العرب و الإنتخابات التركية – أبو يعرب المرزوقي

العرب والإنتخابات التركية
أبو يعرب المرزوقي

تونس في 20 . 01 . 1437 – 03 . 11 . 2015


Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n


لتحميل المقال أو قراءته في صيغة و-ن-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل النص




تعجب البعض من سكوتي عن نتائج الانتخابات في تركيا كامل ليلة أمس ونهار اليوم. لعلمهم أني علقت ما سيحدث في الهلال والثورة بنتيجتها واعتبرت نجاح الحزب الحاكم منذ أكثر من عقد هو الذي سيساعد في حسم معركة الهلال بمعنييه الجغرافي والتاريخي.
ما أسكتني ليس عدم الفرح بما حصل لأني فعلا فرحت بنجاح تركيا في تحقيق شرط مواصلة التقدم بل الحزن على امتناع مثله لدى من يمكن أن يكونوا من بيننا ظهيرا له في التصدي للمنتظر في لحظتنا التاريخية.
واستحالته لا تأتي من أمر موضوعي بل من حصر الحلول في شكل وحيد إذا غابت شروطه استنتجنا استحالة البدائل الممكنة التي لم تخطر لنا على بال.
والسبب الرئيس هو الحرب بين كاريكاتور التأصيل وكاريكاتور التحديث
والعلة هي تأثير الانحطاطين الذاتي والمستورد.

  • فالأول يقلد أفسد ما في ماضينا الذاتي
  • والثاني يقلد أفسد ما في حاضر الغرب دون فهم لتاريخه.

لذلك فالحرب الأهلية الحالية تفسد الثورة لأنها تدور بين هذين الانحطاطين وليس من أجل النهوض.
فلما نتكلم على الديموقراطية ننسى أمرين فنعجز عن ابتكار الحلول المرحلية:

  • الأول أنها تطورت في الغرب بعمل ثورات في مجالات الفكر والمجتمع وفي التربية والتنظيم المدني وفي التدرج البراغماتي لوضع الحلول المرحلية.

فكان لهذا التطور تدرجا في انظمة الانتخاب من الاقتصار على دافعي الضرائب (سنزيتار) وعلى الرجال ثم عممت بالتدريج لتشمل النساء وكل المواطنين.
وهي ما تزال إلى الآن في أمريكا ذات مستويين : للجميع ثم لكبار الناخبين.
فيكون المستحيل ليس الديموقراطية بل القفز إلا الغاية من دون المراحل.
إن كلام التحديثي والعلماني والإسلامي المتصالح مع العصر ليس إلا وهما من دون تحقيق الشروط التي بدأنا نتلمس طريقنا إليها بفضل الثورة والحرب الجارية حاليا والتي هي أهلية وضد الأعداء في آن.

  • وهنا يأتي الأمر الثاني: هل يمكن القياس على تركيا فنتكلم بأسى على تخلفنا في الديموقراطية؟ ألا ننسى أن تركيا عاشت ثورة تحديث عنيف طيلة سبعة عقود وأنها مرت بالفاشية القومية والانقلابات العسكرية لتصل إلى توازن بين التأصيل والتحديث المتصالحين؟

ما رايناه في تركيا هو حصيلة تجارب جعلت الشعب التركي يرى ثمرات التحديث العنيف المُرة ويستخلص منها الدروس لذلك فهو قد تعلم منها التنظيم الحديث لقواه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
صحيح أن حزب أردوغان له فضل كبير لأنه فهم شروط الملاءمة بين الأصالة والحداثة.
لكن الفهم وحده لا يكفي:
المساعد هو نضوج الشعب السياسي وتخلق قواه المعبرة عن إرادته في مستويات الفاعلية الاقتصادية والفكرية والسياسية.
وهكذا أكون قد وصلت لبيت القصيد:
البلاد العربية يتقاسمها صنفا أنظمة مضاعفان حالت أربعتها دون الحياة السياسية بإضافة فوضى الحرب الأهلية المعقدة وشديدة التفريع كما يبين تاريخ القرن الماضي والوضع الراهن.

  • الصنف الاول هو الأنظمة العسكرية التي تدعي القومية والتي تدعي الإسلام.
  • والصنف الثاني هو الأنظمة القبلية التي تدعي القومية والتي تدعي الإسلام.

