ثورة الاسلام، مفارقاتها وحقيقتها الكونية – الفصل الثالث – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

ثورة الاسلام

مفارقاتها وحقيقتها الكونية

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 04-10- 1438/ 28-06-2017

الفصل الثالث يكاد ينحصر في أهم موضوعات رسالتي في الدكتوراه بنظامها الفرنسي القديم. وهي مؤلفة من جزئين: اساسي منزلة الكلي، وتكميلي إصلاح العقل.

ومدار الجزئين المسألة المعرفية والعلم النظري والعملي. لذلك كان دور ابن تيمية وابن خلدون محور الجزء التكميلي بالمقارنة مع أفلاطون وأرسطو.

بعبارة وجيزة: مداره ما حدث في تاريخ العقل الإنساني خلال الحقبة الاسلامية من ثورة مكنت من تجاوز كيفي للفكر اليوناني. وهذا موضوع الفصل الثالث.

وهو في آن ولكن بصورة غير صريحة، لأني قمت بعمل أكاديمي دون قصد الدفاع ضد ما قاله هيجل بأن الحقبة الإسلامية لم تضف شيئا للإبداع الفلسفي.

لم أرد في الرسالة أن أدخل في نزاع يعسر أن يتقبله الرأي العام الأكاديمي بين العرب: من يكون أبو يعرب حتى يسفه هيجل في رؤيته لتطور الفلسفة؟

ورغم “غرامي” بهيجل في شبابي، تبين لي في بداية الكهولة أن الرجل-والامر ليس متعلقا بالتشكيك في أمانته-يجهل الحضارة الإسلامية وتطورها الفلسفي.

وفضلا عن “من أبو يعرب حتى يجادل هيجل” تأتي إشكالية: كيف له اقحام ابن تيمية حتى لو سلمنا له بقابلية إقحام ابن خلدون في رسالة فلسفية حول الكلي؟

لا أنوي الكلام في ذلك، إذ هو سيزيد متهمي بالتعسير كثيرا من الحجج وخاصة بعد أن أصبحت الجرأة من أرباع المثقفين تتكلم على “تهافتي” الفلسفي.

ومع ذلك ومهما فعلت، لن أستطيع تجنب التعقيد والعسر الذي لا ذنب لي فيه إلا لدى من كما أسلفت يتصور طلب الحقيقة يصح عليها قول الجاحظ عن المعاني.

لا شيء في نظرية العلم النظري والعملي مرمي على حافة الطرق. بل هي تعالج أهم مغلقات الفكر الإنساني بشكليه الأرقيين: الرياضيات والفلسفيات.

وذلك هو المعنى الأسمى للشعر: إنه رياضي بأشكاله الموسيقية والرسمية، وفلسفي بحقائقه المضمونية وجودا ووجدانا. ومن لا يحدس ذلك فلا يدخلن علينا.

وإذن فاختياري ابن خلدون وخاصة ابن تيمية يكاد يفيد بأني كنت محاميا غير ذكي للدفاع عن قضية تبدو خاسرة من البداية: بيان تجاوز فلسفة يونان؟

أو بعبارة لم أذكرها في الرسالة: بيان خطأ هيجل. إذ قال إن المرحلة الإسلامية لم تضف شيئا يستحق الذكر في تاريخ الفلسفة. تحديان: هيجل وابن تيمية.

“الأذكياء” من كاريكاتور الحداثة كانوا يتصورون أن أفضل طريقة للدلالة على دور الفلسفة العربية هي التباهي بما ينسبونه لابن رشد. وهذه محسومة.

ففي رسالة تشبه الماجستير أعددتها في باريس، خرجت بنتيجة هي أن المبدع ليس الشارح الأكبر صاحب تهافت التهافت، بل الإمام الاكبر صاحب التهافت.

وكدت أعد “منبوذ” “فلاسفة” العرب “انتوشابل” بالمعنى الهندي، لولا أن فضحت هذيانهم المعتمد على بلوخ: ابن رشد واليسار الأرسطي قياسا على الهيجلي.

ما يهمني هنا: ما الثورة الفلسفية التي تجاوزت اليونان عند ابن تيمية في فلسفة النظر، وعند ابن خلدون في فلسفة العمل، ونواتهما عند حجة الإسلام؟

اقدمت على هذه المغامرة لأني قبلها بعشر سنوات أثبت في رسالة الحلقة الثالثة (نظيرة البي ايتش دي) دور الرياضيات ومنزلتها في فلسفة ارسطو.

ولا معنى للكلام على تجاوز اليونان دون شرطين: التمكن من علومها أكاديميا، والقدرة على بيان استحالة فهم طفرة الحداثة من دون فلسفتنا النقدية.

وكان يكفيني لغايتي فأثبت خياري، رغم عسره، دليل نجاح في المغامرة أن ابين أن ابن تيمية في النظر وابن خلدون في العمل تجاوزا رمزي فلسفة يونان.

