فلسطين بين منطق القتال ومنطق الجدال – أبو يعرب المرزوقي

فلسطين بين منطق القتال ومنطق الجدال
أبو يعرب المرزوقي

تونس في 06 . 01 . 1437 – 20 . 10 . 2015


Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n


لتحميل المقال أو قراءته في صيغة و-ن-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل النص




كتبت أمس عن الانتفاضة الفلسطينية الحالية من منظور منزلتها في الحروب الخمس التي شرحت دلالتها لأحدد موقعها منها بكونها الدوار منبعا ومصبا.
وكان الهدف التحضير لبيان الاستراتيجية التي تجعل الدوار قادرا على الصمود ليكون القلب النابض لحيوية الأمة.
وقد ترددت في الكتابة في هذا المدخل الثاني.
لكني أقدمت رغم علمي بأنه قد يعتبر نشازا في السياق الحالي وإن عبر عن موقفي الدائم من طبيعة المقاومة الفلسطينية وكيف ينبغي أن تكون من منظورين نظري وعملي.
وبيت القصيد هو محاولة فهم هذه المسألة: لماذا نصرّ نحن العرب على تطبيق المنطق حيث لا محل له ونرفضه حيث لا بد منه : إما مقاومة عنيفة وإما دبلوماسية لطيفة.
فهذا المنطق الذي يعتبر العمل السياسي خاضعا لعدم التناقض وللثالث المرفوع دليل سذاجة سياسية لم أر لها مثيلا فضلا عما تؤدي إليه من تبادل التهم بين الأطراف المشاركة في العملية فتصبح المعركة بينهم بديلا من أن تبقى مع العدو.
لكأني بالساسة وخاصة بالمعلقين الذين لم أر أكثر منهم حمقا في مزايداتهم على وطنية المقاومين بالقول (الدبلوماسية) وبالفعل (المقاومة).
فجلهم لم يقرأوا مبدأ عدم التأثيم الخلدوني في فهم جدل التعدد السياسي إلى حد التناقض الصريح: فمنطق إما القتال أو الدبلوماسية يؤدي إلى تهمة الخيانة المتبادلة بين الصفين.
لما نجحت حماس في الانتخابات قبل الانقسام تحدثت مع قادتها في المهجر -في دمشق وفي طهران وفي الرياض- ونصحتهم بالاقتصار على السلطة التشريعية.
وكررت ذلك بعد الانقسام وخاصة خلال محاولات المصالحة في تونس وفي الدوحة لما لقيت قيادات حماس العليا.
وكانت حجتي مضاعفة:

  • فالسلطة التنفيذية تقتضي التعامل مع العدو يوميا وهو ما يؤدي ضرورة إلى الاعتراف به في حين أن السلطة التشريعية تحررهم من عبء الاعتراف وتمكنهم من المشاركة في القرارات المصيرية قبولا ورفضا تشريعيين.
  • والحجة الثانية هي أن عدم التعامل مع العدو عندما تكون في التنفيذ يعني إهمال المصالح الضرورية للشعب الفلسطيني الذي سيحاصر مع الحركة. وهو ما يضعف القدرة على الصمود لأنه يقتضي أن يكون الجميع أبطال وهذا ممتنع عقلا وتكليف بما لا يستطاع شعبيا. فيكون من أسباب ضعف الحركة والمقاومة.

وإذن فالجامع بين الحجتين هو طلب شروط الصمود في مستوى المقاومة وفي مستوى الشعب.
وكلاهما يحتاج إلى رفض العدو بالأفعال وقبوله بالأقوال كما يفعل هو رغم أنه يمكن أن يعتبر في غنى عن الخداع اللفظي لقدرته على الحسم العسكري.
ومع حفظ الألقاب فإني صرت مقتنعا بأن رفض الازدواجية الضرورية في كل فعل سياسي مبني على خطة ليس دليل صدق وإخلاص بل هو دليل سذاجة سياسة أو مناكفة داخلية تؤول إلى تبادل التهم بالخيانة والاقتتال الداخلي بدل التفرغ للعدو.
فالاستراتيجية السياسية في كل حركات التحرر التي نجحت جمعت بين مستويين للمقاومة كلاهما مضاعف: خطة تستعمل

  • مستويي القول
  • ومستويي الفعل.

