التراث، معرفته وتحديد دوره التاريخي – الفصل العاشر – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله

التراث

معرفته وتحديد دوره التاريخي

– الفصل العاشر –

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 1438.09.20 – 2017.06.15

المقال

سأختم القسم الأول من الكلام على التراث في هذا الفصل العاشر، بوعد العودة إليه لعرض نقدي لأمثلة من دراسات كاريكاتوري التأصيل والتحديث الشهيرة. وسيتعلق هذا الفصل الأخير من القسم الأول بتجليات تشوه التراث في المؤسسات الناظمة للجماعة وشؤون حياتها، المنتسبة للمجتمع السياسي والأهلي.

فموت الإبداع النظري في التصوير الرياضي للوجود الرمزي، ومنطقه والعملي في التصوير السياسي للوجود الفعلي وتاريخه، هو عقم التراث وموت فاعليته.

وقد وصفه ابن خلدون بفساد معاني الإنسانية في جماعة وأفراد صاروا عيالا على غيرهم، لتعطل القوى النفسية (الكسل والخبث) والخلقية (الأمل والصدق).

وهذا التجلي في الأخلاق الموضوعية أو العادات والتقاليد، يزيل شروط العقد الاجتماعي فيعوض التوجس الاطمئنانَ بين الناس في التواصل والتبادل عامة.

من ذلك خاصة في التبادل، لا أحد يطمئن إلى أن غيره لا يغشه فلا يعمل ليغش قبل أن يغش. وكذلك في التواصل حيث الكل يكذب على الكل: فساد شرطي التعاون.

والآن، فهذا الفساد في السلوك الجمعي هوفي الحقيقة مجرد انعكاس لما طرأ من فساد على صورة العمران بلغة ابن خلدون. أي على التربية والحكم وآلياتهما.

وهذا هو موضوع هذا الفصل العاشر والأخير من القسم الأول: تشويه التربية والحكم.

وإن شاء الله سأعود في قسم ثان لنقد درس الكاريكاتورين للتراث.

وستكون البداية بالكلام على الحكم وآلياته وأدواته، بوصفه تراثا مشوها بشهادته على نفسه. فأصحابه يدعون إما اتباع قيم الأصالة أو قيم الحداثة.

والتجلي يبين أن الكاريكاتورين من دراسة التراث، متعينان في كاريكاتورين من ممارسته في الحكم الذي تزعمه النخب الحاكمة أصيلا أو تزعمه حديثا.

وتعين الكاريكاتورين في الأنظمة هو عين ما قسمته الأنظمة العربية إلى انظمة قبلية تدعي الحكم بالإسلام، وأنظمة عسكرية تدعي الحكم بالديموقراطية.

ذلك أن الأنظمة العسكرية كلها تنظم انتخابات وتفاخر بإنجازات حديثة في كل المجالات، إذا سمعت ما يقال عنها وجدتها فاقت الغرب حداثة. لكنها في حقيقتها الفعلية لا الاسمية، أسوأ حتى من الأنظمة القبلية لأن هذه لا تستطيع سحق الأفراد مثلها، بسبب النظام القبلي الذي يحد من سلطانها.

وإذن فكاريكاتور التأصيل التراثي في الحكم، هو كاريكاتور الحكم الإسلامي. وكاريكاتور التحديثي التراثي في الحكم، هو كاريكاتور الحكم الديموقراطي.

وهنا يتأكد قوله صلى الله عليه وسلم كيفما تكونوا يولى عليكم. ففساد معاني الإنسانية يبدأ معلولا لنظام التربية والحكم، ثم يصبح علة لدوام الفساد.

وما كان للاستبداد في النظامين أن يصمد لو لم تكن الجماعة هي بدورها قد أصيبت بفيروسي الاستبداد والفساد فكانت مستعدة لهما بفساد التراث الروحي.

وهذا هو ما بدأنا بتحليله في الفصول السابقة: فساد التراث، وخاصة تراث درس التراث، بسبب الفتنتين الكبرى والصغرى اللتين هما أصل أدواء الأمة.

وكما بينت عديد المرات، فالفتنة الكبرى أدت إلى خمسة حروب أهلية قبل استقرار النظام الإسلامي الذي وصفته بكونه نظام حالة طوارئ دام أربعة عشر قرنا.

