معوقات مشروع الاستئناف – الجزء 04 من 05 – أبو يعرب المرزوقي

معوقات مشروع الاستئناف
الجزء 04 من 05

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 27 . 12 . 1436 – 11 . 10 . 2015


Abou Yaareb thumbnail10887995_1525505701060696_441681945_n


لتحميل المقال أو قراءته في صيغة و-ن-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل النص




تمهيد

بينا طبيعة العلتين الحائلتين دون التلقي اليسير وما يترتب عليه من اتهام صاحب النص بعسر التبليغ : الرؤية الجديدة والحبكة المنطقية المعقدة.
لكن عسر التلقي غالبا ما يعلل برده إما لعجز بلاغي لدى المرسل إذا كان لنصه مضمون حقيقي أو بتحيل منه لإخفاء فراغ المضمون.
وهما تهمتان يلمح إليهما البعض في شكل فرضي حول نصوصي.
والقصور البلاغي ليس مستبعدا كما أن تغطية الفراغ بالغموض ممكن.
لكن التفسير بالنوايا من أسرار النفس التي لا يعلمها حتى صاحبها.
ولما كان قلب الحجج ممكن فإن اللجوء إليه من علامات الهروب من الذهاب إلى غاية الإشكالية.
حاشا أن أصف القارئ لا بالعجز عن الفهم أو بنقصان عدة القراءة.
سأحاول البحث عن تفسير موضوعي يتجاوز المؤلف والقارئ.
فالأمر يرجع إلى ما ترتب على معركة أفسدت مناخ التواصل في لحظتنا.
إنها المعركة الدائرة بين نوعين من نخب أدخلت الفكر في صراع دونكيخوتي بين دعاة التأصيل ودعاة التحديث الزائفين : التأصيل والتحديث بقشور الحضارتين العربية والغربية.
فهذا الصراع الدونكيخوتي يشغب على الأذهان فيحول دون التمييز بين المقصود وراء طلب المنشود.
وكل محاولة للخروج من هذا المناخ الفكري يبدو غير معتاد خاصة إذا توسل منهجا محايدا هو المشترك بين البشر جميعا : البحث عن البنى المنطقية للإشكاليات موضوع النقاش.
وحتى نتقدم في فهم الظاهرة والتردي الذي آل إليه الفكر في لحظتنا الراهنة سأتكلم في الجزء الرابع من المحاولة بصورة نسقية لا يمكن منها التغريد.
لا بد أن يتخذ العلاج شكل مقال نسقي بين الحبكة المنطقية ومستويات العلاج.
سأحاول تقديم تصنيف أعمق للنخب العربية بمعيار كوني ينطبق على كل النخب في العالم ولا يقتصر على العرب لكونه وظيفيا مع فارق كيفي يتعلق بتحقيق انطباق الاسم على المسمى أو عدمه.
فالمسألة لا علاقة لها لا بخاصيات العرب العرقية ولا بخاصيات ثقافية لحضارتهم. إنما هي حصيلة الانحطاطين -انحطاط المتداول من حضارتنا لدى دعاة التأصيل وانحطاط المتداول من حضارة الغرب لدى دعاة التحديث- والوضع المترتب عليهما في لحظتنا الراهنة.
فالنخب في العالم كله وفي أي جماعة وحضارة قابلة للتصنيف النسقي الجامع والمانع.
إنها لا يمكن أن تكون إلا واحدة من الأصناف التالية التي ينقسم إليها جنس وظائف الفكر سواء كانت نظرية أو عملية : إذ إن الانتخاب يتعلق بالوظائف التي تحتاج إليها الجماعة وتنتخب من أجلها من يقودها قيادة فرض الكفاية.
وكل واحدة من هذه النخب مترددة بين حالتين قصويين :

  • حال النخبة الحرة والكريمة بفضل إبداعيها المادي والرمزي فتكون نخبة مالئة لوظائفها بالفعل.
  • وحال النخبة التي فقدت الحرية والكرامة بسبب انعدام إبداعها المادي والرمزي فتكون مجرد أسم بلا مسمى.

ولما كان تطابق الاسم والمسمى درجات فإنه يوجد بين الحدين الأقصيين درجات لا تكاد تتناهي هي مسار تحقق المسمى أو في مسار النكوص عن تحقيقه أي مسار تحقيق النخبة لوظيفتها بما توجبه تلك الوظيفة التي تستمد اسمها منها أو مسار عدم تحقيقها لوظيفتها بنفس الشروط.
وهذا بين في كل عمل : فليس كل الأطباء أطباء ولا كل الأساتذة أساتذة ولا كل العلماء علماء.

