الحرب على الإسلام – القسم الثاني – تجاوز العلاقة بين الكنسية و العلمانية – أبو يعرب المرزوقي

الحرب على الإسلام – القسم الثاني – تجاوز العلاقة بين الكنسية و العلمانية – أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2015.06.08

كيف نفهم الإنحطاط فنتحرر منه؟

1-وعدنا بالقسم الثاني حول علل الحرب على الإسلام وعلاقة الكنسية والعلمانية. وها نحن نصله بالقسم الأول بفاصلة تتعلق بـانحطاط فاعلية القوة اللطيفة عندنا وهو معنى يجمع بين القوتين لتحديده مقدار الحاجة إلى القوة العنيفة وبهما تحوز الدول وظيفتي الحماية والرعاية.
2-ونستعمل لطيفة بدل ناعمة لأن المعنى غير. فاللطف صفة ذاتية للقوة والنعومة صفة إضافية للحاس. وبهذا المعنى فالسلاح يمكن أن يكون قوة لطيفة من حيث الاستعمال لكنه لا يكون قوة ناعمة.
3-فالآية 60 من الأنفال تتكلم على القوة عامة وتعتبرها إعدادا للفاعلية اللطيفة أعني إرهاب العدو بمعنى ردعه ردعا يغنيك عن القتال: وهو استعمال لطيف للقوة العنيفة.
4-والفرق بين الصفتين لطيف وناعم فضلا عن الفصاحة هو بيان طبيعة هذه القوة التي نصفها بكونها لطيفة: إنها مهابة الأمة وقوتها عامة لا بعضها الذي يوازي القوة العنيفة.
5-ومعنى ذلك أنك مهما كنت ذا قوة ناعمة-سخافة مصاحبة السيسي للفنانات أو النواعم-فإن ذلك لا معنى له إذا لم تكن عوامل المهابة متوفرة كوحدة جامعة بين اللطف والعنف لأن ذلك هو جوهر الحياة.
6-ومطلوبنا هو فهم كيف أن الانحطاط أفقدنا المهابة التي تتألف من التناغم بين كل عوامل القوة التي يكون استعمالها بلطف محد من حاجتها إلى العنف.
7-وحصيلة الفعل اللطيف الذي يحد من الفعل العنيف مفهوم صالح في مستويات التربية الأسرية والاجتماعية وفي مستويات السياسة الوطنية والدولية. وذلك هو مفهوم الحكم الحكيم.
8-لا بد أنكم لاحظتم أن القرآن الكريم يقرن النبوة دائما بعاملين هما الكتاب والحكم. والحكم قدرة عقلية تدرك مناط الإشكال والكتاب هو معين السنن التي يجري بمقتضاها الوجود (نظرية الوجود) وفهمه (نظرية المعرفة) النظريتين القرآنيتين.
9-والجمع بين إدراك مناط الإشكال ومعين السنن هو الذي يمكن من تحديد مقومات المهابة التي تمكن الأمة من أن تكون قوية مع قلة العنف فيها وبينها وبين غيرها من الأمم لأن مهابتها تحول دون العدوان عليها وهي لا تعتدي بحكم أخلاقها القرآنية.
10-ما أعنيه بالانحطاط الذي أفقدنا القوة اللطيفة هو سيطرة العنف على كل شيء في حياتنا منذ أن فقدنا المهابة في التربية بمستوييها والسياسة بمستوييها فأصبح كل السلوك عنيفا أقوالا وأفعالا: يكفي أن تنصت للناس كيف يتحاورون.
11-وهذا المفهوم -التعامل العنيف-عرفه ابن خلدون بكونه مفقدا للإنسان معاني الإنسانية ودليلا على فقدانها إذا سيطر على التربية والسياسة. وإذن فهو قد سبقنا إلى تحليله وبيان آثاره.
12-والتشخيص الخلدوني يبين الآثار ويعد للعلاج إيجابا وسلبا. فإيجابا ينطلق ابن خلدون من مفهوم “الإنسان رئيس بالطبع”. وينطلق سلبا من مفهوم”فقدان معاني الإنسانية”. والعلاج هو تحقيق الموجب والتحرر من السالب: وتلك هي نظرية الدولة الشرعية عند ابن خلدون بمعنيي الشرعية الحديث والديني.
13-وهكذا فقد وجدنا همزة الوصل بين القسم الأول والقسم الثاني من بحثنا في علل الحرب على الإسلام وعلل علاقة التلازم بين النظام الكنسي والنظام العلماني: فكلاهما حقيقته غير ظاهره لأن باطنه هو الآخر.
14-وهمزة الوصل بين القسمين في محاولتنا التي نشر قسمها الأول وصل بين تحليل ابن خلدون للظاهرة ومفهومي الإسلام المحررين منها والتي ستكون موضوع القسم الثاني من بحثنا: مفهوم الاجتهاد في مستوى التربية والأذهان ومفهوم الجهاد في مستوى السياسة والأعيان.
15-فالانحطاط أفقد المفهومين -الاجتهاد والجهاد- دلالتهما إذ حولهما إلى العنف التربوي والعنف السياسي في كل مستوياتهما الأسرية والاجتماعية داخليا وخارجيا.
