التراث، معرفته وتحديد دوره التاريخي – القسم الثاني – الفصل السابع – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

التراث

معرفته وتحديد دوره التاريخي

– القسم الثاني –

– الفصل السابع –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.27 – 2017.06.22

المقال

 

أبدأ الأمثلة بالكلام على كاريكاتور التأصيل، وفيه سيكون العلاج عاما دون تعيين لنجم معين، لأنها متماثلة وما تشترك فيه ضمن مادة التربية الدينية. وكان في شكل ردود على ثلاث مدارس فلسفية وعلمية، وعلى ما يسمى بشبهات الاستشراق من منطلق صراع الإلحاد عقديا أو أعداء الإسلام مذهبيا.

ولذلك، فهي تبدو تأصيلية بمنطق حداثي، إذ ترد على المدارس الثلاثة الماركسية والداروينية والفرويدية بمجرد العقد أو بآراء علماء غربيين منافسين.

ويسمون المعتمدين في الرد من المنافسين لهم بالمنصفين. وخاصة إذا تعلق الأمر بما يرودونه من شهادات بعض المستشرقين لصالح رؤاهم التي يدافعون عنها.

وكنت أمقت هذا الاسلوب في التربية الدينية لأنه لا ينتسب لا إلى الدين ولا إلى الفلسفة ولا إلى العلم ولا حتى إلى حماية الإسلام اللائقة به. وبلغ سخف بعضهم إلى محاولة عكس الآية، فيبحثون في القرآن والسنة -بما يسمونه الأعجاز العلمي-على سبق في اكتشاف ما يؤيد هذه النظريات “الملحدة”.

فوضعوا نظرية تميز بين الإنسان الذي تصح عليه الداروينية، ثم الآدمية التي تصح عليها الرواية القرآنية لتغييره قبل استخلافه، مرورا إلى الآدمية.

كما وضعوا نظرية النفوس الثلاث-الامارة واللوامة والمطمئنة-ليبينوا سبق القرآن، ولم يبق إلا ماركس الذي لم يجدوا له نظرية. فذلك لن يرضي مستخدميهم.

فكيف يجدوا في الإسلام محاولة فهم ما يناقض سلوكهم المبرر للظلم والعسف وترضية أولياء الأمر الذين ينبغي لهم السمع والطاعة حتى لو كان كافور مصر؟

لن أطيل الكلام في كاريكاتور التحديث. ولن تكون الأمثلة عينية، لأن ما يعنيني في هذه الحالة بيان اصناف اساليبهم المستندة كلها إلى العلم الزائف.

وأخطر أسلوب هو أسلوب التأصيليين بدعوى الحجاج بالعلوم الحديثة ومحاولة الدفاع عن الإسلام بتحديث يرضي مستخدميهم ويؤمركه ويمسحه بدعوى نقد التطرف.

ومن هذا النوع خاصة، الدعاة الجدد. ولعل رمزهم عدنان ابراهيم الذي يمكن حسبان عدد صور الإسلام بعدد الممولين المتوالين على استغلال دجله المقيت.

هم إذن صنفان كلاهما مضاعف:

–   صنف التأصيل بدعوى الإصلاح، وفرعاه قراءة اساسها المعرفة الحديثة أو قراءة أساسها القيم الحديثة لأمركة الإسلام.

–   والصنف التقليدي، وصنفاه زعم إحياء التراث النصي أو إحياء التراث “العقلي” وبيان ما فيه من مناسبة للعصر بالانتخاب التحكمي والمذهبي المقيت.

ويبقى الأهم في ذلك كله برنامج التربية الدينية بالمدرسة التونسية في جيلي: الردود الخمسة على داروين وفرويد وماركس والالحاد وشبهات الاستشراق.

وعليها سأركز بحثي في هذا الفصل الثامن، والفصلان الباقيان أخصصهما لمثالين من كاريكاتور التحديث اي نقد حاميد أبا زيد الماركسي والجابري الفوكلدي.

وقبل الغوص في درس هذه المسائل، سأحدد أصلها الذي تنبع منه الفروع الأربعة. فهي صورة مطابقة لوضع التراث الرسمي في خدمة أنظمة تابعة ومتبعوعهم.