  • وتلك هي درجات التطابق ودرجات عدمه بين الاسم والمسمى.
  • وتلك هي معايير الانتخاب التي هي من جنس معايير السوق المحددة لنفاق البضائع والخدمات إذ إن كل الوظائف تقدر بما تنتجه للجماعة من بضائع وخدمات مباشرة (عملية) أو غير مباشرة (نظرية).

تصنيف النخب

تنقسم النخب إلى خمسة اصناف خامسها هو جنسها في آن.
فالجنس له منزلة مضاعفة مثل الأربعة الأولى وهو في آن جنسها وأصلها جميعا. فهو قائم بذاته مثل أي واحد منها.
لكنها لا يمكن أن تفهم إلا بافتراضه أساسا لها متقدم الوجود عليها. فتكون هي وكأنها متفرعة عنه.
ومبدأ التصنيف بالإضافة إلى ما ذكرنا من تصنيف النخب برد وظائفها إلى وظائف الفكر العملي والنظري في سد حاجات الجماعة تمكنت -بهدف التبسيط النظري الذي يظن تعقيدا عند من يرفض التنظير- من ردها إلى مبدأ ابسط هو من أهم النظريات الفلسفية والكلامية حول صفات الذات الإلهية الذاتية.
فالإنسان لا يكون إنسانا بحق إلا بما له من نصيب منها.
وهي إذن صفات نسبية عند الإنسان ومحدوده.
وصفات الذات الإلهية الذاتية التي يجمع عليها الفلاسفة (أرسطو مقالة اللام من الميتافيزيقا) والمتكلمون (الغزالي الذي بين ضرورة إضافة الإرادة) هي :

  1. الإرادة المطلقة (فعال لما يريد).
  2. العلم المطلق (أحاط بكل شيء علما).
  3. القدرة المطلقة (كن فيكون).
  4. الحياة المطلقة (الحي القيوم).
  5. الوجود المطلق (بمعنى الإيجاد والجود).

وجنس النخب الذي تتفرع عنه أصناف نخب الجماعة هو الجامع بين النخب الممثلة لهذه الصفات.
وهي في الجماعة وظائف تتقاسهما النخب بحسب بروز إحدى الصفات في المنتسب إلى أحد الأصناف على بقية الصفات الأخرى :

  • فيكون أولها معبرا عن إرادة الجماعة
  • والثاني عن علمها
  • والثالث عن قدرتها
  • والرابع عن ذوقها
  • والأخير عن وجودها.

وذلك هو شرط القيام بفرض الكفاية رغم أن وجود النصيب منها جميعا شرط في كيان الفرد وهي عليه فرض عين :

الصنف الأول

يعبر الصنف الأول عن إرادة الجماعة أو وظيفة الجلال.
النخبة الممثلة لإرادة الجماعة سواء كان تمثيلها اسميا أو فعليا:

  • هي النخبة الممثلة للقوى السياسية في الجماعة.
  • إنها نخبة السلطة السياسية.

وهي عندنا ذات سلطة اسمية لا فعلية.
الأنظمة القبلية والعسكرية العربية سلطانها استبدادي على الشعب في خدمة مصالح حاميها الأجنبي الذي يمكنها من مصالحها النزواتية على حساب شعب لا تستمد شرعيتها منه.

الصنف الثاني

يعبر الصنف الثاني عن عقل الجماعة أو وظيفة السؤال.
النخبة الممثلة للمعرفة عامة سواء كان تمثيلها اسميا أو فعليا :

  • هي النخبة الممثلة لمجالات الانتاج الرمزي أي العلوم في الجماعة.
  • إنها نخبة السلطة المعرفية.

وهي عندنا اسمية لا فعلية.
فالمعارف التي توجد لديها هي إما تاريخ المعارف العربية الإسلامية الماضية التي لم تعد مؤثرة إلا كتراث نعتز به دون أن نستمد منه شروط البقاء المادي ولا حتى الرمزي أو تاريخ بعض نتف من المعرفة الغربية على الورق لأن الجامعات العربية خالية من شروط البحث العلمي الذي هو لصيق بالاقتصاد والدفاع القويين والمستقلين.
وكلاهما تابع لأدنى ما يوجد حماة الأنظمة الحائلين دون شروط الاستقلال.