16-فالاجتهاد اقتصر على القياس الفقهي دون شروطه العلمية والجهاد على القتال البدائي دون شروطه الفنية. والعلة أن التربية والسياسة تحولتا من اللطف إلى العنف بسبب الانحطاط وفقدان الشروط.
17-فالاجتهاد قرآنيا يتألف من خمسة مقومات: فالأصغر هو الفقه والأكبر هو معرفة الذات لمعرفة الرب وبين الأصغر والأكبر مستويان. فالأصغر شرطه الصغير والأكبر شرطه الكبير والأصل الموحد للأربعة هو التربية القرآنية.
18-والجهاد قرآنيا يتألف من خمسة مقومات: فالأصغر هو القتال والصغير شرطه العلوم والتقنيات والأكبر هو التقوى والكبير شرطه العلوم الإنسانية وأصل الأربعة السياسة القرآنية.
19-وإذن فسلطان العنف علته فقدان الاجتهادين الصغير والكبير أعني مقومي التربية الإسلامية وفقدان الجهادين الصغير والكبير مقومي السياسة الإسلامية. وتلك هي الشروط المفقودة التي تحول التربية والسياسة إلى عنف محض. فغياب الشروط التربوية والسياسية التي تغني عن العنف بمهابة اللطف هو السر وهو الانحطاط.
20-فإذا جمعت الاجتهادين الصغير (العلوم النظرية) والكبير (العلوم العملية) وسيطين بين الأصغر (الفقه) والأكبر (العلم بالذات والرب) كان ذلك مفهوم التربية القرآنية.
21-وإذا جمعت الجهادين الصغير (تطبيقات العلوم النظرية) والكبير (تطبيقات العلوم العملية) وسيطين بين الأصغر (القتال) والأكبر (العبادة) كان ذلك مفهوم السياسية القرآنية.
22-وبالجمع بين الجمعين أي مقومات التربية القرآنية ومقومات السياسية القرآنية وجدت مفهوم العنفوان والمهابة المغنية عن العنف وعرفت المفقود بسبب الانحطاط الذاتي وما وطده ببديل زائف الانحطاط المستورد.
23-وهذه المعاني مشروطة في كل محاولة لفهم معنى التحريف الكنسي(للنقل) والعلماني (للعقل) ودلالة الثورة التي جاء بها الإسلام لتحرير البشرية منهما دون أن يعني أن حله هو التوسط بين الحلين كما يتوهم القائلون بالوسطية مهرب الكسل العقلي والفشل النقلي.

تذكير بموضع المحاولة ومفاصلها

1-نستأنف بعون الله البحث في علل الحرب على الإسلام -وبالذات على محاولة المؤمنين به استئناف دورهم في التاريخ الكوني-وعلاقة ذلك بالنظامين الكنسي والعلماني المتلازمين كما بينا في القسم الأول من الدراسة.
2-وقد مهدنا لهذا القسم الثاني بوصلة -نشرناها أمس- بعد القسم الأول الذي نشر قبلها فتعقد الأمر شديد التعقيد. ذلك أن الوصلة بينت علاقة هذه الحرب بالانحطاطين الذاتي والمستورد وبدور الثاني في توطيد الأول: التساند بين ضربين من الدعشنة باسم التحديث وباسم التأصيل المنحرفين.

عرض الإشكالية

3-ولا بد إذن من إبراز المعيقات قبل الشروع في العلاج: فـمن سميناهم بأصحاب الإنحطاط المستورد يدعون أنهم يثورون على من سميناهم بأصحاب الانحطاط الذاتي.
4-وأهل “داعش التحديث” يدعون السعي إلى ما يعتبرونه الإصلاح التربوي والإصلاح السياسي ومن ثم تجاوز ما اعتبرناه علة الانحطاط الذاتي لكنه في الحقيقة كاريكاتور من الإصلاحين. وأهل “داعش التأصيل” يدعون السعي إلى ما يعتبرونه استرداد الخلافة وقيم القرآن لكنهم في الحقيقة لا يقدمون إلا كاريكاتور منهما.
5-كل المشكل بالنسبة إلى الدعش التحديثي المزعوم يتمثل في أن حقيقتهم هي الدليل التاريخي الجازم بأن ما يقدمونه حلا بالمعنى العلماني والليبرالي سنامه هو ما تعين في تأييدهم للسيسي وبشار وحفتر وصالح إلخ.. أما الدعش التأصيلي فهو بصورة غير مباشرة يساعد هؤلاء بالكاريكاتور الذي يرجع إليه المشروع السني.
6-وحتى نفهم القصد فلنذكر تجارب تدارك أصحابها الانحطاط الذاتي فلم تستورد انحطاطا بديلا بل استفادت من التجارب البشرية لإصلاح شأنها دون تهديم ذاتي.
7-ولنقدم مثالين من الغرب ومن الشرق. فألمانيا إلى بدايات القرن التاسع عشر كانت مفتتة ومتخلفة بالقياس إلى فرنسا وانجلترا. لكنها سرعان ما تفوقت عليهما في ما يمثل سر قوتهما التربية والسياسة وما يترتب عليهما من شروط استعمار الإنسان في الأرض وشروط الاستخلاف.
