التراث، معرفته وتحديد دوره التاريخي – القسم الثاني – الفصل الأول – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

التراث

معرفته وتحديد دوره التاريخي

– القسم الثاني –

– الفصل الأول –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.24 – 2017.06.19

المقال

 

أعود إلى مسألة التراث في القسم الثاني لضرب أمثلة من دراسة كاريكاتور التأصيل وكاريكاتور التحديث كما وعدت في خاتمة كلامي النظري حول التراث.

ويقتضي الخوض في الأمثلة من الكاريكاتورين، وصلا بين العلاج النظري والعلاج التطبيقي على أمثلة أطبق فيه ما تم بيانه من فاعليات التراث المبدع.

وأولى عمليات الوصل، تتعلق بتقدير أضرار الدارسات التي يقوم بها المنتسبون إلى الكاريكاتورين. فكاريكاتور التحديث اقل ضررا من كاريكاتور التأصيل.

والعلة مضاعفة: فهم أولا مرفوضون لمجرد كونهم لا يخفون عداءهم للتراث، ثم لأنهم يدّعون استعمال فنون تبدو غير قابلة للفهم لعدم تمكنهم منها. فضررهم طفيف لأن من يستفزه عداؤهم الصريح، ينفرهم. ومن يفهم قصورهم فيما يزعمون الاعتماد عليه من فنيات حديثة، يحتقرهم. وحالي معهم تجمع الوجهين.

أحتقرهم لعلمي بقصورهم إلى حد لا يصدقه من تنطلي عليه طنطناتهم. وأنفر منهم لعدائهم العلني للإسلام خاصة، وهم أذل الناس أمام اليهودية والمسيحية.

وهؤلاء إذن ليسوا مصدر الخطر على التراث. إذ هم بما أشرت إليه، لا يؤثرون في عامة الناس ولا في خاصتهم. فكلامهم نسخ باهتة من الاستشراق دون مناهجه.

لكني مع ذلك سأقدم أمثلة منهم حتى يعلم الجميع أن الكلام على وقاحتهم وضحالة علمهم ليس مجرد دعوى أقدمها بانحياز، بل لأن ذلك وصف أمين لهم.

لكن الخطر على التراث ذي الفاعلية الحية، مصدره كاريكاتور التأصيل، إما بإحياء علوم الملة الخمسة بشكلها القديم الذي فقد فاعليته، أو بدعوى تحديثها.

وأصحاب دعوى التحديث أخطر من أصحاب إحياء الشكل الذي كان ينبغي أن تتخطاه علوم الملة لتبقى حية فتؤدي وظائف جديدة عوضت ما ناسب نشأتها الأولى.

ذلك أن التراث ذا الفاعلية الحية، يشبه الثعبان الذي يبدل ثوبه بحسب فصول حياته: ينزع القشور وينمي اللب، فيتطور بتطور الوظائف التي يؤديها.

وقبل الكلام عن هذا الخطر، لا بد أن أحدد الوظائف التي يؤديها التراث ذو الفاعلية الإبداعية الذي يغير الأعضاء لتلائم الوظائف بقانون الحياة.

وسأحدد هذه الوظائف بالاعتماد على نظرية المعادلة الوجودية ذات القطبين (الله والإنسان) والوسطين (الطبيعة والتاريخ) والتواصل المتبادل بين القطبين.

والتواصل المتبادل بين القطبين الله والإنسان، يكون مباشرة (الحرية الروحية) وبصورة غير مباشرة بتوسط الطبيعة والتاريخ (الحرية السياسية).

والتواصل الثاني، شرط في الأول عند التحقق العيني. لأن الثاني غاية الأول. لكنه مشروط به في التحقق الذهني، لأن وجود الغاية التصوري يقود التحقيق.

والتواصل بتوسط الطبيعة والتاريخ، هو موضوع استعمار الإنسان في الأرض. والتواصل المباشر هو موضوع استخلاف الإنسان. وتلك هي وظائف التراث المبدع.

