لماذا عفت السياسة والسياسيين؟ – أبو يعرب المرزوقي

لماذا عفت السياسة والسياسيين؟
أبو يعرب المرزوقي

تونس في 30-08-2015

لتحميل المقال أو قراءته في ص-و-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل النص

مقدمة

إن ما يدعوني للإدلاء بهذه الملاحظات المتعلقة بما جعلني أعاف السياسة والسياسيين -وأعتزلهما بصورة نهائية- هو ما سمعته من مواقف استفزتني -مواقف مقرفة من القانون المقترح باسم المصالحة- ومما يجري لهيئة العدالة والمحاسبة من زعماء سواء ممن كانوا في الحكم في الترويكا أو في المعارضة مع النداء. فهؤلاء جميعا كنت دائما في حواري معهم أحاول جلب انتباههم إلى شيء يقرب مما آلت إليه الأمور اليوم. وأعلم أن اللوم بعد القضاء بدعة كما يقال.
لذلك فلست ألوم عما مضى بل عما يتواصل بنفس الحمق والتطاوس.
فهم قد فعلوا كل ما يستطيعون لإعادة التجمع بشكل أخطر مما كان عليه لما كان مؤلفا من بقايا حزب الدستور وزائدة دودية يمثلها انتهازيو اليساريين والقوميين وبعض وجهاء المجتمع المدني الممول أجنبيا ممن ضمهم ابن علي لتطعيم نظامه مع الإبقاء عليهم توابع وطبالين لتحسين صورته لا غير.
لكنهم اليوم كما سنرى صاروا متبوعين بعد أن خربوا الدولة خلال حكم الترويكا بقوة الاتحاد -التي وصفها أحد قياداته بأنه ماكينا ترحي من يعترضها ويبدو أنها قد ساعدت ماكينة أخرى سترحيها أعني النداء- والفوضى المزعومة ثورية وبعد أن انفرط عقد فضالة الدستوريين إما بالسن أو التوزع على القبائل الحزبية.
ما يقرفني هو أن هؤلاء الزعماء السياسيين أو أدعياء الزعامة المتطاوسين سواء من كان منهم في الترويكا أو في المعارضة نراهم اليوم يتباكون على النتائج ويواصلون نفس السلوك الذي يقتصر على رمي أخطائهم على شماعة النهضة التي يدعون أنها خذلتهم لأنها لم تصطف معهم في وهم المعارضة دون أن يدروا أن المعارضة أيضا صارت بيد اليساريين والقوميين الاستئصاليين كما سأبين بعد التذكير بمنطلقي في حواري مع الطبقة السياسية لما شاركت لسنة في خوض غمار العمل السياسي الذي بت أتقزز منه ومن أهله.

الفرق بين منطق النظر والعمل في السياسة

نظمت الجمعية الدولية للوسطية في تونس ندوة حول الوسطية للدعوة لفكرتها والدعاية لها في آن. فكرة الموقف الذي يسمونه وسطيا ومعتدلا والذي يميع كل شيء من أجل المشاركة في الحكم مهما كانت الكلفة (وهو حسب رأيي ما أفسد الثورة التي سرعان ما أرادوا لها أن تغرق في الانتقال السريع لمهام الدولة).
وكانت لي مداخلة في إحدى جلساتها التي كان رئيسها بالصدفة الأمين العام للجمعية.فلما جاء دوري بدأت بالقول إني معارض للوسطية في النظر رغم أني اعتبرها شرط كل عمل. فانزعج الرجل. وقد أطلت الكلام في تعليل التقابل بين الموقفين النظري والعملي من الوسطية مع بيان ضرورة أن يتقدم الموقف النظري على الموقف العملي من حيث طلب الحقيقة وتحديد استراتيجيات تحقيقها بعد معرفتها حتى لا تكون الثورة عمياء فيتمكن الزعماء من تمرير كل الحلول الانتهازية.
فأفسدت على الرجل ندوته التي تدعو للوسطية وتقوم بالدعاية لها.