8-واليابان كان دون العرب والمسلمين تقدما في القرن التاسع عشر. لكنه سرعان ما تفوق عليهم ومثله كثير في الشرق الأقصى بـمن فيهم المسلمون الذين تحرروا من التحريفين.
9-كيف صار التحديث ليس إصلاح الشأن بما يقتضيه علاجه بل تبني تربية الاستعمار وسياسته اللتين كانتا تهدفان للتهديم تبنيها بزعم البناء العلماني والليبرالي اللذين يعد القائلون بهما من أكثر نخبنا سطحية وسوء فهم للمقومات الحداثة فضلا عن مقومات الأصالة؟
10-وللإنصاف فإن لهذا الموقف شريك لا يقل عنهم سطيحة وخواء فكر: ذلك أن وقوع الصف المقابل في أحابيل اللعبة وتصور الرد في الدفاع عن الانحطاط الذاتي يسر مهمتهم فمكنهم من السيطرة شبه المطلقة على مجرى الأحداث.
11-فأصحاب الانحطاط الذاتي لم يحاربوا الانحطاط المستورد بل ما يتكلم باسمه وذلك لأنهم هم بدورهم لا يمثلون القيم الإسلامية بل قيم الجاهلية : لذلك فالأمة توجد بين فكي كماشة داعشية أولهما يحرف الحداثة والعقل والثاني يحرف الأصالة والنقل.
12-وتلك هي المعركة التي سميناها معركة الكاريكاتورين: كاريكاتور قيم الحداثة وكاريكاتور قيم الأصالة: المثال هو علمانية نخب مصر والنور.
13-وحتى لا نظلم مصر-لأن الشعب بريء بالمعنيين-فكونها تمثل المثال الأبرز لا يعني أن الأقطار العربية الأخرى لا تعيش نفس الحالة بل هي عامة فيها جميعا.
14-بعد هذا الوصل بين التحليل النظري والمجرد بالأحداث الفعلية في تاريخنا الحالي نعود إلى الفهم الفلسفي والديني لثورة القرآن في قضيتنا.

الإشكالية وبعائدها العميقة

15-والسؤال إذا صيغ سلبا هو: كيف يحررنا القرآن من الكنسية والعلمانية. وإذا صيغ إيجابا هو: ما النظام الذي يحقق الوصل بين الاجتهاد والتربية والنظام الذي يحقق الوصل بين الجهاد والسياسة؟ وهذان السؤالان هما جوهر الأزمة الوجودية التي غرقت فيها الأمة بسبب الانحطاطين الحائلين دون تخطيها.
16-وما علاقة العلاجين السلبي والإيجابي بالآيتين الأولى من النساء والثالثة عشرة من الحجرات؟ ولم تجعل هذه العلاقة الإسلام الدين الخاتم؟
17-المدار خمس مفهومات: أولها ما يصل الاجتهاد بالتربية والثاني ما يصل الجهاد بالسياسة.وثالثها ما يصل الوصل الأول بالوصل الثاني أي مضمون الآية الأولى من النساء ورابعها ما يصل الآية الأولى من النساء بالآية الثالثة عشرة من الحجرات والأخير هو الوصلة الجامعة والموحدة لكل هذه الأبعاد وذلك هو مفهوم كمال الدين وتمام النعمة وعلة الختم: الإسلام.
18-وطبعا فالانحطاط المستورد استنادا إلى التردي المتمثل في الانحطاط الذاتي يعتبر الكلام على الدين من علامات التخلف وبالذات بعلة ما ينفيه.
19-أي إن ما يعلل به اعتبار الدين علامة التخلف هو عناية الدين بشروط استعمار الإنسان في الأرض واستخلافه فيها أي بما غيبه الانحطاط الذاتي.
20-والانحطاط الذاتي لا ينفيه في القول بل هو ينفيه في الفعل. والفعل الغائب هو التحقيق الكوني لشروط استعمار الإنسان في الأرض (مستوى الأدوات والاستراتيجيات) بقيم الاستخلاف (مستوى الغايات والقيم).
21-وذلك هو عين الآيتين الأولى من النساء والثالثة عشرة من الحجرات أعني مجاهدتي الإسلام الأساسيتين: 1-اجتهاد التربية لتحقيق شروط استعمار الإنسان في الأرض (العلوم وتطبيقاتها) 2-وجهاد السياسة لتحقيق شروط الاستخلاف (الفنون السياسية وتطبيقاتها).
22-مضمون الآية الآولى من النساء: فـ”ربكم”و”النفس الواحدة”هما البداية والغاية الحق. و”الله” و”الأرحام” هما البداية والغاية الظاهرة. لذلك فالزوجين الثانيين تذكير بالزوجين الأولين أعني بما ينساه البشر فيتناكرون بدل التعارف (الآية 13 من الحجرات). ولا يتم الدين إلا بتحقيق التطابق بين الرب والله وبين الرحم الكوني والرحم الجزئي. والإسلام هو هذا التطابق لأنه الدين الفاتح والخاتم (الكلمات التي تلقاها آدم هي القرآن الذي تلقاه محمد).
