مقامة الراء الجاحظية – أبو يعرب المرزوقي

مقامة الراء الجاحظية
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2015.02.16

تنبيه مدير الصفحة :

نشر هذا النص في 2007.08.21 في موقع ألف للاستاذ سواح سحبان على شكل محاولة تجمع بين الأسلوبين الأدبي والفلسفي بغاية وصف الساحة الثقافة العربية بعد ملاحظة مباشرة دامت سنتين بعد عودته من ماليزيا. وفيها بيان ما يعتبره بحاجة إلى المراجعة مع عرض وجيز لنظريته في العلاقة بين العلم والأدب وأسلوب التجريد والتعيين اللذين يلتقيان في كل إبداع أصيل. والنص في الأصل محاضرة ارتجلها الأستاذ خلال جلسة انتخاب مجلس نادي الجاحظ في تونس ثم تم تدوينها نسخا لما ألقي في اللقاء. وكل من لا يريد طلب عالي المعاني مدعو لعدم الالتفات إلى هذا النص فهو مما يقلوه المتسرعون من المغتذين بالقشور الغارقين في شوائب الانحطاطين الأصلاني والعلماني.

المقامة الجاحظية

جمع الجاحظ في اسمه الذي اشتهر به (أبو عثمان عمرو بن بحر محبوب الكناني الليثي البصري) وفي أفعاله من حيث هي تعينات ذاته الحقيقية كل ما ييسر تأويل أعراض الأحوال الحضارية التأويل المكين عندما تكون فاعلة وتشخيص أدوائها التشخيص الأمين عندما تكون منفعلة. لذلك فإني لم أجد أفضل منه قابلية لأن يكون باسمه ومسماه موضوع أبدوعة Fiction تمثل للحال التي عليها وضع الفكر في الحضارة العربية الإسلامية من حيث هي عينة من الوضع الفكري والثقافي للحضارة الإنسانية
ولا يهدف توسله في هذه الأمثولة الكلام في الجاحظ التاريخي من حيث عينه بل هو عندي رمز يمكن من وصف مقومات الوضعية الحضارية العربية والإسلامية في صلة نخبها بالوضعية الحضارية العالمية. والسؤال الذي نطلب جوابه بالتمثيل الرمزي لا بالتفصيل التصوري هو: إلى أي حد أدركت نخبنا المتصدرة للتنوير (العلمانية) والتثوير (الأصلانية) شروط الإبداع في المجالات التي يرمز إليها فعل الجاحظ مرموزا إليه بالجحوظ في البصر والبصيرة؟ كما أنه لا يهدف إلى نقد التيارين العلماني والأصلاني لذاتهما بل إنما نقدهما يجيء بالقصد الثاني.
فالقصد الأول من هذه المحاولة هو التحديد النسقي لمقومات الإبداع والبيان الواضح لشروط قيام الأمم العظيمة التي لم تترد نخبها إلى الوضعية الأليمة التي نراها في لحظة الحرب النفسية على الأمة العربية والإسلامية. ذلك أن الأمم لا تبدع ذاتها إلا بما تبدعه في مجالات القيم التي يتقوم بها الوجود الإنساني السوي: قيم الذوق وقيم السلطان عليها وقيم الرزق وقيم السلطان عليها شرطا في البلوغ إلى قيم السلطان المطلق على كل سلطان أعني قيم التعالي على الأحياز المحددة لوجود الحضارات التاريخي وربطها بما بعد التاريخ فتتعالى فتخلد في الزمان وتقر في المكان وتنزل في السلم وتسود في الدورة لتجود بالوجود.
ولنبدأ بمعنى الاسم. فصيرورة صفة الجاحظ اسم علم يجعلها لا تفيد ما يدل عليه معناها لغلبة التحكم على أسماء العلم. فالآباء لا ينتظرون أفعال أبنائهم ليسموهم في ضوء ما يعلمونه مما يغلب عليها من صفات يعبر عنها الاسم. لكن هذا الوصف الذي صار اسم علم وصف لحال فعليه كان عليها الرجل فلقب بها. فيكون العلم في هذه الحالة قد جمع ما تتميز به الصفات العضوية من المطابقة الخارجية وما يحيط بالأسماء الأعلام من تحكمية الرمز الغنية عن الصلة الطبيعية بين الدال والمدلول. وهو ما يجمع خاصتي صدف قراءة الأبراج عند القائل بالتنجيم إذ يجد فيها ما يتمناه فيدمن عليها وتتحكم منه في المزاج. وذلك ما ننوي فعله في هذه الأمثولة.
سندمن على تحليل اسم الجاحظ وفعله لوصف موقفي الفكر العربي والإنساني في الوضع الحالي. فالدلالة الأولى أو المعنى الأول للجحوظ هو نتوء العينين وهو عيب خلْقي يصبح عيبا خُلقيا عندما تنحط الأمم إلى منزلة الانفعال الدائم. ولما كان ما يعنينا من جحوظ الجاحظ ليس نتوء عينيه في معناه الأول بل معنى المعنى من نتوء العينين بات من الواجب أن نطلب الوظيفة الرمزية التي ننسبها إلى الجاحظ أمثولة تفهمنا العلاقة بين نخب الكهف وضوء النور الجاحظي:
فمن منظور الفعل ليس الجحوظ إلا كون صاحب العينين الجاحظتين محدقا لتدقيق الرؤية بالاختيار الناتج عن طلب الحقيقة بعد الاندهاش أمام مظاهرها غير المفهومة.
أما من منظور الانفعال فليس هو إلا كون صاحبهما بالغا حد البلاهة بالاضطرار لفقدان القدرة على الرؤية بعد الانشداه أمام آثارها الموهومة.
فأي الوصفين ينطبق على ما يغلب على النخب العربية الحالية بصنفيها المسيطرين على الساحة الثقافية قصدت العلماني والأصلاني في ضوء معنى المعنى من جحوظ الجاحظ: هل هي جاحظية بمعنى فعل المندهش الباحث عن الحق بالاختيار أم هي بمعنى انفعال المنشده المشلول بالاضطرار؟ أليس الغالب على أغلبية الصنفين ما يفيد بأنها مشدوهة لبلاهة التقليد عند المنفعل الموالي لا مندهشة لنباهة الفاعل المتعالي ؟

