نجاح الثورة يحتاج إلى رموز قيادة وبطولة – أبو يعرب المرزوقي

نجاح الثورة يحتاج إلى رموز قيادة وبطولة – أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2015.07.15

1-كما سبق أن أشرت فقد كنت في القاهرة أسبوعا قبل تاريخ الخيانة العظمى لقيادات جيش ومصر وغالب نخبها لشبعهم وثورته أعني بداية النهضة بحق. وكم أتمنى أن أسمعهم الآن وقد تحقق ما كان يتوقعه كل ذي بصيرة: من يصدق أن العسكر يساند ثورة ديموقراطية غير الصم البكم والعمي فاقدو البصيرة؟
2-لمست الخيانة في النخب من خلال نقاشي مع بعض ممثليهم إما باسم التحديث والعلمانية أو باسم العقلانية والمعتزلة من سطحيي المفكرين قبل حصولها العلني لدى قيادات الجيش:وجدت لدى الغالبية ممن ناقشت نقمة على الاخوان في الظاهر وعلى الثورة في الباطن.
3-ولم تكن نقمة على الثورة بمعنى عام بل على كونها أرجعت للشعب ما يمكن أن يجعله يحول دونهم والاستفراد بالسلطة والثروة وبتمثيل المصرية.
4-وكانت ذروة هذا الإحساس الذي أريد اليوم أن أحلله متمثلة في موقف قيادات الأزهر وما قلته في ندوة دار العلوم مع جامعة برلين الحرة بخصوصه.
5-وقد سبق قبل ذلك بسنوات أن دعيت لندوة تلاميذ الأزهر وأحبائه حول الأشعرية فعجبت من أن الندوة عقدت في أحضان سويرس وفي فندقه بتمويل سخي.
6-للأمانة اعترف أني عجبت لكني لم أدرك العلة إلا بعد الثورة وبعد مواقف الأزهر بما نشره من نصوص بمناسبتها وبموقف أحد ممثليه في ندوة دار العلوم وجامعة برلين الحرة.
7-وهذا الممثل للأزهر لا أريد أن اسميه -لكن التعرف عليه يكفي للمساعدة عليه القول إنه من الرقاصين للحداثة والمتمعشين من حوار الأديان من مستشاري الأزهر-وهو طبعا غير الصديق شيخ النقل والعقل بل هو يدعي الحداثة والسخرية من الثوار وتقديم خوفه على مسيحيي مصر.
8-حينها أدركت أن قيادة الأزهر ربما عن حسن نية عند البعض منها أو بمنطق الحق يراد به باطل (حماية المسيحيين والوسطية) وقعت ضحية لنفاق المتصوفة وخبث الصليبية وانتسابا للدولة العميقة (فالشيخ من لجان إعداد التوريث).
9-وطبعا فمن وراء هذا الخبث التعليمات المخابراتية والدولة العميقة والصداقة مع إسرائيل وإيران اللتين غزتا النخب التي تمثل عقدة هي موضوعي في هذه المحاولة. وهي عقدة كل العلمانيين والليبراليين العرب.
10-هذه العقدة عاشتها فرنسا قبل مصر: لما غزا هتلر فرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية أكثر من 90 في المائة من الشعب خذلوا المقاومة وتعاونوا مع الاحتلال. والجزائر عرفت مثل هذه الظاهرة وإن بقدر أقل: ظاهرة الحركيين.
11-وهذا التعاون هو علامة السر الذي أريد تحليله لأفهم الوضع المصري الحالي رغم غباوة السيسي وجرأته على أمرين من المفروض أن يحدثا زلزلا لا يبقي ولا يذر.
12-فالسيسي لم يكتف بالجرأة على الحياة بالتقتيل والتعذيب -فهذا مشترك بين كل المستبدين العرب وخاصة في أنظمة العسكر منهم-بل تجرأ على الأعراض ثم على الدين في شعب محافظ ومتدين إلى الأذقان. فما سر بقائه؟ السند الأجنبي لا يكفي للتفسير.
13-السر بات صريحا وهو الصورة الخيالية التي حاكوها من السيسي والتي لا يوجد شيء منها فيه ومع ذلك تنسب له: الذكر الجامع بين الذكاء والقوة. فقد نصبوه بطلا وجعلوه مشيرا وهو لم يشارك في أي حرب بل هو أجبن من أرنب.