وقد يعاب علي مدحي للدولة الأموية لأنها هي التي فرضت حالة الطوارئ. لكن لو كانت الأمة بحق قد تشبعت بالدستور القرآني، لأعادتها اليه.

وقد أجد بعض الأعذار للنخب الخمسة في بداية الدولة الإسلامية: فليس من اليسير ضبط امبراطورية بسعة دار الإسلام من قبل شعب لم يتجاوز البداوة.

وكيفما كانت الحال، فإن ما حققته دولة الإسلام رغم حالة الطوارئ، ليس بالقليل إذا قيس بغيرها من الدول والامبراطوريات السابقة واللاحقة عليها.

صحيح أن قيم الإسلام عسيرة التحقيق، حتى إن هيجل اعتبرها أكبر عائق لتأسيس دولة مستقرة: تسوي بين الأعراق وتعترف بكل الأديان وتريد دولة كونية. ولذلك فهو يتهمها بما يتهم به الثورة الفرنسية.

وقد سمى الإسلام بالتنوير الشرقي لهذه العلل: أي القول بالمساواة بين البشر والأخوة والحريتين.

وأكبر ثورتين في تاريخ البشرية، هما تحرير البشرية من الكنسية (الحرية الروحية) ومن الحق الإلهي في الحكم (الحرية السياسية): تحقق نسبي دون شك.

إنه التراث السياسي الذي تعين في تحريفه إفساد التراث السياسي، بتأثير من خلق الفتنة الكبرى ثأرا لفقدان سلطان السياسي والروحي: الانحطاط الذاتي.

ثم جاء الانحطاط المستورد ثمرة للاستعمار والفتنة الصغرى، باستيراد صراع الكثلكة واليعقبة الفرنسيتين علما وأن الإسلام قريب من علمانية الألمان. فالسياسي ذو المرجعية الإسلامية، ليس دينيا إلا بسبب تحريف التراث السياسي القرآني. وهو لا يعادي الأديان لأن الإسلام يعترف بالتعددية الدينية. بل هو يعتبرها شرط التسابق في الخيرات، ودولته تسمح بحرية ممارسة الأديان الأخرى -الكتابية على الأقل-لشعائرها وعقائدها وحتى شرائعها في دولته.

ورغم دوام حالة الطوارئ وبقاء الحكم الفعلي ابعد ما يكون عن دستور القرآن الكريم، بقيت النظرية الإسلامية في الحكم  مثالا أعلى في الأذهان.

ورمز هذا البقاء، هو الشعور الذي يكاد يصل درجة التقديس للعهد الراشدي. حتى إن كل محاولات الإصلاح في القرنين الأخيرين، مرجعيتها هي هذه المرحلة.

والأدبيات السياسية ذات الصلة بهذا الدستور القرآني، ظلت موجودة وخاصة عند من رماهم إيديولوجيو كاريكاتور التأصيل والتحديث بالمروق أو بالرجعية.

وأقصد من أطلقت عليهم اسم فلاسفة المدرسة النقدية، أي الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وسيطا، وفلاسفة الاستئناف المعاصرين الذين يتهمونهم بالإرهاب. وهم من أمثال السيد قطب ونظيره الهندي الذين جعلوا فلسفة السياسة الإسلامية مستندة إلى قيم القرآن والعينة من السعي لتطبيقها في العهد الراشدي.

وبسبب الفهم الإيديولوجي للتراث السياسي، أهمل الكاريكاتوران محاولات التحرر من حالة الطوارئ في مستوى تراث الأدبيات السياسية وسيطها وحديثها.

وسيطرت كاريكاتورات الدول التي تدعي التأصيل باسم الإسلام والتحديث باسم الديموقراطية، في أنظمة تشترك في الاستبداد والفساد بتحريف التراث.

ولأن هذا الوصف طويل، ومثله وصف نظام التربية، فإن الفصل العاشر سيكون بحجم الفصل الخامس وقد لا يستوفي تجليات تحريف التراث.

فكرت في قسمته إلى فصلين: أحدهما هذا للحكم، والحادي عشر للتربية. لكني فضلت في الاخير أن أبقي على وحدة الفصل حتى لو بلغ طول الفصل الخامس.

