ما لا يفهمه عاقل يدرك مصلحة الوطن – أبو يعرب المرزوقي

ما لا يفهمه عاقل يدرك مصلحة الوطن
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2015.01.27



لما قرات في مداخلتي يوم السبت 17 جانفي 2015 حول التوافق (ندوة المركز الاستراتيجي والدبلوماسي حول التوافق) خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة الاحتفال بعيد الثورة واستنتجت منه أنه لا يمكن أن يؤسس للتوافق المزعوم ظن الكثير أني أبالغ في التشاؤم: بالتركيز على موقفه من العدالة الانتقالية وشهداء الثورة وعلى تعيين رئيس حكومة من خارج الحزب الذي نال الأغلبية. فقد بينت أن الأمرين يشيران إلى نوايا تنافي كل الخطاب الذي يدعي السعي إلى التوافق والوحدة الوطنية.

ولما أشرت إلى أنه توجد دلائل كثيرة على أزمة حكومية في الآفق سواء قبل رئيس الحكومة بأن يكون من جنس رؤساء حكومات ابن علي حيث كانت القصبة إدارة فنية وكل شيء يحل ويربط في قرطاج أو رفض ظن البعض أني أقيس دون اعتبار الفارق مع الإشارة إلى حسن ظني بالسيد الصيد الذي لم أكن اتصوره قابلا لان يكون رئيس حكومة شكليا لا غير: لكن من يدري فالمعادن لا تختبر بالاقوال بل بالأفعال.

لكن حصل ما يثبت أن قياسي كان في محله: فالحكومة التي اقترحها السيد الصيد لا يمكن أن تكون من اختياره خاصة وهي لم تنل رضا أحد تقريبا ولأنها تكاد تكون نسخة من اختيار هيئة تحقيق أهداف الثورة في حكم السبسي قبل الانتخابات الأولى ومعنى ذلك أنها مرساوية الرائحة يغلب عليها فقه قانونيي السلطان: لا تمثل حتى حزب النداء. وما أظن الصيد بغافل على أن مواصلة استثناء الإسلاميين من المعادلة الحاكمة وكذلك من المعارضة مجرد استجابة لإرادة أحزاب ذَرية لا تمثل إلا الذراري اجتمعوا ليكونوا جبهة من مخلفات الماضي الشيوعي والقومي التي ينبغي أن تكون قد انقرضت منذ عقدين.

ومن أغرب ما تتحدد به هذه البقايا الإحاثية “Restes paléontolgiques” التي خلفها القرن الماضي هو الحلف مع الثورة المضادة وحتى في الداخل قبل الانتخابات لإسقاط الشرعية الأولى (جبهة الانقاذ) ومع المستبدين في الخارج (بشار وحفتر والسيسي وحزب الله). لكنهم يدعون الكلام باسم الديموقراطية الشعبية في الداخل ولا يرون أهلا لحكم تونس إلا هم بما لا يكاد يمثل شيئا معتبرا من الناخبين.

ولو اتبع منطق بقايا اليسار والقوميين الذي انتقلوا من الديموقراطية الشعبية إلى الديموقراطية البرجوازية أعني من كان منهم في فيسفساء الجبهة أو من اندس منهم في النداء والاتحاد لاستثنى من الحكم غالبية النداء نفسه أي الدساترة ولاستثنى النهضة ليس من حق المشاركة في الحكم فحسب بل وكذلك من حق المعارضة. والحجة التي يقدمونها رفض من كان من النظام القديم ومن حكم الترويكا: وهم في من أقدم من كان في النظام القديم لأن أغلبهم يعلم الجميع معنى معارضتهم والخدمات الجليلة التي أدوها في حرب النظام القديم على من سواهم من المعارضين. فكبار الحي ما يزالون أحياء.

وما عجبت له شديد العجب المنطق الذي يحلل به أحد جهابذة التحليل الذي كنت أتصوره على ثقافة واسعة وخبرة في التحليل الذي لا يهمل عناصر المعادلات المعبرة عن الأوضاع التي يحللها. لكن ثقافته بدت لي قد توقفت عند المنطق الذي كان سائدا قبل الثورة وبعقلية القومي الذي يتصور الإسلامي عدوا لا بد من التحقير منه واعتباره يجري وراء الكراسي ولا يفكر في مصلحة الوطن. فتقييمه لموقف النهضة لخصه بعبارة شعبية: نلعب وإلا نحرم.

