ثورة الشباب، ما مرجعيتها التاريخية والقرآنية؟ – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

ثورة الشباب

ما مرجعيتها التاريخية والقرآنية؟

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.03.01 – 2016.12.01

من أهم الألغاز التي تحيرني عند النظر في فلسفة القرآن السياسية، لغز اللواحم التي تمسك بوحدة الأمة إذا كان الإسلام يلغي اللاحمين التقليديين؟

فلاحما الجماعة الموجودة في الإقليم قبل نزول القرآن كانت إما لاحم النظامين الفارسي والبيزنطي، أو لاحم اللانظام العربي في قلب الجزيرة.

أزال الإسلام هذه اللواحم الثلاثة ولم يتم التحديد الصريح للبديل، إلا بنقيضهما المتمثل في الحرية الروحية والحرية السياسية تحررا من الوساطة الروحية (الكنسية) والحكم بالحق الإلهي (الحكم المقدس).

ولا يمكن أن يكون هذان اللاحمان-الحرية الروحية (نفي الكنسية) والحرية السياسية (نفي الحق الإلهي في الحكم) -مطابقين لفوضى صراع القبائل العربية: وإذن فهو لا يطابق نكوص العرب للعصبية الجاهلية.

ما هما اللاحمان المطابقان للحرية الروحية وللحرية السياسية في مجتمع إسلامي قوي بناه القرآن، فأصبحت الأمة ذات دولة بسيادة داخلية وخارجية؟

ولماذا سرعان ما انهار هذا البناء وعوضه نظام شبيه بنظام فارس وبيزنطة مباشرة بعد الحرب الأهلية بمراحلها الاربع التي نتجت عن الفتنة الكبرى؟

هذا هو اللغز الذي أريد تدبر دلالته حتى نفهم الانقلاب الذي حصل عند السنة ودام كامل حياة الدولة الإسلامية وشبابنا اليوم يسعى لإزالة آثاره.

اعتذرت للنخبة الحاكمة (معاوية وورثته) والنخبة المربية (الفقهاء الذين أضفوا الشرعية على الانقلاب) بأمرين:

  1. أمر واقع.

  2. إباحة الضرورات للمحظورات.

فالأمر الواقع، هو الحروب الأهلية الأربع التي حدثت بسبب الفتنة الكبرى، فتقدمت الشوكة على الشرعية، والأساس الفقهي هو الضرورات التي تبيح المحظورات.

لكن استتباب الأمر للدولة، كان ينبغي أن يلغي المحظورات لزوال الضرورات، فتعود الدولة إلى الواجب في نظام حكم الامة لذاتها كما كانت مع الراشدين.

اللغز يبدأ هنا. وهو معرفي وخلقي عام. فأما وجهه المعرفي، فهو عاهة عرفها فكرنا ولا يزال يعمل بها: اعتبار علم السياسة يحاكي الموجود لا المنشود.

وهم لا يقصرون هذه الخاصية على علم السياسة، بل يعممونه على كل علم: يتصورون أن وصف مظاهر الموجود علما. ولا يعتبرون العلم طلبا لما وراء الموجود.

نسي المسلمون سياسة الراشدين التي نقضت الموجود باسم المنشود كما حدده القرآن. وأصبح الأمر الواقع وكأنه الواجب، فباتت نماذج الحكم ما في الإقليم.

ومن هنا نفهم إعجاب المنظرين في السياسة بالمؤسسات الفارسية وبأدب الملوك ونصائح الحكماء التي لا تتجاوز شروط توطيد سلطان الحاكم روحيا وماديا.

ومعنى ذلك أن ما ينصح به الحكام، لا يختلف عما ينصح به المزارع الذي عليه أن يرعى مواشيه وأنعامه حتى يحصل على الثمرة، لا أن يكون في خدمتهم.

فقدت كلمة الرعية مدلول التراعي لأن الرسول لم يقل بعضهم راع وبعضكم رعية، بل قال كل راع لذاته وللجماعة، ومرعي من ذاته ومن الجماعة: تفاعل تام التوازن بين طرفيه.

وهو المقصود بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر (كلاهما فيه المشاركة)، ولا وجود لوصي وموصى عليه. وهنا بدأنا نمسك بنظام العقد لنفهم لغز في الـحل الذي قدمه القرآن.

إلغاء الحرية السياسة حالة طوارئ تصبح دائمة في كل تاريخ السنة من الفتنة الكبرى إلى بداية الثورة، فإن التحريف بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات. فكان تاريخ السنة السياسي، تاريخ أمر واقع يناقضه الوعي بنفيه للأمر الواجب. فهو مقبول واقعا مؤقتا ومرفوض واجبا دائما. وإذن فالثورة كامنة فيه.