والفرق الوحيد بين الصنفين، هو أن الثاني الذي يدعي الإصلاح بالاعتماد المزعوم على العلم أو على القيم الحديثة يؤصل للأمركة بالانتخاب التراثي. فيرضي الكاريكاتورين في خدمة الأنظمة التابعة وحاميهم خاصة إذا كان يزعم الرد على الصنف الأول الذي يتهم بكون تعاليمه تخرج الإرهابيين والتكفيريين.

والصنف الأول الذي كان يخدم الأنظمة التي تدعي الحكم بالإسلام، أصبح في مهب الريح لأن هذه الأنظمة تريد التخلص منهم وتعويضهم بالمدرسة الأولى.

وقد اتضح الوضع منذ أن عرت الثورة المذابح وأعلنت ثورة صنفي الأنظمة المضادة الحرب الصريحة على الإسلام بالصنف الثاني وخلطه مع فكر الصنف الأول. فتقاسمت الأنظمة الأدوار:

الأنظمة القبلية تمول الثورة المضادة. والأنظمة العسكرية تفتك بالشعوب. والغرب يقودهم ويحميهم إعلاميا ودوليا وعسكريا.

والحصيلة هي أن دراسة التراث في مدارس الكاريكاتور التأصيلي بصنفيه المضاعفين استخدم التراث لصالح الاستبداد والفساد بشكلين قبل الثورة وبعدها.

فقبل سقوط أحد القطبين، كانت الأنظمة العسكرية والقبلية في صراع باسم الإسلام والقومية وتبعية واضحة للقطبين الرأسمالي والشيوعي.

وتلك كانت علة وجود الفرعين في كاريكاتور التأصيل الإصلاحي التقليدي والذي يدعي الحداثة العلمية والقيمية. وظل الامر في شبه هدنة إلى الثورة.

عندئذ اتحد صنفا الأنظمة القبلية والعسكرية كما بينت وأصبح الإصلاح التقليدي متهما وبات التيار المفضل هو الجامع بين دجل العلم والقيم والتصوف.

لذلك فأصحاب السلفية لن يبقوا منها إلا على الجامية. وأصحاب العلمانية لن يبقوا إلا على الصوفية. فيتحول الدين إلى باطنية في خدمة نفاة الحريتين.

والحريتان كما هو معلوم، هما جوهر الإسلام: الحرية الروحية التي تنفي الوساطة بين المؤمن وربه، والحرية السياسية التي تنفي الحكم بالحق الإلهي.

وإذن، فالكل سيكون في خدمة الباطنية الصفوية والصهيونية في الإقليم، ذراعين للحماة في الغرب والشرق والسنة التي عقموا فكرها لتصبح في مهب الريح.

وما أكتبه في التراث، هدفه بيان أن السنة هي بالأساس فاعلية تراثية، لأنها تعني جوهريا جملة السلوكات ذات الفاعلية الشرعية لتحقيق قيم الإسلام.

بعد هذا التوضيح للإشكالية وعلاقتها بالأحداث الجارية، لأن التراث هو روح الجماعة أو أخلاقها الموضوعية في الأعيان وفي الأذهان، سأمر للعلاج.

والعلاج الذي سأقدمه هو في آن هو العلاج العلمي، وهو الوحيد الذي تستند إليه السنة. ودليلي أن أكثر المفردات المترددة في القرآن الكريم مفردة العلم.

لكن دليلي الأقوى هو أن السنة نفسها تعني سن سلوكات مناسبة وحفظها ما ظلت مناسبة لتحقيق مقومي كيان الإنسان: الاستعمار والاستخلاف في الأرض.

والسنن لا تسن ولا تحفظ إلا بنوعي إبداعها وإبداع شروط حفظها، أي بالعلم والعمل على علم في الأنشطة الخمسة التي يتقوم بها العمران في أي حضارة.

ففي السياسة والعلم والاقتصاد والفن والرؤى يسن العلم والعمل على علم السنن السلوكية التي تحقق شروط الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف.

وسن السنن وحفظها يكون كما بينا في المواقف من التاريخ بالمتحفي والمعلمي والنقدي، الذي هو نقد للمتحفي طلبا لإحيائه، والمعلمي سعيا لتجاوزه.

