حال الأمة، الداء هو فساد معاني الانسانية – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

حال الأمة

الداء هو فساد معاني الانسانية

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.23 – 2017.06.18

لعل كل ما يقال عن الإمارات صحيح. وسأقبل أنه صحيح لأني لا أستبعد أن يكون من مستشاره بلار ودحلان بالصفات التي تؤسس لهذا العدوان على الأمة.

لكن ذلك ينبغي ألا يحجب حقيقة الداء: فلو لم تكن النخب العربية بأصنافها الخمسة قد فسدت فيها معاني الإنسانية كما قال ابن خلدون، لاستحال اشتراؤها. فلا يمكن أن يوجد مفسد من دون قابلين للإفساد، وراش من دون مرتش، ومتآمر من دون خونة، ومستعمل من دون عملاء.

الفاعل مسؤول. لكن المنفعل مسؤول أكثر.

حرت في تفسير حاجة تونس مثلا لأكثر من مائتي حزب. وهل من تفسير آخر غير فساد نخبة الإرادة أو النخبة السياسية التي تتاجر بالسياسة ودعوى خدمة الشعب؟

أليست هذه تجارة نافقة؟

فكل الحكام لصوص. والبلاد العربية جميعها تحكمها مافيات سياسية تتقاسم امتصاص دم الشعب ويتستر بعضها على البعض.

وهل كان ذلك يحصل لو لم تكن نخبة المعرفة قد تحولت إلى خدم تعيش على فتات النخبة السياسية التي تسكتها باشتراء قادتها الذين هم مافيات كذلك؟

وهل يمكن الكلام على نخبة قدرة، أي اقتصادية، وهي في الحقيقة زبائن الحكام وأصحاب الجاه الذين يتبادلون الخدمات مع الحكام، ومع حماتهم الاستعماريين.

ألم يكن كل الفنانين مع الانقلابي السيسي، وقبلهم المثقفون والاقتصاديون: كيف باع كل هؤلاء أنفسهم لولا فساد معاني الإنسانية؟

هل العبودية لذيذة؟

كل يوم أتأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعبر عن تواصل فكري أو إعلامي، بل هي مصبات فضلات الأكل السياسي والفكري لحماية فضلات أكل الأنعام.

فلكل حزب من المائتين في تونس مثلا وما يناظرها حيث لا أحزاب من قبلية أو طائفية أو مصلحية تطلب أقصر سبيل للإثراء دون عمل: السياسة صارت تجارة.

وعندما تصبح السياسة، التي من المفروض أن تكون أسمى عمل إنساني لأنها فن تصوير العمران بلغة ابن خلدون، صارت أفسد عمل مافياوي في بلاد العرب.

وبهذا المعنى، فيمكن للإمارات وإسرائيل وإيران وكل السفارات في بلاد العرب أن تستعمل الطعم الذي صار هم السياسيين الأول لتحقق أجنداتها التجارية. فعندما يشتري هؤلاء ساسة بلد ما ومثقفيه (بكل أصنافهم) ورجال أعماله وفنانيه وأصحاب الرؤى فيه، فليس ذلك إلا جزءا من التجارة احتلال المواقع.

ومن يدفع، لا تحركه الايديولوجية فحسب، بل المردود المادي. فسيكون أضعاف ما دفع: يكفي أن تعلم أن بضاعة فرنسا أكثر حماية في تونس منها في فرنسا.

هم يدفعون للمشرع والمنفذ والقاضي والإعلامي فتات مما سيحصلون عليه عندما يصبح بوسعهم أن يحركوهم تحريك الدمى عن بعد بخيوط لا يراها الشعب.

وطز فيه حتى إذا رآها. لأنه بهؤلاء المباعين سيقمع حتى يصبح لا حول له ولا قوة. ويكفي أن نرى التعامل مع الثروات الطبيعية للبلاد العربية.

يكفي كلاما على تآمر الإمارات أو إيران أو إسرائيل أو كل السفارات التي تصول وتجول. بل ينبغي أن نعكس فنتكلم على الوضع الذي يجعل ذلك ممكنا.