وابدأ بأكبر تحريف للأدبيات السياسية، أعني أصول الدستور والقانون. أي أهم كتاب في أصول الحكم أو الأحكام السلطانية. أي أهم كتاب في أصول الفقه.

فمن له دراية بفلسفة القانون الدستوري والعادي -الماوردي والشافعي-يعلم أنهما رغم حالة الطوارئ يمثلان ثورة صاغت الحريتين الروحية والسياسية.

لكن دراسة التراث الكاريكاتورية لم تكتف بإهمال طابعهما الثوري، بل شوهتهما بأن اساءت فهم هذا الصوغ للثورتين بسبب النكوص الناتج عن الانحطاطين.

وسنبينه إن شاء الله في القسم الثاني عندما نفكك الدراسة الكاريكاتورية للتراث عامة من خلال ما سنختاره من أمثلة عن نجومها.

لكن لا بأس من ذكر أهم خصائص هذه الثورية: فهي تصوغ الشرعية بمقتضى الدستور حتى وإن كان ما يجري بالفعل هو حالة الطوارئ التي شوهت الدستور. فالشافعي يؤسس لفن استخراج القوانين من المرجعية، بمنهجية علمية عمادها المنطق والهرمينوطيقا، اساسي نظرية القانون أو علاقة بين النوازل والأحكام.

وكل تأسيس أهم ما فيه بدايته التي تحدد أفقه النظري وإشكالياته، إذ تطوره ينتج عن دينامية كل اختصاص معرفي بتفاعل الاختصاصات في النظام الكلي.

لكن يمكنني القول إنه لسوء الحظ تجمد هذا العلم ولم يتم تجاوزه إلاّ شكليا، بإدخال خارجي لمنطق أرسطو في ممهدات أصول الفقه كما في المستصفى.

وكتاب الماوردي حدد المقومات الأساسية لنظام الحكم الشرعي، بالكلام على خصائص المرشح للحكم وهيئة الترشيح والجسم الانتخابي وعلاقة السلط الخمس.

والسلط في الدولة الإسلامية خمس وليست ثلاثا: الثلاث الشهيرة وسلطة الحد من سلطة الحكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين .

لكن الأهم من ذلك كله، هو الفصل الجوهري بين مجالات الحماية ومجالات الرعاية.

–   فالأولى تابعة للفاعلية السياسية

–   والثانية للفاعلية الاجتماعية

بلغتنا الحديثة، استقلال المجتمع المدني عن السلطة السياسية، وتقديم المرجعية الدينية على السلطة السياسية، تقديما يحد من التحكم في الأرزاق خاصة.

وهذا هو سر الفصل بين مجالات سلطة السلطان ومجالات سلطة الخليفة:

–   للثاني رعاية التربية والاقتصاد (المجتمع المدني)

–   وللأول الحماية.

لهما مشتركات وأهمها القضاء والجهاد.

فالخليفة مسؤول عن القضاء. والسلطان عن تنفيذ الأحكام.

والخليفة مسؤول عن شرعية الحرب. والسلطان عن الحرب نفسها.

ودور الخليفة معنوي أو خلقي: من ذلك أن العملة تحت سلطته، وكذلك المكاييل والمقاييس، وحسبة الأسواق والتجارة حتى لا يقع غش أو احتكار أو ظلم إلخ.

فالنظام قريب جدا من الجمهورية البرلمانية، حيث يكون للسلطان دور السلطة السياسية الخالصة، وللخليفة أو رئيس الدولة دور السلطة الرمزية والخلقية.

والسلطان ليس منتخبا من الشعب، لأنه عادة ما يكون من اختيار الحامية بسبب حالة الطوارئ الدائمة كما أسلفت. وهو أمر واقع لا يطابق الدستور المفترض.

ميز ابن خلدون بين صنفين من درس القانون الدستوري في عصره. إما بمقتضى الشرائع الدينية أو بمقتضى اليوتوبيا الفلسفية. وأضاف: بمقتضى طبائع العمران.

