التراث، معرفته وتحديد دوره التاريخي – القسم الثاني – الفصل السادس – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

التراث

معرفته وتحديد دوره التاريخي

– القسم الثاني –

– الفصل السادس –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.26 – 2017.06.21

المقال

 

كل ما أوردناه لا يتجاوز الكلام على عالم الشهادة، مستثنين ما اعتبره القرآن من الغيب كما نبين. واتبعنا مبدأ فصلت 53 باستعمال المعادلة الوجودية. لكن المعادلة تؤدي دورين آخرين في الفكر الديني. أعني أدلة وجود الله وتحديد علوم الملة الرئيسية. وكلاهما حصر بعدة أوجه نعتبر نسقيتها ضعيفة.

وقد أجمل هيجل الأدلة في ضميمة دروسه في فلسفة الدين، وقد ترجمناها مع الدروس لكن تصنيفه يختلف عن تصنيف لايبنتس وعن تصنيف ابن رشد والمتكلمين.

أما علوم الملة، فهي متغيرة من ملة إلى ملة ولم تصنف بصورة نسقية. بل هي حصيلة تطور تاريخي لا يمكن أن يعتبر ذا نسقية عقلية مناسبة للبحث العلمي.

سأخصص هذا الفصل السادس لهاتين المسألتين لأستوفيهما حقهما، استعدادا لمناقشة بعض الامثلة من درس التراث الكاريكاتوري، تأصيليا كان أو تحديثيا.

وابدأ بالمسألة الأولى: ادلة وجود الله بالأولى التي يقول بها القرآن.

وهي بعدة عناصر المعادلة الوجودية وأصلها قلبها. أي الوصل بين هذه العناصر.

الأدلة:

  1. يستمد من مفهوم القطب الأول

  2. ومن مفهوم القطب الثاني

  3. ومن مفهوم الطبيعة

  4. ومن مفهوم التاريخ

  5. والأخير وهو الأصل من الوصل بينها

وبعض هذه الأدلة لها أسماء معلومة، وبعضها الأخر لا وجود للاسم ولا للمسمى. وما يعنيني هو أن التسميات تبدو عديمة الصلة بعضها بالبعض شبه تحكمية.

فالمستمد من مفهوم الإله يسمونه الدليل الوجودي Ontologique. والمستمد من الطبيعة ونظامها يسمونه الدليل الطبيعي اللاهوتي Physicothéologique.

وبسبب الدليل الرابع المستمد من مفهوم الإنسان، لم تبرز العلاقة بينه وبين الوجودي، وبقي الطبيعي والخلقي غير واضحي العلاقة. متماثلة بين الزوجين.

فالدليل الوجودي ممتنع من دون المقابلة بين المفهومين الله والإنسان. ومفهوم الكمال والوجود منه يؤسس للدليل الوجودي لأن المقابلة مع عدمه أصله.

وعي الإنسان بعدم كماله يجعله يفترض الكمال موجودا ومتضمنا للوجود ضرورة، فيطبقه على الله. ومنه الدليل الوجودي أي استنتاج الوجود من الكمال.

ديكارت اكتشف الوصل بين وعي الإنسان بعدم كمالة ومفهوم الكمال، ولم ير العلاقة بين هذه العلاقة وتأسيس الدليل الوجودي على الكمال في مفهوم الله.

وهذه اضافتنا للدليل الوجودي الذي هو دليل مضاعف أو مركب على نحو لم يره المتكلمون، بدليل وجوب الوجود واونسالم بالدليل الوجودي غير المؤسس.

وأهمية هذه العلاقة أنه تنطبق على علاقة الدليل الطبيعي اللاهوتي بالدليل الخلقي اللاهوتي. والأساس علاقة التاريخ والحرية بالطبيعة والضرورة.

وهنا نجد نفس العلاقة بين الإنسان والله، لكنها معكوسة: تناظر بين الأول علاقة كمال الله بنقص الإنسان والثاني، علاقة حرية الإنسان بضرورة الطبيعة.

والأدلة الفرعية اثنان لا أربعة، لأن الدليل الوجودي يتأسس على علاقة كمال الله بنقص الإنسان، والسببي على علاقة حرية الإنسان بضرورة الطبيعة.