وهذا ما سأبينه بإيجاز في هذه المحاولة، علاج مسألتين اثنتين لا غير. ما التغير الذي أحدثاه:1-في نظرية المعرفة و2-وفي نظرية الوجود للتجاوز؟

هل تحقق تغير كيفي في الابستمولوجيا وفي الأنطولوجيا؟ أم إن هذين بقيا كما كانا عند اليونان، فيصح ما قاله هيجل عن صفرية المرحلة الإسلامية؟

وقبل ذلك، هل يمكن وصل الفهم الجديد في الفلسفة والعلم الطبيعي (ديكارت وجاليلي) مباشرة بالفلسفة اليونانية دون الكثير من الاصطناع لتاريخهما؟

رؤية ديكارت للفن المؤسس للفلسفة لا يقبل التسمية بالميتافيزيقا بالمعنى الأرسطي والأفلاطوني. جوابي ينفي ذلك، بل هو أولى باسم المتاأخلاق.

فديكارت يقول صراحة أن إثبات وجود الله أيسر من اثبات وجود العالم. لذلك فهو يؤسس نظامه العلمي كله على الضمانة الإلهية وليس على قوانين الطبيعة.

وديكارت على عبقريته لم يكن خالي الذهن بضرورة هذا الاصطناع لتحريف تاريخ الفلسفة والعلم لأنه أعلن عن ضرورة تخليص للرياضيات من مفهوم الجبر.

وجاليلي كذلك رغم عبقريته لم يكن أول من قال إن الطبيعة تتكلم لغة رياضية. فالرياضيات لم تكن لغة عند اليونان حتى وإن استعملوها لهذا الغرض.

اعتبار الرياضيات لغة العلم تفيد أمرين:1-بنية الطبيعة رياضية 2-اكتشاف البنية بحاجة إلى التجريبية وليس معطى كحال العبارة اللغوية عن المعاني.

وهذان المعنيان من بديهيات الفهم القرآني للعالم ولمعرفته الإنسانية عن طريق الصوغ الرياضي والعقلي لمعطيات لا ننفذ إليها إلا بالتجربة الحسية.

بعبارة وجيزة لا يكفي فيها المنهج الجدلي سواء كان أفلاطونيا أو أرسطيا، لأن من يتحقق فيه شرط التناسق المنطقي ليس بالضرورة ما تؤيده التجربة.

ولا يمكن الوصول إلى هذه القناعة من دون ثورة حققها الفكر المجانس لفكر ابن تيمية في نقد المعرفة المستندة إلى الجدل والمنطق المجردين دون تجريب.

والتجريب المقصود ليس الملح التي تأتي من استعراض سطحيات الملاحظة لبعض الظاهرات الحاصلة، بل هو التجربة القصدية لامتحان الفرضيات العلمية.

وهي مثل محاولات ابن الهيثم في المناظر مجودي تطبيق الرياضيات على معطيات التجربة القصدية في الفلك ومسح الارض والجبر على الفرائض مثلا.

صحيح أن التواصل بين الحقبتين موجود. لكن التغير النوعي هو الغالب: وهو التجريب القصدي لامتحان فرضيات علمية بدل تجميع عموميات في جدل كلامي منطقي.

فكان المنطلق التساؤل عن دور المنطق في المعرفة العلمية لتجاوز الجدل الكلامي نحو علم يتألف من مقدرات ذهنية مطبقة على معطيات تجريبية: ابن تيمية.

ثم إن ديكارت يعتبر القوانين الرياضية والمنطقية ليس لها بذاتها أدنى ضرورة، بل هي خيارات أو تشريعات إلهية غيرها ممكن عقلا رأينا العلاقة.

وهذا مما لا يمكن تصوره في الفكر الفلسفي والعلمي اليوناني. وأقصى ما يمكن افتراضه أنه رؤية دينية لكن صوغها الفلسفي كان غزاليا: تنسيب السببية.

وقوله بالعناية المستمرة، وحتى بالخلق المستمر، بخلاف لايبنتس (العالم ساعة عدلت مرة واحدة وغنية عن عناية مستمرة) كان الأكازايناليسم الأشعري.

وما يعنيني هو تحول هذه الأفكار على مبادئ فلسفية وليست مجرد عقائد دينية: وهذا هو ما اعتبره تحولا فلسفيا كيفيا لم يصغ صراحة قبل الغزالي.

أعمال الغزالي الفلسفية الرئيسية ترجمت إلى اللاتينية قبل اعمال ابن رشد لاعتماد رجال الدين المسيحيين عليها في الرد على الرشدية اللاتينية.

ترجم منطقه ومقاصده وتهافته فضلا عن أثر الفكر الصوفي المتفلسف في الأفلاطونية المحدثة اللاتينية وهي الطريق إلى الافلاطونية بديلا من الأرسطية.

وكان لمن سماه ابن تيمية “غزالي اليهود” أعني ابن ميمون وكتابه دليل الحائرين دورا في نشر فكر الغزالي (القرن 12) وردوده على الفلاسفة.

فالصوغ الفلسفي لبعض المبادئ التي يدين بها إلى الدين إسلامية. ففكر حضارته صار المعيار والنموذج رغم تأخره زمانيا عن الدينين المنزلين الآخرين.