لكن نفي الحرية الروحية خلقيا، أنتج سلطة وسيطة بين المؤمن وربه. ففتوى شرعية المتغلب لم تعد ظرفية، فكادت تلغي هذا الوعي الرافض للأمر الواقع.

فهذه الفتوى صنعت ما يشبه كنسية سنية، وظيفتها إضفاء الشرعية على استبدال الحرية الروحية بالخنوع للأمر الواقع السياسي خوفا من الفوضى الممكنة.

فكان النظام التربوي بدل تنمية الحرية الروحية التي بنى عليها القرآن علاقة المؤمن بربه كابتا لها بتحريف القضاء والقدر وجعله تواكلا لا توكلا.

لذلك فأهم شعار في ثورة الشباب كان ضد هذا التحريف: فبيتا الشابي استعادا مفهوم القضاء والقدر القرآني بصوغ شعري لآية سنة التغيير القرآنية.

وإذن، فيمكن القول إن ثورة الشباب بجنسيه قد أنهت حالة الطوارئ التي عاش عليها تاريخ السنة أربعة عشر قرنا من نهاية عهد الراشدين إلى الثورة.

ولذلك، فليس من الصدفة أن يعارض هذه الثورة أولئك الذين يريدون مواصلة حالة الطوارئ بنفس الفقهاء الذين يحرفون الحديث حول طاعة أولياء الأمر.

للطاعة شرطان يتغافلون عنهما بالوقوف عند ويل للمصلين:

1- أن يستمد الولي شرعيته من اختيار الأمة (الشورى 38)

2- ألا يطاع إن عصا الشرع فلم يكن أمينا وعادلا (النساء 58).

ومعنى ذلك، أن القرآن وضع شرط شرعية الحاكم، أي الاختيار الحر، وشرط فقدانها، أي رفض طاعته. فكان بذلك قد حسم الأمر في مفهوم ولاية الأمر بدقة تامة.

وكل سلب أحد هذين الحقين للأمة والواجبين عليها-اختيار الحاكم بمعيار الأمانة والعدل وعزله بمعيار عصيان الشرع- بحجة الخوف من الفوضى، تحريف بين.

صحيح وضعت سياسية الإسلام في الحسبان قاعدة تميز بين النظام العادي والطوارئ مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية بمعيار الضرورة التي تبيح المحظور، لكن إطلاق الطوارئ حتى تصبح هي النظام العام، تحريف للإسلام وقع فيه فقهاء السلطان. ولا يزال الكثير على هذا التحريف. والثورة المضادة تمثلهم.

اكتشفنا إذن عنصري سر اللغز في الوضع السني:

1-علل فساد الحكم الذي قضى على الحرية السياسية.

2-علل فساد التربية التي قضت على الحرية الروحية.

من هنا الاهمية التي ينبغي أن نوليها للثورة: بخلاف تصور أعدائها ليست مجرد فزة شبابية، حصروها في دافعها المباشر، الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.

إنها بوعي أو بغير وعي بداية الاستئناف الحقيقي للأمة الإسلامية بقيادة مماثلة لقيادة البداية، ومماثلة لقيادة الغاية، أي السنة العربية والتركية.

فالحكم الذي تكوّن باختيار الامة تولية، وبرضاها بقاء، وبعزلها زوالا، هو المعنى السني للحكم. وهو الحرية السياسة، والتربية على ذلك هي الحرية الروحية.

وبعد أن فهمنا سر ما حصل، يمكن أن نحدد استراتيجية الإصلاح: إصلاح التربية لتحقيق شروط الحرية الروحية، وإصلاح الحكم لتحقيق شروط الحرية السياسية.

فنعود بذلك إلى ثورتي الإسلام اللتين أوقفت تحقيقها بعد الفتنة الكبرى، الحرب الأهلية التي مثلت حالة طوارئ دامت إلى اليوم وعلينا تجاوزها.

وكان الوعي بأن حالة الطوارئ تمثل وضعا خلقيا (إزاء الحرية الروحية) وقانونيا (إزاء الحرية السياسية) فرضها الأمر الواقع بتناف مع الواجب.

وهذا الوعي كان يمثل فصاما في حياة السنة. واقعهم مناف لواجبهم، فكانوا في ثورة بالقوة تنفي كل شرعية على نظام التربية ونظام الحكم، حتى ثار الشباب.

لذلك لم تكن الثورة ثورة شباب مسلم بجنسيه بالصدفة، بل هي في الحقيقة ثورة كانت تحت رماد الواقع حتى تفجر الواجب، ليغير الواقع. وتلك هي لحظتنا.

ذلك هو ما سميته بفجر الاستئناف، يحققه شباب يشبه شباب النشأة الاولى: فهو تمرس بالجهاد حتى النخاع، وتمكن من الاجتهاد لحصوله على ثقافة العصر.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s