23-وذلك ما لم يفهمه أهل الفصامين الكنسي والعلماني من الإسلام. وهو جوهر ما حير هيجل فلم يجد للإسلام موقعا في تصنيفه للأديان (راجع مقدمتنا لترجمتنا دروسه في فلسفة الدين جزئها الثاني) .فالرب واحد والنفس واحدة بمقتضى الخلق. لكن البشر تتعدد آلهتهم وأرحامهم بمتقضى الأمر. فينسون تلك الوحدة التي يذكر بها الأمر الذي يفضل الطوع على الكره في الإيمان. الإسلام يعيدهم إليها بكمال الدين وتمام النعمة.
24-وهم معذورون لأن هذا العمق الإسلامي بخلاف الأوهام ليس بالبساطة البادية. ولولا ذلك لما كان الدين الخاتم والنقد الجذري للتحريفين الكنسي والعلماني هما جوهر الرسالة القرآنية: فالدين الذي هو الديني في الأديان طبيعيها (وهو أساس العلمانية) ومنزلها (وهو أساس الكنسية) بعد تحرير الصنفين من التحريف علة الفصام لا يمكن أن يتوجه لقوم دون قوم أو لعصر دون عـصر بل هو لكل زمان ومكان.
25-والفصام هو علة المقابلة بين الظاهر والباطن في الكنسية والعلمانية. والختم تذكير بهذه الحقيقة الكونية التي تحرر البشرية من الفصام والنفاق: وذلك بتربية تحقق شروط استعمار الإنسان في الارض وبسياسة تحقق استخلافه فيها متحررين من الانحطاط الذي هو نسيان مضمون الآية الأولى من النساء.
26-والإسلام بما هو رسالة تذكير بهذه الحقيقة هو كذلك دولة تدبير لتحقيقها بمعيار هو عين ما يكون الحساب بمقتضاه في الآخرة: الآية الثالثة عشرة من الحجرات. فعندما يتذكر الإنسان مضمون الآية الأولى من النساء تزول كل الفروق ولا يبقى إلى العمل ومعياره التقوى.
27-فما يحرف التربية والسياسة عن وظيفتهما هو التفاضل غير الشرعي عقلا ونقلا التفاضل الذي يمكن جمعه تحت كلمة واحدة: الظلم. وما يصلحهما هو العدل ومقياسه التقوى.
28-التقوى في التربية وفي السياسة هي احترام القانون المحقق للعدل والمخلص من الظلم إذا نظرنا إليهما دنيويا. وهي دينيا الإيمان بمضمون الآية الأولى من النساء والعمل به.
29-لكن مضمون الآية الأولى من النساء هو في الحقيقة الأساس الذي يرد إليه مضمون سورة النساء كلها وينبني عليه: ففيها نظرية الملكية ونظرية الأسرة ونظرية الحكم ونظرية الشرائع ونظرية علاقاتها. وهي جميعا صارت بسبب الانحطاطين علل تفكك أواصل الأمة ولواحمها.
30-وبسبب الانحطاطين غابت وظيفة هذا البديل المغني عن الكنسية والعلمانية دون علاقة بخرافة الوسطية بين تطرفين أعني الحل الكسول لفكر مرذول أساء فهم أرسطو فأخضع له القرآن.
31-فسورة النساء حددت مضمون التدبير(دولة الإسلام) لما يتضمنه التذكير(رسالة الإسلام). والقرآن هو تربية الإنسان التي توحد الأذهان والوجدان وهو سياسة الإنسان التي توحد الأحياز والأعيان.
32-لذلك كان عنوان محاولة تفسيرنا الفلسفي للقرآن “استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية” فالتوحيد هو الغاية والسياسة هي الأداة وسياسة محمد الخاتم هي العينة من استعمال الأداة لتحقيق الغاية قدر المستطاع.
33-والقرآن نفسه ينقسم قسمة تؤكد هذين الوجهين رغم تلازمهما دائما: فالمكي منه اجتهاد التربية في الأذهان والوجدان والمدني منه جهاد السياسة في الأحياز والأعيان. ولعل مفهوم المسجد المطلق(الأرض كلها مسجد) هو المفهوم الجامع لهذه المعاني جميعا فضلا عن القبلة المطلقة (أينما تولوا فثم وجه الله).
34-ومثله الحديث: فالقدسي منه اجتهاد التربية في الوجدان والأذهان والعادي منه جهاد السياسة لتحقيق الكيان في الأحياز والأعيان كما شرع له الرحمن في آية القرآن: قرآن سنة.
35-وبذلك يكون القرآن نموذج الاستراتيجية التوحيدية في الأذهان والأعيان. والسنة منطق السياسة التحقيقية في الأذهان والأعيان في كل حين وآن.
36-فتكون النسبة بين القرآن والسنة كما فهمها الشافعي النسبة بين النموذج المطلق والتطبيق النموذجي الذي هو الاجتهاد والجهاد بمستطاع العباد.
37-سيعاب على هذا التحليل أنه يرد كل شيء إلى النقل كما يبدو للقراءة السطحية. وهذا خطأ سائد عند أدعياء التحديث.لايعلمون أن المرجعية في كل الحضارات السوية لا تكون إلا كذلك لأن المقابلة بين كونها طبيعية أو دينية لا تذهب إلى الغاية التي ترجعهما إلى أصل واحد هو مفهوم الشرائع.