14-وهي تنسب له عند العامة ولكن خاصة عند النخب التي انحازت إليه من الإسلاميين ومن العلمانيين والليبرالين والقوميين والمتشيعين والمسيحيين أي حثالة أميي المثقفين وأعداء الإسلام.
15-لا يمكن أن يكون ذلك صدفة : لا بد من سر يفسره. إنه عين ما جعل الفرنسيين يتعاونون مع الهتلريين في الحرب الثانية: لا بد أن يكون في بواطنهم أعجاب مكبوت بهم.
16-بعبارة أوضح لا بد أن يكون لدى غالبية الشعب المصري شيء من الأعجاب المكبوت بإسرائيل وإيران أو بما بات يمثل لديهم أو على الأقل لدى نخبهم رمز القوة.
17-ورمز القوة لا يمكن عندهم أن يكون إلا عند من يقدر على قهر ما بات يمثل عندهم رمز الضعف -هم إذن يحاربون الضعف فيهم من حيث لا يشعرون بالذهاب به إلى غاية الانسحاق-وكذلك أصبحت صورة الإسلاميين الذين تولوا الحكم بعد الثورة.
17-السيسي عندهم هو القاهر لضعفهم لذلك فهم يعبدونه ويؤلهونه ولا ينظرون إليه بمنطق يفهم سياسيا بل بمنطق لا يفهم إلا بالتحليل النفسي للجماعات. إذ كيف لشعب محافظ ومتدين لا يزلزل الأرض تحت أقدام من يعتدي على أعراضهم ودينهم؟
18-ومما يؤيد هذا التحليل سقوط جدار العداء إزاء إسرائيل وتعويضه بالعداء ضد حماس: فهذه العلاقة هي عينها العلاقة بين ممثلي القوة والضعف. حماس صارت العدو واسرائيل الصديق ليس عند النخبة وحدها بل على الأقل عند عامة النظام القديم.
19-قد لا يصدق هذا الكلام من يرى أن الثوار لم يتوقفوا عن النضال. وهذا صحيح. وهو ليس خاصا بمصر فالمبدأ العام: القلة التي تصمد متحررة من العقدة وهي الأمل والرجاء في نجاح الثورة. وكل المتعللين بالإخوان لئلا ينضموا للثورة منافقون وثوار زائفون.
20-والمخرج هو-كما يحصل في التاريخ كله-لا بد من قائد كاريسمي يخرج الغالبية من غفوتها وغيبوبتها بما في الكاريسمية من قدرة على التحريك. والأمثلة عدة في تاريخ الجماعات التي سيطر عليها الانحطاط والخوف والجبن والرضا بالعبودية.
21-ومعنى ذلك أن الثورة المصرية والسورية وباقي الثورات ما تزال غليانا فاقدا للقيادة المحركة توحيدا وتسديدا. والقيادة تقتضي بطولة فعلية. وما حدث في دعاء أحد الأيمة في مسجد عمرو بن العاص ليلة القدر يمثل الغليان العاجز: دعاء وبكاء كالأيتام.
22-المتكلمون باسم الثورة في مصر مثلا ليس لهم رمزية البطولة بل إن أغلبهم ثرثارون فروا بجلودهم وبعضهم أكثر كلامه على نفسه مثل الجوادي الناعس والخالط بين علم التاريخ والتخريف وبين الفكر والجناس اللفظي وبين فكر الثورة وأدعية العجائز.
23-أما القيادة الشجاعة فقتلت أو سجنت. وما لم تفرز المقاومة ذات الاستراتيجية أبطالا من الشباب على أرض المعركة فإن “السيسية” ستعمر طويلا حتى لو وقع انقلاب على السيسي لأن من سينقلب عليه سيكون مثله لكنه أذكى فيدعي المصالحة ليحكم بترضيات جزئية ويواصل نفس الاستبداد والفساد.
24-ولنضرب مثالين من العصر الحديث هما مثالا الثورة الجزائرية ورمز البطولة فيها تحدد في ساحة المعركة والمقاومة الفرنسية بطلها الجنرال الذي قاد المقاومة ولو من الخارج.
25-ومن علامات التعثر تعدد الحركات كما في سوريا أو تعدد الخطابات مع انعدام الفعل كما في مصر وكلا التعددين يحولان دون بروز الرموز القائدة. فالتعدد في الثورات مفهوم في البداية لتمييز الثوار بحق من الهواة وفي الغاية للاستحواذ على الحكم. أما في ما بينهما فدليل عجز وطريق سيارة للفشل.