والأصل هو التجربة الروحية والفعلية التي تصل هذه الفروع الأربعة، أعني الوصل بين شرطي العلاقتين: 1- المباشرة الله والإنسان

2-غيرالمباشرة بينهما

والعلاقة الأولى بين الله والإنسان واضحة العلاقة، مع صلة الوعي بالنقص. وشرطه الوعي بالكمال. وقد اكتفيت ببيان صلتها الخفية بالدليل الوجودي.

لكن العلاقة الثانية تحتاج إلى توضيح: فصلة الوعي بالحرية، شرطه الوعي بالضرورة. فالوعي بالحاجة إلى شرع، هو الوعي بضرورة تنظيم ما ليس بالطبع.

وإذن فأدلة وجود الله زوجين اثنين مضاعفين:

–   الوعي بالنقص يقتضي الوعي بالكمال.

–   والوعي بالضرورة يقتضي الوعي بالحرية.

والأساس في الحالتين الإنسان.

لكن هذا الوعي المربع -جوهر كيان الإنسان-هو عين عيش تجربة الإنسان الروحية والفعلية بوصفها وصلا بينه وبين ما وراء ذاته والطبيعة والتاريخ.

أصل أدلة وجود الله أبعاد وجود الإنسان أو الدليل على وجود الله آيته الأسمى، أي خليفته الذي يدرك الكمال بنقص خلقته وحرية أمره: الخلق والامر.

وبإدراك هذه العلاقات، نفهم بيسر كل أدلة القرآن على وجود الله وكلها من الشاهد وليست قيسا للغيب على الشاهد ولا تأويلا يرد النقلي للعقلي.

فنحقق غايتين:

1-تجاوزعلم الكلام الإسلامي واللاهوت المسيحي، لأنهما كليهما يخلوان من إدراك هذه العلاقات

2- وندرك عمق نسق القرآن الاستدلالي

نسق الاستدلال القرآني مطلق الاختلاف عن علم الكلام. فالكلام علم زائف لاعتماده على قيس الغيب على الشاهد، ولرده ما يتجاوز العقل بالتأويل إليه.

وسندرس العلوم الزائفة فنعرض رأي المدرسة النقدية العربية، ثم نبين علل زيفها بعد التحرر من وهم احيائها بتحديد علوم الملة ذات الأساس القرآني.

إلى المسألة الثانية: كيف نستنتج من المعادلة الوجودية القصد بالأسس القرآنية لعلوم الملة والمنافية لوهم الاعجاز العلمي أساس كل العلوم الزائفة؟

ولنبدأ بالأيسر: فالقرآن لا يقدم لنا قوانين الطبيعة المفصلة، لكنه يحدد طبيعتها الكلية. فكل المخلوقات ذات بنية رياضية بنص القرآن. ما معنى ذلك؟

إذا كان كل شيء خلق بقدر، وكانت المخلوقات مختلفة، فأقدارها مختلفة. وإذا كانت مع ذلك متاحبة في الوجود، فلا بد أن بين الأقدار علاقات تمكن منه.

هذا ما يقوله القرآن عن الطبيعة من حيث الخلقة: كل شيء كيانه بقدر، ومنظومتها تناسق بين كيانات رياضية الكيان: قوانين قيامها وتفاعلها رياضية.

فإذا جمعنا ذلك مع فصلت 53، نستنتج أن آيات الله في الآفاق والأنفس التي نعلم بها حقيقة القرآن، قوانين رياضية يطلبها البحث العلمي من الآفاق.

وإذن، فعلوم الطبيعة أو اكتشاف قوانينها، لا توجد في نص القرآن. بل فيما وجه إليه نص القرآن عقولنا للبحث عنها مقتصرا على تحديد طبيعتها الرياضية.

هذا من حيث خلقتها، أما من حيث وظيفتها في حياة الإنسان، فهو يعلمنا بأنها تحتوي على شروط بقاء الإنسان بشرط رعايتها وحفظها من الفساد في الأرض.

ولما كان التاريخ يتضمن بعدا طبيعيا مع بعد متجاوز له، فإن رياضية الكيان لا تكفي. ولذلك يضيف القرآن تحديد طبيعة الزيادة فيها: السنن الخلقية.

وهو يعتبر هذه السنن المتعلقة بالحرية في التاريخ الإضافية للضرورة الطبيعية، هي بدورها لا تقبل التبديل والتحويل. والعلم بها شرط قيام العمران.

وتتعلق هذه السنن بشروط التبادل والتواصل بين البشر أولا، ثم بينهم وبين الطبيعة ثانيا. وثم بينهم وبين ما وراء الطبيعة والتاريخ. أي كل المعادلة.