الثورة و ترتيب النظر و العمل فيها

وغاية الموقف المتقابل من الوسطية في النظر ومنها في العمل يمكن ردها إلى كون الوسطية لا تتعلق بتحديد غايات العمل بل باستراتيجية تحقيقها :
فالثورة هي التي حددت غايات العمل السياسي وعلى البحث الفكري في المجال العام أن يضع استراتيجية لتحقيق تلك الغايات وأن يحاول السياسيون بالاجتهاد العملي أن يبحثوا عن الوسطية العملية لتحقيقها بتأليف القوى السياسية للعمل المشترك.
ولما كان تحديد الغايات قد تم بعمل شعبي هو في هذه الحالة أهداف الثورة وبتأييد الانتخابات بات العمل النظري مقصورا على وضع الاستراتيجية الذي لا تصلح فيه الوسطية بل لا بد من فحص الفرضيات الممكنة والذهاب في الفحص إلى أقصى الحدود لأن الأمر نظري وليس عمليا. وبات من واجب السياسيين السعي الوسطي لتحقيق الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة. ولهذا دعوت إلى تقديم المصالحة كما وصفتها في محاولة الأمس على المحاسبة لجعل الانتقال الديموقراطي يكون سلميا.
تلك هي الأفكار التي دافعت عنها لدى الصفين الحاكم والمعارض في آن.
حتى إني تطوعت بأن ألقى الأمين العام للاتحاد بإذن من رئيس الحكومة لأقنعه بهذه الرؤية. لكن ذلك كان صيحة في واد. ولهذا تكلمت اليوم على العلل التي جعلتني بالتدريج أعاف الطبقة السياسية في تونس واقرر مغادرة رُكحَ ما بدا لي ناتجا عن قوى خفية تحرك الطبقة السياسية لأني لا أشك في ذكاء السياسيين ولا اعتبرهم غافلين عما كنت أحاول التنبيه إليه.

تذاكي الطبقة السياسية

وقد كنت أشعر أن غالبيتهم كان يقول في نفسه بابتسامة تفيد أنه الأذكى والأكثر خبرة وأنه يسمعني تأدبا لا قناعة: مسكين هذا الرجل إما أنه لا يفقه في ا لسياسة أو أنه ما يزال عائشا في مدينة أفلاطون الفاضلة.
وطبعا كنت اعذرهم إذ لعل الحكمين صحيحان. لكني حكمي عليهم كان أشد ربما لأنه ينطلق مما يعتقدونه حول موقفي : إنهم حسب رايي المتواضع يخونون الأمانة التي كلفهم بها الشعب وأقصد كلا الصفين الترويكا ومعارضيها.

تحليل الوضع الراهن الذي كان يمكن تجنبه

وما دعاني لكتابة هذا الكلام هو ما سمعته من مواقف حول أمرين :

إنقلاب العلاقة بين مقومي التجمع

الاول عام ويتعلق بعودة التجمع مع مكون كان هامشيا فيه -لأن ابن علي كان مسيطرا على الأجهزة- وصار أساسيا أولا لأن هذه السيطرة لم نعد نعرف من صاحبها وثانيا لأن هذا الفريق الذي كان هامشيا انتقل من وضع التابع إلى وضع المتبوع.
وهذا الفريق هو اليسار الاستئصالي -بحلف بين الآن مع الثورة المضادة في الإقليم كله- صار صاحب الأمر والنهي في النداء وهو متحالف مع الجبهة رغم لعبة القطيعة المخادعة. وهي حيلة شديدة الدهاء لا يغفل عنها إلا السذج : فبها يتمكن اليسار من الهيمنة على بعدي السياسة أي الحكم والمعارضة.

الوضع المزري للمعارضة البكماء

الثاني خاص ويتعلق بقبول النهضة الوضع المزري الذي انتهت إليه في التعامل مع هذه الظاهرة التي لم تتحقق إلا لأن الجميع -من داخل الترويكا بمن فيهم من أساء التصرف في النهضة نفسها بالأقوال أو بالأفعال أو بهما معا ومن خارجها- مكن من تحقيق الأمر الأول ففرض اللجوء المضطر للأمر الثاني: موقف النهضة الحالي رغم طابعه المزري هو الحل الوحيد لتجنيب البلاد حمام دم.

إكراهات الوضع السياسي الحالي

والسؤال ليس حول رجحان هذا المآل لو أن النهضة اختارت المعارضة – المآل نراه جاريا في كل بلاد الربيع العربي مشرقا ومغربا مع ما يبدو من غباء وليس دهاء هذه المرة في بقية النخبة السياسية التي ترفض موقف النهضة رغم علمها أنها لا وزن لها في المعارضة.
فهذا الرجحان بين من علامتين :
أولا ما صنع السبسي وجبهته خلال حكم الترويكا وما هم مستعدون لعمله ليس مجرد فرضية بل هم أعلنوا عنه وشرعوا في تطبيقه وبلغو إلى حد القول : وماذا لو أدى ذلك إلى عشرين ألف ضحية؟. ولولا تنازل النهضة وخروجها من الحكم لأخرجوها عنوة بحمام دم خاصة وبعضهم يميز بين الدماء بلونها.
الثاني هو الخيار الحالي في الاصطاف الإقليمي فهم مع بشار والسيسي وحفتر ويعتبرون ما يجري للشعوب أمرا طبيعيا ولا يستفزهم بل هم مستعدون لمساعدة الدكتاتورية والفاشية في الأقليم كله ولا يستحون من الحلف العلني مع إيران وإسرائيل وكل من يعادي الإسلام والمسلمين.