وهذا من العجائب: صار من يرفض أن يعامل معاملة الكمبارس ويطلب المشاركة بحسب وزنه في تمثيل إرادة المواطنين يعتبر “محرِّما” لأنه قرر البقاء في المعارضة. ومعنى ذلك أن محللنا الذي يتكلم باسم الوضوح -الذي وجده في صبيانات الجبهة-والمشروع الوطني -الذي وجده في حكومة مرتجلة- يطالب النهضة أن تخون منتخبيها فتساند برنامجا لم تشارك في صوغه مساندة مجانية بدعوى أنها تطالب بالكراسي لكأن الآخرين يعملون لوجه الله أو لكأن الكراسي شيء ثانوي في تحقيق البرامج.

وكنت أتمنى ان يذكر لنا المحلل منطقا آخر غير المنطق الديموقراطي الذي يجعل من يشارك في الحكم يشارك على برنامج وحتما لا تكون المشاركة إلا بكراس هي أدوات تحقيق البرنامج. إذ ما معنى وزارة إذا لم تكن حملا للوزر في تحقيق الخطط التي تحقق برامج من أجلها اختار الناخب زيدا بدل عمرو؟

كيف يراد من النهضة ألا تكون حاكمة وألا تكون معارضة بل كمبارس لا يحكم ولا يعارض وعليه أن يكون من بني وي وي ليرضى عنه محللنا والنخب الكفأة التي أول أفعالها بعد تغنيها بالكفاءة والقدرة على تكوين أربع حكومات وليس حكومة واحدة فكانت حكومتها الأولى والواحدة “فوس كوش”. على النهضة حسب الراي الذي يسوق له صاحبنا وكل الجوقة التي تريد أن تخيف النهضة بتخوينها إذا هي رفضت أن تكون كومبارس مع حزب لم يستطع أن يحقق شرط الحكم القادر ومع معارضة تريد أن تكون هي الفاتق الناطق مع أنها لا تمثل شيئا يذكر بمعيار الأحجام التمثيلية للإرادة الشعبية:

1-عليها الا تمثل المعارضة لأنها حكر على اليسار خاصة بعد تعريف اليسار للمعارضة بأنها من لا يصوت للحكم: خلطا بين معارضة الحزب واختيار بعض أعضاء الكتلة مثلا عدم احترام الانضباط الحزبي.

2-وعليها ألا تحكم لأن الحكم حكر على النداء وعملائه من “الكفاءات” المزعومة لأن أغلبهم لا كفاءة لهم إلا في تزيين الفترينة بسبب دورهم في ما يسمى بالمجتمع المدني أو “فقه السلطان الحديث” الذي يسمونه القانون والقانون الدستوري خاصة و أن بعضهم له فضل ترجمة الدستور إلى العامية.

وإذن فبكلمة واحدة: الجميع في تونس ما زال يتصور نفسه أصحاب فضل على الإسلاميين بمجرد قبولهم بوجودهم معتبرين إياهم أجانب أو بلغة السبسي “كراية” ولسوا مشاركين في الملكية مثل غيرهم من المواطنين. لذلك فهم يظنون أنفسهم متسامحين مع الإسلاميين لمجرد قبولهم في تونس وليس في السجن أو في المنفى أي أن تفضلهم عليهم أنهم لا يصفونهم فيزيائيا كما يفعل السيسي صديقهم الذي يؤيدون ما فعل بالإسلاميين خدمة للاستعمار والثورة المضادة.

لست من النهضة ولم أعد حتى من المتعاونين معها منذ أن استقلت من حكومتها ومن كتلتها النيابية لعلل كثيرة أهمها أنها لم تتصرف بمنطق العفو عند المقدرة بصورة صريحة كان يمكن لو تمت أن تحول دون الكثير من هذه المظاهر. ولست من أي حزب إسلامي لأني لا اقبل التحزب وأريد الملاحظة عن بعد. لكني لا أطيق الظلم وخاصة الإجرام في حق أمر حاولت ما استطعت إلى ذلك سبيلا المساهمة فيه ولأجله دخلت المعترك السياسي: تحقيق الصلح الذي يحرر تونس من صدام الحضارات أعني من الاستثناء المتبادل بين التأصيل والتحديث الحرين. وكنت أتصور أن التجسير ممكن لأني حاولت طيلة حياتي الفكرية علاج هذه القضية الكأداء والتي يمثل حلها شرطا في الاستئناف التاريخي للأمة . لذلك فإني أستطيع أن أقول باسمي الشخصي: إن مواصلة هذا السلوك تعني أحد أمرين كلاهما يضع مستقبل الوطن في الميزان لأنه سيؤدي إلى الحرب الأهلية حتما:

1-عودة دكتاتورية الأقلية التي لا تستمد وزنها من ذاتها لأن الشعب لم يعطها حق تمثيل إرادته عندما سئل مرتين بل هي تستمده من السند الأجنبي سواء جاء مباشرة من المستعمر أو بصورة غير مباشرة عن طريق ممولي عملائه في الثورة المضادة. وهذا هو البين حاليا لأن حكومة الصيد لا تمثل حتى الحزب الذي نال الأغلبية.

