.
وهي اليوم أفضل علامة على الانحطاط الذي يعاني منه المسلمون بسبب عدم فهمها أو بسبب عدم العمل بها أو لعله بسببهما معا. وهو قصور غير مفهوم.
وإذن فسنعود من آخر مجال إلى المجال قبل الأخير حتى نجمع بين الأول والثاني والرابع والخامس فنتمكن من تحليل الثالث الذي هو قلب المعادلة كلها.
بيان الثورة في الوجود أو الرؤى الدينية والفلسفية هو إذن موضوع هذا الفصل الرابع وهو أعسر حتى من فصل الإرادة أو الأنظمة السياسية والدولة.
فالإرادة أو الانظمة السياسية والدولة هي صورة كيان الجماعة المادي، والوجود أو الأنظمة الروحية والمرجعية هي صورة كيان الجماعة الروحي: وجها القيام.
وحتى نيسر توضيح العلاقة، فكيان الجماعة بوجهيه يجانس كيان الفرد بوجهيه: الوجه الأول هو البدن والوجه الثانية هو الروح. ووحدة الوجهين هي الأمة.
والقارئ يستطيع أن يتابع التحليل إذا انطلق من هذه التعريفات المستمدة من فلسفة القرآن أو من بيان نسقه العميق الذي عينت فصلت 53 الطريق إليه.
فالقرآن قد يبدو لمن يقرأه قراءة عوراء يبدو نصا فوضويا يغلب عليه التكرار السطحي بين مشاهده وتحليلاته فلا يرى نظامه الخفي للأنصاف التيمية.
لكن فصلت 53 دلتنا على المنهج الذي يمكننا من الغوص في أعماقه، غوصنا في علم الطبيعة التي تبدو لعين الغافلين فوضوية ويغلب على سطحها التكرار.
فالآية تدلنا على أن حقيقة القرآن-أي طبيعته العميقة-يرينها الله في آيات الآفاق والأنفس وليس في نصه: النظر في قوانين الآفاق وسنن الأنفس.
لكن جل البحوث ابتذلت حكمة القرآن فزيفت معانيه بانتهاج اسلوب القراءات المذهبية التي تجتزئ القرآن ففتته ولم تنفذ لنظاميه الشكلي والمضموني.
ولهذه العلة، فأفضل مدخل لهذا الموضوع هو البدء بعلاج هذه المذهبة للنص القرآني الذي جعل كل مذهب يبحث عن تأسيس إيديولوجيته بانتخاب ما يناسبها.
ذلك أن القرآن الكريم لا يفيد بما هو رسالة خاتمة بآياته بعد تفتيت وحدته -حتى باعتبار التنجيم-بل بنظامه الكامل أو بوحدته البنيوية التامة.
وهذا ما قصده ابن رشد ومن بعده ابن تيمية بالقول إن القرآن يفسر نفسه أو أنه لا يمكن أن يقرأ قراءة مذهبية تنتخب ما يناسب إيديولوجية أصحابها.
وبهذا المعنى، فكل المذاهب لمجرد هذا الموقف الانتخابي والتجزيء إيديولوجية وكلها تكفيرية، ولعل أقلها تكفيرا هو من يتهم بكونه أكثرها تكفيرا.
فالمذهب الحنبلي، وخاصة المحدث أي التيمية، والذي صار يختصر في الوهابية -وشتان بين الأول والثاني-هو الوحيد الذي يحاول قراءة القرآن كوحدة بنيوية.
ولعله هذا النهج هو العنصر المهم الوحيد الذي كان فيه ابن تيمية تلميذ ابن رشد رغم علم قرائي أني لست من المعجبين بابن رشد إلا في هذه المسألة.
وهي مسالة منهجية وليست مضمونية: فابن رشد هنا يطبق المنهج الفلسفي الذي لا يفصل الجزء عن الكل فلا يحول القرآن إلى تجريدة من الحكم الشعبية.
وكم أمقت عياط الدعاة الجدد وزياطهم وتباكيهم المنافق الذي هو دعوة للتمويل الخفي المهدم للإسلام: جعل القرآن حكم شعبية مبتذلة لتخويف العامة.
