ملاحم الأمة بين الواقع والمثال 01 من 05 – أبو يعرب المرزوقي

ملاحم الأمة بين الواقع والمثال 01 من 05 – أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2015.04.28

لتحميل المقال أو قراءته في ص-و-م pdf إضغط على العنوان أو الرابط أسفل المقال

بمناسبة حضوري إلى بيروت في بداية الشهر الحالي للمشاركة في أعمال إحدى منظمات الأمم المتحدة (الأسكوا) شرفني الصديق الشاب والشاعر الكبير تميم البرغوثي فاسترفقني لجولة في بيروت ليلا ختمها بدعوتي إلى عشاء بكرم حاتمي في أحد مطاعمها كثيفة الحضور.

وقد دار بيننا حديث حول شؤون الأمة وهمومها. لكن أهم ما شدنا أغلب المسامرة مسائل أدبية. فأنا من شديد الإعجاب بشعره الملحمي وبروحه الشابة التي ترمز إلى الربيع العربي وتجانس غزارة النبع وقوته التي يمثلها شاعر الثورة وصاحب شعارها الجامع أبو القاسم الشابي.

فكان أهم ما تكلمنا فيه حاجة شباب الأمة بجنسيه إلى شعراء مبدعين يعبرون عن طموحها التاريخي ليغذوا فيهم جذوة التعالي والمجد.

وكنت ولا زلت أرى في تميم أقدر شعرائنا الحاليين على هذا الدور : فله القدرة على رسم مراحل تاريخها الكبرى ليس بالمضمون الشعري فحسب بل وكذلك بتكوينية الشكل الشعري العربي من الجاهلية إلى اليوم. فالجمع بين التكوينيتين تكوينية الحديث وتكوينية الحدث تعني التلاحم الحي الذي يكون فيه الشعر عين الحياة فيصبح بفضل هذا التماهي غير مقتصر على وصف ما حدث بل هو يسمو إلى درجة ما ينبيء بما يترتب عليه من طموح مستقبلي يواصله ويسمو به إلى ما يليق بمجد الأمة بصوغ ملحمي يخلدها ويبني أهم معلم يشد ضمائر الشباب وقلوبهم نحو العظمة التاريخية والروحية.

لست شاعرا وإلا لكنت أول المبادرين فحاولت ما استطيع. لكن الملاحم الشعرية ليست في الحقيقة إلا نقلا للتاريخ من المجرى الواقعي إلى المجرى المثالي بتوسط الخيال المبدع.

والمعلوم أن المجرى المثالي هو حقيقة المجرى الواقعي بعد أن يجرده من العرضي ليبقي فيه على ما يمثل الإنساني والمقدس من التاريخ الذي يشوبه ما يعرض للإنسان من ترد إلى الحيوانية والوحشية.

محاولتي هذه هي البحث في هذه العلاقة بين المجرى الواقعي للتاريخ والمجرى الإبداعي الذي ينقله إلى حقيقته المثالية بالمعنى الذي يميز فيه بين الجوهري والعرضي وليس بالمعنى المبتذل للمثال بوصفه ما يتنافى مع الواقع أو ما يمثل الهروب منه.

وتلك هي الخاصية المشتركة بين الشعر والعلم أعني جوهر الفلسفة : النفاذ إلى البنى الجوهرية التي تمسك بالكيان إمساك الهيكل العظمي بالبدن والروح بالكيان الحي.

وكل من يقابل بين العلم والشعر لا يفهم علل حصر النقد القرآني للشعر في بيان حقيقه من كاذبه :

الهيام والقول المفصول عن العمل أعني المعنى الفاسد من الخيال الذي بالتخلص منه يصير العلم علما والشعر شعرا. فالهيام توق سلبي مثل الناقة الضمأى والقول الذي لا يمكن أن يترجم إلى عمل عمل سلبي مثل خبط العشواء.

أما الشعر بما هو ملحمة سواء كانت للجماعة أو للفرد فهو مسعى قاصد وليس هياما وقول عالم وليس لغوا.

وتلك هي العلة في أن الأمم كلها يتأسس تاريخها الفعلي على نماذجها الملحمية التي يمكن أن تكون أسطورية أو فلسفية أو خاصة شعرية أو جامعة بين ذلك كله كما في النصوص الدينية الكبرى سواء كانت طبيعية أو منزلة.