26-والشعوب لا يقودها التحرك المشتت في الأقوال وخاصة في الأفعال بل يقودها التحرك الموحد برمز بطولي يلهب الحماسة والعزم الحازم أصلا للصبر والصمود والعناد بالأقوال التي تؤيدها الأفعال.
27-بكلمة واحدة: لا بد أولا من ربح الحرب النفسية على العدو-والسيسي هو الأعدى ليس لمصر وحدها بل للأمة كلها-فهو تجاوز كل الحدود مع الإسلام ومع الكرامة البشرية للإنسان المصري وللتاريخ الإسلامي.
28-وكل ما أكتبه على مصر خاصة وعلى الثورة عامة هدفه مساعدة الشباب على فهم آليات الحرب النفسية وكيفية ربحها بمعنيين سلبي وإيجابي كما يلي.
29-فربحها سلبيا هو تحرير الشعب من العقدة التي وصفت وذلك بالرموز القيادية التي تتعين فيها القوة المفقودة في مخيال الشعب فتسحب من العدو ويستردها الشعب عن طريق الرموز التي تتحقق في المقاومة.
30-وربحها إيجابا هو القيام بعملين لخلق الرموز: الأول هو الإبداع المخيالي لخلق البطل الثوري وتلك هي القوة اللطيفة والثاني هو الإبداع الفعلي لتعيينه بالأفعال وتلك هي القوة العنيفة.
31-وهذه الحقيقة هي التي يسميها ابن خلدون بدور الرموز في الحروب. فمن دون قيادات العرب ما كان لدولة صغيرة في الجزيرة أن تفتح العالم. لا بد من قوة لطيفة وعنيفة في آن: عمر وخالد يمكن أن يشرعا في الإطاحة بامبراطوريتي العصر.
32-وطبعا لم أنس دور الإسلام في نجاحهم بل أعجب من نسيان الشعوب له: في عهد الصحابة لا أحد يجرؤ فيعتدي عليه أما اليوم فلا عدوان إلا عليه. ومع ذلك فالجميع يتفرج ويشرع لكل التنازلات باسم التسامح: لكأنه يوجد تسامح مع من يحتلك ويعتدي على أرضك وعرضك ودينك.
33-والرموز القائدة في الأقوال والأفعال شرط في كل الثورات لأنها شرط توحيد الحركات وتسديد الحركة ومن ثم فهي سياسية وعسكرية في آن.
34-والسياسي والعسكري إذا لم يعتمدا على رجاحة العقل وصلابة الإرادة والدهاء التخطيطي يكونان ممثلين للحمق والغباء. مازلنا في هذا الطور.
35-وغاية المرارة: أني أرى فوضى الفعل في سوريا وفوضى القول في مصر والتذاكي السخيف في تونس والتباكي الركيك في ليبيا والتراخي العجيب في اليمن.
36-لكن ما هو أشد مرارة من هذه الغاية هو ما يحصل بسبب علل المرارة التي وصفت: فالشباب بدون رموز قيادية يصبح نهبة الاستغلال ممن يفسد الجهاد والاجتهاد بالتشويه القصدي من الاستعمار وذراعيه.
37-وعندئذ لا تضيع الأوطان فحسب بل تضيع كذلك أهم مقومات الإسلام. فالأعداء بهذا المآل يجعلون المدافعين عن الإسلام معوضين إياه بكاريكاتور منه فيشوهوه بقصد.
38-لذلك ميزت بين الشباب المغرربهم وبين المستبدين بحركات المقاومة ممن توظفهم مخابرات الأعداء التي تخترقها لتشويه قيمتي الإسلام الأهم: الاجتهاد والجهاد.
39-وقد خصصت لهذه الخطة التي يستعملها الأعداء محاولة حول استعمال الخيال العلمي لخلق كاريكاتور من المقاومة الإسلامية للتحريض والإحباط شرطي هزيمتنا نفسيا.
40-فالتحريض يستعمله العدو ليجعل رأيه العام ملتفا حول عدوانه علينا من خلال قتل بعض ابنائه وتصوير ذلك ليحرك الحمية في شعبه فيقبل بالحرب.