ولست غافلا عن كون هذا الكلام سيضاعف عدة الخصوم وعديدهم: لكني لا أبالي. ذلك أن طلب الفهم المستقل له كلفة. وأنا أحمد الله وأشكره مستعد لها.
فما تحملته وأمامي مقبل العمر لن يخيفني وأنا في مدبره. والنتيجة كما يعلم الكثير ممن لهم دراية بأعمالي، ليست مما يمكن أن يكون مصدرا للندم.
فما الرؤى التي تواصل تحريف القرآن الباطني الذي يدعي التفلسف والخطابي في الدعوات؟ فلأصنفها نسقيا، لأمر إلى تحديد الثوري في رؤية الإسلام.
فقديمهم الذي تجدد حدده الغزالي في فضائح الباطنية: حلف عقدي متفلسف ومتصوف بيّن حقيقته العميقة ويتمثل في رؤية فولتيرية للدين بمعنى حديث.
بيّن الغزالي أن الباطنية لا تعتبر القرآن إلّا مجدر ظاهر حقيقته هي معتقداتهم المزعومة فلسفية والتي تستعمل الإسلام أداة سياسية لحكم الجاهلين.
إنها الباطنية او أساسها كذبة الأئمة المعصومين الذين يدركون باطن النص ويستعملونه لضرب الفهم السني الذي وضع مناهج تحرر من تأويله التحكمي.
ورفض المناهج العلمية التي تحرر من التأويل التحكمي يؤسس إرهاب الباطنية الرمز ويسنده إرهاب القرمطية والحشاشية المادي. وقد عادا من جديد.
استغلت الصليبية الأولى والمغولية الشرقية هذين المدخلين لضرب السنة سابقا والصليبية الثانية والمغولية الغربية الحديثتين تستغلهما لنفس الغاية.
لكن الاستغلال الحالي أضاف عاملين آخرين لم يكن لهما وجود في الماضي: الأنظمة العميلة الممولة لهما ومليشيات السيف والقلم العربية في خدمتهما.
وإذن فالإسلام منذ نشأته الأولى إلى اليوم، ما يزال في مقاومة لبقايا ما تقدم عليه من فنيات استعباد الإنسان في الإمبراطوريتين وما تأخر عن ظهوره.
ومجرد صموده وازدياد عنفوانه وانتشاره من علامات انتصاره الحتمي، لأن أعداءه كلما تكاثروا في الداخل والخارج كلما تبين غثاؤهم وقلة حيلتهم ضده.
وكان ينبغي أن أضيف عاملا يبدو جديدا أعني دور إسرائيل والمليشيات العربية التي تخدمها بالقلم والمال. لكن الجدة هي في التعين المادي للدور.
فدور بني إسرائيل وميلشياتها العربية بالقلم والمال ليس جديدا إلافي الظاهر: كان التغلغل اليهودي ملازما لحضارة الإسلام ملازمته لكل حضارة سادت.
ولفهم هذه الملازمة فلنعلم أن الفيروسات تستمد معاشها وقوتها من قوة الكائنات التي تعيش فيها وتتطفل عليها: من مصر الفرعونية إلى أمريكا حاليا.
وهنا سأفتح قوسين يتعلقان بهذه الظاهرة وبأثر عدم فهمي إياها بسبب السذاجة القومية في شبابي. كنت أعجب من حضور بني إسرائيل الطاغي في القرآن.
لم أفهم في شبابي أنه حضور مقابل تماما لحضورهم في الحضارة الغربية الحالية. فهذا دليل سطوتهم وذاك دليل تحرير الإنسانية من سطوتهم الرمزية.
تميز أفاضلهم فتسميهم مسلمين-الانبياء-وتجعل عداوة الباقي منهم رمز التحريف فتقلب فاعلية الفيروس ليهدم نفسه بدلا من أن يمتص دمك في غياب وعيك.
