قصتي مع الغزالي – إصلاحه وعلل فشله – أبو يعرب المرزوقي

قصتي مع الغزالي – إصلاحه وعلل فشله – أبو يعرب المرزوقي

تنبيه مدير الصفحة:

ننشر الجواب الذي تفضل أستاذنا أبو يعرب فأملاه علينا جوابه عن سؤال حول المقدمات التي جعلت عمل ابن تيمية وابن خلدون يكون بالصفات التي وردت في التلخيصين حتى تكتمل الصورة. ولما كان للأمر علاقة ببدايات فكره فهو قد اشار إلى هذه البدايات التي تشبه الترجمة الذاتية.

مدخل وجيز

كان البحث في فكر الغزالي ثالثة المراحل في كتاباتي الأكايمية باللسان الفرنسي, رغم أن عملي حول مفهوم السببية عنده كأن أول ما نشر منها باللغتين الفرنسية ثم العربية. فبعد محاولة في مفهوم النقد عند هيجل لم تصل إلى غايتها لعدم تمكني حينها من لغته ولعدم رضاي عن الاقتصار على قراءته مترجما إلى الفرنسية في ترجمة هيبوليت وشروحه, حاولت فهم فكر ابن رشد انطلاقا من سابق معرفة بفكر أرسطو وأفلاطون معرفة ناتجة عن حب الاطلاع و”غرام” شخصي بالفكر اليوناني وليس عن تخصص أكاديمي كما حصل لاحقا في غاية السبعينات بعد أن قررت العودة إلى الاصل في الفكر الفلسفي الإنساني عامة: أفلاطون وأرسطو.
عندئذ اكتشفت الغزالي, في بداية السبعينات, انبهرت بثراء تجربته الروحية وبأبعاد ثورته الفكرية وخاصة بوعيه الحاد بأزمة الحضارة العربية الإسلامية ومسعاه الجاد لوضع النظريات التي تحدد العلل وتقدم العلاج. لكني عجبت في آن مما كان الرجل يتعرض له من حملات تشويه من مفكرين كان من المفروض أن يدركوا معنى التجربة الروحية وأن يفهموا معنى الثورة الفكرية وأن يثمنوا خاصة دلالة الوعي الحاد بأزمة الحضارة العربية الإسلامية. كان الرجل ضحية مفكري الحداثة المتمركسة من الباحثين العرب ماضغي كليشهات التقدمية والثورية ومقدمي الإيديولوجيا على المعرفةالتي من شروطها إنصاف حتى المخالف عقديا.
لكن هؤلاء المفكرين اكتفوا بما يترتب على موقفهم الإيديولوجي الذي ليس هو موقف أصيل لأنه مجرد تقليد لموقف صاغه أرنست بلوخ في محاضرته حول ابن سينا بعنوان اليسار الارسطي قياسا على اليسار الهيجلي اليسار الأرسطي الذي نسب زعامته لابن رسد (قدمها في مؤتمر دولي حول ابن سينا نظم في إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي الإسلامية سنة 1961). اعتبروا الغزالي كما اعتبره بلوخ ممثلا للظلامية وعدو الفلسفة الأول, لكأنه ممثل اليمين الارسطي قياسا على اليمين الهيجلي تمثيل ابن رشد لليسار الأرسطي خاصة وهم متأثرون كذلك بارنست رنان صاحب الرشدية اللاتينية الذي استمدوا منه تمجيدا لابن رشد ممثلا للتقدمية والفلسفة العلمانية متناسين أن الرجل لم يرفع من شأن ابن رشد اللاتيني لا العربي إلا ليحط من شأن الحضارة العربية الإسلامية ذما للجنس السامي ومدحا للجنس الآري.
لذلك عزمت على دراسته بصورة منهجية ونسقية -في عمل أكاديمي قدمته في باريس سنة 1972 حتى أفهم مشروعه الفلسفي الذي تبين لي بالتدريج أنه أول تأسيس حقيقي للفلسفة الحديثة كلها عندنا وعند اللاتين وحتى في الفلسفة الحديثة رغم فشله في الذهاب إلى غايات مشروعه, وبصورة أدق رغم إفشال مشروعه النسقي بسبب الترميم الرباعي الذي حصل في القرن السادس والذي كان من أثره محو المحاولة النقدية الغزالية بترميم الفلسفتين القديمة والوسيطة ومن ثم ببناء المدرسية الإسلامية التي سيطرت حتى على المدرسية اللاتينية من بعدها ولم يتحرر منها الفكر إلا في بداية العصر الكلاسيكي الغربي الذي يمكن من فهم ثورة الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وخاصة بعد تمامه في الفلسفة النقدية:
1-ابن رشد (فلسفة كلام).
2-السهروردي (فلسفة تصوف).
3-الرازي (كلام فلسفة).
4-ابن عربي (تصوف فلسفة).
وطبعا فهذا الترميم رغم سلبيته التي قضت على المحاولة النقدية, فإنه كان المرحلة الضرورية للوصول إلى النقد الجذري الحقيقي الذي فتح عهدا جديدا للفكر الفلسفي والكلامي والصوفي والفقهي لتجاوزها معانيها القديمة والوسيطة عهدا أسس لنقلة نوعية هي التي نجدها في فلسفة ابن تيمية النظرية وخاصة في ما بعد المنطق (نظرية جديدة في اللسان والمنطق والسيميولوجيا) وفي فلسفة ابن خلدون العملية وخاصة في ما بعد التاريخ (نظرية جديدة في اللسان والتاريخ والمنطق والسوسيولوجيا).