معادلة الأمثولة

فلا أحد منا يجهل أن الجاحظ الذي تجاوزنا من اسمه الوصفية والعلمية إلى مطلق الرمزية قد أبدع في مجالات الفكر الأربع التي تتقابل وتتكامل اثنين اثنين فكان فعله معنى المعنى الذي يفيده الملفوظ من الجحوظ:
1-فهو متكلم ماكر (ويتبع ذلك كل الممارسات الروحية العقدية والشرعية).
2-وهو أديب ساخر (ويتبع ذلك كل الفنون الجميلة).
3-وهو ناقد ماخر (ويتبع ذلك كل النظريات الفنية الجميلة).
4-وهو أخيرا مفكر ذاكر (ويتبع ذلك كل الممارسات العقلية النظرية والتطبيقية).
فإذا نظرنا إلى هذه الأبعاد الأربعة من إبداع الجاحظ أمكن أن نرى جوهر الفكر في وظائفه الأربع هذه وعلاقاتها المتشاجنة فضلا عن علة اختيارنا لوصف المقامة بالرائية التزاما بما لا يلزم شكلا رغم اضطرارنا إليه مضمونا.

ولنبدأ بعلة اختيار الراء لتسمية المقامة ذات الغاية الأمثولية علتها المضاعفة. فكل المعاني التي تمثلها هذه الأفعال الأربعة مع أصلها الذي تتفرع عنه (بصيرة الرؤية) أصلها ذي الصلة بالجحوظ تدور حول طبيعة الوصل بين الرؤية والرؤيا (2 و 3) وبين الرأي والروية (1 و 4) وبين ظاهرات المرآة والمراء (عمل الوظائف الأربع عند انحطاطها) وما ينتج عنها من رين ورجس (علل فساد الوظائف) كما تتعين الآن عند نخبنا الأصلانية والعلمانية نخبنا التي يغلب عليها انشداد نرجس الانتحاري على سطح الماء بدل اندهاش من يرى الفراغ والخلاء كصاحب البخلاء.

فإشارة هذه الأبعاد مع أصلها إلى هذه المعاني المترددة بين الأندهاش الذكي والانشداه الغبي تعبر عن رسالة الإبداع كما تعينت بإطلاق في الإبداع القرآني من حيث هو السعي الدائم لإخراج الإنسان من الانشداه الغبي والسمو به إلى الاندهاش الذكي. ذلك أن الراء الجامع بينها كلها هو أمر للمخاطب بإطلاق عند التجريد من الجنس والعدد ومن ركيزة السكت: رَ(ه) فضلا عن كونه الحرف الأبرز في الحروف القرآنية المقطعة والأكثر ورودا مع التوالي النسقي (6 مرات: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر) أي من عاشرة سور القرآن إلى الخامسة عشرة منها وفيها جميعا إشارة إلى صفات القرآن الكريم وإلى المعاني الخمس التي نحاول تحليلها في أمثولة الجاحظ الرائية.
فتكون جميع هذه السور دعوة إلى الرؤية الحسية بالإضافة إلى الدعوة إلى النظر العقلي ووحدتهما هي الشعار الأول والأخير للرسالة الخاتمة. لذلك كله رأينا أن نلتزم الراء لنقفو أثر الرين على القلوب معطلا النظر والغشاوة على الأبصار معطلة البصر عند زاعمي الانتساب إلى المبدعين والنظار علهم يرون ما يساعد على تحرير الفكر التحرير الحقيقي فيرى المسلمون ما ينبغي أن يروا: أن يدركوا دلالة الأبعاد الجاحظية عندما تكون على الحال التي تقتضيها المعادلة السوية الدالة على سلامة النخب الأبية المبدعة بهذه الأفعال مبدعة الهوية التي تعد العمود الفقري لتحولات الأمة التاريخية.

فـ”الأديب” الساخر ليس هو الوجه السالب من “المتكلم” فحسب بل هو حقيقة المتكلم الماكر الذي يكون أقرب إلى إدراك الظرف الإنساني Human predicament للتعبير عنه بلسان الوجدان. ومعنى ذلك أنه لو لم يكن متكلما ماكرا لما أمكن له أن يكون أديبا ساخرا: أدب الجاحظ الساخر هو التعبير الحقيقي عن مضمون كلامه الماكر من حيث هو تعبير عن الإدراك الوجداني للظرف الإنساني.

فإذا أمكن لله أن يقول:”ويمكرون (قاصدا الكفار) ويمكر الله والله خير الماكرين” فإن الأدب الساحر لا يكون ساخرا إلا إذا حق لصاحبه أن يقول معارضة أدبية لا تحط من النص الأصلي بل هي تستوحي منه: “ويسخرون (أصحاب الأوثان) ويسخر الأديب وكان الأديب خير الساخرين” ! فالله يمكر بفعل الخلق والأديب يسخر بفعل الإبداع. لذلك تماهى المتكلم الماكر مع الأديب الساخر.

و”الناقد” الماخر ليس هو الوجه السالب من “المفكر” فحسب بل هو حقيقة المفكر الذاكر الذي يكون أقرب إلى إدراك الظرف الإنساني للتعبير عنه بلسان الفرقان. ومعنى ذلك أنه لو لم يكن مفكرا ذاكرا لما أمكن له أن يكون ناقدا ماخرا: نقده الماخر هو التعبير الحقيقي عن مضمون فكره من حيث هو تعبير عن الإدراك العقلاني للشرط الإنساني.