فهدفه ليس وصف الموجود، بل تعليل وجوده وصيرورته مع محاولة تحقيق هدفين:

–   بيان أن الفلسفي هو العقلي الطبيعي وليس اليوتوبي

–   وأنه متطابق مع الديني

والانتقال من العمران البدوي إلى الحضري، مشروط بتكون الدولة التي تبدأ بفلسفة دستورية ذات مرجعية دينية، شرطا في الخروج من الطبيعي إلى العقلي.

فالعرب-القصد البداوة الأقصى وليس العرب كجنس-لا يمكن أن تخرج من الوحشية من دون عقيدة دينية تحقق لحمة تخرجها من صراع العصبيات المفضية للهرج.

إنها بداية الخروج من الحالة الطبيعية-فرضية في فلسفة العصر الكلاسيكي الأوروبي-إلى الحالة المدنية بتأسيس العقد السياسي والدولة الناظمة.

لكن الاساس الديني للبداية ليس روحيا فحسب، بل لا بد من غلبة عصبية على البقية. لأن ابن خلدون وضع القضية بمنطق التلازم بين الشوكة والشرعية. وفرضيته أن العصبية الغالبة تكون، إن جاز التعبير، أفضل العصبيات وأكبرها، وهي تمثل ارستوقراطية غير مكتسبة لقوله بنظرية الفطرة البدوية السليمة.

ثم يتوالى الادبار والإقدام بتوالي أشكال العصبيات: بما يشبه سلسلة أفلاطون في المقالتين الثامنة والتاسعة من الجمهورية من الأرستوقراطية إلى النزواتية.

لكن تحليل ابن خلدون أعمق، لأنه لا يقتصر على التحليل النفسي للأجيال – وهو يستعمله لتحديد أعمار الدول العينية- بل يتجاوزه لتطور أساس الشرعية. فيضع نظرية الأشكال الخمسة:

–   اثنان عقليان

–   واثنان دينيان (هنا تكلم على شكل وحيد)

–   والشكل الشامل لها جميعا. وهو الوحيد الذي يستقر عنده التطور في نظريته.

وقبل أن أعلل مضاعفتي للشكل الديني، فلأبدأ بتعريفه لأساسي الشرعية (مع الشوكة):

–   مصلحي دنيوي خالص للسياسة العقلية

–   أو بإضافة البعد الأخروي

وهذا الأساس الثاني، هو الذي يدخل الدين في السياسي. فطاعة المحكوم للحاكم مشروطة إما بالمصلحة الدنيوية الخالصة، أو بها مع معتقد ديني يوجبها.

والأساس الأول يمر بمرحلتين:

–   مصلحة الحاكم فحسب

–   أو مصلحة الحاكم والمحكوم.

وهذان عقليان. الأول متحيل والثاني أكثر عقلانية: بداية عقلنة الدولة.

ولم يقسم استعمال الأساس الديني للشرعية، بل اعتبره واحدا. وهو سهو أو خطأ. لأن تأسيس الطاعة الدينية قد يكون لصالح الراعي الكهنوتي دون الرعية. لذلك حرر الإسلام للإنسانية من الوساطة الكهنوتية أو الكنسية روحيا، تحريره إياها من الحق الإلهي في الحكم سياسيا. الشرعنة الدينية مضاعفة أيضا.

وتلك هي الأشكال الاربعة للشرعية الضرورية للشوكة في كل سياسة.

لكن ابن خلدون يعتبرها كلها ضرورية على أرضية مضاعفة تجمع بين الشوكة والشرعية.

والشوكة هي ما في الدولة من طبيعي. والشرعية هي ما فيها من خلقي. والجمع بين الأمرين هو الذي يمد الشرعية بالقوة، والقوة بالشرعية. وهما مقوما الحكم.

التحريف جاء من الفصام بين المقومين: حالة الطوارئ كادت تلغي الدستور لولا بقائه في الأذهان وفي الأدبيات غير مطبقة في تاريخ الأمة الفعلي.

لكن هذا الفصام لم يمنع سعي الأمة الدائم نحو العودة إلى الدستور القرآني. وهو قصدي بدور حديث حدث الماضي في بؤرة التاريخ وحديث المستقبل.

وسأجمل ما نتج عن التحريف الذي أدى إلى الانتقال من الدستور إلى حالة الطوارئ في الفصل بين الشوكة والشرعية، وجعل هذه تابعة لتلك في وظيفة الحماية.