والصفوف الأربعة تكون متحدة في صف يقود المقاومة ويوحد الشعب هو الجهاز العصبي للمقاومة التي لها استراتيجية ذكية.
فالاستراتيجية تجعل القول ذا مستويين علني وسري.
ومن ثم فطبيعة الدبلوماسية مزدوجة حتما : علنية وسرية .
كما تجعل الفعل ذا مستويين سلمي وقتالي.
ومن ثم فطبيعة المقاومة مزدوجة حتما : علنية وسرية.
والأربعة هي أبعاد المقاومة ذات الاستراتيجية الناجحة.
أما إذا خون صاحب الفعل صاحب القول فمعنى ذلك ان الأمر لم يعد متعلقا بحرب تحرير ذات استراتيجية بل هي حرب على الزماعة وقد تنقلب إلى تجارة بالقضية في ظرف كثرت الإرادات التي تستعمل القضية ورقة لتحقيق اجنداتها الخفية وخاصة إيران وعملائها من الأنظمة والحركات العربية.
وأفسد الخطط الخطة التي تجعل الهدف ليس التقدم في علاج المشكل المطروح بل التظاهر بالبطولات وتخوين كل اجتهاد يرد على خبث العدو ودعواه المسالمة بما يفضحها إذ يضعها موضع الاختبار.
لذلك فكل من ينازع في الدبلوماسية ويعتبر المقاومة بديلا يغني عنها سخيف: لا بد منها بمستوييها مع المقاومة بمستوييها.
ولا شيء يستفزني أكثر من العموميات المبدئية السخيفة: مثل ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.
هذه حقيقة يراد بها الباطل بسبب المضمر فيها واستغفال الشعوب التي خضعت لعنتريات من يزعم رمي إسرائيل في البحر فهزمته في خمس دقائق.
المضمر في هذه الحكمة السخيفة تقتصر على معنى بدائي للقوة.
لم يعرف التاريخ الإنساني حركة مقاومة اقتصرت على القتال.
العدو لا بد أن يهزم خلقيا أولا. والهزيمة الخلقية تبين أنه حائز وليس مالكا أي إن ما بيده ليس له : وتلك هي المعركة الخلقية والقانونية.
وهذا المبدأ يزداد قوة عندما يكون عدوك مستمدا قوته الأساسية من أزمة ضمير غربي تعطيه هوامش كبيرة للمناورة على السجل الخلقي والتباكي.
وإذا نجحت في التشكيك في شرعية الحوز أصبح الكلام يدور حول حق الملكية لمن يعود.
ويكفي أن يعترف لك ولو بنصفها كبداية لأن ذلك يجعل العدو يفقد الحق الذي يدعيه على الأقل نصفه.
فإذا أضفت أن السياق الأقليمي والدولي جعل من اليسير الخلط بين المقاومة والإرهاب وخاصة عند الانظمة العربية المستبدة بات الحذر واجبا.
وهو ما حذرت منه منذ حادثة سبتمبر الخرقاء في ذروة انتفاضة الأقصى بعد زيارة المجرم شارون.
وإذا أضفت أن الاستراتيجية الفلسطينية ينبغي أن تكون أيضا معتمدة على حرب المطاولة حتى يهدم العدو نفسه بنفسه من خلال حمق متطرفيه خاصة فإن العمل على توريط متطرفيه من أهم وسائل فضحه والتشكيك في مزاعمه الخلقية.
فحرب المطاولة صالحة لعلتين:

  • حتى يتمكن السلاح الديموغرافي من تحقيق أثره
  • وحتى يتعب المستوطنون من النزيف المستمر قطرة قطرة فيغادروا.

