الفصل السوي بين الدعوي والسياسي أو بين الحركة والحزب – أبو يعرب المرزوقي

الفصل السوي بين الدعوي والسياسي

أو بين الـ حركة والـ حزب

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 18 . 04 . 1437 – 29 . 01 . 2016


Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n


لتحميل المقال أو قراءته في صيغة و-ن-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل النص




تمهيد

لا أدعي تقديم الدروس ولا حتى النصح لأحد.
لكني بمقتضى ما يوجبه علي عملي الفكري لا يمكن أن أسكت على الخلط العجيب بين تخليص السياسي من الدعوى وفرض مقتضيات السياسة على الدعوة.
فهذا لا يدل على فهم دقيق لطبيعة السياسي ولطبيعة الدعوي في آن.
إنه إذن محاولة للفصل بالسلب الذي يلغي خصائص كلا الوجهين.
ولما كنت أعتقد أن الدافع لا علاقة له بالفكر الديني ولا بالفكر السياسي فإني اعتبره في الغاية محاولة لترضية من يعتبر صاحب السيادة في السماح أو عدم السماح للشعب التونسي باختيار مرجعية فكره الخلقي (الدعوة) والسياسي (الحزب).

وسواء قبلت قيادات النهضة ما سأبديه من رأي أو ظنت أنها بتنازلاتها يمكنها أن تحصل على القبول من ممثلي الاستعمار في البلاد أو من الاستعمار نفسه فهي في الأخير المسؤولة الوحيدة عن خياراتها.

ولأعد إلى المفهومين: الدعوة والسياسة.
فما الدعوي؟

الدعوي

إنها بالمصطلح الديني التربية الخلقية التي تؤسس القيم على معتقدات تتجاوز حصر وجود الإنسان في مطالب الدنيا.
وبعبارة قرآنية هي التسليم بأن الإنسان لا يمكن أن تتحقق فيه “معاني الإنسانية” (بلغة ابن خلدون) إلا إذا جمع بين كونه مستعمرا في الأرض (سياسة) يشرئب إلى أن يتعالى على الإخلاد إليها (دين).

الدعوة هي إذن التربية الخلقية التي تجري في هذا الأفق.

ولما كانت تربية خلقية فهي لا تكون إلا بالتي هي أحسن.
وهدفها ليس تعليم الإنسان ما لايعلم بل تذكيره بما هو مركوز في الفطرة التي فطره الله عليها.
وبهذا المعنى فالدعوة تشترك مع الفلسفة بمفهومها السقراطي: البحث تعليما وتعلما لفهم مغلقات الوجود والتساؤل عن المعاني والدلالات ليكون الإنسان بذاته ساعيا لاستمداد المعنى من البحث الشخصي في القيم بكل معانيها التي بفضل تعاليها يسمو إلإنسان فلا يكون محكوما بالنزوات وقانون القوة بل يقدم قوة القانون الخلقي على قوة القانون الطبيعي أي الحرية على الضرورة.

وهذا يحرر الإنسان مما يسمى إكراهات السياسة وإذن فالدعوة أوسع وأشمل من السياسية التي تصبح بفضلها مشدودة إلى ما يحررها من الانتهازية ومنطلق الغاية تبرر الوسيلة.

السياسي

وعندما يتكون حزب ذو صلة بمرجعية من هذا النوع فإنه يكون مكلفا بتحقيق شروط الاستعمار في الارض للجماعة حتى تتحرر من الحاجات التي قد تجعلها تابعة لمن بيده استعباد الناس بسلطانه على سد حاجاتها الأولية.

فتكون السياسة بهذا المعنى علم أدوات تحقيق الغايات والعمل بهذا العلم حتى تتمكن من التغلب على الإكراهات فلا يتحول الحزب إلى أمعة يفرض عليه أعداؤه فهما معينا لمرجعيته.
الفصل إذن ليس سلبا لما تتميز به المرجعية بل هو التمييز بين ما تتطلبه الغايات (الدعوة) وما تتطلبه الأدوات (السياسة) مع جعل هذه تابعة لتلك وليس العكس.

