إن هي إلا أسماء: الأسرة الديموقراطية – الكذب والتنكر لا يصنعان التاريخ. أبو يعرب المرزوقي

إن هي إلا أسماء: الأسرة الديموقراطية
الكذب والتنكر لا يصنعان التاريخ

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2015.01.28


ما يحيرني في فنون التنكر الفضيح والكذب الصريح التسميات التي يطلقها خدم التبعية والثورة المضادة على تنظيماتهم التي يعلم الجميع أن حقائقها تناقض تمام المناقضة الأسماء التي يطلقونها عليها منذ بداية الثورة وإلى الآن:
1-فهم أجهضوا التجربة الديموقراطية في أولى خطواتها بما سموه جبهات الإنقاذ في مصر وتونس.
2-وهم يحاولون اجهاض الربيع العربي في سوريا وليبيا بما سموه مقاومة المؤامرة رغم أن حاميهم هو الحلف الغربي وممولو الثورة المضادة.

1.الأسرة الديموقراطية المزعومة

لكن ما يعنيني اليوم هو اسم “الأسرة الديموقراطية في تونس” الساعية لتحقيق أهداف الثورة وإنقاذها من الظلامية الإسلامية. فهذه التسمية التنكرية يكفي تحليل سريع لبيان أنها تفيد عكس ما يتضمنه اسمها كلمة بكلمة وحرف بحرف.
وقبل أن أبين ذلك فلنعين ممن تتكون حتى يعلم الجميع أنها أسماء لم يسمها آباؤهم البايولوجيون بل آباؤهم الذين جندوهم للحرب عما يفيده اسمهم الحقيقي: الحرب على حق الأمة في استئناف دورها بمرجعية ذاتية تحقق التحديث المستقل بشروط السيادة الفعلية أعني القدرتين على الحماية والرعاية الذاتيتين لئلا تبقى أقطارها محميات يحكمها عملاء في خدمة مصالح حامي استبدادهم وفسادهم:

فهذه الأسرة المزعومة تتكون من خمسة “تجمعات متنافرة العناصر” ليس لها من الحزبية إلا الاسم بسبب غياب المرجعية التي يعرف بها الانتساب الحزبي. ولنحاول تياسرا تعريف مكونات هذا المخمس تعريفا فرضيا مؤقتا لنيسر الكلام عليها: فهي تتألف من:
1-التجمعيين (وهم خليط بحسب آثار بالية من بورقيبة وابن علي)
2-واليساريين (وهم خليط يكاد يكون فيه كل فرد حزبا وزعيما)
3-والقوميين (وهم خليط بحسب مدارس القومية في الشرق)
4-والليبراليين الماليين (الوطني الحر)
5-والليبراليين التكنوقراطيين (آفاق).
ولا أحسب بعض اللحاسين المنضمين إليهم لأنهم زائدة دودية تجدهم مع الواقف فهي كانت مع الترويكا ويمكن أن تنضم حتى للشيطان المهم فرصة التلحيس للواقف.

2.تحليل دلالات الاسم -شعار الأسرة

ولنبدأ بكلمة “أسرة”: فما يربط بين هذه الخلائق لا يمكن أن يكون أسرة لا بالمعنى الحقيقي ولا بالمعنى المجازي. هم في الحقيقة مجموعة من بقايا مافيات كلفت بالتصدي للثورة وإعادة سلطان الاستبداد والفساد لخدمة مصالح من صارت التبعية له تبعية بنيوية في كل مجالات حياة الأمة: سياسة وتربية وثقافة واقتصادا وحتى خيارات قيمية تحدد روح الجماعة.
وليس في كلامي هذا اتهاما بالخيانة: فهذه صفات موضوعية كانت خيارا لمن لم ير في الاستقلال استعادة دور غير تابع بل اعتبره تحقيقا لشروط الاندماج في التبعية البنيوية بدءا بقتل اللغة القومية وتعويضها بلغة المستعمر.

فلا يمكن أن يقتنع أحد بأن هذه الجماعة يمكن أن يكونوا أسرة بالمعنى المجازي -ناهيك عن المعنى الحقيقي – إذ هم ليسوا من قبيلة واحدة- لأن ما يدعونه من تسميات لفرقهم ينتسب إلى اسر فكرية لو صحت النسبة إليها لكانوا أعداء ألداء:

ما الجامع بين القومي والماركسي؟
الأول قومي يعني بالجوهر رافض للفلسفة الكونية التي تقدم المقابلة بين الطبقيات على المقابلة بين القوميات والثاني عالمي متجاوز للقوميات بمقتضى فلسفته القائلة بوحدة البروليتاريا العالمية.