الصنف الثالث

يعبر الصنف الثالث عن قدرة الجماعة أو وظيفة الفعال.
النخب الممثلة للقدرة عامة سواء كان التمثيل اسميا أو فعليا :

  • وهي النخبة الممثلة لمجالات الإنتاج المادي أي الاقتصاد في الجماعة.
  • إنها نخبة السلطة الاقتصادية.

وهي عندنا اسمية لا فعلية.
فالاقتصاد الذي يوجد لديها هو إما تجارة بمنتجات الغير -إذن هم مجرد وسطاء توابع- أو فضلات تراثية لم يعد لها دور كبير في قيام الصحة الاقتصادية للجماعة من جنس الصناعات التقليدية غير الراقية للسواح.

الصنف الرابع

يعبر الصنف الرابع عن ذوق الجماعة أو وظيفة الجمال.
النخبة الممثلة للحياة عامة أو للذوق سواء كان التمثيل اسميا أو فعليا :

  • وهي النخبة الممثلة لمجالات الإبداع الفني والجمالي أي الفنون الجميلة.
  • إنها نخبة الفنون الجميلة.

وهي عندنا إسمية.
فهي لا تتجاوز تقليد الماضي أو تقليد الغرب.
فليس لها إبداع مطلوب في سوق الإبداع العالمي لأن منتجها نسخ باهتة ومتخلفة من أدنى درجاته في كل الفنون.
ومثله كل الصناعات والمعارف والسياسات السائدة عندنا فهي جميعا تقليدية إما للماضي الأهلي أو للماضي الغربي في أدنى أشكالهما المتخلفة ومن ثم فهي لا تستطيع المنافسة في السوق التي اصبحت عالمية بالجوهر سياسيا وعلميا واقتصاديا وفنيا.

الصنف الخامس

يعبر الصنف الأخير عن روح الجماعة أو وظيفة المتعال:
النخبة الأصل أو التي تمثل الكلام في المتعاليات أو في ما بعد مجالات عمل النخب السابقة بوصفها نخبة المرجعية الجامعة سواء أخذت الطابع الفلسفي أو الطابع الديني.
والطابعان لا يختلفان إلا بالأسلوب المعبر عن إشكالية معاني الوجود ورؤى العالم المتجلية في الإرادة والعلم والقدرة والذوق.
وهي إذن النخبة الممثلة للمرجعية الروحية للجماعة.
وهي عندنا لم تخرج بعد من صراع الانحطاطين اللذين آلا إلى الحرب الأهلية بين كاريكاتورين تاصيلي وتحديثي.

  • فلا الأصيل اصيل إلا بقشور ماضينا.
  • ولا الحديث حديث إلا بقشور ماضي الاستعمار

كلاهما مقلد بليد لقشور تراث تليد لم يفهما روحه فاكتفيا بمظهره.
وأكبر علامات الطابع الكاريكاتوري لهذا الصراع الدال على الانحطاط هو التنافي بين الفلسفة والدين.
فهذا التنافي يدل على أن المتكلم باسم الفلسفة والمتكلم باسم الدين كلاهما لم يفهم جوهر ما يتكلم باسمه.
ذلك أن العلاقة بينهما هي عين العلاقة بين الوجدان (الدين) والفرقان(الفلسفة) اللذين اتحدا في القرآن.

  • فالدين هو الفطرة.
  • والفلسفة هي الوعي بالفطرة.
  • والعلاقة بينهما هي موضوعنا هنا

الدين يقدم التلقي عن تجلي الفطرة وجدانيا. والفلسفة تقدم التلقي عن تجلي الفطرة فرقانيا.
وإذن فكلاهما تلق يصغي للوجود الذي يتدفق في الكيان الحر بوصفه المنشود خلال التسامي نحو فهم آيات المعبود في الآفاق وفي الأنفس.

التشخيص

إن المقابلة بين الاسمي والفعلي هي التي تحدد طبيعة الأزمة التي تعاني منها لحظتنا التاريخية.
فغلبة الطابع الاسمي من دون المسمى على نخب السنة العربية يجعل العرب ألعوبة بيد سلط اسمية في الداخل لا تمثل سلطانا على مجالها.
لذلك فسلطانها وهمي على خيال شعبها.
أما السلطان الفعلي فهو بيد سيدها الذي سلطها عليه.