دور ابن تيمية في ثورة النظر ودور ابن خلدون في فلسفة العمل تشتركان في القفزة النوعية ابستمولوجيا (نظرية العلم) وأنطولوجيا (نظرية الوجود).

لكن ينبغي الاعتراف بأنه ليس لدينا من يثبت نقليا -أي النصوص المحددة-أنهما أثرتا فعليا فيما يماثلها في الغرب الحديث بعد النهضة الغربية.

لكني مع ذلك أملك بعض العلامات والمؤشرات التي تبين أن تأثير الثقافة الفلسفية العربية من غير تيار الفلاسفة المعروفين قد كان لها وجود مؤثر.

وكان هذا التأثير منتسبا إلى ما له صلة بالثورة الدينية في المسيحية ذات علاقة بمدخلي الفكر الإسلامي إليها بتوسط الأندلس بداية والبلقان غاية.

هذا فضلا عن الصلة المباشرة بفضل الحضور الصليبي في الشرق. فالثابت أن السوسيانسم له صلة بالاعتزال والأشعرية وبفكرهما الإبستمولوجي والأنطولوجي.

والمهم أن فكرا غير فلسفي بالمعنى المدرسي لكنه فلسفي بمعنى ثوري، تجاوز الفكر اليوناني كما سأبين هنا مثل نقلة نوعية في التحرر من جمود نظرته.

وهذا الفكر غير التقليدي حاضر عند ابن تيمية في النظر وابن خلدون في العمل، بصورة ناضجة ونسقية في مجالي نظرية المعرفة ونظرية الوجود. فما هو؟

خصصت عديد الفصول للأمر وخصصت جزاء كاملا ذيلت به ترجمة المثالية الألمانية لبيان دور المدرسة النقدية. فلأوجز ذلك فيما بقي من هذا الفصل الثالث.

فابن تيمية غير نظرية المعرفة بأن بين أنها اجتهادية وليس مبنية على المطابقة لأن كل تصور وراءه تصور أدق وأفضل إلى غير غاية ولا علم إلا بالشاهد.

وما عداه علم مقدرات ذهنية أو معتقدات. وهما الوحيدان اللذان يمكن القول بأن العلم الكلي فيهما ممكن. أما علم الشاهد فهو تجريبي وتقريبي دائما.

والعلة هي أن الوجود لا يحيط به الإدراك لما فيه من الغيب المحجوب. فيكون العلم أحد أدوات الإنسان الاجتهادية، وهو نسبي للغرض منه: براجماتي.

والعلم الكلي مقصور على المقدرات الذهنية لأنها ليست علما للموجود، بل هي إيجاد لمقدر وعلم به من حيث هو مقدر ذهني يستعمل نموذجا لعلم الموجود.

فلكأنه بنية منظومة من الخانات الخاوية تملأ بمضمون تجريبي عند التطبيق فتكون صوغا فرضيا للموضوع الموجود في الأعيان دون مطابقة مطلقة معه.

والحصيلة أن الرياضيات والمنطق من حيث هما خانات خاوية، علمان أداتان في علوم الطبيعة والتاريخ لكن هذين النوعين من العلوم إحصائيان دائما.

فلا تناهي التقارب بين النموذج الصوري والمضمون المادي للمعرفة يجعل المطابقة التامة ممتنعة، ومن ثم فكل علم اجتهادي بالجوهر ولا إطلاق فيه.

وكل هذه المبادئ يقول بها ابن خلدون ويصوغها في عبارة وجيزة وحيدة هي أن الوجود أوسع من الإدراك ومن ثم فهو لا يحيط به أبدا: نفي للمتافيزيقا.

لكن الأهم في ثورة ابن خلدون الذي كان تأسيسه لعلوم الإنسان مجانسا لتأسيس أرسطو لعلوم الطبيعة هو أنه وضع أساسين لهذا التأسيس شرطهما تجاوزه.

فأرسطو ينفي إمكانية علم التاريخ لأنه علم الفردي والجزئي، في حين أنه لا علم إلا للكلي. والحقيقة الفلسفية عند أرسطو لا تاريخية بالجوهر والفعل.

والتأسيس الخلدوني لعلوم الإنسان له شرطان:1-التاريخ قابل للعلم بوصفه علم تمحيص الخبر عن العمران والاجتماع 2-الحقيقة الفلسفية تاريخية أيضا.

فالتاريخ بما هو نقد للخبر عن العمران والاجتماع، علم فلسفي. والفلسفة بما هي تراكم الخبرة، علم تاريخي نقدي لتاريخية الخبر عن الطبيعة والتاريخ.

العلم في الحالتين سواء كان موضوعه الطبائع أو الشرائع نقد للخبر عن الخبرة الحاصلة للإنسان عنهما خلال تعامله معهما في استعماره للأرض والكون.

تلك هي الثورة في مجال النشاط المعرفي أو العلم، سواء كان الموضوع طبيعيا أو تاريخيا بوصفه منتسبا إلى الوصل في المعادلة الوجودية التي حددنا.
الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s