التراث، معرفته وتحديد دوره التاريخي – القسم الثاني – الفصل الثالث – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

التراث

معرفته وتحديد دوره التاريخي

– القسم الثاني –

– الفصل الثالث –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.25 – 2017.06.20

المقال

 

عندما وضعت نظرية المعادلة الوجودية، لم يكن القصد علاج مسالة فلسفية فحسب، بل تحديد النظام العميق للقرآن الكريم الذي تجاذبته القراءات المذهبية، فمزقه أصحابها شر تمزيق حتى أصبح يقول كل شيء ولا شيء. كبار المفسرين تفننوا في استعمال أدوات العصر اللغوية التاريخية والتوظيف الإيديولوجي، ثم سيطرت العلوم الزائفة التي حولت القراءات الكلامية إلى أدوات صراع مذهبي مضاعف:

–   داخلي بين فرق الكلام

–   وخارجي مع الأديان وكلاهما أضر بدوره

فصراع المذاهب الداخلي تأسيس لحروب دينية وحرب أهلية لا تتوقف. والصراع مع الأديان الأخرى تأسيس لما ينافي الرسالة التي تؤسس للتسابق في الخيرات.

فعبارة إن الدين عند الله الإسلام، لا تنفي التعدد الديني شرط التسابق في الخيرات. فالديني في الأديان غايتها. وهي تسعى إليه سعيا لامتناهي المسار.

وبهذا التصور، نفهم لما كان القرآن أشبه بفلسفة دين باحثة عن هذا الديني،  بوصفه جوهر الإسلام الذي رغم كونه فطريا يبقى غاية عسيرة الإدراك.

ولهذه العلة، نجد فيه عرضا نقديا للتجارب الدينية والروحية في عبارتها ورعايتها وفي سلوك أهلها. لكأنه عرض تاريخي للتجارب الروحية للبشرية كلها.

وطبعا فلا يمكن أن يتكلم على التجارب الروحية كلها، بل هو لخصها في قطبين منزلين وقطبين طبيعيين، وأصل بداية وغاية نكوص في الآية 17 من الحج.

والقطبان المنزلان هما اليهودية والمسيحية. والقطبان الطبيعيان هما الصابئة والمجوسية. والأصل السلبي الشرك، تتجاوزه الأديان وتنكص إليه بالتحريف.

أما الأصل الإيجابي، فهو الإسلام من حيث هو فطرة تتهود وتتنصر وتتصبأ وتتمجس وتتشرك انحرافات عن الديني في الأديان الذي هو أخلاق النظر والعمل.

فالديني هو أخلاق النظر والعمل المتعينة في الإرادة والمعرفة والقدرة والحياة والوجود عندما تتجلى في السياسة والعلم والاقتصاد والفن والرؤى.

فلنبين الآن كيف أن نظام القرآن المحدد لوحدته بوصفه مشروعا مضاعفا: درس نقدي للتراث الديني في مرجعياته واستثماراتها وبديل إصلاحي للإنسانية.

ولهذه العلة، فالوجهان يدلان على أنه يتألف من مقومي الاستراتيجية الحضارية بوظيفتيها المحققتين لكيان الإنسان مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها.

ومدار الاستعمار في الأرض علم الطبيعة والتاريخ والعمل على علم فيهما. ومدار الاستخلاف العلاقة بين القطبين (الله والإنسان) بتوسطهما ومباشرة.

وهذا هو الوجه الأول من الوصل بين عناصر المعادلة الوجودية.

أما الوجه الثاني، فهو المرجعية القرآنية التي لا تتضمن إلا هذه الأبعاد رسالة خاتمة.

ولأنها خاتمة، فلا بد أن تكون قائلة بانتسابها إلى التجربة الروحية الإنسانية عامة لكأنها ملخصها، وبكونها حركة إصلاحية لتحريفاتها وليست جديدة.