فالهدف هو جعل إسرائيل تذوب بأقل كلفة.
وكل هذا يقتضي أن تكون الخطة أذكى من خطة العدو: لكن إذا أنت خونت بورقيبة (الذي اراد استعمال القانون الدولي للحد من سرطان إسرائيل) وخونت ياسر عرفات (الذي أعاد المقاومة إلى الارض) وخونت عباس (الذي فرض الاعتراف الدولي) وخونت فتح (التي تمثل الإرادة الفلسطينية) لم يعد هدفك النجاح بحق بل المزايدة لخدمة أجندات لا تتحكم فيها.
مثل هذا السلوك يجعلك تريد الاستفراد بالساحة وقد يؤيد ذلك سعيك السري لاعتراف العدو بك بديلا من كل من عداك وفي ذلك تحقيق لمصلحة العدو لأن الانقسام الفلسطيني أهم أدوات تمييع القضية.
وهذا يشككني في القصد رغم البطولة.
فإذا كان العدو -الذي نعلم ما لديه من قوة مادية ومن تأييد غربي- يتظاهر بطلب السلم ويعمل العكس فلست أدري ما الذي يضير المقاومة أن تكذب مثله وأن تطبق سياسة الصفوف الأربعة المتحدة (الدبلوماسية المضاعفة والمقاومة المضاعفة).
المقاومة ينبغي أن تكون في آن مدنية ومسلحة.
والكلام الدبلوماسي يؤكد على الأولى والفعل المقاوم يؤكد على الثانية.
وذلك هو ما يجعل الدبلوماسية والمقاومة أكثر فاعلية.
أما العنتريات التي لا تجمع هذه المستويات الأربعة (إثنان مقاومة واثنان دبلوماسية) فهي قد تحقق في مناخ كالذي نحن فيه حلم إسرائيل : اقناع العالم بأن التعايش ليس ممكنا ومن ثم فتح الباب للترنسفار.
ففي ظرف الأمة كلها مستهدفة فيه وخاصة في الهلال والخليج يمكن لإسرائيل ومعها الغرب أن تتقدم بحل الترانسفار بحجة أن التعايش بات ممتنعا : خاصة وهم يحاولون إعادة تشكيل الاقليم واستعادة الامبراطوريتين الفارسية واليهودية على حساب السنة العربية وحتى التركية.
فإذا كان بجوارك السيسي وبشار وإيران وحزب الله وكان سعي الغرب حسم خطته للإقليم فأنت معرض لكل ما يلائم هذه الخطة العامة إذا لم تحذر.
لذلك فاليوم فلسطين بحاجة أكثر من أي وقت آخر للدهاء والصبر حتى تمر الزوبعة الإقليمية في الشام.
وحتى لا أطيل: فعيب حركات التحرير وخاصة عندما تغلب عليها “الدروشة” والمزايدات بين الحركات المتنافسة على التظاهر بالعنتريات (عذرا) هو أنها تخلط بين منطق الجدال ومنطق القتال.
وهما منطقان متقابلان.
والعدو وموظفو القضية يمكن أن يخلقوا بجانبك من يدعي البطولة أكثر منك وهو صنيعة مخابرات إسرائيل وإيران وحتى دحلان.

  • في الجدال نطبق منطق عدم التناقض والثالث المرفوع لتبكيت العدو.
  • في القتال لا وجود لثالث مرفوع: أقاتل واجادل وأهادن وأكر وأفر وأربح الوقت: الحرب حيلة.