–   وظائف الحماية:

1- داخليا: القضاء يحكم والأمن ينفذ.

التحريف عكس العلاقة: الأمن يحكم وينفذ، والقضاء يبرر.

2- خارجيا نفس علاقة الدبلوماسية والدفاع.

ويبلغ الأمر ذروته في الوظيفة الخامسة والأخيرة: الاستعلام والإعلام بدلا من الاطلاع على الأحوال، لصالح علاقة الوظائف الاربع السوية، يعكسان.

لم تبق وظيفة الاستعلام حماية المواطنين من بعضهم ومن الحكم، والوطن من الأعداء. بل العكس: وظيفته التجسس على المواطنين، واضطهادهم، وخدمة الأعداء.

ولم تبق وظيفة الإعلام إطلاع المواطنين على الأحوال بصدق، بل الهدف المغالطة وتزييف الوعي بصورة تخدم الأنظمة والأعداء ضد الشعب والوطن.

وهذا يتزايد منذ بداية حالة الطوارئ باستمرار إلى اليوم. فصار الاستعلام والإعلام، وهما وجها نفس الوظيفة، مجرد أداة اضطهاد وخدمة للحكام وحماتهم.

وتلك هي غاية الاستبداد والفساد التي ليس بعدها مزيد: كل الأنظمة العربية بصنفيها القبلي والعسكري، لم تعد أنظمة حكم شرعية، بل هي مافيات تابعة.

وكان الداء يكون قابلا للعلاج من دون ثورة طويلة وعسيرة، لو أنه اقتصر على الحكام: فهم أفسدوا العلماء والاقتصاديين والفنانين واصحاب الرؤى.

أي إن أصناف النخب الخمسة سيّدوا عليها أفسد من فيها، حتى يكونوا عونا للحكام التابعين لحماتهم ومنصبيهم على صدر الأمة بمنطق كاريكاتور التراثين.

والتراثان هما تراث الأمة وتراث الغرب. فالتأصيلي أفسد تراث الأمة، وبفساده يحارب تراث الغرب. والتحديثي أفسد تراث الغرب، وبفساده يحارب تراث الأمة.

وإفساد التراثين هو ما يسمونه درس التراث له أو عليه.

ولهذه العلة فالعلاج عسير رغم أن منهجه هو جوهر علاج القرآن لتحريف التراث الديني وتفكيكه.

والغاية في عملنا هي عينها الغاية من النقد القرآني للتحريف: فهو يفكك التجارب الروحية والسياسية في تاريخ البشرية ليصلحها من أجل المستقبل.

–   وبذلك نصل إلى العامل الثاني:

الرعاية وتحريف وظائفها التي هي خمس كذلك.

وهي في الحقيقة قابلة للرد إلى التربية بمفهومها الشامل.

فالحماية هي جوهر الحكم، والرعاية هي جوهر التربية. لكن الحكم والتربية أصبحا شكلين من الحماية والرعاية، فبدوا وكأن صادقيتهما اضيق من صادقيتهما.

وكل التحريفات التي أصابت التراث السياسي لها نظائر في التراث التربوي، بل إن ابن خلدون قاس السياسي على التربوي في تعليله فساد معاني الإنسانية. وأرجع فساد التربية والحكم (وجها السياسة) إلى عامل جامع، هو الاستبداد، أي تحريف الدستور القرآني لأنه يعكس غايتهما: فهما ينتجان عبدا بدل سيد.

فساد معاني الإنسانية درسه ابن خلدون في التربية قبل الحكم، وهما كما أشرنا وجها السياسة. ثم عممه على كل سلطة عنيفة اسرية أو تربوية أو حكمية.

فما وظائف الرعاية المناظرة لوظائف الحماية، والتي حرفت بسبب الانتقال من الدستور القرآني إلى حالة الطواري التي قدمت الشوكة على الشرعية فيهما؟

فما يناظر في الرعاية علاقة القضاء بالأمن في الحماية، هو التربية النظامية في المؤسسات التربوية والتربية اللانظامية في المجتمع. عكست العلاقة.