وإذا أمكن لله أن ينقد بكتابه الخاتم فيصفه بكونه “مصدقا لما بين يديه (من الكتب) ومهيمنا عليه” فإن المفكر الذاكر لا يكون ناقدا ماخرا إلا إذ حق له أن يمخر بفكره الخاتم فيصفه بكونه:”مصدقا لما بين يديه (من التجارب) ومهيمنا عليه”. ولذلك تماهى المفكر الذاكر مع الناقد الماخر.

كونية الأمثولة

واجتماع التماهيين في وجدان المتكلم (الكلام الماكر والأدب الساخر) وفرقان المفكر (النقد الماخر والتفكير الذاكر) المتعاليين بما يمكن لهما من الاتصاف به من صفات الله والممثلين بجحوظ الحاحظ المندهش يجعلان الإنسان عندئذ صاحب البصيرة المندهش من انشداه عصره فيكون شوكة في خصره مهمازا يذكره بوجوب التعالي والتحرر من ثقافة الصنم الجديد معبود الأصلانيين والعلمانيين على حد سواء: الواقع الذي صار مرجع القراءة عند الفريقين إما لتفسير النص (معرفة الواقع عند فقهاء العلمانية) أو لاستثماره (فقه الواقع عند فقهاء الأصلانية).

فسخرية الأدب من المحددات المتحكمة في ظرف الإنسان ليست في الغاية إلا الوعي بمكر الكلام وعيا يدرك آلياته وخدعه إدراكا يهزأ به لمجرد بيان ما فيه من عبث.

ومخر النقد في بحر الظلمات الوجودية ليس هو في الغاية إلا الوعي بذكر الفكر ذكرا يحيي ما أهمله مكر التاريخ وما بعده فلا يبقى من الوجود إلا قصه واقتصاصه في هذه العلمية ذات الحدود الأربعة: حدا القاعدة التي تشبه المخ الأدنى في الكيان العضوي أعني مكر الكلام وذكر الفكر وحدا القمة التي تشبه المخ الأعلى في الكيان العضوي أعني ساخر الأدب وماخر النقد.

فيصبح معنى المعنى مكعبا (المعنى قوة ثلاثة) ومن ثم فهو قابل لأن يكون أمثولة كونية ذات معنى قوتها من الدرجة الرابعة. والتطابق بين كونية الأمثولة في الحضارة العربية ومآل الحضارة الإنسانية إلى ما يناظرها في لحظتها الراهنة يجعل قوتها من الدرجة الخامسة إذ إن 5-معنى 4-معنى 3-معنى 2-معنى 1-المعنى الأول للجحوظ يفيد بأن الحضارة التي بصيرتها الجاحظية طابقت بصيرة الإنسانية في غاية تطورها الفكري الحالي هي عين البصيرة الكونية وذلك هو جوهر الإسلام: ذلك أن الإنسان لا يتعالى بالوجدان والفرقان إلا إذا تخلق بأخلاق القرآن فاتصف بصفات الرحمن قدر الإمكان سموا للكمال لا كفرانا برب الجلال.

لذلك فتأويل حال الحضارة العربية بدايتها ومآلها كاف لفهم العلل التي من أجلها صارت بتوسطاتها المحددة لمنزلتها الوجودية ودورها في التاريخ الإنساني: توسطها الجغرافي (وسط بين قطبي العالم الشرقي والغربي) وتوسطها التاريخي (وسط بين التاريخ القديم وما قبله والتاريخ الحديث وما بعده) وتوسطها السلمي (وسط بين طبقية الشرق الثابتة والحركية الاجتماعية السيالة) وتوسطها الدوري (وسط بين المدخل والمخرج في كل تحويل أعني الطاقة) وتوسطها الوجودي (الوسط بين رؤية دينية تجعل الإنسان غارقا في شلال الطبيعة ورؤية تؤلهه فتكتفي باستخلافه) وبؤرة الحال الإنسانية منذ أن نزل القرآن إلى الآن الذي ليس بعده آن.

ولعل الدليل القاطع على صحة هاتين المعادلتين الكونيتين كما تمثلتا في مسمى الجاحظ الرمزي (أعني رمزية أفعاله التي صادف أن طابقت دلالات اسمه حتى صار كأنه حد وليس اسما علما) هو أن العقل الإنساني الذي يوجد اليوم في مرحلة نضوج ليس لها نظير قد أدرك معنى هاتين المعادلتين لفرط ما جحظت عيناه اندهاشا وطلبا للحقيقة. فهذا الطلب هو الذي يخلص الأمة من الانشداه الغبي عند أهل علم الكلام (الأصلانيين) وأهل الميتافيزيقا (العلمانيين) الجدد الغافلين. فقد بلغ بهم استجداد أنفسهم تصديق أساطيرهم التي حرفت الفرقان (سوء فهم العقلانية) والوجدان (سوء فهم الروحانية) فلم يدركوا معنى الأدب الساخر بديلا من كلامهم الزاجر ودلالة النقد الماخر بديلا من تفكيرهم الفاتر. فكانوا بذلك في عكس اتجاه الفكر الإنساني الذي هو اليوم ما يرمز إليه وصفنا للجاحظية ولا شيء غيره.

لذلك فالفكر الإنساني الحالي قد أصبح يفضل قص الاختيار المحرر من نظر الاضطرار للتعبير عن ظرف الإنسان في كل مكان ولم يبق قائلا بسخافات المعركة الدنكيخوتية التي وصفنا سابقا إلا التأصيلي الحاجر (منعا لحرية الفكر) والتحديثي الفاجر (خلطا بينها وبين المجون): فهمت الإنسانية ما فهمه الجاحظ الرمز الذي قرأ القرآن فأحسن قراءته وأخذ منه هذه المعاني الأربع قدر ما يستطيع ليكون كلامه ماكرا وأدبه ساخرا ونقده ماخرا وتفكيره ذاكرا.

