ثورة الاسلام، مفارقاتها وحقيقتها الكونية – الفصل الثاني – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

ثورة الاسلام

مفارقاتها وحقيقتها الكونية

– الفصل الثاني –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 04-10- 1438/ 28-06-2017

نبدأ إذن بالمجال الأشمل في الأعيان (السياسة) ونختم بالمجال الاشمل في الأذهان (الرؤى) والأمل غاية عبارة الإرادة، والثاني غاية عبارة الوجود.

وبينهما نجد المجالات الثلاث الأخرى أي العلم (غاية عبارة النظر) والقدرة (غاية عبارة العمل) والحياة (غاية عبارة الذوق): تلك هي مجالات الحضارة الخمسة.

وقد حددها القرآن الكريم بترتيب آخر في سورة يوسف وعين مجالي تجليها أي الرؤيا (الاحلام) والفعل(التاريخ): الذوق والرزق والعلم والحكم وبرهان الرب.

وجعلها ابن خلدون في ترتيب آخر موضوع إبداعه العلمي وثورته التي تجاوزت الفلسفة العملية اليونانية: فأسس علوم الإنسان تأسيس أرسطو لعلوم الطبيعة.

هذا الفصل اخصصه إذن لثورة الإسلام السياسية. لا تصدقوا أعداءه الذين يزعمون أنه ليس فيه نظرية دولة ولا نظرية حكم وما فيه غير مناسب لعصرنا.

سأبين-ولست الأول فقبلي الغزالي وابن تيمية وابن خلدون- وما أنا إلا قارئ لما اغفله اصحاب الكاريكاتورين لإبداعهم في مجالات الأنشطة الخمسة.

وحتى من كان صادق القصد وبريء النية في الكلام على السياسة في الإسلام بما يقرب من منطق أعدائه، فإنه يمكن أن يعذر لأنه ينخدع بعلماء السلاطين.

فهؤلاء مستعدون لتبرير حتى أفعال الشياطين حتى يرضى عنهما طواغيت السياسة في بلاد الإسلام، فيحللون ويحرمون بأمرهم رغم العلم بجهلهم وعمالتهم.

ويكفيني تأليبا للخصوم، لذلك فلن أطيل في هذا الكلام وأمر إلى المقصود بثورة الإسلام في السياسة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة شرعيا كان أو غير شرعي.

فحتى السياسي غير الشرعي يدعي أنه يعبر عن إرادة الجماعة التي يستعبدها ويستغلها ويتربب عليها مع تربب حاميه عليه كحال العبد إذ يتسيد على قومه.

علي أذن قبل التقدم في البحث، أن أشرح أمرين: ما علاقة السياسة بالإرادة الفردية والجماعية؟ ولماذا يكذب غير الشرعي فيدعي تمثيل إرادة الجماعة؟

المعلوم أني صنفت النخب بمعيار الصفة الغالبة على أفرادها: الصفات خمس، وهي الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود. وعلم الكلام يعتبرها ذاتية لله.

لكن الإنسان-كخليفة- له قبس منها وهو متناه وناقص. في حين أنها من حيث كونها ذاتية لله لا متناهية وتامة. مثلا: حياتنا مائتة. الله حي قيوم.

وقس عليها بقية الصفات: علمنا نسبي وناقص. قدرتنا نسبية وناقصة. إرادتنا نسبية وناقصة. ووجودنا آفل وفان، ولا يوجد إنسان مهما جهل لا يعلم أنه مائت.

ولما كنت سأعرض ما اعتبره جوهر فلسفة السياسة القرآنية، فإن كل تغريدة ستكون من درر القرآن الكريم كما أفهمها باجتهادي، دون أن ادعي الإحاطة بها.