وهذه السنن تتعلق باستعمار الإنسان في الأرض واستخلافه فيها، وهما محكومان بالتقابل الوارد في أمثولة الاستخلاف: راي الملائكة في آدم أو تجنبه.

والتاريخ يثبت أن هذه السنن فعلا لا تتبدل ولا تتغير. وسلوك الإنسان الحر يخضع لسنن خلقية موجبه بتجنب سفك الدماء والفساد في الأرض أو باتباعهما.

ويكاد هم الرسالة الأول والغالب، ينصب على هذا المستوى الثاني من السنن. إذ المستوى الأول من القوانين الرياضية يعمل بالضرورة لا بالاختيار الحر.

ليس في القرآن علم بجزئيات الطبيعة والتاريخ وبقوانين محددة، بل هي تحديد لرياضية الطبائع المضطرة ولسننية الشرائع السياسية الخلقية الحرة.

وبهذا، تسقط كل العلوم الزائفة التي يوردها البعض ويعتبرها دليل اعجاز. وهي دليل عجز أصحابها عن البحث العلمي حيث ينبغي أن يكون بمقتضى فصلت 53.

واعتمادا على هذا التعريف، نمر إلى نفس الغرض المتعلق بالله والإنسان. ففي القرآن ثيولوجيا وانثروبولوجيا بينتان لكل ذي عقل. جنسان آخران وأصل.

الجنس الأول يتعلق بالانثروبولوجيا: فالإنسان كائن طبيعي تاريخي، وهو إذن في آن ذو كيان رياضي بما هو مستعمر في الأرض، وذو كيان سنني بما هو مستخلف.

لذلك فخرافة الصراع بين القولين الاعتزالي والجبري، من سخافات العلوم الزائفة: الإنسان طبيعي يخضع للضرورة ومستخلف يخضع للحرية: جامع بينهما.

قوامه طبيعي وما بعد طبيعي إن صح التعبير، وهو مضطر ببعده الأول، وحر ببعده الثاني، وليس في ذلك أدنى تناقض لأنه منعكس على ذاته وانعكاسه هو حريته.

فوعيه الناتج عن انعكاس ذاته على ذاته يجعله قادرا على التعالي على ضرورة كيانه ومحيطه بوعيه صفاته الخمس: الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود.

ووعيه بتناهي هذه الصفات ونقصها، يجعله متلازم الوجود مع الله. والله يقول إنه أقرب إلينا من حبل الوريد، بمعنى أنه أقرب إلينا من القرب الطبيعي.

وما هو أقرب من القرب الطبيعي هو أصل كل ثيولوجيا سوية أو منحرفة. والمنحرف هو الحلول الصوفي. والسوي هو علاقة الرمز بالمرموز.

قرب الله منا غير الكياني، لأنه ليس مثلنا طبيعي ولا تاريخي. هو قرب المرموز من الرمز: والرب مرموز والإنسان الخليفة رمز دون مشاركة في الطبيعة.

وهذا هو الفرق الجوهري بين الثيولوجيا القرآنية والثيولوجيا المسيحية(الاخلاص)المفارقة مطلقة من حيث الطبيعة. والقرب مطلق كذلك من حيث الترامز.

وهذا هو ما لم يفهمه أصحاب ما يسمونه علم الكلام الجديد. فهم من حيث لا يدرون أخذوا علم الكلام القديم وعوضوا الله فيه بالإنسان تمسيحا للإسلام.

والكلام في هذه التحريفات الناتجة عن كاريكاتور التحديث، سنبحث فيها عند الكلام على الأمثلة التي سنضربها والتي تبين صدق شيخ الإسلام ابن تيمية.

فنصف المتكلم يفسد الأديان. ونصف الفقيه البلدان. ونصف الطبيب الابدان. ونصف اللغوي اللسان. ونحن نثبت أن نصف الفيلسوف يفسد الفرقان والوجدان.

بقي علم الوصل القرآني أصل كل العلوم: تفسير القرآن الكريم: إدراك وحدة القرآن ومشروعه بوصفه استراتيجية استعمار الإنسان في الارض واستخلافه فيها.

وبهذا المعنى، فاستراتيجية الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها، هي منظومة القوانين والسنن التي تحقق شروطهما، وتحقق وحدة الإنسانية بأخلاق القرآن.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s