أما سخافات الدناخيت (جمع كونكيشوت) التي سيطرت على ساحة الثقافة العربية سعيا إلى القيادة بزعم الريادة فقد جعلتها البلادة لا تميز بينها وبين القوادة ! سنأخذ أدبنا بدرجتيه قولا وما بعد قول لنسأل الأدباء والنقاد المتعلمنين والمتأصلنين: هل عندهم أدب ساخر أم إن عملهم يخلط بين الأدب وشعوذة السكارى وبين النقد وفكر الحيارى؟ ثم سنأخذ فكرنا بدرجتيه قولا وما بعد قول فنسأل متكلمينا المتأصلنين ومفكرينا المتعلمنين: هل عندهم سؤال كلامي ماكر وسؤال فكري ذاكر أم إن عملهم يخلط بين الكلام وثرثرة التجار وبين الفكر وهذيان الفجار ؟

أليسوا قد قلبوا العلاقة فاتجهوا بعكس ما آل إليه الفكر الإنساني الذي أوصله حب الحقيقة والتفاني إلى أسمى المعاني في مدلولها الذي أدركه عمل أبي بحر محبوب الكناني؟ فعوضا عن الأدب الساخر البديل من اعتراف بالعجز عند المتكلم الماكر وعوضا عن النقد المختار البديل من اعتراف بالعجز عند المفكر الذاكر عاد الأدباء والنقاد العرب وخاصة المتعلمن منهم بالإبداع ونقده إلى هذيان الفاجر (الخلط بين الأدب والشطح الصوفي) وثرثرة التاجر (الخلط بين النقد والتسعير التجاري) وعاد المتكلمون والمفكرون العرب بالفكر ونقده إلى عنف الحاجر (الخلط بين الفكر والحسبة) وسخف الغاجر (الخلط بين نقد التراث بالفكرة والترشح للهجرة) !

الأدب بدرجتيه.

كيف تحول الأدب العربي ونقده إلى علم كلام هاذر وتفكير فاتر؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عن انعدام الإبداع المؤثر في التاريخ لصلته بما بعده انعدامه الناتج عن الواقعية الفجة التي هي دون تدوين التاريخ الرسمي دلالة على ما في الواقع صنمهم الجديد ما فيه من بنى كونية دالة على الظرف الإنساني. وبدلا من إبداع شرط كل إبداع أعني الأسطرة الفنية الخالقة للنماذج أسطرة تجعل الحاصل من الممكن مجرد ممكن ليس المهم فيه إلا جوهر الإمكان المشرئب إلى شروطه تحول الأدب إلى فتشنة الحاصل لكأنه بات الواجب الذي على الأديب أن يكتفي بتسجيله وكأنه شاهد زور ينفذ الحكم الجائر لقاض فاجر: الحكم على واقع بواقع بدل إحياء ظرف بما يتعالى على كل ظرف كما تقتضي ذلك وظيفة الحرف.

أما النقد الذي فتشن الثقافي فإنه تحول إلى محاكمة ثقافة بثقافة سواء ثقافة الذات بثقافة الغير (المتعلمنين) أو العكس (المتأصلنين) ومن ثم محاكمة واقع موثن أو مفتشن بواقع موثن أو مفتشن فلم يتجاوز وظيفة التحضير بمعناها الحقير كما تمثلها وعي الأجير عند المستعمر الشرير. فيصبح الأديب والناقد كلاهما يتكلم بحلم النزوح لا غير ونقد دواعي عدم المشاركة في هذا الحلم الرديء. ولا يهم إن كان النزوح داخليا من الأرياف إلى المدن أو خارجيا من مدن الجنوب التي هي أرياف المعمورة إلى مدن الشمال التي هي مدنها.

ويكفيك أن تقارن الثورة السردية في أمريكا اللاتينية حيث عاد للإبداع الأدبي ونقده روح الإسهام في توسيع أفق الإنسان الوجودي بما يجري في النكسة الروائية العربية التي لم تخرج من المحاكاة الرديئة للواقع الموثن (=المفتشن) بدل الممكن المبدعن (=المفكشن). والعلة هي عدم فهم العلاقة بين الأدب الساخر والكلام الماكر: فالأدب جوهره الإدراك الساخر بما يخفيه الكلام الماكر من عبث الظرف الإنساني في وعي الثائر على التحكم الرباني. فتكون السخرية من مجرى الوجود القاهر بداية التحرر من تسلسل محدداته تحررا يقلب العلاقة بين الوجود وشرطه: لن يبقى الوجود طلبا لشرط متقدم عليه بل هو شرط شرطه لكونه مبدعه.

وذلك هو جوهر القص أو السرد أو الأسطرة التي تبدع علل الوجود لتحرره من المجانية المطلقة التي تحكمه. فليس الوجود عند إدراكه بهذا المنظور إلا حياة شهرزاد تقاوم العدم الذي يهدده ويحيط به من كل الجوانب: الإنسان يقص ويعمل (راوية وبطل درامي) والرب (ينصت وقد يتدخل في الرواية بطلا وأحيانا راوية) وليست الحياة الدنيا إلا الرواية التي يتهددها الفناء إذ توقف السرد المعطاء. لذلك كان جوهر الدين الكلام الماكر مضمونا والأدب الساخر شكلا: ذلك هو إعجاز القرآن الكريم الذي فهمه الجاحظ ولم يدرك أدباؤنا ولا نقادنا ما فهم الجاحظ فأصابهم جحوظ البلاهة لا تحديق النباهة.