38-وذلك ما يجهله الحداثيون أو يتجاهلونه رغم اعتمادهم عليه لأن مرجعيتهم الضمنية نقلية حتى لو توهمت أن تصورها للطبائع يختلف عن الشرائع: أي إنها مستمدة من مستوى متعال من الوجود خارج الأذهان دون أن يرد إلى أعيان الطبيعي أو الشريعي بل هو ما بعدهما دائما.
39-لذللك فنحن نعتبر الطبائع نفسها شرائع لأن ما وراءها هو دائما الذي يمثل المرجعية هو قوانينها لا أعيان محسوساتها وبعلمها نرتب وجودنا في نظام الاجتهاد (التربية) ونرتبه في نظام الجهاد (السياسة). وذلك هو المعنى العميق للمرجعية التي هي واحدة في كل الحضارات دون اعتبار لترجماتها العقدية.
40-والاحتكام إلى قوانين الطبائع هو بدوره شريعة أي منظومة قوانين وسنن: ففصلت 53 تشير إلى أن المسلم عليه طلبها في الآفاق وفي الأنفس وليس في ترجمتها العقدية دينية كانت أو فلسفية. وبها من حيث سريان فعلها في الآفاق والأنفس نتبين أن الرسالة هي الحق.
41-ذلك أن الآفاق والأنفس مفهوم جامع مانع لكل الطبائع وبصورة أدق لجنسيها: فعلوم الآفاق هي علوم الطبيعة (الطبيعيات) وعلوم الأنفس هي علوم التاريخ (الإنسانيات) ومعهما العلوم الأدوات أدوات الإدراك وأدوات التعبير العلميين.
42-والعلوم الأدوات المشتركة التي بها يدرك العلم موضوعاته ويعبر عن إدراكه هي الرياضيات والمنطق واللسانيات والتاريخ (التاريخ هنا بمعنى النقلية سواء من الطبيعة أو من التاريخ).
43-والنقليات الطبيعية هي التي نعتبرها مجال تجاربنا الطبيعية والنقليات التاريخية هي التي نعتبرها مجال تجاربنا الحضارية. وذلك هو الحد الجامع المانع لـمفهوم الآيات التي يرينا الله إياها في الآفاق والأنفس ومنها نستمد اليقين بأن الرسالة هي الحق.
44-فإذا انتقلنا الآن الى موضوع الجهاد بعد موضوع الاجتهاد فسنجد نفس الحد الجامع المانع لوظيفة السياسة: إنها حماية حرية الفكر (الجهاد لحماية حرية المعتقد غاية لحرية الفكر والضمير) وتحقيق العدل (الجهاد لحماية المستضعفين غاية للعدل والحرية بإطلاق لأن الاستضعاف هو ثمرة الاستبداد والفساد).
45-وذانك هما ولا شيء سواهما شرطا الجهاد بالمعنى القرآني والذي هو جوهر السياسة أو وظيفة الدولة الإسلامية. إنهما شرطاه الوحيدان عقلا ونقلا. فأما عقلا فلا يحتاج إلى تدليل. وأما نقلا فيكفي ذكر مستويي السياسة.
46-فالسياسة تصريف القوة الشرعية للمحافظة على شروط الحياة الجمعية وطنيا ودوليا. والسياسة بماهي القوة اللطيفة هي أمانة وعدل (النساء 58) وبما هي القوة العنيفة هي الدفاع عن حرية الفكر والمعتقد والدفاع عن المستضعفين في الجماعة وبين الجماعات.
47-والنوع الثاني هو عين الحاجة إلى الدولة: فالبقرة 251 تعتبر الجهاد لدرء الفساد في الأرض أي الاستبداد والاستضعاف و الحج 40 تعتبره شرطا لحرية المعتقد غاية الحرية الفكرية.
48-والسؤال: لماذا تغيب كل هذه المعاني الاجتهادية والجهادية في التاريخ الفعلي للمسلمين؟ والجواب هو ما قصدنا بالانحطاطين الذاتي والمستورد.
علاقة الفصلين بمفهوم حرب الخيال العلمي
49-والآن يمكننا أن نصل قسمي المحاولة في الحرب على الإسلام والواسطة بينهما فنربط ذلك كله بالبحث الذي تحدثنا فيه عن استراتيجية حرب الخيال العلمي التي تمارس ضد سنة العرب قلب الأمة : بالاعتماد على الداعشين التحديثي والتأصيلي.
50-فدليل فشل الانحطاطين في قتل قوة الأمة المادية والرمزية هو الثورة ولعلمهم بوزنها القوي وخوفهم من انتقالها إلى الفعل جاء الخيال العلمي.
51-قوة الأمة تصبح بالفعل ماديا ورمزيا باستئناف السنة من العرب دورها إذا وحدت حيزيها المكاني شرط قوتها المادية والزماني شرط قوتها الرمزية وتحررت من الجغرافيا والتاريخ الاستعماريين الحائلين دون قوتيها وكان يمكن أن يقضيا عليها لولا صمود حيزها الروحي أو حصانتها الروحية : الرسالة الإسلامية.