ولا يمكن نقد علم بغيره ولا نقد عمل على علم بغيره. لذلك فكاريكاتور التأصيل، سواء كان نقدا إصلاحيا تقليديا أو إصلاحيا تحديثيا، لا يكون بالأقوال.

ومعنى ذلك، أنه لا يمكن لغير الفيلسوف والاقتصادي أن ينقد ماركس بنظريات علمية تدحض نظرياته وليس بإيديولوجيا مهما كانت مقدسة: فهل هذا ما يحصل؟

طبعا لا: ذلك أن ما نجده في كتب التربية الدينية في الرد على الماركسية لم يصدر عن علماء في الاقتصاد وفلاسفة بل عن بعض حجج عقدية لا تغني شيئا.

وهل من ينقد داروين من دارسي التراث والمدافعين عنه من كاريكاتور التأصيل علماء بايولوجيا وباحثون مثله على الأرض؟ أم هم مكتفون بترديد كلام صحف؟

وهل ناقدي فرويد علماء نفس مباشرين للبحث العلمي النظري والسريري؟ أم هم دجالون يمضغون كلام تقريب جمهوري دون بحث علمي بشروط التكذيب العلمي؟

وهل يمكن شفاء غليل الملحد بعلم الكلام الذي هو علم زائف يرجم بالغيب، فيتكلم على الذات والصفات والكفر والإيمان وكلها من مجال الغيب اللامعلوم؟

وأخيرا، فهل بحوث المستشرقين مقصورة على ما يسمونه شبهات يمكن الرد عليها بشبهات ربما دونها تأسيسا؟ أم كان ينبغي أن يكون بحثنا التراث علميا؟

فلو كان بحثنا في التراث علميا لاستغنينا عن الاستشراق وعن رد الشبهات، ولما وجد كاريكاتور التحديث الذي سنتكلم فيه: فهم مستشرقون من دون علمهم.

فالنظريات العلمية لا تدحض بالأقوال، بل بنفس الجهد في البحث العلمي الميداني. أي المختص لأن النظريات تدحض بالنظريات التي من نفس الجنس المختص.

وفي غياب البحث العلمي الميداني والمختص والجماعات العلمية التي تحدد العلمية واللاعلمية، لا يمكن الكلام على نقد للتراث عامة والعلمي خاصة.

وكلما سمعت الكلام عن الاعجاز العلمي يقشعر بدني: فهذا تجن عن القرآن والسنة. فالله يقول معرفة حقيقة القرآن تكون بآيات الله في الآفاق والأنفس. لكنهم يعكسون، فيجعلون معرفة حقيقة الآفاق والأنفس في تفسير ألفاظ القرآن ونصه. لذلك اضطررت أن أبين أن القرآن خطاب ما بعدي للأفعال الخمسة. فهو يحدد طبيعة الطبائع بكونها رياضية، وطبيعة الشرائع بكونها سننية. لكنه لا يعطينا أي قانون طبيعي او تاريخي. ولو فعل لصار خاضعا للتكذيب ككل علم.

وهذا هو التجني على قدسية القرآن. لذلك فالفقهاء مثلا يخطئون عندما يتصورون أن القرآن يشرع للنوازل، في حين أنه ما بعد يشرع لشروط التشريع لا غير.

فالتشريع القرآني ليس للنوازل، بل لأخلاق التشريعات التي يتنظم بها تعامل الناس بعضهم مع البعض حتى يكون الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف.

ولأن الفقهاء لم يفهموا ذلك، أصبحت الشريعة أهم مشكل في أنظمة حياة المسلمين بدلا من أن تكون الحل: هي أخلاق التشريع وليست التشريع المباشر.

التشريع المباشر تاريخي اقداما وإدبارا. لكن أخلاق التشريع أو ما نجده في كل حكم من تعليل خلقي، هي نظام الشروط الثابتة للاستعمار بقيم الاستخلاف.

ولأن ذلك غاب عن الأذهان، تحول القرآن الكريم عند الدجالين إلى متن حكم شعبية، يرددها العاجزون الذين ينتظرون من الله أن ينجدهم وهم قواعد

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s