الفكر بدرجتيه

كيف فقد الكلام الماكر والفكر الذاكر دورهما المبدع كما تعين في الأدب الساخر والنقد الماخر فتحول الفكر العربي ونقده إلى أدبيات سراب يستقيت منها شلل الأتراب داخل الوطن أو في بلاد الأغراب خدمة لإيديولوجيات أحزاب تجندها مافيات أرباب شلل لم يتجاوز مستواها ثقافة الكتاب تحيا بتجديف المخر في السراب (الليبراليين) أو بتخريف النبش في التراب (الأصلانيين)؟

بينا كيف أن الأدب العربي في هذين التوجهين ونقده بنفس المنطق لم يدرك أصحابهما العلاقة بين السخرية من كلام المكر والمخر في ذكر الفكر من جهة وجوهر الإبداع ونقده من جهة ثانية فأصبحا ممثلين لعين الاتباع إذ يقيسون واقعا موثن (=مفتشن) بواقع لا يقل عنه وثننة (=مفتشن) فيكون الأدب محاكاة ويكون النقد محاكمة لوثن بوثن وليس بدعنة (=فكشنة) لممكن في ضوء مثال أعلى هو أفق كل إبداع يحرر من الأوثان (=الفتايش) التي تحاكى أو تعير بعضها بالبعض. فكيف نفهم هذه الأدواء ؟ وكيف نعالجها ؟ للجواب ينبغي أن نفهم سر التعالي الذي يجعل الإبداع متحررا من سياقه باتساقة ليصبح ذا ذاتيه تخصه فيكون عينا من أعيان الوجود يمكن التعامل معها بصفتها تلك: فلا يمكن أن نحدد كيفية تخلص النص المبدع من سياق الإبداع إذا لم نفهم طبيعة الآليات التي تحقق انفصاله عنه ليكون ذا تعين يجعله ذاك النص بعينه.

ويقتضي ذلك أولا أن يكون النص الإبداعي منفصلا عن السياق لكي يكون ذا وجود ذاتي قائم بذاته يضفي عليه العينية وكونه ما هو. ولما كان السياق يتحدد بمقتضى الأحياز التالية بات من الواجب أن نفحص طبيعة علاقته بها وكيفية تخلصه منها: فله حيزان طبيعيان هما المكان والزمان (ويحددان انفصالا يتميز به تعين الوجود المحسوس في الإدراك الحسي) وله حيزان تاريخيان هما السلم والدورة (ويحددان انفصالا يتميز بيه تعين الوجود المعقول في الإدراك العقلي) ويجمع بين الطبيعي والتاريخي الحيز الوجودي (ويجمع بين نوعي الأحياز في وحدة حقيقية التعين الوجودي الذي يجعله ذاك النص الفاعل في سياقه الخارجي والمنفعل به).

ثم هو يقتضي ثانيا أن يكون فصل النص المبدع عن سياق الإبداع على ضربين حتى يمكننا من المقابلة بين داخل النص وخارجه فينقسم السياق إلى نوعين داخلي وخارجي كلاهما يمكن أن ينتسب إلى المقالي أو المقامي أو إلى أثر الأول في الثاني أو أثر الثاني في الأول ويتحد ذلك كله في قيام النص من حيث هو عينه الناتئة على أرضية الثقافة كلها نتوء الصورة على خلفيتها. ولا يمكن أن يكون القصد بالانفصال مجرد تعين النص تعينا ماديا في كتاب أو في أي حامل للنص سواء كان مكتوبا أو محفوظا في ذاكرة شخص.

إنما قصدنا بالانفصال ما تحققه عوامل تعين النص بوصفه وحدة ذات قيام مستقل يجعله مشارا إليه ككيان قابل لأن يكون ذا تخوم محددة بعض التحديد فيصبح قابلا لأن يكون ذا علاقات بغيره سواء كان غيره من جنسه أي نصا مثله أو من غير جنسه أي ليس بنص فيكون موضوعا له أو مجالا خارجيا محيطا به ومحددا له: وإذن فالنص ذو تعينين يحققان انفصاله عما هو من جنسه وكلاهما ذو وجهين دالي (سياق داله النصي) ومدلولي (سياق مدلوله النصي) وانفصال عما هو من غير جنسه وكلاهما ذو وجهين مرجع دالي (مرجع داله غير النصي) ومرجع مدلولي (مرجع مدلوله غير النصي).

لكن الانفصال الضروري لتحقيق الاستقلال لا يلغي البديل الضروري من الاتصال الدال على الاندراج المتبادل والتداخل بينه وبين ما حوله سواء كان من جنسه أو من غير جنسه بديل يمكن من استنباط السياق من النص نفسه ما يجعله جزءا منه. ولنضرب مثالين ييسران فهم القصد. ففي علم الإحاثيات مثلا يمكن أن نستنتج من قطعة عظم أشياء كثيرة عن الهيكل العظمي الذي تنتسب إليه تلك القطعة وقد نذهب إلى استنتاج الكثير حول مجال التاريخ الطبيعي. وفي علم الآثار يمكن أن نستنبط من قطعة فخار أشياء كثيرة عن صناعة الفخار في تلك الحضارة وقد نصل إلى استنباط الكثير حول مجال التاريخ الحضاري.