  • فلا السياسي ينتج مؤسسات وتشريعات للإرادة الحرة.
  • ولا المعرفي ينتج معرفة مبدعة.
  • ولا الاقتصادي ينتج ثروة للقدرة.
  • ولا الفني يبدع فنا للذوق.
  • ولا الوجودي يبرز رؤى معبرة عن الكيان بل هو يسرد روايات عن رؤى دون بصر ولا بصيرة سواء كان تأصيليا أو تحديثيا : كلها طواحين تجعجع بلا طحين.

ممثل الإرادة أو السياسي

فممثل الإرادة أو السياسي لا يمكن أن تكون له إرادة لأنه لا يمثل شعبه بل يمثل من يستعمر شعبه. وهو لا يوجد حيث هو إلا لأنه يقبل أن يقبض رشوة على هذه الخدمة. والرشوة هي تركه يفعل بشعبه ما يريد.
وتلك هي لذة الحكم عند العرب الحاليين الذين عادوا إلى الجاهلية حيث كان الحكم عندهم يقاس بعبارة من أجاب سائله عن صديق : تركته يظلم وحده.

ممثل المعرفة أو العالم

وممثل المعرفة أو العالم لا يمكن أن يكون له علم. إنه مجرد راو بلا دراية إذ هو لا يبدع في المستوى الرمزي نظريا كان أو عمليا بل يكتفي بترديد ما وصل إلى علمه من الموجود المعرفي الذي يبقى كلاميا.
ذلك أن العلم الحديث يشترط إمكانات لسد حاجات الحماية (الدفاع) والرعاية ( الاقتصاد) ليست في متناول أي بلد عربي مهما باع من زيت لأنه تابع في الحماية والرعاية ومفروض عليه استيراد ما يكفي منهما لحماية النظام من الجماعة لا لحماية الجماعة من الأعداء الذين يحمون استبداد النظام بالجماعة وفساده.

ممثل القدرة أو الاقتصادي

وممثل القدرة أو الاقتصادي هو في الغالب من توابع المافية الحاكمة ومن أقربائها أو من زبائنها أو من خدمها.
الاقتصادي العربي لا ينتج الثروة للجماعة بل يستغل ثروة الجماعة ويسهم في تبديدها من أجل نزواتهم ومصالحهم هم والحكام. وكل ادخار يتبخر لأنه يذهب إلى بنوك الغرب أو إلى الاستثمار فيه مع شيء من رشوة المتنفذين في الشعب حتي يسكتوا الشعب سواء كان المتنفذون ممثلين لمن يمكن أن يعارض باسم الدين أو باسم السياسة.

ممثل الحياة أو الذوق

وممثل الحياة أو الذوق لا صلة له بحياة الجماعة أو بذوقها بل هو يكتفي بما يعتبر لدى المتنفذين عين الذوق المستورد إما من الماضي الأهلي أو من الماضي الغربي أي قشور الذوق الأهلي والاجنبي ما يحول الفن إما إلى إيديولوجيا أو إلى ترف منحط لا يبدع قيما ولا ذوقا.
ويكفي النظر في الإبداع السينمائي والمسرحي والموسيقي العربي حتى ترى نسخا وتقليدا باهتا لا يعبر عن إبداع حقيقي لأنه في الحقيقة لا يعبر إلا على نزوات خدم الأغنياء الجدد الذين هم عوام في كل شيء.

ممثل الوجود

وأخيرا فممثلو الوجود لا يعبرون عن وجود حي يصارع معضلات الحياة الإنسانية ودلالتها.
لذلك فكلما حاول شاب أو شابة التعبير عن معاناته الوجدانية بموقف من الدين كفرتهما النخب الدينية وإذا حاولا التعبير عنها بموقف من الدنيا “كفرتهما” النخب العلمانية.
ذلك أن العبارة الدينية عن المعاناة الوجودية تحولت إلى الوعظ والإرشاد والتخريف باسم الآخرة. والعبارة الفلسفية تحولت إلى نقيض العبارة الدينية والتخريف باسم الدنيا.
وكلاهما يحرض على مقابله.
وتلك هي مصادر الحرب الأهلية وصراع الحضارات الداخلي الذي يتردد بين الإرهابين المادي والرمزي.