وبذلك يكون القرآن قد وجد حلا لعلاج التطفل الفيروسي في الحضارة. فكان أول محاولة ناجحة في تعطيل السلطان الرمزي الذي كان شبه مقصور عليهم.
لذلك فحضور بني إسرائيل في القرآن هو حضور “المثال الضديد” مما ينبغي أن يكون عليه الوجود الإنساني المتحرر من عبادة العجل وما يسميه ابن خلدون بالخرج.
وهما ما به يسيطر بنو إسرائيل على أي حضارة سادت في المعلوم من التاريخ من مصر الفرعونية إلى بابل إلى روسيا إلى ألمانيا إلى أمريكا حاليا.
فاطمأنت نفسي لحضور بني إسرائيل في القرآن وتخلصت من القومية لأني أدركت كونية القرآن: فهو لا يعادي لعلة عنصرية بل يقاوم الشر لعلة خلقية.
وهذه أولى ثوراته الوجودية: فهو رسالة كونية بمنطق النساء 1 والحجرات 13 وبمنهج التصديق والهيمنة: يطلب الحقيقة ويصادق من يطلبها من أي قوم.
فإذا ميز أفاضل قوم عرفوا بعبادة العجل وبالخرج فذلك أكبر دليل على الكونية المطلقة التي لا تستثني أحدا ممن يطلب الحقيقة وخاصة بين من يعاديها.
فيم تتمثل ثورة الرؤى المتفرعة عن النساء 1 والحجرات 13 علتي كونية رسالة تخاطب جميع الأحرار (المكلفين) دون تمييز عرقي أو طبقي أو جنسي؟
الجواب المفصل هو كل ما ورد في كلامنا على الإرادة والعقل وكل ما سيرد في الحياة والقدرة لأنه هو حصيلة جملتها المتعالية عليها. ولنوجزها بسرعة.
فالنساء 1 ثورة كونية تؤسس لباقي فروعها في المرجعية الإسلامية: التمييز بين رحمين كوني وجزئي، وبين مفهومين للكائن الأسمى الرب والله مع الوصل.
فالخطاب موجه إلى الناس وليس إلى المسلمين كأمة من بين الأمم، لأن الرسالة الخاتمة موجهة للإنسان من حيث هو إنسان حر أي قابل للتكليف بالخلافة.
وهي تعلمهم أنهم كلهم أخوة: من نفس واحدة. وهو الرحم الكلي ويناظره مفهوم الربوبية لأن الأخوة الإنسانية ليست اختيارية، بل هي مقوم وجودي أصيل.
والرحم الكوني والمربوبية المضطرة رغم كونها من مقومات الكيان في الأخوة الإنسانية، تأثيرها في التاريخ الفعلي يبقى دون الرحم الجزئي والآلهية.
فجمع القرآن بينهما ووضع نظاما روحيا(الرؤى) ونظاما ماديا (السياسات) يمكن من جعل الرحم الجزئي والمألوهية يرتفع فيطابق الرحم الكلي والمربوبية.
وتلك هي ثورته الكبرى: فالبشر اخوة، وتعدد الأديان وتعايشها شرط التسابق في الخيرات لأن الغاية هي الوصول إلى الإسلام الذي هو الدين عند الله.
فيتلو عن النساء 1 حتما النتيجة المكملة: الحجرات 13. الخطاب للناس. دون تمييز عرقي أو طبقي أو ديني أو جنسي: منزلة الإنسان تحددها التقوى لا غير.
وشرط هذا الحصر أن تكون غاية الخلق عبادة الله دون سواه (شرط الحرية من الأوثان كلها) وشرط الشرط أن يكون التعدد هادفا للتعارف معرفة ومعروفا.
والمعرفة علم وعقل. والمعروف أخلاق ووجدان. وبذلك نجد أن الثورة المرجعية مبنية على العلم والأخلاق وهما شرط التعايش السلمي بين البشر الأحرار.
ثورة الإسلام المرجعية أو الرؤيوية التي تتمثل في مستوى الصورة الروحية في الأذهان ما يناظر الصورة المادية في الأعيان أي ثورة الإسلام السياسية.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s