حينها لا يكون التبكيت المنطقي هدفا بل النصر العسكري.
في البداية رضيت إسرائيل بالقسمة أي بأقل من نصف فلسطين ثم بالقضم المتدرج مع التباكي بأنها مهددة بالإفناء من أصحاب العنتريات المعلومين ابتلعت جل فلسطين.
وإذا واصلت الحركات التناكف فإنها ستقضي على البقية الباقية.
فلا تواصلوا وخاصة في الظرف الحالي ما قد يزيل أهم ما تحقق للفلسطيين ديموغرافيا ودبلوماسيا: حافظوا على ذلك وحققوا شروط مداومة المقاومة
فمجرد الصمود والبقاء انتصار في ظرف كادت كل قوى الأمة تتحول إلى فتات.
كلما سمعت التخوين المتبادل بين الفلسطينين شككت في نضج الثوار والقيادات وتأكد لي أنهم يجهلون أن الحرب بين القوي والضعيف سرها الصمود والمناورة وهو معنى الكر والفر والمراوحة بين القول والفعل لربح الوقت وتيئيس العدو بالجرح النازف.
وسر الصمود -حتى في الحرب بين الدول- هو الكر والفر أو تجنب الصدام الطويل بل تقطيع الوقت: فأي حرب لا يتجاوز الصدام فيها عشر مدتها لا غير.
ومن لم يفهم ذلك يمكن أن يحول حماسته إلى سلاح بيد العدو.
من دون ذلك تفقد المقاومة شرط الصمود وتمكن العدو من الحسم السريع في حين أن الأمر هو حرب أعصاب وصبر ومعركة خلقية قبل العسكرية في القناعات.
إذا استطعت دفع رأي العدو العام إلى الملل من المعركة تكون قد حققت نصف الانتصار.
ولا تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا راوحت بين القتال والجدال مقاومة وكلام.
باللغة الشعبية التونسية: “لعبة الحذق والسفاهة” مع العدو.
لا بد من تقاسم الأدوار بين القول والفعل بمستويي كل منهما: من يمثل الدبلوماسي العلني والخفي ومثلهما للمقاومة.
أعلم أن الكثير من المتعنترين سيعتبر كلامي هذا انهزاميا لأنه يعنى بالمظاهر ولا يفهم سر البواطن.
وهم معذورون لأنهم لا يعرفون حقيقة الفكر الغربي ويتعاملون معه بمنطق الفروسية الساذجة لا الحكيمة.
أنت تحارب أشر خلق الله وأخبثهم.
وقد تكلمت أمس على ما يسميه ابن خلدون بـ”الخرج” أي الخبث والكيد.
فإذا أنت تعاملت بأخلاق الاشراف مع من لا شرف لهم ضعت.
لا أعني أنه عليك أن تكون مثله بل عليك أن تتوقى ما يصدر عن مثله: وتوقي الشر والخبث يقتضي المكر الخير الذي هو استراتيجية ترد كيد العدو.
ومن دون ذلك يصبح الأشرار سادة العالم.
العدو يستعمل سياسة القضم المتدرج والتظلم بإظهار عنتريات من فرضت عليهم -ليس هم وحدهم بل كل العرب المقاومين من المحيط إلى الخليج- صورة البرابرة والوحوش.
وطبعا فهذه الصورة الأعداء هم الذين صنعوا من يؤكدها ويوطدها يوميا بأفضل طرق العرض السينمائي للبشاعات والجرائم التي لا مثيل لها ولا تقدم القضية: لذلك فكل مقاومة شريفة خلقوا بجانبها داعش لتهديمها خلقيا وماديا.
فلا تمكنوا العدو من إلصاق هذه التهم بالمقاومة الفلسطينية وهذا بات شديد الإمكان لأن الكثير من العملاء العرب باتوا يؤيدون هذه الصورة : يكفي أن تقرأوا إعلام بعض الأنظمة وآراء بعض الحمقى من النخب المغتربة.
أما ما أقصده بالتقابل بين المنطقين الجدال أو الدبلوماسية والقتال أو المقاومة فيتمثل في تعارض مستوييهما وفي خضوع الأول لمبدء المنطق ثنائي القيمة وتحرر الثاني منه.

  • فالدبلوماسية أو مجال الأقوال ظاهرها عنيف وباطنها لطيف.
  • والمقاومة أو مجال الأفعال ظاهرها لطيف وباطنها عنيف.