مقومات مشروع الغزالي الفكري

وحتى يدرك القارئ أهمية مشروع الغزالي, فلابد أن يضع أمام ناظره خمسة مصنفات غزالية تمثل أهم إبداعاته الفكرية والفلسفية. فلينظر في النسق الذي يحدد أركان ثورته التي مرت مرور الكرام. وكان من الطبيعي ألا يدرك أهميتها مثقفوا الكليشهات ممن تسكرهم زبيبة وتذهلهم النجومية السهلة بنت الشللية والصحافة الحزبية. فالقلب من هذه المصنفات هو المنقذ (رغم تأخره كحديث لكن حدثه متقدم) ومن حوله كتابان نقديان, يغلب عليهما السلب هما التهافت (بداع من حال الثقافة) والفضائح (بطلب من الخلافة) وكتابان بنائيان يغلب عليهما تقديم مشروع الإصلاح المترتب على عملية النقد المنطلق من أزمة وجودية عاشها الرجل.
ولم يكتف الغزالي بوصل عمله بأزمته الوجودية الشخصية (كما عرضها في المنقذ) بل بين صلته وصلة الأزمة بالوضع الثقافي والروحي للحضارة العربية الإسلامية هما: الاحياء (الإصلاح التربوي) والمشكاة (الإصلاح الفكري). وللأزمة مستويان في الأعيان وفي الأذهان أي في سلوك المسلمين (سلوك المتنابهين والمتكلمين والفقهاء) ومؤسساتهم (فقدان التكوين في الفنون التي تحتاج إليها الأمة) وفي معارفهم ممثلة بالفنون الخمسة أي الكلام والفلسفة والفقه والتصوف وأصلها جميعا أو العلاقة المتبادلة بين النص المؤسس والوجود وما يظهر من ذلك كله في المجتمع السياسي والمدني والديني في عصره. وفي الجملة فلكأن الرجل يعيش بيننا لأن ما يصفه من مظاهر الأزمة هي ما لا زلنا نعيشه وخاصة في لحظة اهتمامي به أي في السبعينات من القرن الماضي.
والبنية التي نتكلم عليها هي البنية التي تجمع هذه المصنفات الخمسة وهي التي تحدد طبيعة الثورة التي سعى إليها الغزالي ثورته المتعلقة بما في الأذهان وبما في الأعيان سلوكا ومؤسسات وفي المعارف الأساسية التي كانت تمثل مضمون الثقافة العلمية في عصره. فزعزع بها كل النسق السينوي الذي كان يمثل التأليف الأسمى في عصره لعلوم عصره وخاصة للفلسفة تأليفا يمكن اعتباره غاية ما بلغ إليه الفهم العربي الإسلامي للفلسفة اليونانية في المشترك الأفلاطوني المشائي منها شرطا في إمكانية تحقيق الصلح بين الثقافتين اليونانية والإسلامية ممثلة بالكلام والتصوف.
لذلك لم تكن ثورته ثورة على الوضع الفكري الفلسفي والديني في حضارة الإسلام وحدها بل كان ثورة على الحضارة القديمة وبقاياها في الحضارة الوسيطة ومن ثم فهو تأسيس لتجاوز الحضارتين القديمة والوسيطة وإعداد للحضارة الحديثة والمعاصرة كما سنرى.
ويمكن أن نقسم المصنفات التي تمثل هذه الثورة إلى زوجين اثنين في مستوى المعرفة والنظر الخالصين والثقافة العلمية وزوجين اثنين في مستوى النظر العملي والثقافة العملية:
1-فالتهافت والمشكاة يتعلقان خاصة بالنظر في أرقى درجاته: نقد المعرفة النظرية من منطلق تحليلي خالص (التهافت) ومن منطلق تأويلي خالص (المشكاة).
2-والفضائح والإحياء يتعلقان خاصة بالعمل في ارقى درجاته: نقد المعرفة العملية من منطلق تحليلي خالص (إحياء علوم الدين) ومن منطلق تأويلي خالص (فضائح الباطنية).
فيكون العمل في الحقيقة في كلا المستويين ثورة نقدية للتحليل في مجالي النظر والعمل والتأويل فيهما كليهما. وهو يرد نقد التأويل العملي إلى فساد التحليل النظري لأن المدرسة التعليمية للباطنية ليست هي إلا المدرسة الفلسفية متنكرة بلبوس التدين الشيعي. ويرد التحليل العملي إلى فساد التأويل النظري في المدرسة الظاهرية للسنة التي ليست هي إلا مدرسة كلامية متنكرة بلبوس التدين السني.
وبذلك فإن العمل كله كان في الحقيقة نقدا للفكرين الشيعي والسني اللذين هما فلسفة وكلام فاقدين للبعد النقدي ما جعلهما تفسدان التأويل والتحليل في آن. وهو ما أدى به إلى تصور الحل في إدخال التحليل المنطقي والتأويل الصوفي في الفكر السني ليحرره من غزو التحليل والتأويل الباطنيين للفكر الشيعي: ومعنى ذلك أنه سعى إلى تأسيس فلسفة وتصوف سنيين متحررين من الفكر الباطني في مستوى النظر وفي مستوى العمل.