52-إذن ما الذي يريد العدو القضاء عليه بحرب يعتمد فيها على أدوات الخيال العلمي؟إنه ما يخشاه العدو و ما يتصوره سر قوته فيحاربه بإبداع قصة بطلها صورة مشوهة من عدوه ومن مشروعه ومرجعيته وكذلك صورة مشوهة مما يمكن أن يستفيد به عدوه مما لديه من عناصر قوة : وتلك وظيفة صنفي الدواعش ممثلي الإنحطاطين.
53-وهذان النوعان من الكائن الخيالي يصبحان حقيقة واقعة يستغلان مطالب الأمة فيحولانها إلى كاريكاتورين يهدمانه باسم تحقيق مطالبه: فأما الدواعش التي تمثل ما يقدم على أنه استفادة من حضارة العدو فهي الأنظمة ونخبها ممثلة لكاريكاتور الحداثة وأما الدواعش التي تمثل ما يقدم على أنه إحياء لحضارة الذات فهي الحركات ممثلة لكاريكاتور الإسلام.
54-وهذه الحرب بين الكاريكاتورين تعتمد على الخيال العلمي لأنها تحقيق على أرض الواقع وليس في السينما لقصة من الخيال العلمي الجارية على أرض العرب هدفها مضاعف: تشويه المشروع والإسلام لتحفيز الرأي العالم الغربي وفرض نسخ مشوهة من قشور الحضارة الغربية دون حقائقها.
55-وهذه الحرب ينبغي أن تكون الأكثر وحشية والأكثر نشرا إعلاميا وأن تجري في مراكز الثقل التي يمكن أن تقود استئناف العرب دورهم بحق قاطرة للأمة : من هنا تجد الصوغ الكاريكاتوري التام للحداثة والأصالة في ساحة المعركة الحالية ولعل مصر وتونس وسوريا والعراق وليبيا واليمن أفضل الأمثلة.
56-ويبنغي في أن تعتمد حرب الخيال العلمي على محركات فعلية حتى تكون التمثيلة قابلة للتصديق. لذلك فهي حرب الفتنتين: إحياء الفتنة الكبرى بالدواعش التأصيلة بين الشيعة والسنة وتوطيد الفتنة الصغرى بالدواعش الحداثية بين العلمانية والدينية. ويقتضي ذلك توظيف مليشيات البقايا الخمسة.

هل يدرك سنة العرب وزنهم بحق؟

57-وإذا كان الغرب مدركا لثقل العرب والأمة ثقلهما الذي بالقوة وخوفه من تحوله إلى ثقل بـالفعل فإن أقل الناس إدراكا لذلك هم العرب أنفسهم وخاصة قياداتهم.
58-بل إن قياداتهم ونخبها من أكبر العوائق دون الإدراك لتصورهم توحيد الحيزين المكاني والزماني وإنهاء الجغرافيا والتاريخ اللذين فرضهما الاستعمار حتى لا يبقي لهم من السلطان إلا وهمه لأن بلدانهم صارت محميات وهم في مرتبة دون الولاة لديه.
59-ما أظن واحدا منهم مهما كان غبيا بجاهل أنه لا سلطان له على القطعة التي ولوه عليها: إنه عبد ذليل عند الغرب الذي يقودهم طوعا وكرها بتوسط نائبيه: إسرائيل وإيران.
60-وقد اتضحت الصورة بفضل الثورة التي بينت أن الشعب مدرك للمعادلة لذلك مالت أغلب الأنظمة إلى تكوين الوحدة السلبية للحيزين لأن الثورة المضادة لم تعد تعترف بالحدود بل هي تعمل في كل رقعة الوطن لمنع نجاح الثورة في أي قسم منه.
61-لكن إرادة الله لا غالب لها: صمدت الثورة رغم التضحيات وتعجلت إيران فظنت أنها يمكن أن تنجز الخطوة الأخيرة فسعت إلى احتلال الخليج بعد الهلال : فقيض الله ملكا صالحا تصدى لها ونأمل أن يفيق العرب الآخرون فينضموا إليه بدل تعطيل مسيرته.
62-فتغير تصور القوة الأولى القائدة للخليج تغير تصورها للأخطار بتغيير ترتيبه جعل إيران ومليشياتها تتقدمان في الرتبة فكان ذلك بداية لاستئناف الثورة زخمها واضعاف الثورة المضادة.
63-والغرب نفسه وقع في خطأ لفرط استهانته بالأمة لأن إحياء الفتنة الكبرى واستعمال الفتنة الصغرى كلاهما بعكس المنتظر مآله في الغاية توحيد السنة وما كان بالقوة سيصبح بالفعل.
64-وكل ما أسعى إليه وأخصص له ما أمليه على مدير الصفحة يوميا هدفه أن تفهم الأنظمة العربية أن الخطر لم يعد الثورة بل خدعة حرب الخيال العلمي بصفي الدواعش باسم التحديث وباسم التأصيل.