كلنا يعلم أن ابن تيمية قد اعتمد في كلامه على السياسة الشرعية بعض آيات من النساء تتلق بأمرين:

  1. الحكم أمانة بيد الحاكم الذي هو خادم الأمة

  2. ثم ان وظيفته تحقيق العدل بشرطين: الأول الفصل في نزاعات الحقوق والمنازل بصورة كونية في الداخل والخارج (وحدة قيمية للقانون الوطني والدولي)

وذلك هو الشرط الأول في العيش المشترك الذي يعتمد على التبادل بالتعاوض العادل والتواصي بالصبر، ويعتمد على التواصل بالتصادق والتواصي بالحق.

لكن محاولته ينقصها تحديد المؤسسات التي تحقق ذلك، رغم أنها تمثل الأسس القيمية والخلقية لكل دولة تحقق وظيفتيها: حماية الجماعة ورعايتها.

وتعلمون أن الغزالي قبله في حوار متخيل بين سني وباطني في فضائح الباطنية، بيّن أمرين كذلك: الشرعية أساسها الاختيار الحر لا الوصية والحق الإلهي.

لكن الشرعية لا تكفي، وأن للشوكة شروطا أخرى وهي غير الغلبة، لأنها مشروطة بالشرعية. ولذلك سماها المهابة وقاسها على دور الفاروق في حسم الخلاف.

وأخيرا، فإن الذي وصل إلى الجمع بين الغزالي وابن تيمية هو طبعا علامة الإسلام بلا منازع: ابن خلدون رغم تركيزه دور الشوكة أكثر من الشرعية.

لكني وبكل تواضع، اعتبر أنه لا بد من تجاوز محاولاتهم إلى ما تعذر عليهم الوصول إليه بسبب حالة الطوارئ والعلوم الزائفة اللذين سيطرا لقرون.

وآمل أن يكون عملي محققا لقفل المخمس: فالقرآن الكريم هو المصدر. وثالوث فلاسفة النقد العرب هم المرجع. أما أنا فمجرد قارئ يفضح أعداء الإسلام.

وأول شيء أبدأ به هو أن الدولة لا تعتمد على ثلاث سلط، بل على خمس في الإسلام: الثلاث التقليدية، مع السلطتين الأصليتين، إرادة الجماعة أصلا ورقابة.

فالثلاث التقليدية-التشريع والقضاء والتنفيذ-ليست إلا لإدارة الشأن العام، لكن الدستور يعطي شرعية أعلى لسلطتين تعملان دائما: الاختيار والمراقبة.

وهاتان السلطتان كان لهما رمزان يمثلانهما: هيئة الترشيح والانتخاب، أو أهل الحل والعقد لإضفاء الشرعية. والحسبة على احترام الدستور للمراقبة.

صحيح أن هاتين السلطتين ضعفتا بسبب الانحطاط. لكنهما ليستا الوحيدتين اللتين ضعفتا وكادتا تندثران: فالطواغيت حصروا الثلاث في استبداد نزواتهم.

وحتى يفهم الجميع قصدي، فأنا لست بصدد وصف الأمر الواقع، بل ما يوجد في الدستور القرآني وفي ممارسة الراشدين على الأقل. ويوجد رمز جامع هو المسجد.

فالمراقبة الدائمة لإدارة الشأن العام تعتبر نصف الدين كما تبين خطبة الجمعة التي تنقسم إلى جزئين: تعبدي لله، ومعاملاتي لمناقشة تطبيق شريعته.

وأهل الحل والعقد للترشيح ولإدارة الانتخاب أو البيعة-لجنة مستقلة للانتخابات- ليست مؤسسة موسمية، بل هي دائمة الفعل ومحلها المسجد حيث يلتقون.

وطبيعي ألا يفهم العلماني اليعقوبي أو الماركسي هذه الشرعية القائمة دائما وغير الظرفية. فمن لا يرى أزمة السياسة الحالية، لن يفهم ثورة الإسلام.

لا يفهمون أن فلاسفة السياسة في الغرب بدأوا يدركون أزمة السياسة لديهم ويحاولون العودة إلى شروط الديموقراطية المباشرة وأساس ممارستها الخلقي.