فبدلا من أن تصلح المدرسة المجتمع، أفسد المجتمع الفاسد المدرسة. فالتربية النظامية تبعت اللانظامية، فامتنع إصلاح معاني الإنسانية التي فسدت. لذلك سيطر على الأخلاق الجماعية أخلاق الرعاع في أصناف القيم الخمس: لم تعد الحقيقة والخير والجمال والجهة والوجود هي القيم الموجبة، بل نقائضها.

والتناظر ليس مجرد وجه شبه بين علاقة القضاء حكما والأمن تنفيذا، وعلاقة التربية النظامية تكوينا والنظامية تطبيقا، بل هو أعمق للعلة التالية. فالعلاقة الأولى إذ تنعكس، تؤدي إلى ضياع الحقوق والعدل المادي. والعلاقة الثانية إذ تنعكس، تضيع المنازل والعدل المعنوي: يزول معيار التراتب.

ففي النظام السوي ينبغي أن يكون التكوين النظامي اساس التراتب في المجتمع إذا كان النظام الاجتماعي يؤمن بالرجل المناسب في المكان المناسب.

أما إذا ضاعت الحقوق بسبب عكس علاقة القضاء والأمن وضاعت المنازل والرتب بسبب عكس علاقة التربية النظامية وسلطة المجتمع، يفسد الأمن والإبداع.

ونصل الآن إلى التناظر الثاني بين عكس العلاقة بين الدبلوماسية والدفاع، وعكس العلاقة بين الثقافة والاقتصاد. وهي علاقة مكملة لعلاقة التكوين.

ذلك أن التكوين هو علاقة التربية النظامية في المؤسسة التربوية، والتربية اللانظامية في المجتمع. والتموين هو علاقة غذاء العقل وغذاء البدن فيه. فإذا قدم غذاء البدن على غذاء العقل، فقد الأول ما يستمده من قدرة عقلية تبدعه، فينحط كلاهما. ومن ثمّ، فالمفروض تقديم غذاء العقل على غذاء البدن.

والمجتمعات التي تعتمد على ثروة طبيعية تغنيهم عن الجهد النظري والعملي لإبداع الغذاءين، سرعان ما تجمد فتنحط بمجرد نضوب تلك الثروة وتصبح عالة.

والتناظر مع الدبلوماسية والدفاع مماثلة: فهي بالأساس قوة لطيفة تؤدي وظيفتين:

–   الاستعلام على الأعداء

–   والاستعداد للحرب الذي يمكن أن يغني عنها

أما إذا عكسنا، فقد ننتصر ضد الأضعف أو غير المستعد. لكننا سرعان ما نفقد السيطرة على الاحداث لغياب العلاقات السليمة والاستعداد اليقظ للحرب.

وإذن، فليس الأمر وجه شبه سطحي، بل علاقة عميقة: تغذية العقل تبدع أسباب القوة الاقتصادية. وكلتا القوتين شرط في الدبلوماسية والحرب. فهم ذلك جوهري.

ففي المجتمعات التي لا تبدع غذاء العقل وتكتفي باستيراد غذاء البدن، لان المدرسة لم تعد أساس التراتب والقضاء اساس العدل، تكون السلطة للعنف وحده.

فالعنف ليس هو شيئا آخر غير غياب العدل في الحقوق والعدل في المنازل بين افراد الجماعة الواحدة داخليا وبين الجماعات خارجيا: حالة الطوارئ دائمة.

وإليك التناظر الأتم: فنسبة الاستعلام والإعلام إلى الحماية، هي عينها نسبة البحث والإعلام العلميين في الرعاية. لا حماية ولا رعاية من دونهما.

ومثلما أن الاستعلام والإعلام معكوسي الدور، ينتجان عن الاستبداد والفساد، فالبحث والأعلام العلميان ينتجان عن تحريف التراثين الإسلامي والغربي. فالجامعات العربية اليوم لا تخرج مبدعين للعلم والثروة مثلها مثل الأكاديميات الأمنية لا تخرج حماة للمواطن والوطن: يهدمان المواطن والوطن.

فقدان العدل في الحقوق، يزيل الأمل ويعد للحرب الأهلية المادية. وفقدان العدل في المنازل، يزيل الرجاء ويعد للحرب الأهلية الروحية: تلك حال الأمة.

الكتيب

وثيقة النص المحمول ورابط تحميلها

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s