65-لكن خدع الخيال العلمي لا تغلب إلا بحقائق العلم: لا يمكن هزيمة الكاريكاتورين إلا بحقائق قيم الإسلام وقيم الحداثة في خلافة بمنطق العصر. ولا يمكن كذلك اعتبار الخيال العلمي كله خيال: فهو ينطلق من حقائق لأن ممثلي الفتنتين الكبرى والصغرى موجودون بحق وهم الأكثر حركة والعدو يكتفي باستغلال الموجود ثم يبني عليه خطته الخيالية ككل عمل مبدع للأدوات.
66-لكن الحصيلة الموجبة لما يسمى بالفوضى الخلاقة والتي يمكن للأمة أن تفيد منها هي أن العودة إلى الحدود الجغرافية والتاريخية التي فرضها الاستعمار أصبحت وهما وأن النزول دونها فيه بداية لتوحيد لا يمكن منعه. والعدو من حيث لا يعلم بخدعة حرب الخيال العلمي فتح عهدا جديدا لن يكون دون السابق كما يتصور بل هو سيكون بداية الخروج منه.
67-هو يسعى لإنزالنا دون الجغرافيا والتاريخ اللذين فرضهما ونحن سنصعد فوقهما حتى بداية من فعله وإن بصورة كاريكاتورية كما في ما بين العراق وسوريا. لكن ما نسعى إليه غير ذلك وحدة أسمى : سنبني وحدة حديثة تجمع بين القطري والقومي بداية للاستئناف.
68-المشترك بين سعي العدو وسعينا هو تجاوز الحدود المكانية والزمانية التي فرضها الانحطاطان. هو يريد النزول دونها ونحن الصعود وراءها. ومن دون هذا الصعود لا يمكن للدول القطرية كالحال في أوروبا أن تبقى بل هي ستزول لأنها لا تملك شروط البقاء حماية ورعاية وستفتت أكثر وتشتت وينجح المشروع الاستعماري.
69-صمدت أوروبا الغربية أمام الغزو السوفياتي والحركات التهديمية للأحزاب الشيوعية-ورمزها الجبهة الحمراء التي لا تختلف عن دواعشنا-بالجمع بين سيادتين وطنية وأوروبية. وقد ساعدها الحلف مع أمريكا ونحن يعطلنا حلفها مع أعدائنا. لكن مقاومتنا ستفرض عليها أحد حلين: إما تركنا وشأننا أو السقوط معنا إن ظنت أنها يمكن أن تهزمنا.
70-ينبغي أن تفهم الانظمة العربية هذه الحقيقة لتحقق شرطي الحماية والرعاية بصورة تحفظ الدولة القطرية وتتجاوزها إلى شكل من الوحدة القومية التي من جنس بداية تاريخ الإسلام وليس بالمعنى الفاشي الذي هدم وحدة الأمة بإحياء النعرات العرقية والشعوبية.
71-فإن لم تفعل فلتقبل نتائج ما يسعى إليه العدو وشرطيه ومساعد شرطيه ومليشياتهما والغول السينمائي الذي يشوه السنة والإسلام والحداثة ويسرع النهاية. ونأمل أن تكون السعودية مثل قطر وتركيا قد فهمت الأحبوكة.
72-المسألة لم تعد اختيارية بل هي الحل الوحيد لأن الأمر صار متعلقا ليس بالأنظمة فحسب بل وكذلك بوجود الأقطار التي ينوي العدو تفتيتها أكثر.
73-والغيرة على السيادة دليل غباء: فأولا لا توجد دولة عربية ذات سيادة إذ كلها محميات ومرعيات وثانيا الوحدة الأوروبية لم تفقد الأقطار سيادتها بل العكس هو الصحيح لأنها حققت شروط الحماية والرعاية بالحجم والكفاية.
74-يكفي أن تصبح الجامعة جامعة الشعوب ذات برلمان يمثل إرادتها فإن قوة العرب اللطيفة والعنيفة ستجعلهم القوة الأولى في الإقليم مهابة وشوكة.
75-لم يعد الأمر مجرد تمن: إنه ضرورة وجودية للعرب وعلى الأقل للخليج ومن دونها ستعيد إسرائيل وإيران برعاية أمريكا العرب لعصر الجاهلية.
76-وهذه الضرورة لا يمكن أن تحققها الأنظمة إلا إذا تصالحت مع الثورة وآمنت بمطالبها وسعت معها لتحقيقها لأنها هي عين التخلص من الانحطاطين.
77-وهذا ممكن لأن الخطر الوجودي لم يعد متعلقا بالأنظمة التي لم تقع فيها بعد الثورة وحدها بل هي تعم الجميع وصمود الثورة صعب من دون الصلح.
78-وإذن فالصلح هو بدروه ضرورة. ولعل قطر والسعودية فهمتا ذلك. لكن البعض الآخر ما يزال مترددا. ولعله يصدق وعود الأعداء فإذا قبل الغرر فسيكون أول الضحايا.
79-فالشاه الأب فرس الضفة الشرقية من الخليج. وسعى الشاه الإبن لتفريس الضفة الغربية. لكن الخميني بنى نظامه على تفريس كل الأرض العربية وخليفته يتصور أنه قد نجح في احتلال أربع عواصم عربية.
80-والغرب يبدو قد عزم أمره وكلف إسرائيل وإيران بالقضاء في فسحة قدرها بـ30 سنة على ما يظنه خطرا على سلطانه العالمي استئناف العرب دورهم لقيادة الإسلام.