ورغم الاختلاف بين الأمر الواقع في سياسة المسلمين، فإنه لم يكن مطلق المعارضة مع الامر الواجب ولو شكليا: فما ذكرته بقي على الأقل شكليا.

ويكفي القاء نظرة على مصنفات الأحكام السلطانية، وخاصة على التقسيم النهائي في عهد ابن خلدون لمؤسسات الدولة بين الخلافة والسلطنة: في المقدمة.

لكن الأهم من ذلك هو المفهوم الثوري للدولة: فهي ليست مقصورة على الحكم بالمعنى التقليدي، بل هي تشمل الحماية والرعاية. وقد بينهما ابن خلدون.

فهو أولا بين أمرين ثوريين هما شرط العدل في نظره. وكلتاهما ثورة في النظرية الاقتصادية: أولا تعريف القيمة ومعايير العدل، وثانيا منع تأميم الاقتصاد.

فأما الثورة الأولى فتتمثل في:1-قيم البضائع والخدمات تقدر بالعمل الضروري لإنتجاها.2-عدل التعاوض شرطه استقلال صك العملة المكاييل والموازين.

وإذن فالسياسة ليست حكما فحسب، بل هي أيضا سياسة اقتصادية وعدل اجتماعي ومن هنا تحريم السخرة والاحتكار وتدخل الدولة في الاسعار والأسواق.

وأكثر من ذلك، فهو أول من وضع مبدأ ثوري يتمثل في وصل مالية الدولة بالسياسة الجبائية التي تكون الأجدى كلما قل الضغط الجبائي بخلاف بادئ الراي.

وكل هذه المبادئ ليست من اختراعه، بل هو يستوحيها من القرآن الكريم بصريح قوله. إذ هو دائما يردف النظرية السند القرآني كما بين صاحب بدائع السلك.

ففي كتابه بدائع السلك في طبائع الملك، بيّن العالم الأندلسي المهاجر للقدس كيف أن المقدمة تتألف من عشرين قاعدة عقلية مناظرة لمثلها بمرجع نقلي.

لن أنسب لنفسي أكثر مما أسهمت به في إعادة صوغ التقسيم الخلدوني لوظائف الدولة وتصنيفها المنطقي على أن أعترف بأنه هو المصدر الحقيقي للمضمون.

فوظائف الدولة جنسان. لكل منهما خمسة أصناف: الحماية الداخلية وهي القضاء والأمن أو الداخلية والحماية الخارجية وهي الدبلوماسية والدفاع. لها أصل.

فأصل هذه الوظائف الاربع أصل معرفي هو الاستعلام والإعلام السياسيين. أي إنها لا تعمل من دون معلومات حول الداخل والخارج تمكن الدولة من تحقيقها.

أما وظيفة الرعاية، فهي مؤلفة من رعاية التكوين اي التربية النظامية في المدرسة والتربية المجتمعية ورعاية التموين أي الثقافة والاقتصاد.

والأصل معرفي كذلك. وهو البحث العلمي والإعلام العلمي، وهما اساس إبداع شروط الرعاية والحماية في آن لأنهما شرط السلطان على الطبيعة والتاريخ.

والأهم من ذلك كله هو اكتشاف مفهوم الحصانة وشرط السيادة في كل جماعة مؤلفة من مواطنين أحرار: وهو مفهوم ديني وفلسفي يؤسس لمادة العمران وصورته.

فالحصانة روحية ومادية: والدين وعلومه يحقق الروحية للاستخلاف والفلسفة وعلومها تحقق المادية للاستعمار. ولا فصل بينهما أوبين السياسة والدين.

فمن لا يعتقد بعد ذلك أن للإسلام نظرية ثورية في الدولة والسياسة وعلاقتها بالدين وعلومه وبالفلسفة وعلومها، إما غبي أو دني. وتلك حال أعدائه.

 

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s