وحدة الديني في الأديان لا تنفي تعددها وتنوعها. كما أن وحدة الحي في الأحياء لا ينفي تعددها وتنوعها: لذلك فالتوحيد طلبا للوحدة هو جوهر القرآن.

وأكبر الأدلة على أن القرآن بحث في الديني في الأديان مبدؤه المنهجي “التصديق والهيمنة”. فكل ما يثبت الوحدة يصدقه القرآن فيهيمن بطلبه كغاية.

وتلك هي علة تسميتي مشروع القرآن بـ”استراتيجية التوحيد” واعتباري السنة “منطق السياسة المحمدية” أي السياسة التي تحقق عينة من توحيد الإنسانية.

ونحن الآن على أعتاب استئناف المشروع. فالإنسانية اتحدت ماديا ولا بد من توحيدها روحيا (النساء 1 والحجرات 13) للتسابق في الخيرات (المائدة 48).

والتسابق في الخيرات هو السعي إلى الديني في الأديان بأخلاق النظر والعمل في السياسة والعلم والاقتصاد والفن والرؤى بعدم الغفلة عن التعالي.

وهذا هو درس القرآن للتراث. وهو النموذج الذي ينبغي اتباعه بمبدئه المنهجي “التصديق والهيمنة”. نصدق الصادق من تجارب الإنسانية مع هيمنة الغاية.

القرآن ليس مجرد تراث. هو فاعلية حية لمرجعية تنعكس على نفسها لدرس تراث الإنسانية في تجاربها الروحية الشاملة للاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها.

لذلك، فكل من يستغرب شمول الإسلام للأفعال الخمسة (السياسي والعلمي والاقتصادي والفني والرؤيوي) ما يزال يقيس الإسلام على الأديان الأخرى.

لكنه لا يقاس عليها، لأنه الديني فيها جميعا وغايتها المثلى. معرفا نفسه بكونه الرسالة الأخيرة التي تصوغه فترده إلى اخلاق النظر والعمل الشاملين. والنظر والعمل الشاملين لا يفصلان بين بعدي الإنسان من حيث هو مستعمر في الأرض ومستخلف فيها. بل الإسلام يعتبر الفصل بينهما التحريف الذي يصلحه.

وهذا هو جوهر نقد تراث الإنسانية بوصفه الفاعلية الشاملة للنظر والعمل وثمراتهما في السياسة والعلم والاقتصاد والفن والرؤى وما وراءها من تعال.

وهذا هو فعل الوصل الصاعد من الإنسان إلى الله وصدق الرسالة أو بيان أنها الحق (53 من فصلت) وذلك هو نظام هذه الأنشطة. أي آيات الآفاق والانفس.

تطابق التواصلين يفيد أن استراتيجية القرآن الناقدة للتراث الروحي وتطبيقها في الأفعال الخمسة والإصلاح، أخلاق لغاية عمرانية اجتماعية بقيم سامية.

والسؤال هو ما الذي جعل ذلك ينقلب رأسا على عقب؟

وما الذي جعل نقد هذه الاستراتيجية القرآنية يظنها الكاريكاتوران مطابقة لانقلابها رأسا على عقب؟

ونقد التراث لدى الكاريكاتورين، التأصيلي مدحا للذات وذما للغرب، والتحديثي للغرب وذما للذات، لم يكن كذلك إلا بسبب عدم الوعي بالانقلاب الحاصل.

وقد سميت هذا الانقلاب بالانتقال من الدستور القرآن إلى حالة الطوارئ، بسبب الحرب الأهلية الناتجة عن الفتنة الكبرى: أباحت الضرورات المحظورات.

عوضت الحريتان الروحية (العلاقة المباشرة بين المؤمن وربه) والسياسية (العلاقة المباشرة بينه والشأن العام) بما نقده القرآن في التراث الروحي.

استبدلت بالحرية الروحية وساطة كنسية لأصحاب العلوم المزيفة. واستبدلت بالحرية السياسية وساطة استبدادية تحكم بالحق الإلهي: فسدت التربية والحكم.