التعليل بعد التصنيف والتشخيص

تلك هي حسب تصوري أزمة الحال النخبوية التي أغرقت الجماعة في وحل الفراغ الروحي والفشل المادي ومن ثم في تبعية المستضعف للمستقوي في كل شيء.
والسر كل السر في ما حصل للأحياز الخمسة التي سيطر عليها الأعداء ليحولوا دون التنميتين المادية والروحية للجماعة لتبقى خاضعة للانحطاطين :

  • الانحطاط التأصيلي الزائف
  • والانحطاط التحديثي الزائف.

ومن ثم فلا حل إلا بثورة تحرر الأحياز الخمسة لأنها هي المحدد لما يحصل في إطارها الذي هو بعبارة فلسفية عالم شروط الإمكان لكل علاج لقضايا المكان والزمان وتبادل التأثير بينهما في تحديد شروط حياة الإنسان بما هو منتسب إلى التاريخ الطبيعي والتاريخ المتجاوز له أو التاريخ الروحي.

1-تحرير الجغرافيا العربية

تحرير الجغرافيا العربية بإزالة الجغرافيا التي فرضها الاستعمار وعملاؤه. وقد فرضوها بالحدود الحديدية بين الأقطار العربية.
فهذه الحدود هي الحائلة دون شروط الاستقلال ومن ثم فهي اساس التبعية.
والتحرر منها هو شرط التنمية المادية وشرط شرطها اي التنمية الروحية علميا وعمليا.

2-تحرير التاريخ العربي

تحرير التاريخ العربي بإزالة التاريخ الذي فرضه الاستعمار وعملاؤه. وقد فرضوه ببناء الدول القطرية على إيديولوجيا تجعل ما تقدم على الإسلام (بابلي فرعوني قرطاجني فينيقي) وما يظنونه حاصلا بعده بسبب سياسة الاستعمار والدول القطرية التي أنشأها فصارت تبحث لها عن شرعية مستمدة منه (شمال افريقيا الخليج الهلال النيل القرنان) لأنه عندهم انتهى.
اساس فصل القطر عن الجماعة وجعله أمة بديلا من الأمة هو القضاء على التاريخ المشترك وتعويضه بتاريخ متقدم عليه أو مزعوم متأخر عنه.

نتائج التحريرين

واستعادة وحدة التاريخ هي شرط التنمية الروحية وشرط شرطها لأي التنمية المادية بمقتضى منطق العصر عصر العماليق مكانا وزمانا..
وإذا توفرت شروط التنمية المادية بتحرير الجغرافيا (استعادة وحدة الجغرافيا العربية) والتنمية الروحية بتحرير التاريخ (استعادة وحدة التاريخ العربي) يكون الإنسان العربي قد استرجع ما يسميه ابن خلدون بـ”معاني الإنسانية” أي القدرة على التشريع المادي والتشريع الرمزي (بفضل عدم التبعية في الحماية والرعاية).

3-القدرة على التشريع المادي

فالتشريع المادي هو عين إبداع نمط العيش المادي أي العمران عمارة وتعميرا وسدا للحاجات الأولية والكمالية فيكون الإنسان مقيما في المكان ومراكما لثمرات إبداعه المادي في الزمان. وتلك هي الحضارة المادية.

4-القدرة على التشريع الروحي

والتشريع الروحي هو عين إبداع معاني العيش المادي فيصبح للحياة معنى لأن الإنسان يتحرر من العبودية فيبدع معبرا عن ذوق الحياة ويكون الإبداع الفني معبرا عن العنفوان والنشوة اللذين هما جوهر حيوية الحياة: حرية الابداع القادر على فتح آفاق الإنسان المشرع لذاته وللكون.

5-الكلام على الوجود فلسفيا و دينيا

وحينئذ يصبح الكلام على الوجود وصفا للموجود وتحليلا لثغراته لتحديد المنشود سواء كان المنطلق التشريع المادي أو التشريع الروحي أو كلا التشريعين بغلبة الأول على الفلسفي والثاني على الديني.
لكن كلا التعبيرين يعبر عن الرؤى والوجود لما فيهما من الجمع بين التشريعين حتى وإن اختلفا حول مرتبة الشرف لمن تعود منهما.