81-ومثل هذه الاستراتيجيات لا يرد عليها بالفزات المتقطعة بل لا بد من استراتيجيا أبعد غورا منها لا تكتفي على رد الفعل بل ينبغي أن تكون ذات روح فاعلة تحقق أهدافها الإيجابية فلا يستطيع العدو منع ما يهابه لأنه ليس الكاريكاتور الذي صنعه بسبب خوفه منه وعيشه على ذكريات الماضي ووهنه أمام التنافس النزيه.
82-ومثل هذه الاستراتيجيات لا يرد عليها بالفزات المتقطعة بل لا بد من استراتيجيا أبعد غورا منها لا تكتفي برد الفعل بل ينبغي أن تكون ذات روح فاعلة تحقق أهدافها الإيجابية فلا يستطيع العدو منع ما يهابه لأنه ليس الكاريكاتور الذي صنعه بسبب خوفه منه وعيشه على ذكريات الماضي ووهنه أمام التنافس النزيه.
83-والشرط الأول في هذه الاستراتيجية يتعلق بالأنظمة: إذا لم يقتنع قادتها بأن التنمية القطرية عاجزة عن تحقيق شروط الحماية والرعاية وأن أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو رفاهية كاذبة تحت حماية أجنبية فإن مسعاها سيبقى مقصورا على شكليات الحضارة بالاستيراد الذي يزيدها تبعية إلى أن تنضب ثرواتها الطبيعية فتعود إلى الجاهلية.
84-ولا ينبغي أن يقيسوا على إسرائيل ذات الحجم الصغير والقدرة الفائدة: فهذه ليست قطرا ككل الأقطار بل هي مصب لامتصاص ثروات العالم بتوسط ما لديها من أقليات مسيطرة على القرار في كبرى الدول العالمية. وهي في الحقيقة عالة عليه
85-والقوة التطفلية هي قوتها الوحيدة وكل ما عدا ذلك من تهويل للذكاء اليهودي كذبة كبرى لأن الذكاء متناسب مع حجم الأمم حتى وإن كان استثماره مختلفا. فإسرائيل رغم كل ذلك لا سيادة لها وليس لها شروط القيام الذاتي المستقل لأن حمايتها ورعايتها مستمدة من الكيانات التي تتطفل عليها. وما كل مرة تقوم حرب عالمية لحمايتهم من ثورة من يتطفلون عليه.
86-ونفس الأمر بالنسبة إلى حركات الإسلام السياسي إذ هي في وضع الانظمة وإن بالقوة. فإذا كانت تسعى للسلطان على الأقطار في إطار المحافظة على الجغرافيا والتاريخ المفروضين من الاستعمار دون حرز أسمى فإن الحال لن يتغير وسيبقى العرب تحت الحماية والرعاية.
87-لذلك فالثورة تصبح مجرد معركة تافهة من أجل الكراسي ولا علاقة لها بالحرية والكرامة مطلبي الثورة أو خاصة بـ”إذا الشعب أراد الحياة”. ذلك أن هاتين القيمتين ممتنعتي التحقيق في ظل تبعية في الحماية والرعاية: مجرد ولايات تعيش بالتنفس الاصطناعي.
88-ومقاومة الثورة المضادة إذا ظلت قطرية فمآلها الفشل الحتمي لأن حصارها يسير. وإذا ظلت معتمدة على سخافة إما السلمية أو الداعشية فإنها تبرهن على أنها أكثر غباء من الأنظمة التي تثور عليها. الثورات ليست سلمية وليست داعشية بل هي استراتيجية سياسية بأقل كلفة ممكنة.
89-لا توجد سياسة في العالم تعتمد على “إما وإما” بل كل سياسة هي استراتيجية ذات بعدين لطيف وعنيف تراوح بينهما لتحقيق الأهداف. فالسياسة حرب لطيفة والحرب سياسة عنيفة والاستراتيجيا الحكيمة مزيج بينهما سره الدهاء والحكمة. ومن يعتقد الثورة بمعزل عن هذه الحقيقة فهو يكذب على شعبه وليس بثوري.
90-ورأيى أن الحركات الإسلامية التي تسمي نفسها وسطية بعدم فهمها هذه الحقيقة واستعمال الاستراتيجية السياسية بوجهيها شرطي الفاعلية اللطيفة هي التي ستجعل الشباب الغاضب ييأس من السياسة فيتبع العنف الأعمى تنفيسا عن الغضب وهو ما تريده الأنظمة المستبدة حجة للبقاء وللحصول على سند الأعداء.
91-وأخيرا فإني مؤمن بأنه مهما فعل الأعداء وتحايلت مليشياتهم والأنظمة وطمعت الحركات التي تريد الحكم ولا تريد شروط تحقيق أهداف الثورة الممتنعة من دون شروط السيادة حماية ورعاية فإن الشعوب فهمت المعادلة ولن تسمح ببقاء الوضع الراهن أو النزول دونه بل هي ذاهبة حتما إلى الاستئناف الذي يمكن الأمة من القيام بدورها الكوني.


الحرب على الإسلام – القسم الثاني – تجاوز العلاقة بين الكنسية و العلمانية – أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s