فالغايات هي القيم بما فيها من مثالي والأدوات هي المناهج التي تحقق التدرج الأمثل لتحقيق الغايات مع اعتبار العقبات التي لا تجعل الوصول إليها مباشرا بل بتوسط حيل العمل السياسي بمعناها الأسمى: أي توفير الأسباب بما يقتضيه علاج العقبات التي تشمل خمسة مجالات هي ملتقى الصدام بين ضرورات داخلية وخارجية بمعنيين داخل الإنسان (ذاته) وخارجة (محيطه) وداخل الجماعة وخارجها (وخاصة منذ أن أصبح الفصل بين الداخل والخارج في السياسة شبه مستحيل):

  1. إرادة الأمة أو التمسك بالمرجعية محددة لبوصلة العمل السياسي في المجالات الأربع الموالية.
  2. تمثيل الإرادة الجماعية التي تنبع من قيم المرجعية وإلا فالحزب يصبح أداة لغير الشعب.
  3. استعمال المعرفة العلمية الطبيعية لسد الحاجات الإنسانية والمعرفة العلمية الإنسانية لتنظيم الحياة البشرية.
  4. تحقيق شروط التنمية المادية أو الاقتصاد الحقيقي الذي يمكن من القدرة على حماية إرادة الأمة لأن المتسول لا يمكن أن يكون سيدا (وهذا هو مفهوم العمران البشري الخلدوني).
  5. تحقيق شروط التنمية الروحية أو الرمزي أو الثقافة والفنون الحقيقية التي تمكن من “الأنس بالعشير” (وهذا هو معنى الاجتماع الإنساني الخلدوني) حتى يستمتع الإنسان بالحياة.

الفصل بين السياسي و الدعوي

حزبية أي حزب تقاس بهذه المعاني: اي إن البرنامج الذي يقدمه لنيل ثقة الجماعة لا يمكن أن يكون في قطيعة مع المرجعية إلا بمعنى الفصل بين مقتضيات فاعلية الأداة بما توجبه شمولية الغاية.

أما إذا تحول الفصل إلى ترضية من يريد أن يحدد مرجعيتك بدلا منك حتى يرضى عنك ويقبلك فمعنى ذلك أنك من البداية سلمت بالهزيمة الروحية وجعلت حزبك أداة لتحقيق برنامج عدو أمتك لا برنامجها هي في تحقيق مفهوم الحرية والكرامة الإنسانية.

والحزب أي حزب ليس كيانا مستقلا عن المرجعية بل هو جهاز عمل لتحقيق أهداف المرجعية سواء كان الحزب ذا مرجعية دينية أو علمانية أو حتى ملحدة.

فحتى هذين الأخيرين لا بد لهما من مرجعية متعالية على خططهما الحزبية:
فكلاهما يبرر برامجه بما ينسبه إلى مفهوم طبيعة الإنسان.
والديني يتجاوز ذلك لأنه لا يعتبر طبيعة الإنسان هي اساس القيم بل هي قيمة من القيم حتى وإن توسطت بين الأساس والقيم الأخرى.

الأساس هو ما يسميه العلماني والملحد طبيعة وهو ما يسميه المتدين فطرة.
والفطرة تتجاوز الطبيعة بأمرين:

  1. الأول أنها تضع الحرية أساسا للضرورة الطبيعية
  2. والثاني أنها تؤسسها بصورة متناسقة بين حرية الإنسان وضرورة الطبيعة.

فمن دون نظرية الفطرية يكون المرء متناقضا عندما يضع نظرية الطبيعة ثم يزعم أن الإنسان حر ومكلف أو مسؤول عما يفعل أو عما يحدث له.

تلك هي علة اضطرار كنط للفصل بين الفينومان والنومان.
فلو لم يفصل لاستحال أن يؤسس للحرية والمسؤولية الفصل الذي هو أساس الأخلاق والقانون في آن ومن ثم العلاقة بين السياسي والديني في الغاية.
فالطبيعة لاتعرف إلا قانون الضرورة.
والإنسان عند رده إلى طبيعة ينسب إليها يصبح مثل أي كائن طبيعي خاضعا للضرورة ولا يمكن أن ننسب إليه حرية.

ومعنى ذلك أن العلماني والليبرالي وحتى الملحد متناقض عندما يتكلم على حقوق الإنسان مثلا ويردها إلى الطبيعة.
فالطبيعة لا تعترف إلا بحق واحد وهو حق القوة: إذا التقت قوتان فالقانون هو قانون صدام القوى.

ها نحن إذن أمام مشكل سقراط وكاليكلاس المشكل الذي حسمه أفلاطون في المقالة العاشرة من الشرائع عندما رد القضية إلى نوعين من رؤية الوجود:

  • قانون الطبيعة وقانون الشريعة
  • أو قانون الضرورة وقانون الحرية.