ثم ما الجامع بينهما وبين الليبرالي (كما يعرف نفسه: حزب أفاق والتيار الوطني الحر) والتجمعي أو البورقيببي كما يعرف نفسه (وقد كان بورقيبة في صراع دائم إيديولوجي ودموي معهما- القومي و الماركسي-).

وإذن فهم ليسوا اسرة بل بقايا إحاثية لكائنات تجاوزها التاريخ منذ أن ثار الشعب وهم لا يدرون. لكن الاستعمار والثورة المضادة أخرجتهم من القبور لكي يقبروا الثورة. وهيهات: فالثورة تعم الوطن العربي وهي ستشمل كل الأمة من الأطلسي إلى الهادي.

3.تحليل دلالات الإسم – شعار الديموقراطية

ولنثن بكلمة “ديموقراطية”. من يصدق مزحة تسمية الماركسي ديموقراطيا وأساس فكره فاشية الدكتاتورية العمالية ؟ ومن يصدق خرافة تسمية القومي ديموقراطيا وأساس فكره فاشية الدكتاتورية العرقية ؟ ومن يصدق أن التجمعيين صاروا ديموقراطيين وهم إما بقايا ممن بلغ أرذل العمر من البورقيبية أو بقايا ممن خصاهم ابن علي حين كان الحكم بيد الأجهزة وهم ليسوا إلا قوادة لديها ولدى مافيته؟

لعل القارئ يتصور الماركسي والقومي والتجمعي قد تطوروا بعد سقوط جدار برلين فأصبحوا ديموقراطيين: حسنا فليفسر لنا سر تحالفهم مع صدام والقدافي سابقا ومع بشار والسيسي وحفتر وحزب الله والحوثي أي مليشيات إيران العربية حاليا؟ ولم يباهي جميعهم بضرورة إرجاع العلاقات مع السفاح بشار ومباركة أفاعيل المجرم السيسي مع تكليف أكبر لحاس -يدافع عن الاندماج التابع في أوروبا- بهذه المهمة التي هي قمة العار بالنسبة إلى من يدعي خدمة الثورة.

4. تحليل دلالات الإسم – شعار الثورة

ولنثلث بالكلام على الثورة وتحقيق أهدافها.
هذا الجزء من الاسم هو مسك الختام في ماكياج الثورة المضادة: أعداء الثورة يدعون تحقيق أهدافها والجميع يعلم أنهم لا يمكلون من الغايات والأدوات إلا ما يحاولون به إلغاء حتى فكرتها. وقد سبق أن بينت أن دورهم في الثورة لم يكن إلا محاولة إستغلال انتقاضة الشعب من أجل تحقيق غايتين لا ثالثة لهما.

وهما غايتان تأكدتا الآن في ما يحاولون تأسيسه من حكم يستثني أبناء الشعب الحقيقيين الذين يريدون الدفع بهم إلى ما يمكن ان يتحول إلى ثورة دموية حتى يحصلوا على أكثر سند أجنبي من جنس ما يحصل في ليبيا ومصر وسوريا:

أ-الغاية الأولى تخص السلاطين الخفية في حكم ابن علي الذين شعروا بأنهم صاروا “مضروبين على أيديهم” بسبب تغول ليلى: التخلص من أسرة ابن علي للاستفراد بالحكم. ومعنى ذلك أنهم أرادوا أن يحولوا الثورة إلى تعويض المافية الغالبة بمن كان يعمل تحتها من المافيات المغلوبة التي تعتبر حصتها غير كافية وتريد تنفيلها.

وذلك ما سعوا إلى الوصول إليه في الحكومتين الأوليين قبل القصبة الثانية بحيل دستورية فشلت كلها. ولما فشلوا في ذلك التجأوا إلى رئيسهم الحالي ليخيط “كسوة خروتشاف”: وقد خاطها فكانت “النداء” الذي قضى بجبهة الإنقاذ على كل الاحزاب التي أعماها الحقد على من اختاره الشعب ليقود الثورة فانضمت إلى الخياط فكانت نهايتها على يده: خاط أكفانهم.

ب-الغاية الثانية تخص السلاطين الخفية في حكم الاتحاد العام التونسي للشغل الذين شعروا أنهم قد يفقدون سلطانهم إذا عاد لأبناء الشعب حق الاختيار الديموقراطي الذي سيبين وزنهم الحقيقي الذي لا يكاد يذكر رغم استبدادهم بالركن الثاني من نظام الاستبداد والفساد أعني الاتحاد لأن الركن الأول هو التجمع.