فعادت التراث الذي نقده القرآن، ليصبح هو المؤثر في مجريات الأمور الفعلية. وبقيت تعاليم القرآن قيما لا وجود لها إلا في الأذهان مُثلا غير متحققة.

بقي الدستور حبرا على ورق. وأصبح الحكم الفعلي على سنن الامبراطوريتين اللتين أزاحهما الإسلام والتربية بتقاليدهما. فمحيت كلتا الحريتين القرآنيتين.

لكن كاريكاتور التأصيل يدافع عن هذه التحريفات ظنا أنها الأصل. وكاريكاتور التحديث ينتقد المرجعيات غالبا بسوء نية خالطا بينها وبين تحريفاتها.

وبذلك يتبين خطر درس التراث. من دون هذه المقدمات النظرية التي تحرره من تشويهات الكاريكاتورين المادح والذام للتراث الإسلامي المحرف والمشوه.

فالتأصيلي غافل عن كون القرآن هو بالجوهر درس للتراث الروحي من أجل تخليصه مما يحول دونه وتحقيق وظيفتي الإنسان المستعمر والمستخلف، فينكص لمنقوده.

لكن التحديثي ليس غافلا. بل هو بقصد سيء، يهمل الدرس القرآني للنقد التراثي المحرر للإنسانية من نقيضي الحريتين ويرده إلى تحريفات عصر الانحطاط.

وحسما للأمر كله، فقد بينت أن علة الانحطاط ليس المرجعية، بل تحريفاته بسبب النقلة من الدستور القرآني إلى حالة الطوارئ في حكم المسلمين وتربيتهم.

فلنفرض مثلا أن أوروبا بقيت بين الحربين خاضعة لحالة الطوارئ في الحرب الأولى، لنكصت مثلنا إلى حالها قبل ثورتيها في نظامي الحكم والتربية.

ونحن نرى بالعين المجردة اليوم كيف أن أمريكا مباشرة بعد 11 -9 نكصت في حكم بوش إلى حال مزرية وهي ما تزال في نكوصها وخاصة بعد وصول ترامب.

التحديد الداخلي والخارجي، وخاصة إذا طال بقاؤه، يؤدي إلى نكوص كل القيم بسبب الخوف والانكماش: والأمة عاشت هذه الحالة في تاريخها بعد الراشدين.

فبعد الصليبيات والمغوليات والحروب الأهلية وتفتت الخلافة إلى سلطنات، غالبها تحت حكم الحاميات المرتزقة، نحمد الله أن الجوهر صمد وهو يستأنف.

ولسوء الحظ أو لحسنه، فالاستئناف يوازي مرحلة أخرى من مغوليات غربية هذه المرة، وفي نحو ما جامعة بين صليبيات ومغوليات وخيانات داخلية أدهى وأمر.

لكن تجذر قيم القرآن وتعمق ثقافة العزة وعودة الشباب للطموح بالدور الكوني للأمة وتوسع رقعة الإسلام وتعدد شعوبه، يجعل الاستئناف قويا وأكيدا.

فمن منا لا يعجب ممن يقرأ القرآن ويرى نقد التراث السياسي للفراعنة يعتبر من الدفاع عن القرآن والحكم بالشرعية الدفاع عن فراعنة العرب وفسادهم؟

ومن منا لا يعجب من قارئ القرآن الذي يرى ما يقوله القرآن حول دور الكنسية في تحريف الدين ويدافع عن سلطة وسيطة بين المؤمن وربه ويسميهم علماء؟

ومنا منا لا يعجب من قارئ للقرآن يقبل ان يسمى من يغتصب الحكم بالانقلاب، ولي أمر، وهو في الحقيقة مفرط في الأمر لمن يحميه من القوى الاستعمارية؟

ذلك ما أعنيه باستبدال حكم الغياب لحالة الطوارئ بدستور القرآن الذي يحمل بثورتيه المؤمنين مسؤولية ذاته الخلقية ومسؤولية الجماعة السياسية.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s