وفي هاتين الحالتين لا يمكن فهم الاستنباط إلا بافتراض قراءتنا للعلاقة بين القطعتين وما يستنبط منهما بقراءة عملية رياضية نفترضها محددة للعلاقة بين النص وسياقه وتسمى بلغة الهندسة الاسقاطية نموذج الإسقاط الرياضي للكل على الجزء من زاوية معينة (الكل هنا هو السياق الذي يسقط في النص والجزء هو النص الذي يسنتبط منه السياق والزاوية هي النظرية التي تمكن من العودة من بنية موضوع الإسقاط في المسقَط علية إلى بنيته في المسقط منه) أي إن السياق بصنفيه يمكن استنباطه من النص لأنه مسقط رياضيا بصورة ضمنية فيه بحيث يعد النص يعد بهذه الوظيفة مثالا مصغرا من الثقافة كلها إذا كان أبدوعة حقيقية (=وتلك هي علامة كونه أبدوعة وبهذه العلاقة يعرف الأسلوب) عند من يحسن التحليل بسوي التعليل والتأويل المتحرر من التدجيل.

ولفعل الإبداع بآليات الإسقاط الرياضي المحققة لعينية النص ضربان معلومان هما بلسان أمثولتنا الجاحظية: الضرب المعرفي ويمثله الكلام الماكر والفكر الذاكر والضرب الجمالي ويمثله الأدب الساخر والنقد الماخر (وهما ضربان رغم تقابلهما من حيث الآليات كما نبين لاحقا يحققان نفس الغاية بأداة سرد الأسطورة وطرد النظرية). سؤالنا يقتضي إذن أن نفهم آليات تحرر فعل الإبداع من التحيز السياقي في هذين الضربين ببديل منه يتضمنه فيغني عنه وباستيعاب ما لا يقبل البدل منه في الفنون وفي العلوم. والسر في ذلك هو الكيفية التي يحول بها فعل الإبداع المدلول إلى دال فينقل الفكر من المعنى إلى معنى المعنى. فتحرر الإبداع الأدبي من السياق الخارجي مقاميا كان أو مقاليا بالمقابل مع تحرر الإبداع العلمي منه يعتمد عند النظر إليه من منطلق المتلقي على تقديم استيعاب ما لا يقبل الصوغ النسقي على ما يقبله ليكون مادة التنسيق عند القارئ.

آليات التعالي الفنية على السياق

فقارئ الإبداع الفني ينطلق من عينية المعنى (الرواية المتحيزة في سياقها الذي أسطرته الأبدوعة) إلى كلية معنى المعنى الذي يجعل الأبدوعة مستقلة عن سياقها لتضمنها كليه فيكون ذلك التعيين المعنوي هو الذي ينقل الأبدوعة من العينية ذات السياق المشار إليه إلى الكلية ذات السياق المطلق لتنطبق على ما يدركه مما تتلكم فيه أي إن مدلولها العيني يصبح معنى أول يطلب معناه الثاني في كليات التجربة الإنسانية الذوقية. لذلك كان أفضل أدوات التجريد الأدبي التعيين التحييثي للأبدوعة بشرط أن تكون أبدوعة لا تاريخا لأن ما يضفي على العيني هذه القدرة على النقل من المعنى إلى معنى المعنى هو البدعنة أو الأسطرة لا نسخ الواقع ذاته بمعنى نقله بل نسخه بمعنى تجاوزه للإيحاء بما يجعله ذلك الواقع. فكلما تضمنت الأبدوعة قدرا أكبر من أدوات التعيين في الأحياز الخمسة كانت أكثر قابلية لتحقيق الكلية التي سيطلبها قارئها وراء العينية التي هي معين المعنى مرقاة لمعنى المعنى:
1-التعين التاريخي هو ظرف ثقافي يتحدد بالتضايف مع نسق الثقافة من حيث هي مدة في الزمان ومن ثم من حيث هو تعبير عن امتداد متوالي يجعل الزمان في الأبدوعة يصبح أنغومة موسيقى .
2-والتعين الجغرافي هو ظرف ثقافي يتحدد بالتضايف مع نسق الثقافة من حيث هي انتشار في المكان ومن ثم حيث هي تعبير عن انتشار متساوق يجعل المكان في الأبدوعة يصبح لوحة رسم.
3-والتعين السلمي أي المنزلة في السلم الاجتماعي للمنازل والأدوار يجعل الشخوص في الأبدوعة يصبحون كائنات حية فعلا ذات منازل وأدوار رغم أنهم من خلق الخيال.
4-والتعين الدوري أي في صيرورة القيم ذاتها بما تحدده التعينات السابقة في التبادلات الاجتماعية يجعل المنازل والأدوار في الأبدوعة نسيجا حيا ينتج بعضها البعض فتتراتب كأنها نسيج ذو وجود أكثر حقيقة وجودية من التاريخ المعيش.
5-والتعين الوجودي الذي هو حصيلة التعينات السابقة وهو العالم المتعالي على التاريخ أو ما بعد التاريخ لأنه معين الممكن المطلق الذي يحاكيه التاريخ ولا يحاكي التاريخ.

آليات التعالي المعرفية على السياق

وفي المقابل يكون الإبداع العلمي عند قارئه عودة من الكلي الذي استوعب العيني إلى العيني الذي لا يقبل الاستيعاب فيكون هو الذي ينقل النظرية من الكلية إلى العينية لتنطبق على ما يدركه مما تتلكم فيه أي إن مدلولها المجرد يصبح معنى أول يطلب معناه الثاني في عينيات التجربة الإنسانية المعرفية. لذلك كان أفضل أدوات التعيين العلمي التجريد التفريقي للنظرية بمنهج التبديهAxiomatisation . فكلما تضمنت النظرية قدرا أكبر من أدوات التجريد المخلص من الأحياز الخمسة المشار إليها في كلامنا على الأباديع الأدبية (=وهي نظير النظريات العلمية) تخليصا مستندا إلى استيعابها لا إلى إلغائها كانت أكثر قابلية لتحقيق العينية التي سيطلبها قارئها:

1-التجريد الزماني يجعل النظرية تستبدل زمان التحصيل الخارجي للمعرفة بالرتبة في نضوج المجال النظري الذي تنتسب إليه: الترتيب الزماني قد يهم تاريخ العلم الخارجي لكن التجريد من الزمان في النسق العلمي يستعيض عن التوالي الزماني بالترتيب المنطقي.