أسئلة إلى قبائل السياسة التي تظن نفسها أحزابا

السؤال الذي ينبغي طرحه على الزعماء أو المتزعمين لدكاكين السياسة التي تجاوز عددها المائة هو :
هل تعتقدون أن العلاقة بين الحكم والمعارضة في العمل السياسي من جنس الجدل بين المفكرين في الآراء أو بين العلماء في البحث العلمي بحيث الهدف هو البلوغ إلى غاية البحث وتفصيلاته لأن المطلوب هو معرفة الحقيقة؟
أم تعتقدون أن هذه العلاقة هي بحث عن الطرق الناجعة بشيء من الوسطية تجمع ولا تفرق حول الأهداف التي يتم تحديدها بالتحليل النظري لأن الهدف ليس معرفة الحقيقة بل تحقيق الممكن منها في الظرف الإنساني المتشابك؟
كنت دائما بالتحليل النظري أحاول إقناعهم بمآلات مواقفهم التي كانت في الحقيقة تعمل على تعبيد الطريق لعودة النداء من خلال إفشال تجربة الترويكا بكل الوسائل التي لا يتصورها عقل والتي هم الآن أعجز من أن يقوموا بواحد في المائة مما كانوا يقدمون عليه من العبث الذي أوقف الحياة الاقتصادية والسياسية وأدى إلى الخلل التام في الحياة الاجتماعية والأمنية لما كانوا يتبارزون بين من في الحكم ومن في المعارضة.
وكنت أتصور أنهم بعد الانتخابات سيعود لهم الوعي ويقوموا بالنقد الذاتي ثم يشرعوا في تكوين جبهة إنقاذ حقيقية حول موقف رصين تكون النهضة نواته الأساسية لأنها الحزب الأكبر أولا ولأنها الأقرب لمطالب الشعب عامة ولمطالبه بعد الثورة خاصة ليس بسبب مرجعيتها الدينية فحسب بل لأنها مؤلفة من عامة الشعب المحروم والمضطهد خلال كل عقود الاستعمار المباشر ونواب الاستعمار غير المباشر. صحيح أنها لما وصلت إلى الحكم انضم إليها من ليس من هؤلاء لكن الغالبية ما تزال منهم .
ليس القصد من تكوين هذه الجبهة تكرار ما قام به السبسي بالجبهة التي انظم إليها في الحقيقة كل المعارضة وحتى الكثير من الذين كانوا يشاركون النهضة في الحكم إن ليس بصورة رسمية فعلى الأقل بالمزايدات القولية والفعلية.
ليس القصد من هذه الجبهة رفض نتائج الانتخابات وعمل كل شيء لإيقاع البلد من أجل استرداد الحكم بأسرع وقت بل للعمل الجاد من أجل إنجاح التجربة وجعل المرحلة تمر بسلام دون أن يبقى النداء مع اليسار كالحال الآن مسيطرا في الحقيقة على بعدي السياسة في الدولة أي الحكم والمعارضة.

خاتمة

والسؤال المطروح الآن وهو موجه للجميع :
هل يمكن أن نأمل أن يعود الوعي فيفهم الساسة أن مهمتهم ليست التنافس على إظهار البراعة في النقد والتجريح والتنافس على زعامة واهية لا تسمن ولا تغني من جوع.
هل يمكن أن نأمل في بناء جبهة قادرة على بناء شروط التداول السلمي على الحكم والمعارضة بصورة ذات مصداقية حقيقة حتى يتمكن الشعب من التعبير بحق عن خياراته وفرضها على من يريد أن يعيده إلى عصر الخوف من خلال التخويف بالإرهاب المصطنع أو حتى الحقيقي واللجوء إلى طرق علاجه التي هي بدورها طرق إرهابية ولكن بأجهزة الدولة وأدواتها.


لماذا عفت السياسة والسياسيين؟
أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s