عرض وجيز لنتائج ثورة الغزالي النقدية

أكتفي بهذا لئلا أثقل على غير المختصين لأمر لذكر بعض النتائج ثم لعلل الفشل في الغاية مرتبة من العمل إلى النظر بحسب التوجهين إلى خصوم السنة ثم إلى السنة نفسها أعني بحسب تشخيص الأدواء الناتجة عن مواقف محاربي السنة ثم بحسب تشخيصها عند السنة نفسها. ومن أراد المزيد من التحليل الدقيق لثورة الغزالي إذا كان ذا صبر على البحث الأكاديمي المختص فعليه بضميمة كتاب المثالية الألمانية حول الفلسفة النقدية العربية (الشبكة العربية بيروت) أو بجزئي الرسالة حول منزلة الكلي:
1-تجليات الفلسفة العربية عن دار الفكر والفكر المعاصر دمشق بيروت.
2-إصلاح العقل في الفلسفة العربية مركز دراسات الوحدة العربية بيروت.

نتائج النقد في فضائح الباطنية

يهمنا أن نشير إلى أهم نتيجتين ثوريتين تتعلقان بالفكر العملي نحن اليوم أحوج إليهما منا في الماضي,لما يترتب عليهما من تحديد شديد الحداثة للعلاقة بين الديني والسياسي وكيفية التعامل مع المذاهب المخالفة للمذهب الذي تقول به السلطة الحاكمة:

النتيجة الأولى

النتيجة الأولى هي بيان الفرق بين الموقفين الشيعي والسني من طبيعة الحكم والدولة من حيث علاقتها بالدين: يقابل بين الوصية والاختيار. ويدحض الحجة القائلة إن الاختيار تحكمي لأنه لا يكون للواحد وللكثير ولا للقليل فيبين أنه يكون لأي منها بحسب الظرف لكنه دائما عقد بين الحاكم والمحكوم بضمانة الشريعة وليس إرثا أو حقا إليها ويدحض نظرية الوصية بالحكم للأيمة فضلا عن نفي العصمة.