العلاج

تلك هي المعاني التي قد تبدو عصية على الفهم لدى الكثير ممن لا صبر لهم على معاناة التفكير الحر انطلاقا من تجربة وجودية حقيقية لا تكتفي بالرواية بل تطلب الدراية والتدبر
فالدراية والتدبر هما جوهر التربية القرآنية بل هما الهدف الأول والأخير من قراءة القرآن الكريم.
وما كنت لأكتب في هذه الأمراض لو لم يكن تشخيصها شرطا في العلاج الذي لا بد منه لتحقيق شروط الاستئناف.
وهذا يعني أن العلاج هو بدوره مخمس مثل مجالات الانتخاب والنخب:

علاج نخب الإرادة

علاج نخب الإرادة أي نخبة السلطة السياسية لا يكون إلا بآخر الدواء أي الكي.
وهو ما نراه يحصل أي الثورة التي ينبغي أن تنتصر على الثورة المضادة مهما كانت الكلفة.
فالأمم لا تتحرر من دون تضحيات.
وهي كلفة مضاعفة : حرب التحرر ضد الاستبداد والفساد في الداخل وحرب التحرير ضد الاستضعاف والاستتباع في الخارج.
وكلتاهما شرط في أخراهما.

علاج نخب العلم

علاج نخب العلم أي نخبة السلطة المعرفية وهذا لا يكون إلا بشرطين مادي ورمزي.
فأما المادي فهو ثمرة الثورة أي ثمرة علاج النخبة السياسية .
وعندها ينتج الشرط الرمزي فيصبح للعلم وللعلماء المكانة التي تجعلهم قاطرة النمو المادي والرمزي للجماعة .
فلا اقتصاد من دون بحث علمي راق ولا بحث علمي راق من دون قدرة مادية تمكن من تمويله أي لا بد من حجم يتجاوز قدرات الأقطار العاجزة عن الحماية والرعاية وهما قاطرتا البحث العلمي وسوق إبداعه.

علاج نخب القدرة

علاج نخب القدرة أي نخب السلطة الاقتصادية. وهذا لا يكون إلا بالعلاجين السابقين لأن أي تنمية اقتصادية لا تكون إلا بنت إرادة سياسية حرة بعلم مبدع يكون فيها للبحث العلمي وتطبيقاته في الحماية والرعاية المقام الأول ويكون العلم هو القائد في كل مجالات حياة الجماعة حتى لا يكون عملها رماية في عماية.

علاج نخب الحياة

علاج نخب الحياة أي نخب السلطة الذوقية. وهذا لا يكون من دون العلاجات الثلاثة السابقة.
فالذوق يعبر عن الإرادة والقدرة والحياة التي هي عنفوان الأحرار والكرام ولذة الوجود المبدع.
فمن لا حرية له لا يكون إبداعه الفني إلا تعبيرا عن العجز الفعلي والتوق الوهمي. فيكون تعبيرا عن التمني وليس عن دفق الحياة الإيجابي.
الفن إن لم يكن تعبيرا عن عنفوان الأحرار ينكص إلى مبكيات العبيد فلا يعبر عن ازدهار الحياة.

علاج نخب الوجود

علاج نخب الوجود أي نخب السلطة الروحية سواء كانت فلسفية أو دينية وهي في الحقيقة دائما جامعة بين الوجهين بنسب مختلفة تقديما للعقل على الوجدان أو العكس.
لكن الإنسان الحر والكريم وجدان عاقل وعقل واجد.
وكل الأمم لها مرجعية روحية تبلغ بعض درجات التعالي : وهو ما ينفي سخف المقابلة بين أمم ذات نصوص وأمم بلا نصوص.
كل الأمم ذات نصوص مرجعية حتى في المرحلة الشفوية لأنها تكون محفوظات لدى شيوخها وحكمائها.
لكن المسلمين لهم سنام التدرج لأنه لا يوجد ما يمكن أن يعلو على القرآن الكريم الذي هو ذروة الفلسفة والدين في آن.
وهذا العلاج مشروط بالعلاجات الأربعة السابقة وشارط لها في آن :

  • فهو مشروط بها كميا
  • وشارط لها كيفيا

منه تستمد نوع روحانيتها ومنها يستمد درجة تحقيق روحانيته ومقداره.


معوقات مشروع الاستئناف
الجزء 04 من 05

أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg


يرجى تثبيت الخطوط
أندلس Andalus و أحد SC_OUHOUD
ونوال MO_Nawel ودبي SC_DUBAI
واليرموك SC_ALYERMOOK وشرجح SC_SHARJAH
وصقال مجلة Sakkal Majalla وعربي تقليدي Traditional Arabic
بالإمكان التوجه إلى موقع تحميل الخطوط العربية
http://www.arfonts.net/


Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s