وكل من يدعي أن القرآن الكريم ينهى عن محاكاته لم يفهم دلالة المعاجزة : فالتحدي يتعلق بامتناع المماثلة لا بتحريم المحاكاة.

ذلك أن المحاكي هو أول من يعلم أنه محاك وليس مبدعا. فمهما أتقن المحاكي الحكاية فإن عمله ليس إبداعا بل محاكاة.

والدليل أن القرآن الكريم يدعونا للتخلق بأخلاقه وأخلاقه جميعها مستمدة من صفات الله الذاتية له أعني الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود.

لكن لا أحد من العقلاء يمكن أن يدعي أنه مطلق الإرادة أو العلم أو القدرة أو الحياة أو الوجود بل كل العقلاء يعلمون أنهم خاضعون للتناهي والفناء وألا بقاء إلا للواحد القهار.

فماذا يمكن أن يكون مضمون الملحمة التي لا تكتفي بتخليد الحدث الماضي بل تتجاوزه إلى تحديد الحديث الذي يؤوله فيكون في مطابقته للجاري من الحاضر حديثا ينبيء المقبل من الحدث لكأنه خطة استراتيجية لعمل الأمة المقبل؟

ذلك ما أحاول الكلام فيه من منطلق طبيعة الزمان التاريخي للأمم العظيمة ومن منطلق التصدي لمحاولات تقطيعه بصورة تفسد وحدته الحية من خلال تفتيت مكان الأمة الذي هو عين جسدها مثلما أن الزمان هو عين روحها :

1-فجسد الأمة هو جغرافيتها التي تحققت خلال ملحمتها بفضل ما لها من قوة على حماية كيانها ورعايته.

2-وروح الأمة هي تاريخها الذي تعينت ملحمته في ما حازته من مكان خلال حفظ بقائها وحمايته.

وليست الملاحم إلا قصا مبدعا لهذين العملين اللذين تكون بهما الأمة جسدها وروحها. وبتكوينهما تصبح الأمة ذات تعين متمدد في المكان وممتد في الزمان بمدد من تأييد الرحمن لفعل المستخلفين من بني الإنسان.

والتمدد هو تعين القوة المادية والامتداد هو تعين القوة الروحية. والعدوان الذي نعيشه اليوم قطع وحدة التمدد والامتداد وأعلن الحرب على معين المدد : آي القرآن والرسول الإنسان.

والشعر الذي هو جوهر العبارة عن الوجود والكيان أشبه ما يكون بالدم الساري في التمدد والامتداد خاصة إذا كان كما هو شعر تميم والشابي مشبع برحيق المدد من القرآن: أي شاب عربي مسلم أو شابة عربية مسلمة كيانها الروحي هو امتداد ذائقتها الشعرية وتمددها هو انتشار هذه الذائقة من الخليج إلى المحيط : نفس النفاذ إلى معاني الوجود بفضل نص القرآن دينيا والشعر العربي تاريخيا.

وهنا أقف عن الكلام وأكتفي بشرح وجيز لكلام أول من أدرك هذه المعاني فترجم فلسفة القرآن إلى المشروع العلمي الذي يمكن أن يحقق قيمها فجعلها مضمون الابداع الفلسفي الذي بمقتضاه تكتب ملاحم الإنسان قصدت عبد الرحمن ابن خلدون الذي وضع فلسفة التاريخ بفروعها الأربعة وأصلها الواحد الذي هو حد الإنسان بما هو رئيس بالطبع أو بلغة قرآنية كريم بالأهلية للاستخلاف والتكليف :

الأصل الواحد ييسر التحديد لأنه هو نفسه ما يحدده عنوان المقدمة : « علم العمران البشري والاجتماع الإنساني“. فالمقابلة بين العمران والاجتماع تناظر المقابلة بين البشر والإنسان وهي دالة على مستويي ملحمة الإنسان المحكوم بالتاريخ الطبيعي والمحكوم بالتاريخ الخلقي والجامع بين الحكمين لتكون الملحمة ذات نفس تراجيدي فيه صراع بين الحيوانية والإنسانية بعدي كل حضارة تكوينتيها هي الاشرئباب إلى مزيد من تأنيس لا يقتل ما في الإنسان من غرائز بل يهذبها ويسمو بها إلى ما يجعل الحياة ذات أخلاق تليق بالتكريم الذي أهله للاستخلاف.