لذلك فلنا شكلان من القومية وشكلان من الإسلام وكلاهما لا يعترف بالثاني.
لذلك فنحن نعيش ثلاثة حروب أهلية بين نوعي القومية ونوعي الإسلام بين بين القوميين والإسلاميين.
وكلها تعيش حربا أهلية تحت الرماد ومن ثم فهي جميعا ذات هشاشة لفقدان الشرعية مع الاعتماد على الاجهزة و الحماية و/أو الرعاية الأجنبيتين.
لم يفهم العرب أن كل شكل من أشكال اللحمة الجماعية يمكن أن يؤسس لدولة قانون حتى لو كان عرفيا.
لكن عند التعميق نجد ان الأصناف الأربعة تعود إلى الصنف الوحيد الذي هو ما وصفته بفوضى الحرب الأهلية الصامتة لانعدام قوى سياسية منظمة تعتمد على المستوى الموجود من اللحمة الجماعية.
واعتقد أن العقدة تكمن في هذا الغياب وبصورة أدق في وهم حصر العلاج في شكل واحد لتنظيم القوى السياسية اي التعبير المتعدد عن خيارات الجماعة عن طريق التنظيمات الحزبية المعبرة عن الإرادة السياسية للجماعة.
بعبارة أوجز:
لا وجود لدولة لدينا إلى الآن -أي منظومة مؤسسات تحقق الرعاية والحماية غير التابعتين لحام أجنبي- بسبب انعدام وجود نظام تعبير عن الإرادة الجماعية ينقل الخصام من عنف الصدام إلى لطف الوئام.
فإذا كان القصد بالديموقراطية هو هذه النقلة فإن الشكل عندئذ ليس مقصورا على الحل الحزبي بل يمكن ان يتنوع دون استثناء هذه الإمكانية لاحقا عندما تتطور القوى السياسية لتتحرر من الاقتصار على الرابطة الدموية (القبائل) أو المافياوية ( العساكر).
وسأقسم البلاد العربية بمعيار وجود الأحزاب وعدمه إلى حالتين قابلتين لعلاجين مختلفين عسكرية وقبلية.
والمعلوم أن القوى السياسية بنية سطحية تعبر عن بنية أعمق هي قوى صراع المصالح وقوى القيم.
فما تمثله الاحزاب في الصنف الثاني (القبلي) له مستوى متقدم عليه فيها:
فحيث ما تزال الصلة القبلية والدموية غالبة يكون تاثير الحزبية هامشي.
أما الصنف الأول -العسكري- فهو قد ألغى حتى فاعلية هذا المستوى العميق لتحوله إلى منظومة مافياوية.
وهامشيته تزداد إذا اجتمعت القبلية والطائفية:
ولعل ابرز مثال هو مثال لبنان والعراق.
ولا يمكن أن ننتظر زوال هذين الظاهرتين لنبني دولة قادرة على الحماية والرعاية غير التابعتين.
تلك هي المشكلة التي تسكتني فلا أميل إلى التعليق على ما جرى في تركيا أمس.
ما الحل في وضع القبلية والطائفية لكي نتجاوز الهشاشة فنبني دولة تؤدي وظيفتي الحماية والرعاية غير التابعتين؟
الحل المثالي هو انتظار التطور الصدامي حتى يتحقق ما تحقق في الغرب أو في تركيا. وهو ما تحاول تحقيقه الثورة التي تحولت إلى حربين أهلية وخارجية.
لـذلك فقد يسبقه تفكك الموجود فضلا عن امتناع المنشود إذا لم نتدارك الأمر بإيقاف الحرب الأهلية.
هنا يأتي الحل الذي يعود إلى حقيقة القوى التي منها تنبع القوى السياسية تعبيرا عن المصالح (القوة المادية) والقيم (القوة الروحية).
فوراء القوى السياسية يوجد أصلان أعمق منها وأكثر فاعلية.

  • الأصل الأول والأقوى والذي أحدث كل الثورات في التاريخ الإنساني وخاصة ثورة الديموقراطية هو قوى الاقتصاد أو المصالح: فأين نخبة الاقتصاد؟
  • والاصل الثاني وهو أصل يتقدم ويتأخر عن القوى الاقتصادية دفعا وجدانيا في التقدم ودفعا علميا في التاخر هو القوى المعرفية شرط كل قوة فعلية مادية كانت أو روحية.

فأين هذه القوة الثانية؟
لكن الأهم هو أين التداخل بين هاتين القوتين:
فالاقتصادية تعبر عن الطموح المادي للجماعة والعلمية تعبر عن الطموح الروحي.
لأختم بان مشكلنا هو أن من بيدهم السلطان لم يحولوا دون وجود قوى سياسية فحسب بل جعلوا القوى الاقتصادية والعلمية توابع بدون طموح ذاتي.
المخرج الوحيد يشبه المعجزة الربانية:
أن توجد قيادات سياسية صالحة وذات طموح يؤمن بمجد الأمة وبحلم يجعل الاستئناف مثل النشأة الأولى.
التجارب التاريخية تثبت أن الأمم التي مرت بمثل ما نمر به حدثت فيها مثل هذه المعجزات:
أولها نحن عندما خرجنا من الجاهلية فهي معجزة حقا وقد حققها رجال دولة صالحون وصادقون (الخلفاء الثلاثة الأول وجيل الصحابة لأن الرابع لم يستقم له الأمر فمعه بدأت الحرب الأهلية أو الفتنة الكبرى).
وفي التاريخ الحديث عدة أمثلة:
كل بلاد أوروبا عاشت التجربة وخاصة ألمانيا.
وكل بلاد آسيا الناهضة عاشت ما يشبهها كماليزيا وسنغفورة وكوريا الجنوبية.
وقبل ذلك اليابان وبعده الهند والصين والكثير من بلاد أمريكا اللاتينية.
لذلك فأنا متفائل:

  • أولا بسبب الثورة
  • وثانيا ما ترتب عليها و هو أهم أعني دخولنا في معركة التحرر داخليا والتحرير خارجيا.