كل حركة تخلط بين هذه المعاني فتتخلى عن مميزها الفكري حتى ترضي أعداء أمتها ليست جديرة بأن تدعي أنها ذات مرجعية دينية خاصة بعد أن وثق فيها الشعب فاختارها لتحقيق أهداف ثورته التي تعود في الأساس إلى قضيتين:

  1. الأولى تتعلق بالمطالب المباشرة للثورة أي ما به تجاوز الإسلام الصراع الراسمالي الشيوعي: بحل يجمع بين الفاعلية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. لكن ما يحدث هو القبول الجبان بنفس النموذج التنموي الذي كان سائدا قبل الثورة بل والمزايدة عليه بدعوى الحاجة إلى الإصلاحات التي تفرضها صناديق الاستعمار الجديد.
  2. والثانية تتعلق بشروط المطالب المباشرة أو المطالب غير المباشرة للثورة أي الانتساب إلى أمة أوسع وحضارة أشمل من المحلي الذي يدعي الكلام باسم اسلام محلي تونسي وحركة إصلاح محلية تونسية لا وجود لهما أصلا لأن الإصلاحيين حتى وإن كانوا في تونس جغرافيا فهم في الحضارة الإسلامية فكريا ومرجعيا وعقديا وفلسفيا.

وختاما فإني دعوت إلى الفصل وقدمت ورقة قبل المؤتمر الأخير رغم أني لست عضوا في النهضة وذلك بطلب من رئيسها وعرضته على بعض كوادرها.
لكني لم أكن اتصور أن يحصل الخلط بين الفصل بمعنى فصل الاختصاص في الأدوات والمناهج لتحقيق الغايات (الحزب) والاختصاص في الغايات والتربية لتعميق الغايات (الدعوة) وذلك ليس خاصا بالاحزاب الدينية بل بكل حزب من حيث هو حزب:
فالحزب من جنس جيوش الدفاع عن استراتيجية تنموية مادية وروحية تحقق المثل بالتدريج في التاريخ الفعلي لجماعة من الجماعات.

وهي تشبه تربية الخيول لخوض السباق في التعبير عن إرادة الجماعة بالبرامج والأطر الكفؤة لتحقيقها.
ولا ينبغي أن تقلب العلاقة بالمرجعية فتصبح هي التي تحدد لغايات سياسية ظرفية ما يصلح أو لا يصلح من المرجعية خاصة إذا كان ذلك استجابة لضغوط على الحزب سواء من الداخل أو من الخارج علما وأن الداخل الضاغط ليس إلا من أدوات الخارج الضاغط لأن الأمر كله هو محاولة تدجين الإسلام والمسلمين.

وتبقى قضيتان لا بد من الحسم فيهما:
فالفصل ينبغي أن يتعلق بعمل الاشخاص في نوعي النشاط الديني والسياسي.

القضية الأولى:

فلا يمكن أن يكون المرء سياسيا وأن يمارس الإمامة الدينية أو التنظير العقدي في نفس الوقت. فنسبة التنظير العقدي إلى السياسة حتى لو كان التنظير في الفلسفة السياسية ينبغي أن تكون من جنس نسبة البحث الاساسي في النظريات العلمية إلى تطبيقات النظرية. والبون بينهما شاسع. ذلك ان الباحثين الأساسيين يمثلون المرجعية من حيث هي حية وقائمة بالذات باستقلال تام عن الأغراض التطبيقية والنفعية.
فالفرق بين طلب الحقيقة في العلم وطلب تحقيق أي حقيقة في التطبيق أساسي لأنه من شروط نجاعة الطلبين.

  • الأول يذهب إلى الغايات ولا يعترف بالحلول الوسطى
  • والثاني يناور ويقبل بالحلول الوسطى لأن العمل يقتضي التعامل مع الإكراهات الحينية بخلاف النظر الذي لا يكون في عجلة من امره.

القضية الثانية:

ولا يمكن أن يكون المرء سياسيا وأن يمارس مهمة القيام بالشعائر الدينية وخاصة الصلاة والفتوى والتعليم الديني الجماهيري. فهذه ليست من مهام أي متعاط للسياسة.
ذلك أن أخلاق السياسة كأخلاق الحرب مبنية بالجوهر على اللغة الدبلوماسية التي تبطن أكثر مما تظهر -وهي تشارك الحرب في هذه الخاصية لأن استراتيجية العمل تفرض الكتمان في حين أن التعليم والتربية بالجوهر مبنيان على نفي مثل هذه الخصائص التي تسمى بلغة الدين نفاقا.


الفصل السوي بين الدعوي والسياسي

أو بين الـ حركة والـ حزب

أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg


يرجى تثبيت الخطوط
عمر HSN Omar والجماح ياقوت AL-Gemah-Yaqwt أندلس Andalus و أحد SC_OUHOUD
ومتقن الرافدين فن Motken AL-Rafidain Art وأميري Amiri
ونوال MO_Nawel ودبي SC_DUBAI
واليرموك SC_ALYERMOOK وشرجح SC_SHARJAH
وصقال مجلة Sakkal Majalla وعربي تقليدي Traditional Arabic
بالإمكان التوجه إلى موقع تحميل الخطوط العربية
http://www.arfonts.net/


Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s