وهذه الوظائف ثابتة في كل عمران بشري (استعمار الإنسان في الأرض) واجتماع إنساني (استخلاف الإنسان في الأرض) لكن أعضاءها تراث يتغير ليحفظ فاعليته.

ولتقريب المعنى، فإن أشكال التراث المتوالية تشبه الأجيال في الحياة: الأجيال تتوالى كحوامل للحياة، وأشكال التراث تتوالى كحوامل لفاعلية الحضارة.

بالنسبة إلى الحياة، ليست الأجيال إلا أعضاء تحمل وظائف الحياة. والحياة تبدلها لتبقي على يفاعها وقوتها. وتلك نسبة أشكال التراث لوظائف الحضارة.

وسنحاول تحديد الوظائف بدقة أكثر من خلال تطبيقها على الوصل في المعادلة الوجودية، صاعدا ونازلا، مباشر وغير مباشر، وعلى مجالات الانتخاب الخمسة.

ومجالات الانتخاب الخمسة هي:

  1. الإرادة (السياسة)

  2. المعرفة (العلوم)

  3. القدرة (الاقتصاد)

  4. الحياة (الفنون)

  5. الوجود (رؤى العالم دينا وفلسفة)

ولا بد من التذكير بما أدخلته على نظرية نيتشة في أصناف التاريخ المتحفي والمعلمي والنقدي. إذ بينت أن تطبيقها على التراث يوجب مضاعفة النقدي في كتابه “تأملات غير مناسبة للعصر أو للوقت” ضد ثقافة الزهو الألماني بعد هزيمة فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر. وقد ترجمت فصل التاريخ مع مقال التنوير لكنط، نماذج نصين نموذجين لتدريس الفلسفة للباكالوريا عند تعريبها سنة 1974-1975 تمثيلا لعلاقة النقد الفلسفي بروح عصرها. وهو موضوع لا يختلف كثيرا عن بحثنا الحالي: علاقة فاعلية التراث في لحظتنا التاريخ المأزومة، وكيف يتجدد بصورة تحفظ حيوية الحضارة الإسلامية.

ومضاعفة النقد المقصودة، هي نقد المتحفي والمعلمي حتى يتحول الأول إلى تراث حي، والثاني إلى تراث مبدع. فتكون بنية التراث مخمسة على النحو التالي:

–   فالمتحفي لذكرى المحبين

–   والمعلمي لنماذج المستقبل

–   وذكرى المحبين حياة روحية في الوجدان

–   ونماذج المستقبل عنفوان وجودي يتوق للإبداع: سر التراث

بعبارة وجيزة، من ليس له ذكرى المحب ونموذج المبدع، لا يمكن أن يكون لنقده معنى. لأنه يكون كالحال في لحظتنا، سلوك عدو يخرب أو غبي يجرب: وهذا الحاصل.

فـ”تأملات غير مناسبة للوقت Unzeitgemässe Betrachtugnen ” دراسة نقدية للتراث الألماني باعتباره لسان شعب تخلط نخبه بين الحضارة والعجرفة.

وهذا الخلط، جله علاقتنا بالاستعمار الأوروبي وبوريثته الأميركية، فولد لدى الكثير فقدان الثقة في الذات وعقد نقص. طبعا مواقف أصحاب الكاريكاتورين.

فصار جلهم أعمى لا يرى ما في التراث من فواعل جوهرية، ظنا أنها ترد إلى ما شابها بمفعول الانحطاط الذاتي والمستورد من تشويه لقيمتها ودورها.

وما يعجب له المرء، أن نقد التراث في دراسات الكاريكاتورين رمي في عماية. لأنه ينقد التراث جملة دون تفصيل، مع التركيز على الدين ومرجعيتيه.