والفرع الأول هو التاريخ السياسي وفلسفته المادية والخلقية (علم قوانينه المادية كقوة والخلقية كشرعية) من حيث الجغرافيا (التمدد) والتاريخ (الامتداد) بما فيه من بطولات أصلها المدد الذي يجعل أمة من الأمم تصبح ذات وجود معبر عن إرادتها بعلمها وقدرتها الدالة على حياتها فيكون وجودها بقدر ما لها من قدرة حية تحقق إرادتها بالعمل على علم : وتلك هي ملحمة التاريخ السياسي.

والفرع الثاني هو نفس التاريخ ولكن في مستوى الفعل الرمزي وهو التاريخ التربوي التي يمثل التجذير في التمدد والحفظ للامتداد بفضل ما تورثه للأجيال من المدد بحيث إن التربية هي في الحقيقة محاكاة للإرث العضوي بالتراث الرمزي الذي يجعل أمة من الأمم تتمدد في المكان وتمتد في الزمان بتراكم تراثها الذي تتناقله الأجيال بفضل مؤسسة التوريث الرمزي المناظرة لمؤسسة الوراثة العضوية في توالي الأجيال.

لكن الفرع الأول لا يمكن أن يقوم بدوره من دون المدد أو المعين الذي يجعل الإرادة فاعلة بما لها من قدرة : وذلك هو دور التاريخ الاقتصادي للجماعة أي ما للجماعة من سلطان على مدد الطبيعة من أرضها بمدد الثقافة من عملها. ولا يمكن للتاريخ السياسي أن يكون تاريخ تمدد في المكان وامتداد في الزمان من دون معين القوة الحقيقية التي هي الاقتصاد الذي هو أولا مصدر الحياة العضوية للإنسان وممول القوة العسكرية لحمايته من العدوان.

كما أن الفرع الثاني لا يمكن أن يقوم بدوره من دون المدد أو المعين الذي يجعل القدرة فاعلة بما لها من علم : وذلك هو دور التاريخ الثقافي للجماعة أي ما للجماعة من سلطان على مدد العقل بمدد التربية من عملها علما وفنا وتقنية وتطبيقات لتحقيق سلطان الثقافي على الطبيعي بصورة تجعل الإنسان يتحرر بالتدريج من الخضوع لضرورات الطبيعة دون أن يعاديها.

وهذه الأبعاد الأربعة مع أصلها هي ما يحارب اليوم وما يحتاج إلى ملحمة تمكن الشباب بجنسيه من المقاومة لاسترجاع بعد التمدد (وحدة الجغرافيا) شرط القوة المادية (الاقتصاد) وبعد الامتداد (وحدة التاريخ) شرط القوة الروحية. وهذا الاسترجاع لا يكون إلا بالتغلب على الانحطاطين اللذين أفقدا الإنسان المسلم معاني الإنسانية.

وبهذه العبارة الخلدونية أختم محاولتي التي آمل أن تساعد الشباب على فهم طبيعة المرحلة التي دخلناها منذ أن عبر الشباب بجنسيه على مطالب ثورته ببيتي الشابي :

ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها. فارتكس وعاد في أسفل سافلين.

وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف، واعتبره في كل من يملك أمره عليه، ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراء

(تاريخ ابن خلدون نشرة دار ابن حزم المجلد الأول بيروت 2003, المقدمة الباب السادس الفصل 40 ص.450).

لن تجد وصفا أوفى للوضع العربي الحالي من هذه الفقرة التي كتبها ابن خلدون في علاجه للمسألة التربوية لكنه وصلها بنفس المشكل في المسألة السياسية:

الاستبداد والفساد يؤدي إلى إفقاد الإنسان معاني الإنسانيةبأبعادها التي لها صلة بالأصل والأبعاد الأربعة التي وصفنا.

وفي الختام فإن كتابة الملحمة تتعلق بهذه الأبعاد بما يصيبها من إفساد وما تقتضيه من إصلاح ما يجعل أسلوب القرآن الكريم في وصف تاريخ البشرية الروحي بنفس هذه الأبعاد وتضمنه لهذين الوجهين من العلاج هو جوهر العبارة الملحمية للتاريخ الإنساني.


ملاحم الأمة بين الواقع والمثال 01 من 05 – أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s