وتلك هي شروط المناورة السياسية في كل صراع بين البشر.
أما خضوع مجال الأقوال الدبلوماسي لمبادئ المنطق ثنائي القيمة فهو بمعنى الحجة التي تتردد بين الإثبات والنفي ولا تقبل بالثالث الذي ينبغي أن يكون مرفوعا.
فالحرب لا تقطع التواصل بين المتحاربين مهما احتدت لحاجتها إلى الهدن إذ هي تراوح دائما بين المعارك والاستعداد لها قبلها ومهلة هضم نتائجها بعدها والاختبار المتبادل حول كلفة مواصلتها بين العدوين : وذلك هو جوهر الدبلوماسية في الحروب.
وإذا كانت استراتيجية المقاومة هي تبكيت العدو أمام رأيه العام والرأي العام الدولي وربح الوقت في استراتيجية الحرب الديموغرافية وفرض الملل على شعبه وخاصة شبابه بحرب أعصاب تقتل الصبر فتنفره فإن دور الدبلوماسية يصبح جوهريا.
أما التركيز على القتال وحده مع شعب حجته الأساسية أنه هرب من الاضطهاد مع عالم غربي يعاني من عقدة الهولوكست فهو انتحار لأنه يعطي للعدو كل الحجج التي يحتاج إليها لتجنب تبعات الاستراتيجية التي تعتمد على طول النفس والصبر الذي لا يطيقه.
ولما كان له الإمكانية المادية للحسم ولا يمنعه إلا عدم توفر المناخ الدولي الملائم لذلك فإن كل سعي لمده به يعد جوهر الخيانة : ينبغي أن يبقى محجوجا بالقوة المضادة للقوة المادية مع عدم التخلي عنها كرديف للقوة المعنوية التي لا ينبغي تمكينه من تشويهها في ظرف اقليمي ييسر عليه ذلك.
ولما كانت المقاومة قد جمعت بين البعدين الظاهر المدني والباطن المسلح فينبغي أن يترادف الوجهان بالتداول وأن يركز الكلام على الدعاية للأولى مع مواصلة الفعل بالثانية وأن تكون الدبلوماسية عاملة بالمستويين العلني المهادن والسري المقاوم.
ذلك أن إفقاد العدو الحجج في رأيه العام وفي الراي العام الدولي يحتاج للمستوى العلني المهادن مع المقاومة المدنية في حين أن الرأي العام الذاتي يحتاج إلى المستوى السري المقاوم مع المقاومة المسلحة.
وذلك هو معنى أن القتال بخلاف الجدال لا يقبل بمنطق عدم التناقض والثالث المرفوع بل لا بد له من التناقض بين المستويين لأن السياسة بالجوهر مزدوجة بين الخطاب والفعل ثم في الخطاب وفي الفعل إذ هي استراتيجة تحقيق النصر بخداع العدو ما أمكن ذلك ومخادعة شعبه خاصة لأن الشعوب تريد الركون إلى السلم والراحة.
والخطة بعيدة النظر تتمثل في تحقيق هدفين :

  • الأول اعطاء الوقت للوقت حتى تحقق الديموغرافيا مفعولها
  • والثاني اعطاء الوقت للوقت حتى يعال صبر الشباب الاسرائيلي من الحفز الدائم في وضع غير مستقر يجعله يفضل الهجرة لعيش حياة هادئة.

ما كنا لنلجأ لهذه الاستراتيجية لو كانت نسب القوة معكوسة أي لو كنا نحن الأقوى. لو كان ذلك كذلك لحسم الأمر عسكريا.
وهذا مستحيل الآن لعلتين بينتين لكل ذي بصيرة.
وعدم الاعتراف بهاتين العلتين هو الذي مكن الأنظمة الدكتاتورية والخيانة الإيرانية ومليشياتها باستعمال العنتريات لتخدير الشعب العربي حتى بات لا يفهم ما يجري في العالم.
فالغرب الذي يحتاج إلى إسرائيل قاعدة متقدمة للسيطرة على الأقليم والذي يعاني في آن من عقدة الهولوكوست لن يتخلى عنها إلا عندما تصبح الكلفة المادية والخلقية غير قابلة للتحمل : وتلك هي الغاية من استراتيجية المطاولة.
فغاية الخطة وحرب المطاولة هي وضع إسرائيل في وضعية جنوب افريقيا. وهذا ممكن بل هو الممكن الوحيد.
والانقسام الفلسطيني وسياسة إما الحرب أو الدبلوماسية هما ما يمكن أن يحول دون هذه الاستراتيجية وتحقيق الهدف.
وهذا الانقسام كلا الصفين مسؤول عنه :

  • جماعة الضفة استحلوا العيش على الصدقات فباتوا ميالين للاستسلام غير المحسوب والتخلي شبه النهائي عن المقاومة.
  • وجماعة غزة استحلوا التعريف السلبي لذواتهم بالمقابلة مع الجماعة الأولى فجعلوا من المناكفة معها هدفا حتى باتوا ورقة في يد إيران التي توظف كل شيء.