2-دفع غالبية الإسلاميين إلى أن يستنتجوا أن الطرق السلمية لم تعد تنفع في أخذ الحقوق التي ينبغي أن يتساوى فيها كل المواطنين. وخاصة حق الاعتراف بالمواطنة المتساوية لكل ابناء تونس وأهم هذه الحقوق المشاركة في حكم البلاد سواء مباشرة بالدخول في الحكومة أو بصورة غير مباشرة بالاستعداد لهذا الدخول وهو معنى المعارضة عندما يعطيها الشعب الأغلبية.

والحمد لله أن الأمر الأول بات مستحيلا: لن يقبل شعبنا بعودة حكم الاقليات التي تستمد حق الوجود من عدم شرعيتها الوطنية بل من السند الأجنبي. فشعوبنا ثارت وهي لن تتوقف حتى تحقق ما ثارت لأجله أعني الحرية والكرامة. والثورة المضادة بدأت تخسر المعركة وستخسرها حتما وأرى الكثير من العلامات التي تبشر بكل خير.

كما أن الأمر الثاني أيضا بات مستحيلا. فالثورة المضادة تزداد فشلا يوما بعد يوم. والثورة التي يمثل الإسلاميون غالبية صفها -إذا صدقنا المؤشر الوحيد الذي له مصداقية أي الانتخابات- لم تيأس من العلاج السلمي والديموقراطي ولن تنزلق إلى العنف لأن الثقة في تأييد الشعب تغني عن الحاجة للعنف بخلاف ما يلجأ إليه اليائس من تأييده. ومن ثم فالنصر آت وهو سيبين أن الخيار الديموقراطي هو الحل خاصة إذا تبين أن عودة الأنظمة القديمة مآلها الفشل كما تبين الآن من تجربة هذه الحكومة التي هي في الحقيقة أول “اجهاض” لحمل كاذب.

ولو كنت محل الصيد لاستقلت لأنه ينبغي أن يفهم أنه مجرد فوزيبل مثل الحكومة التي فرضت عليه: أعلم أنه ليس بالسذاجة التي نجدها في هذه الحكومة ومن ثم فلا يمكن ان يكون هو الذي اختار أعضاءها الذين ليسوا سياسيين وليسوا كفاءات إلا في أوهام من يتصور رضا الرأي العام الرسمي في ما يسمى بالمجتمع المدني الدولي علامة دالة على الكفاءة. الحقيقة الوحيدة التي تأكدت لدي: قرطاج تريد للقصبة أن تكون إدارة فنية كما كانت في عهد ابن علي. ومن ثم فمن له السلطان في قرطاج هو الذي عين هذه الحكومة. ذلك أنه من عجائب ما سمعت أن السيد الصيد استشار صحافيي العهد البائد لتحديد رؤية للواقع التونسي بعد الثورة.

ملاحظة اخيرة من ملاحظ لا ناقة له ولا جمل في الساحة السياسية: كل واهم أن ما فشل فيه بورقيبة وابن علي يمكن أن ينجح فيه فيلغي من المعادلة التونسية المكون الإسلامي يفيد أنه ليس غبيا فحسب بل أبله. وبدلا من أن يسعى لتحقيق شرط الشروط في المصالحة أعني تحرير النخب التونسية من ذهنية الحرب الدينية باسم العلمانية ومن ثم من صدام الحضارات بين ما يدعونه من مكتسبات حداثية ومن يتهمونه بالظلامية فإنه يعد البلاد لما لا تحمد عقباه. وهذا حسب رايي حمق سياسي وجريمة ضد مصلحة الوطن العليا ومنع لشروط الاستقرار الذي لا بد منه لعلاج أهم قضيتين يعاني منهما البلد: الأمن والتنمية.


أبو يعرب المرزوقي

10525819_904949566203178_4851588818775947162_n

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s