فالنقد ليكون علميا، ينبغي أن يتعلق بأصنافه صنفا صنفا. بل وأكثر من ذلك، ينبغي أن يتعلق باختصاصات كل صنف اختصاصا اختصاصا كما في نقد المعرفة.

فلا معنى لنقد صنف العلوم مثلا من دون تعيين اختصاص بعينه، ونقده بما يناسبه من المعرفة العلمية بقصد تقويمه وتمكينه من التطور، إذا كان قابلا له.

ذلك أن بعض ما كان يعتبر من “العلوم” في عصر مضى، يمكن أن يكون قد مات نهائيا ولم يعد منها بسبب تجاوزه ودوره في منظومة العلوم الموالية.

ومن الأمثلة على ذلك، ما قام به ابن خلدون من نقد التراث العلمي، وما أعتبره علوما زائفة كـ”علم” الحروف والتنجيم وحتى السيمياء والميتافيزيقا.

فهو ميز في التراث العلمي بين ما يقبل النقد التجويدي، وما يعد علما زائفا. مبينا ما يقبل التجويد وما ينبغي بيان زيفه لاخراجه من دائرة العلوم.

ومعنى ذلك، أن ابن خلدون وهو في أواخر العصور الوسطى، كان أدرى بنقد التراث في حالتي التاريخ والعلوم من نجوم نقد التراث من مدرستي الكاريكاتور.

وعندما اعتبرت الكثير من علوم الملة قد مات، وينبغي وضع البدائل التي تؤدي نفس الوظيفة بإبداعها وليس باستيرادها، فقصدي هو قصد ابن خلدون.

لم يلغ علم التاريخ-وهو أهم علوم الملة لأنه فيها جميعا كالمنطق في علوم الفلسفة: العلم الأداة الأساسي-بل ألغى ما مات من مناهجه وأبدع البديل.

وهذا الحل ينطبق على جل علوم الملة في مجالات الانتخاب الخمسة، أي السياسة والعلم والاقتصاد والفن ورؤى الوجود، بوصفها قاصرة مرتين كما هو بين.

فلا هي مناسبة لعلاج ما عليها علاجه في أنظمة الحياة السياسة والعلمية والاقتصادية والفنية والرؤيوية، ولا هي مستجيبة لأحكام المرجعيتين فيها.

وأعلم أن الكثير قد يقبل بيسر الحكم بعدم مناسبتها لمجالات الانتخاب، لكن قل من يقبل أنها أيضا غير مناسبة لما يحكم به القرآن والسنة في دورها فيها.

وبعبارة وجيزة: فهي “علوم” لا تحقق شروط الاستعمار في الأرض (عدم المناسبة الأول) ولا تحقق شروط الاستخلاف(عدم المناسبة الثاني) بسبب تحريفاتها.

فعلوم الملة ذات الصلة المباشرة بالمرجعيتين خمسة:

–   هي التفسير أصلا

–   وفروعه الأربعة أي الكلام والفقه والتصوف وعلوم الدنيا (توابع الفلسفة).

فهي جميعا فاقدة للتناسبين حتى في عصرها، ناهيك عنها في عصرنا. والعلة كما هو، غلبة الإيديولوجيا عليها. ويصح عليها ما قاله ابن خلدون في التاريخ.

فكل هذه العلوم تستعمل أداتين منهجيتين: التاريخ أو ما يمكن تسميته شهود العالم المحسوس واللسان.

وهما من أوهن الأدوات وأكثرها إيديولوجية.

فالتاريخ مرتع الخيال. والإيديولوجيا واللسان مرتع الخيال والتشقيق اللامحدود للاحتمالات اللامتناهية. فيصعب التمييز بين المعرفي والاسطوري.

وفي هذه الحالة، يمكن أن نعتبرها معارف ظنية، لأنها لا تتضمن معايير تقويمها للتمييز بين الصدق والكذب. لأن الحكم فيها هو الموقف وسلطة صاحبها.