ولهذه العلة كان رأيي حتى قبل أن يحصل الانقسام الفعلي واستقلال غزة عن كل وصل مع الضفة ألا تشارك المقاومة في الحكومة وأن تبقى في التشريعي فحسب : وقد نصحت بذلك القيادات العليا التي في المهجر.
ويمكن للخلافات بين الحركات أن تكون أداة ضغط على العدو ومساعديه في العملية الدبلوماسية تماما كما يفعل العدو عندما يفاوض لا أن تبقى أداة ضغط له علينا.
لكن ذلك يقتضي تقسيم العمل على الأقل سرا بين الحركات والحد من عددها لأن كثرتها تولد المزايدات بينها وتجعل القضية تجارة لدى موظيفها من القوى الاقليمية.
وظني أن فتح وحماس هما المخلصتان دون سواهما لأن الحركات الأخرى للتنغيص عليهما لا غير وهي هامشية عددا وعدة ووزنا.
والمبدأ العام في كل حركات المقاومة هو أن الانقسام يمكن أن يكون مفهوما في البداية قبل توحد الهدف والاستراتيجية وفي الغاية عند تقاسم السلطة قبيل التحرير أي قبل استقرار المقاومة وقبيل حصول الزبدة.
والمقاومة بانقسامها خارج هذين الوجهين أي في ذروة التأرجح وفي لحظة الاعتراف الدولي بها قد تؤخر الزبدة فتنكص بالمقاومة إلى نقطة الصفر وتمكن العدو من فرص ضربها المؤيد اقليميا وعالميا.
وقد نصحت بهذه الخطة مباشرة بعد حصول حادثة الحادي عشر من سبتمر التي اعتبرتها فرصة إسرائيل الذهبية لفرض صفة الإرهاب على المقاومة الفلسطينية.
لذلك كتبت مقالا داعيا المرحوم عرفات إلى إيقاف انتقاضة الأقصى حينها وتحويلها إلى انتقاضة مدنية بإطلاق والتخفيف ولو لحين من الوجه العنيف.
فالمطلوب هو تفويت الفرصة على اسرائيل التي كانت تبحث عن طريقة لمنع الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية.
واليوم فرصتها تضاعفت لأن الأنظمة العربية جلها إن لم تكن كلها مستعدة لاتهام الجميع بالإرهاب حتى تحافظ على كراسيها.
وما أظن القراء بغافلين عن آراء الكثير من طبالة هذه الأنظمة الذين يعتبرون إسرائيل صديقة وحماس عدوة والذين هم مستعدون لاعتبار اسرائيل شقيقة والعرب الآخرين إرهابيين.
وأخيرا فإني اعتقد أن أي فلسطيني يصدق بروباغندا إيران ليس إلا عميلا يجعل فلسطين ورقة إيرانية ولا يختلف عن حزب زمارة وأنه تاجر بالقضية وليس مقاوما.
ذلك رايي لأني أعلم المقاومة كيف تكون إذ عايشت المقاومتين التونسية والجزائرية وأفهم معنى الجهاد لوجه الله ماذا يعني.


فلسطين بين منطق القتال ومنطق الجدال
أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg


يرجى تثبيت الخطوط
أندلس Andalus و أحد SC_OUHOUD
ونوال MO_Nawel ودبي SC_DUBAI
واليرموك SC_ALYERMOOK وشرجح SC_SHARJAH
وصقال مجلة Sakkal Majalla وعربي تقليدي Traditional Arabic
بالإمكان التوجه إلى موقع تحميل الخطوط العربية
http://www.arfonts.net/


Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s