أعود مرة أخرى: ما الذي يجعل تونس بحاجة إلى أكثر من مائتي حزب وآلاف الجمعيات، وكلها تحتاج إلى تمويل يجعلها مستعدة للاختراق والتوظيف الخياني؟

وسأفضح سرا: هل التكالب على الوزارات لوجه الله؟

هل نصدق أنهم كلهم زهاد ومتفانون، فيعلمون ليلا نهارا بأجر يحصل أي بائع مكسرات على أضعافه؟

قد يوجد من هو مثل الخليفة الخامس، لكن هذه بضاعة أندر من الكبريت الأحمر. وأكاد أجزم أنها لا توجد في عصرنا، وأن الظاهرة مثل ظاهرة تعدد الأحزاب.

ولا تكلمني على المجد. فلا مجد في وزارات محميات متسولة في الحماية وفي الرعاية: كل السياسيين صاروا متسولين لتمديد عمر بقائهم في الحكم.

فأي مجد في سياسة محميات، بقاؤها لا يغير حال الشعوب، بل يزيدها تبعية حتى تتمكن مافيات تحكمها وتقتلها بنزيف لا يتوقف لثرواتها جزية للحماة؟

بت متأكدا أن الشيء الوحيد الذي يعلل هذا التكالب السياسي (تعدد الأحزاب والاقتتال فيها على الوظائف السياسية) لا يدل على حب الوطن بل العكس.

وسأكتفي بمثال عشته: فكل الذين اصابوا حزب نداء تونس بعاهاته اليوم، كانوا نوابا في الترويكا أو ارتحلوا بين الأحزاب للوصول إلى وظيفة سياسية.

ما كل هذه الوطنية؟

حتى الصحابة الأول، وحتى أقدس القديسين لم يكن لهم هذا الاخلاص والتفاني في خدمة الوطن.

فلا يمكن أن يصدق أحد حرصهم على الوطن.

لوكان لي سلطان، لمنعت تجاوز خمسة أحزاب على أقصى تقدير بمقتضى مفهوم الحزبية: فالحزب نظام جماعة ترى أن مصلحة الوطن تحصل بحصول مصلحتها.

وهذه المصلحة تتعلق بمزايا المادة والمنزلة. ومن ثم فهي تنقسم بمعيار ابن خلدون يقتصر على الحاكم أو يشمل المحكوم كذلك. وبهذا يتنافس نوعان.

والتنافس يؤدي إلى محاولة كل منهما الاستفادة من منطق الثاني: حزبان آخران بإيديولوجية تمزج بين الرأسمالية يسار اليمين، والاشتراكية يمين اليسار.

فتكون الاحزاب الفعلية اربعة:

  1. يمين

  2. يسار

  3. ويمين اليسار

  4. ويسار اليمين

وبين الأربعة، نجد الوسط الذي هو حزب الانتهازيين الذي ينظم للغالب.

تلك هي المعادلة في المجتمعات التي لا تمثل السياسة فيها وسيلة للإثراء، لأن الساسة فيها ليسوا مستولين بل هم في الغالب “غير الجوعى”.

والعلة قديمة: فعندهم البرجوازية عملت وتقدمت واستغنت، ثم طلبت الحكم لتزيد في ربحها دون أن تفقر مجتمعاتها. بل استعمرت العالم لتثري شعوبها.

أما نحن فالعكس تماما: الحكم هو الذي برجزهم بحلب الجماعة وسرقة ثرواتها، فاستعمروا شعوبهم ليهربوا ثرواتهم لبنوك الغرب ودفع الجزية لحماتهم.

أما الإمارات وإيران فهما يتوهمان أنهما صارا قوتين ولهما استراتيجية استعمار بلاد العرب. لكنهما مسكينان، مجرد سماسرة لأسيادهم: إسرائيل والغرب.

يوهمونهم بأنهم صاروا أندادا للقوى العظمى، فيلعبون معهم لعبة التفاوض على مستقبل الإقليم ليفرغوا جيوبهم ومصيرهم العبودية مثل كل سكان الإقليم.

فهل يعقل أن ينصح بلار الذي هو لاورنس العرب الجديد الإمارات لصالحها؟

هل لو كان الشيخ زايد حيا، كان سيقبل بخدعة لا تنطلي إلّا على غرّ ساذج؟

وهل يعقل أن يختار المرء مستشارا، أول من خان كان وطنه المسلوب عندما قبل أن يصبح مجرد سمسار في عملية تمويل الانقلابات ضد الثورة؟

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s