فهي يغلب عليها سلطان الموقف القضوي لسلطة “العلماء” بديلا من المضمون القضوي في ذاته باعتباره صوغا لبنية ما صدق المفهوم في مجال علاجه.

فابن خلدون لم يصلح التاريخ بحكم من سلطة علمية، بل بإبداع علم يمكن من تغيير التاريخ. هو علم طبيعة الظاهرة التي يكون التاريخ خبرا عنها.

كان التاريخ روايات أساسها تعديل الراوي أو تجريحه (مثل أي شهادة)، فصار نقدا بالوثائق بالاحتكام إلى علم العمران البشري والاجتماع الإنساني.

ووظيفة هذا العلم هي التمييز بين العلمي والإيديولوجي. أي بين الكلام في مضمون القضايا ذاتها شاهدة على نفسها، والكلام على مصداقية الرواة.

ذلك أن ابن خلدون بين أن الرواة يمكن أن يكونوا صادقين، ومع ذلك فالشهادة ليست صحيحة لعلتين:

–   أولا لأن الوقائع معقدة،

–   وثانيا لأن الشهادة تأويل.

وليس كل تأويل مصيب حتى لو كان صاحبه أصدق الصادقين. لذلك بحث ابن خلدون عن شروط نقل كتابة التاريخ من الابداع الأدبي إلى العلم الحكمي.

وهذا النقل، كان فرصة لإعادة النظر في الفلسفي نفسه. إذ لا يمكن أن يبقى كما كان علما للكلي فحسب، لأنه بذلك يستثني التاريخ: الفلسفي نفسه تاريخي.

وهذه الثورة الخلدونية، لم يرها أصحاب الكاريكاتورين ليدركوا حقيقة ما تقدم عليهم في المجال، فلا يعتبروا أن النقد يلغي الوظيفة. بل يغير العضو.

واعتبار علوم الملة بحاجة لمثل هذه الثورة، والاعتراف بعدم صلاحيتها للعصر، ليس من جنس حكم العروي بقلب صفحة التراث واستعارة تراث بديل. بل إبداعه.

تلك ثورة ابن خلدون النقدية: جعل التاريخ علميا موضوعا ومنهجا:

–   موضوعه صار العمران والمجتمع، لا الأسر الحاكمة

–   ووظيفته تصحيح الأخبار، لا روايتها

وهذا الحل ينبغي أن ينطبق على علوم الملة وأصولها، أي التفسير والفقه والتصوف والكلام والفلسفة التي هي جميعا ماتت عضويا. لكن وظائفها لا تموت.

وهي تستعيد حياتها العضوية بإبداع أعضاء جديدة. إذ كما أسلفنا فتبديل الأعضاء يجانس توالي الأجيال في الحياة وتغير الخلايا في البدن: شرط البقاء.

من يتداوى بطب ابن سينا أو يستعمل فلك بطليموس؟

هل توجد دولة حديثة تنتظم بفقه القرون الوسطى إلا خداعا للشعوب؟

الطب والفلك والفقه كلها تتجدد.

لا بد للأمة من حلول على منوال ابن خلدون. وسأقدم مقترحات لما له صلة باختصاصي الأكاديمي، تغير العضو وتبقي على الوظيفة كما فعل ابن خلدون.

وما فعله ابن خلدون هو ما يفعله كل علماء أي حضارة حية. فالحضارة تحيا بأجيال متوالية من الإبداع مثلما تحيا الحياة بأجيال متوالية من التوالد.

وما يتجاوزه تاريخ أي علم من الأعضاء، يبقى مادة لتاريخه، لا جزءا من فاعليته الحية: ندرس تاريخ فلك بطليموس وطب ابن سينا كتاريخ علم وليس كعلم.

وهذا يصح على اغلب علوم الملة وأصولها. بل عليها كلها: فلا التفسير ولا الفقه ولا التصوف ولا الكلام ولا الفلسفية بغنية عن ثورة “خلدونية” معرفية.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s