لذلك تراهم قد بذلوا كل ما يستطيعون لإسقاط الخطوة الأولى من الديموقراطية بالفوضى النقابية وتعطيل آلة الانتاج حتى بركت البلاد وهم الآن يجاهدون من أجل الاجهاض النهائي للثورة بتقسيم البلاد إلى “أسرة ديموقراطية حداثية” و”اسرة استبدادية ظلامية” ظنا منهم أن المناخ الإقليمي والدولي سيمكنهم من ذلك: فيقضون على الإسلام السياسي الذي عجزت دون القضاء عليه الولايات المتحدة: وهذا من الأدلة القاطعة على الحمق السياسي.

فأمريكا عاجلا أو آجلا ستضطر للصلح مع الإسلام السياسي لتجنب الثورة العالمية التي قد يلجأ إليها فيصبح العالم كله في حرب عالمية لا يهنأ بالسلم إلا بشرط أن يعم الجميع. والغرب يعلم ذلك لأن شباب العالم حتى وإن لم يكن مسلما لم يعد يقبل أن تحكمه المافيات المالية والعسكرية فيكون سلطان العالم (مجلس الأمن) بيد نصف سبع سكان العالم أربعة أخماسه: فرنسا وانجلترا وأمريكا وروسيا=نصف سبع سكان العالم بيدهم 4 من 5 حق الفيتو.

5. تحليل دلالات الإسم – المسمى الحقيقي

وأخيرا فإن التعريف المطابق لحقيقة الجامع بين هذه المكونات المتنافرة في ما بينها تنافرا لا يغفل عنه إلا فاقد البصر والبصيرة يقبل الرد إلى مقومين كلاهما يناقض تمام المناقضة الماكياج الذي يتنكر به هذا المجمع المافياوي الذي يسمي نفسه ديموقراطيا:

أ-فالجامع يقبل التعريف سلبيا: بأنه ليس الديموقراطية ولا الحداثة بل هو الحكم المسبق على أن كل من له مرجعية منتسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية لا يمكن أن يكون ديموقراطيا ولا حداثيا. وإذن فالجامع هو نظرية الاستثناء العربي الإسلامي: لا يمكن للعربي المسلم أن يكون ديموقراطيا.

ب-والجامع يقبل التعريف إيجابيا: بأنه مواصلة “المهمة التحضيرية” بمعناها الاستعماري اي معاملة الشعب بوصفه أنديجان لا بد من تخليصه من كل تراثه حتى يصبح شبيها بسادتهم أعني من هم بمقتضى “الجان البايولوجي” ديموقراطيون وحداثيون: كيف نجعل تونس ذيلا لفرنسا سياسة وتربية وثقافة واقتصادا وروحا.

وبذلك نفهم العلامة الفاضحة: هاتان المهمتان لا يمكن أن تتحققا ديموقراطيا بل لا بد من الاستبداد والفساد. والعلامة الدالة هي خيار الأسلوب الذي يتبعه من يريدون إرجاع العلاقات معهم ويمدحون مناهجهم: السفاح بشار والمجرم السيسي.
فحبيبهم الأول أي السفاح بشار يحدد طبيعة الأسرة: طوائف تمثل أقلية بحاجة إلى الحماية والتمويل الأجنبيين لأن الشعب لفظهم.
وحبيبهم الثاني أي المجرم السيسي يحدد غاية اجتماعهم: طوابير خامسة تريد اتمام مهمة الاستعمار بتغيير ثقافة الشعب وقيمه من أجل فصله عن أمته وجعله مجرد محمية تابعة لحضارة المستعمر التي هي عندهم حداثة ونموذج حياة.

ولست أعيب عليهم هذه الخيارات. فمن حقهم أن يعبدوا الأوثان إذا أرادوا.
ما لا أقبله هو التنكر والكذب: قولوا إنكم تريدون مواصلة المهمة التحضيرية للمستعمر وإلحاق تونس به أي تحقيق ما فشل فيه طيلة سبعة عقود وما فشل فيه النظامان قبل الثورة طيلة خمسة عقود.
لكن ما فشلت فيه عقود بهذه العدة مع رجالات من حجم لا يوجد حتى عشره بين هذه الحثالات لا يمكن أن يحققه تجمع النائحين على ما أصبح مستحيلا بعد الثورة. والأيام بيننا: عجلة التاريخ دارت وأنتم من الماضي.
المستقبل للثورة ليس في تونس وحدها بل في كل بلاد العرب ودار الإسلام.


أبو يعرب المرزوقي

cropped-d8bad984d8a7d9811.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s