41-والإحباط يستعمله العدو ليفصل بين المقاومة والحاضنة الشعبية الممكنة اذ لا تقبل بتشويه الإسلام وجعله نقمة على المؤمنين به قبل الكافرين.
42-فما الذي يجعل سنة العراق لا تستطيع أن تكون الحاضنة الشعبية لداعش؟ أليس لأن سلوك داعش بدا لهم أكثر ضررا حتى من طائفية الدولة فضلا عن الطابع المنافي لقيم الإسلام؟ هل يعقل أن ترفض سنة العراق وسوريا من يقاوم من أجلهم لو أثبتوا أنهم بحق يفعلون؟
43-وكيف يمكن أن تكون داعش مقاومة بحق إذا كانت في آن تحارب المقاومة بدل بشار وتتدخل في حياة الناس الدينية لكأنها تعتبر المسلمين كفارا فضلا عن الإعلان عن عزو العالم باستراتيجية بدائية؟
44-ذلك هو الكاريكاتور الذي يقدم من ثورة المسلمين التحريرية ومن الإسلام حتى يمنع الغرب وعملاؤه السنة من استئناف دروها بما يناسب العصر لتمكين قيم الإسلام من المساهمة في تحرير البشرية.
45-تلك هي المؤامرة الحقيقية. لكن ما يجعلها تؤثر فتجذب بعض الشباب أمران : الأول هو تخاذل الأنظمة وعمالتها والثاني هو عدم وجود مقاومة منظمة تمثل استراتيجية فعلية للخيار الإسلامي التحديثي القادر على تحصين الشباب الغاضب.
46-فمن دون ثورة إسلامية ذات استراتيجية حديثة هادفة لتحقيق قيم الإسلام وأهداف الثورة ينقلب الشباب الغاضب إلى التخريب الذاتي الذي يدفعهم إليه الاستعمار وذراعاه (إيران وإسرائيل) وعملاؤهما من الانظمة والنخب التابعة لها.
47-وإذن فالثورة التي ترواح مكانها فلا تتحد في نفس البلد ولا بين البلدان التي ثارت والتي لم تتجاوز ثرثرة المعلقين في الفضائيات مسؤوليتها أكبر حتى من مسؤولية الثورة المضادة.
48-من ذلك سخف المقابلة الغريبة بين ثورة سلمية وثورة حربية. فهذه الثنائية لا معنى لها حتى في السياسة العادية للدول. لم نر في العالم دولة تسير بالقانون وحده من دون قوة الدولة. فكيف بالثورة التي يراد لها أن تتحقق بمجرد الكلام؟
49-ومعنى ذلك أن كل الثورات العربية الحالية تعاني من المرض الفلسطيني : إما خيار رام الله أو خيار غزة. وهذا من سخافات القيادات الثورية أو بصورة أدق من عدم فهمها لمعنى القيادة الثورية.
50-القيادة الثورية سياسية. ومن ثم فهي حتما دبلوماسية وعسكرية في آن أو إن صح التعبير مقاومة باللسان وباليد وقبل ذلك هي مقاومة بالقلب وتلك هي معاني المقاومة أو التصدي للشر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما عينهما الرسول الأكرم قولا وفعلا.
51-ذلك أن دور القيادة يتمثل في أن تستعمل كل إمكانات المقاومة أي اليد واللسان والقلب. و في ذلك ما ينقل من القلب إلى اللسان وما ينقل من اللسان إلى القلب. وتلك هي وسائل المقاومة الخمسة التي حددها الرسول الأكرم.
52-فالمقاومة بالقلب هي المعين الذي لا ينضب وهي الحاضنة الشعبية العامة. والمقاومة الناقلة من القلب إلى اللسان هي القيادة الرمزية التي تخرج ما في قلب الحاضنة إلى العلن ليصبح احتجاجا. والمقاومة الناقلة من اللسان إلى اليد هي القيادة الفعلية التي تنقل من الأقوال الى الأفعال. والمقاومة التي باليد هي الأفعال.
53- وتلك هي الثورة التي تحرر الشعوب دون تشويه لمرجعيتها ودون وحشية تطبيقا لما حدده القرآن الكريم من شروط للمقاومة الشرعية وأخلاقها المقاومة التي تسمى جهادا ضد المفسدين في الأرض والمستضعفين للناس والمعتدين على الحرمات وعلى المرجعيات الروحية والخلقية.


نجاح الثورة يحتاج إلى رموز قيادة وبطولة – أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s