2-التجريد المكاني يجعل النظرية تستبدل مكان التحصيل الخارجي للمعرفة بموقع المجال الذي تنتسب إليه النظرية في جغرافية الثقافية الإنسانية: التوزيع المكاني قد يهم التاريخ الخارجي للعم لكن التجريد من المكان في النسق العلمي يستعيض عن التوزيع في المكان بالمنزلة في النسيج الرمزي للثقافة الإنسانية.

3-والتجريد السلمي يجعل النظرية تستبدل المنزلة والدور في سلم الموضوعات الظاهر أو بمقتضى المدارك الحسية بالمنزلة والدور في سلم حقائقها أو بمقتضى المدارك العقلية فتكون المنزلة والدور هي عينها الموقع من تشابك الحقائق النظرية التي تقدم للعقل صورة من الكوسموس.

4-والتجريد الدوري يجعل النظرية تستبدل تبادل التأثير الظاهر للظاهرات بتبادل التأثير الباطن لقوانينها فتكون تفاعلاتها المحققة لتكامل أجزاء الكل هي ما يحدد موقعها في الدورة التي تمثل مجرى التفاعلات في العالم.

5-والتجريد الوجودي هو المثال الأعلى من الصورة النظرية للكوسموس أو العالم من حيث هو نظام طبائع ومابعد طبائع (العالم المادي) ونظام شرائع وما بعد شرائع (العالم الروحي).

وبعبارة رياضية تجمع الآليتين يمكننا القول إن الأديب يخفي المعادلات التي تمثل الإخراج المؤسطر أو البدعنة أو الفكشنة ويعرض علينا مثالا منها على مسرح السرد فتكون كالقيم المحددة للمتغيرات في المعادلات لكنها بشفافية تدل على كونها ممثلة للمعادلات وليست دالة بذاتها بل بكونها إحدى قيم المتغيرات في المعادلات الخفية التي على القارئ طلبها. والناقد يبحث عن تلك البدعنة إما بوصفه قارئا مثاليا أو بوصفه مقيما لآليات البدعنة. أما العالم فإنه يظهر المعادلات ولا يهتم بالعرض العيني لبعض قيم المتغيرات فيها: لأن مسرح السرد العلمي هو تاريخ العلم وهو المخفي في العلم كما أن معادلات المسرود في الأدب هي المخفي لأنها هي تاريخ الوعي الإنساني بتجربة الإنسان الخلقية.

ومن ثم فسر اختلاف الآليتين هو أن الأبدوعة الأدبية (الأسطورة) تظهر المادة الحية وتخفي الصورة المحيية في حين أن الأبدوعة العلمية (النظرية) تظهر الصورة المحيية وتخفي المادة الحية. ولما كانت الأبدوعة الأدبية أوسع من الأبدوعة العلمية كان تاريخ العلم هو نفسه أحد مواد الأباديع الأدبية موادها الخفية في ركح السرد لأنها تنتسب إلى فعل الإخراج المؤسطر الذي هو استراتيجية التأليف الإبداعي في الأدب الراقي عند الأمم التي دعيت للتخلق بأخلاق نصها المرجعي ومن ثم بالعمل من منطق معايير الإبداع فيه وليس بمجرد محاكاته التي نهوا عنها. وتلك هي العلة في تقديمنا الأدب الساخر على الكلام الماكر والنقد الماخر على الفكر الذاكر: فكل مقدم في هذه الحالة هو الغاية وكل مؤخر هو البداية في تطور الأمم الروحي.

آليات التعالي المطلقة على السياق.

أما النص الذي اجتمعت فيه هذه الفنون جميعها مع ما يتعالى عليها كما وكيفا اجتمعت فيه بلا تأخير ولا تقديم فهو القرآن الكريم الذي يظهر المادة ويظهر إخفاء الصورة ويظهر الصورة ويظهر إخفاء المادة. لذلك فهو النص المعجز الذي ليس له مثيل رغم كونه مثال كل نص يزعم السخفاء تمثيله به أدبيا كان أو علميا. ففيه نجد مبدع الأسطورة الذي يظهر المادة ويفضح ما يجري وراء الكواليس في إخراج الأسطورة أو أي عرض لإخفاء الصورة ونجد مبدع النظرية الذي يظهر الصورة ويفضح ما يجري وراء الكواليس في استخراج النظرية أو أي عرض لإخفاء المادة مع رب جاحظ فعله وجحوظ خلقه المادي هو عالم المخلوقات وجحوظ أمره الروحي هو القضاء والقدر أو عالم ما وراء عالم المخلوقات لذلك كان ذا كلام ماكر وأدب ساخر ونقد ماخر وتفكير ذاكر: إنه الرب القاهر الذي يهزأ من كل المنابر ويسخر منذ الزمن الغابر من المعابر بين كبد الأمهات واحتضار المقابر فكان لذلك قرآنه الغاية التي لا تدرك من الكلام الماكر والأدب الساخر والنقد الماخر والفكر الذاكر. إنه الذاكر الرحيم ! إنه الماكر الحكيم ! إنه الساخر من كل فرقان ! والماخر في كل وجدان ! إنه القرآن المتعالي على كل آن !