وهنا نعود إلى المنطلق:
لا يمكن للعرب -من اختار نهج المقاومة منهم- أن يتحالف مع تركيا من دون أن يصلح وضعه الداخلي ليخرج حقا من الهشاشة.
ذلك ان الوضعية الحالية فرضت على الأمة حرب الأعداء عليها بصورة قد تمكنها من الخروج من الحرب الأهلية والتفرغ للحرب الخارجية بشروطها.

  • وأول شروطها هو أن تبنى الجبهة الداخلية في الدول المقاومة وفي المقاومات المحاربة
  • والثاني هو أن يتم التنسيق بين الدول والمقاومة بعقد صريح.

فالحرب الأهلية بين الدول والمقاومة هي التي تضعفهما معا فيصبح العدو الذي هو أضعف بمرات من العرب اقوى منهم ما لم يخرجوا منها بهذا العقد.
لذلك فالعرب قبل كل ما أسلفنا ليسوا إلا متفرجين :

  • منهم الفارح بالعرس التركي
  • ومنهم الحزين.

وكلاهما أبعد ما يكون عن فهم سر نجاح الأتراك وفشل العرب في الجمع بين التأصيل والتحديث غير التابعين.

  • فلا يمكنك أن تفرح بشيء عند غيرك وتقوم بكل ما ينبغي لئلا تفرح به عندك لأنك متمسك بسلطان عقيم على شعبك شرطه خضوعك للعدو اللئيم الذي تحتمي به وهو يستعبدك وشعبك.
  • ولا يمكنك أن تنقم على غيرك لأنه بما يفعل يمثل نموذجا لشعبك الذي بت تخشى أن يزلزل عرشك مهما فعلت لتمويل الثورة المضادة علك تبقى حتى لو صارت بلادك احوازا جديدة.

تلك هي العلل التي تجعلني أحجم عن التعليق المباشر على ماجرى في تركيا :
فما يجري في تركيا هو ما تسعى إليه الثورة.
وهو بات بعيدا لأنه بات مشروطا بمعركتين :

  • معركة التحرر من الاستبداد والفساد في الداخل
  • ومعركة التحرير من الاستضعاف والاستتباع في الخارج.

والمعركتان متوالجتان لأن من يستضعفك ليستتبعك يحقق ذلك بمن يستبد بك ليفسد في الارض محتميا به وبذراعيه إيران وإسرائيل.
والمثالان ماثلان أما الأبصار والبصائر : سوريا ومصر.
وختاما فالشباب بجنسيه فهم أن ما يجري في تركيا يقتضي الثورتين على الاستبداد والفساد والاستضعاف والاستتباع.
لذلك فالموجة الحالية من الثورة هي أشبه بالموجة الأولى من ثورة النشأة :
عدنا إلى المعركة الأولى التي دخلنا بها إلى التاريخ الكوني.
وهذه المعركة لأنها معركة كونية لا بد أن تكون ضد أعداء الإنسانية وليس ضد أعدائنا فحسب :
فالآية 60 من الأنفال تتكلم على أعدائنا وأعداء الله.
وهؤلاء هم أعداء الإنسانية لأن الله لا يستطيع أحد معادته إلا في خليفته.
نحن اليوم نخوض معركة كونية تهدف إلى تحرير الإنسانية فينا بوصفنا مكلفين بالشهادة على العالمين بمعنى ممثلين للرسالة الخاتمة التي هي تحقيق مضمون الآية الأولى من النساء (الاخوة البشرية) بقيم الآية الثالثة عشرة من الحجرات (المساواة بين البشر لأن التفاضل الوحيد بينهم هو بالتقوى لا بالعنصر ولا بالطبقة).


العرب والإنتخابات التركية
أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg


يرجى تثبيت الخطوط
أندلس Andalus و أحد SC_OUHOUD
ونوال MO_Nawel ودبي SC_DUBAI
واليرموك SC_ALYERMOOK وشرجح SC_SHARJAH
وصقال مجلة Sakkal Majalla وعربي تقليدي Traditional Arabic
بالإمكان التوجه إلى موقع تحميل الخطوط العربية
http://www.arfonts.net/


Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s