النتيجة الثانية:

النتيجة الثانية هي الأهم: إنها دحض نظرية التعليم من الإمام المعصوم والتأويل التحكمي بطريقة شديدة الطرافة فضلا عن الدحض الفلسفي, مبينا أن بصورة ساخرة أنه يمكن أن يعتمد التأويل العددي لينفي كل دعاوى الباطنية وليثبت كل دعاوى السنة مما يبين أن التأويل الباطني تحكمي بإطلاق لكونه يثبت الشيء وعكسه تماما. أما الدحض الفلسفي الجدي فهو يتمثل في طريقة الرد التي ترجع كل الفكر الباطني إلى الأفلاطونية المحدثة المغرقة في التأويل الرمزي التحكمي والسخيف كما في رسائل إخوان الصفا أو كما عرضت مثلا في كتاب راحة العقل الذي كان صاحبه داعي الدعاة في تلك اللحظة ولعله هو المقصود بالدحض.

نتائج النقد في تهافت الفلاسفة

هنا كذلك نجد نتيجتين ثورتيين تتعلقان بالفكر النظري أولاهما ابستمولوجية والثانية أكسيولوجية وهما ثوريتان لما يترتب عليهما في مستوى حداثة الفكر إذ هما تؤسسان لفكر فكر أحدث ألف مرة من فكر كل أدعياء الحداثة الذين لم أساؤوا فهم الغزالي وحتى فكر ابن رشد الذي هو أقرب فلاسفة الإسلام لابن تيمية فضلا عن الفلسفة الغربية الحديثة وخاصة الفلسفة النقدية:

النتيجة الابستمولوجية

النتيجة الابستمولوجية هي التمييز بين العلمي واللاعملي في الفلسفة القديمة وتحديد المنزلة المعرفية للميتافيزيقا بوصفها علم كلام متنكر: فالعلمي مثاله الرياضيات والمنطق والكلامي مثاله كل الإلهيات وحتى التجريبيات مثل الطبيعيات فإنها وسط بينهما لأنها دون الأولى علمية وفوق الثانية منهجية وعقلانية. والإهم من ذلك كله الفصل بين الضرورة المنطقية التي هي تحليلية خالصة والضرورة الطبيعية التي هي مجرد معتقد لا شيء يثبته علميا (نظرية السببية).

النتيجة الأكسيولوجية

النتيجة الأكسيولوجية هي التقويم الروحي والديني للفلاسفة الذين يعتبر كبارهم مؤمنين بالمبدأين الأساسيين في الدين أعني بوجود الله والبعث وهو لا يستثني منهم إلا من ينفي خلود النفس وعلم الله بالجزئيات ويكذب وصف القرآن للبحث والحساب. ومن ثم فهو لا يخرج من الدين إلا من إدعى علما يغني عن الوحي من دون أن يكون على علم بشروط العلم التي بمجرد معرفتها يصبح مثل هذا القول دليلا على السخف وليس على المعرفة.

نتائج النقد في إحياء علوم الدين.

نسبة إحياء علوم الدين إلى فكر السنة العملي هي عينها نسبة فضائح الباطنية إلى فكر الشيعة العملي. لذلك فأولى الأسماء به فضائح الظاهرية ليس الظاهرية بمعناها الاصطلاحي بما هي مذهب من بين مذاهب السنة بل بمعنى رد الدين إلى مجرد مناسك عبادة خارجية. ولذلك فالكتاب يتضمن نتجيتين ثوريتين كذلك:

نقد علم الكلام والفقه وخاصة المتكلمين والفقهاء

أولاهما سلبية وهي نقد علم الكلام والفقه وخاصة المتكلمين والفقهاء الذين هم في الحقيقة “عملاء” دنيا أكثر مما هم علماء دين. ونقده لهما من أشد ما قيل فيهما فكريا وخلقيا لذلك فهو علاج بالكي أي بآخر الدواء للمرضين الأساسيين اللذين يمثلان علة الانحطاط الأولى في حضارتنا إذ هما قتلا معنى التشريع (الفقهاء) ومعنى العلم (المتكلمون) بأن جعلوهما معارك حول الالفاظ وتضييع المعنى الحقيقي للتشريع بما هو تنظيم قانوني خلقي للحياتين الخاصة والعامة وتنظيم معرفي تقني للحياتين المادية سدا لحاجات البدن والروحية سدا لحاجات النفس بدلا من أن يكون معارك ديكة في كلام في غير معلوم بالجوهر أعني الماورائيات.