إنه القرآن الكريم الذي يجمع بين الضربين البسيطين (الأدبي ببعديه وتوابعهما والعلمي ببعديه وتوابعهما) والضربين المركبين (من التفاعل في اتجاهيه وتوابعهما) والضرب المتعالي عليها جميعا لكونه أصلها المتعالي بصورة تتجاوز التقابل بين الكلي والجزئي (أي إنه يبلغ غاية الجزئية بغاية الكلية في العبارة العلمية وغاية الكلية بغاية الجزئية في العبارة الأدبية). ويتحقق ذلك بصورة مطلقة نؤمن بوجودها لكننا لا نستطيع إلا التمثيل لمادتها بالصوغ العلمي ولصورتها بالصوغ الأدبي على النحو التالي:

1-فالصوغ العلمي المقصور على الهدف العلمي يحقق الانفصال بالأبدوعة العلمية Scientific fiction التي هي شرط وحدة النظرية العلمية في سعيها إلى الكمال التصوري أعني العبارة الكلية المطلقة على العينية أو شخصية الكيان الطبيعي ذي الدينامية الموجودة فعلا في مجرى العالم التصوري نموذجا للعالم الطبيعي وهي غاية التعين: تحقيق الاستقلال عن السياق الخارجي وحصر السياق الداخلي في نسقية النص العلمي من خلال الارتفاع إلى الكلية النظرية وهو القصد بطرد النظرية التي هي نسيج منطقي. ويتحقق ذلك بالوجهين التاليين: إما بالاعتماد على النسقية التبديهية (الرياضيات) أو على المطابقة التجريبية في ما لا يقبل الصوغ الرياضي التبديهي من التعيين الطبيعي وهما مدلولا النموذج من حيث هو بنية نظرية (النموذج الرياضي) ومثال متعين في واقعات (النموذج العيني). والواقع أن كل العلوم تجمع بين الأمرين لأن المطابقة التجريبية غاية هي مكملة للنسقية الرياضية غاية في المجال الذي يتأبى عن إطلاقهما (لا يمكن للتعيين العلمي ألا يكون إلا تجريبيا ولكن في إطار النمذجة التبديهية) كما هو شأن كل العلوم ذات الموضوع الموجود فعلا والذي ليس هو مجرد كائن ذهني.

2-والصوغ الأدبي المقصور على الهدف الأدبي يحقق الانفصال بالأبدوعة الدرامية Literary fiction التي هي شرط وحدة القصة الدرامية في سعيها إلى الكمال التمثلي أعني العبارة الكلية المطلقة على العينية أو شخصية الكيان النفسي ذي الدرامية الموجود فعلا في العالم التمثلي نموذجا للعالم التاريخي وهي غاية التعين: تحقيق الاستقلال عن السياق الخارجي وحصر السياق الداخلي في نسقية النص الأدبي من خلال الارتفاع إلى الكلية العملية وهو القصد بسرد الأسطورة. ويتحقق ذلك بالوجهين التاليين: إما بالاعتماد على النسقية الدرامية (الأسطورة أو الحبكة أو Plot) أو على المطابقة التاريخية النموذجية في ما لا يرد إلى الحبكة القصصية من التعيين التاريخي. والواقع أن كل الآداب تجمع بين الأمرين لأن المطابقة التاريخية هي المكملة للنسقية الدرامية في المجال الذي يتأبى عن إطلاقها (لا يمكن للتعيين العملي ألا يكون إلا تاريخيا).

3-والضرب المؤلف من أثر الأول في الثاني هو منطق تاريخ التربية المبدعة للإنسان نفسه بالاستناد إلى الإبداعين السابقين. ومعين هذا الضرب غايته من الضرب الأول لتحقيق التجاوز نحو الإبداع التاريخي الروحي بأداة التربية الروحية فتتحول الأسطورة الأدبية إلى حقيقة تاريخية (=إبداع الإنسان نفسه). أما وسيلته فهي من الضرب الثاني لتحقيق الإبداع التاريخي المادي بأداة التربية المادية ” بما كنتم تعلمون الكتاب”.

4-والضرب المؤلف من أثر الثاني في الأول هو منطق تاريخ التعليم أو البحث المبدع بكل معانيه ويكون معني هذا الضرب غايته من الضرب الثاني (أي من الإبداع العلمي).أما أداته فهي من الضرب الأول (أي من الإبداع الأدبي: نموذج البحث الذي يتأس عليه الخيال العلمي هو في جوهره العلم الخيالي)” وبما كنتم تدرسون”.

5-وذلك هو الضرب الأخير من الإبداع الضرب الذي هو أصل كل الضروب: إنه النص المرجعي المطلق المعبر عن الوجود في كتاب مثالي هو عندنا اللوح المحفوظ. ويكون مرجعيا لجمعه بين هذه الوجوه الأربعة وتعاليه عليها إذ هو أصلها جميعا في المثال. وليس القرآن عند المسلمين إلا النسخة التي أرسلت إلى جميع المخلوقات عامة وإلى العالمين خاصة في حدود “ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء”.
وبذلك يكتمل الفهم الدقيق لعلة تنزيل “الحكم” بين “الكتاب” و”النبوة” في الآية 79 من آل عمران التي تعالج قضية الإنسانية في غاية وعيها بتحريف الاستخلاف تحريفه ممثلا بتأليه عيسى رمزا لطغيان الإنسان فاقد روح الوجدان وعقل الفرقان:”ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون”. فالحكم الذي هو منبع الحكمة بكلامها الماكر وأدبها الساخر ونقدها الماخر وفكرها الذاكر يتلفت إلى الكتاب المطلق قبله (اللوح المحفوظ) فيكون قادرا على الالتفات إلى النبوة بعده (قراءة اللوح المحفوظ) للإنباء المطلق (الرسالة) بالنبأ العظيم (القرآن) الذي عنه يتساءلون أعني التعين الفعلي لأصل هذه الأبعاد الأربعة كتابا والتفاتا إليه ونبوة والتفاتا إليها للإنباء بالنبأ العظيم: القرآن معجزة ابن آمنة وعين الرسالة .


أبو يعرب المرزوقي

3222_1122030060811_5708108_n

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s