تقديم البديل من علم الكلام وعلم الفقه

الثانية هي تقديم البديل من علم الكلام وعلم الفقه بضخ المضمون الروحي والمضمون العلمي فيهما. ولعل من ثمرات هذا البديل كتابا القسطاس للفقهاء والاقتصاد في الاعتقاد للمتكلمين. لكن إدخال المنطق والتصوف حلين لمشكل العلوم الإسلامية التي أراد إحياءها لم يزدها إلا فسادا لأنه لم يستند إلى نقد للمنطق وللتصوف يخلصه مما حاول بيانه في كتابي تهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية. ومعنى ذلك أنه من حيث لا يعلم أدخل تهافت الفلاسفة في الفكر الكلامي الأشعري من بعده وأدخل فضائح الباطنية في الفكر الفقهي الأشعري من بعده.
ولعل ممثل كلا الوجهين هو الرازي الذي خلط كل شيء بكل شيء فافسد فكر الأشعري وجعله من جديد يتحول إلى ميتافيزيقا متنكرة. لكن الرازي لم يكن الوحيد الذي نكص عن ثورة الغزالي الفلسفية بل إن المربع الذي رمم الفلسفة القديمة والكلام القديم والتصوف القديم والفقه القديم أعين ابن رشد والسهروري والرازي وابن عربي هو الذي يدل على إفساد محاولة الغزالي التي تتضمن في ذاتها شروط إفسادها لأنها تصورت المنطق والتصوف قابلين للإدخال من دون أن يتقدم عليهما نقد للمعرفة النظرية والمعرفة العملية بصورة لا تكتفي بالنقد العادي بل تتجاوزه إلى أصل المشكل: نظرية المعرفة وقدرات العقل (ابن تيمية) ونظرية العمل وقدرات الإرادة (ابن خلدون).

نتائج النقد في مشكاة الأنوار

عندما تقرأ مشكاة الأنوار تكتشف علل فشل الحل الذي سعىى إليه الغزالي: فهو كما هو معلوم واضع قانون التأويل لكنه لم يحترم في استعماله المفهوم الغائي الذي وضعه لتأسييس نقد الميتافيزيقا أعني ما عرفه في المنقذ بـ”طور ما وراء العقل” تكون نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الحس. لذلك كانت نتائج المشكاة نافية تمام النفي لكل ما تقدم من النتائج لأنها في الحقيقة لم تبق من الشرع إلى مجرد الرسوم وأصبحت باطنية مطلقة تكتفي بشكليات تحترم الظاهر لكأنها جعلت لمغالطة العامة وليست حقيقة الدين كما يحدده الشرع قرآنا وسنة.
ولعل ما يوضح هذه المعاني حتى وإن لم نذكره من بين المصنفات التي اعتمدناها هنا هو كتاب القسطاس المستقيم وما جاء فيه من تصريح يخاطب به الباطنية: إلباس المعقول بالمنقول حتى يتقبل بحيث إن المعقول هو الأساس والمنقول غلاف خارجي للتسويق: وهو بالضبط معنى الباطنية التي تعتبر ذلك شرط توظيف الدين سياسيا.
وبذلك ندرك لم اعتبرنا المنقذ قلب البنية الفكرية للغزالي: فالكتاب يجعل المسألة حيرة وجودية لعلاج قضية معرفية ليس بصورة مطلقة وغير محددة بسياق تاريخي معين بل بين المدارس الفكرية التي كان مترددا بينها وعليها: الكلام والفلسفة والتعليمية أو الباطنية والتصوف. وقد اختار التصوف مهربا دون أن يميز بين التصوفين حتى وإن كان هذا التمييز الحاد لم يصبح ذا معنى إلا من بعده وربما بسببه أي بسبب كتاب المشكاة الذي هو في الحقيقة التأسيس النسقي للتصوف الفلسفي.


قصتي مع الغزالي – إصلاحه وعلل فشله – أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s