تهمة المناشدة والقصور الذهني – أبو يعرب المرزوقي

تهمة المناشدة والقصور الذهني
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2015.01.01
_______________________

ترددت كثيرا قبل أن انتخب غرض المحاولة التي أفتتح بها السنة الجديدة التي آمل أن تكون أفضل من سابقاتها. لكني في الغاية فضلت التذكير بتهمة المناشدة التي وجهها لي الكثير ممن لم تعجبه مواقفي خلال حملة الانتخابات الأولى بعد الثورة لما لها من صلة بتهمة الخيانة التي وجهها لي من أرداوا الذهاب بالثورة وتونس والقاعدة الشعبية الكبرى التي يمكن أن تحميهما إلى التهلكة. وهدفي بيان العلاقة بين علة التهمتين عند ذوي القصور الذهني والعمى الاستراتيجي في علاج قضايا الأمة عامة وتونس خاصة.

نص المناشدة المزعومة 2000

هذا النص منشور في الأعداد الثلاثة الأخيرة نهاية سنة 2000 من جريدة القدس العربي بلندن. وقد تأخر نشره بسبب انتفاضة القدس لأني أرسلته في نهاية الصائفة (يمكن للقاريء الاطلاع عليه.). وقد اعتمد عليه مروجو تهمة المناشدة على ما نشرته منه مجلة جون أفريك من مقتطقات تلخص فكرته الرئيسية بقلم ممثلها في تونس – رضا الكافي – مع بعض الشواهد من انتخابه. لم يقرأوا النص الذي كتبته سنة ألفين والذي نشر كاملا في القدس في ثلاثة أعداد متوالية وهو يتعلق بقضية تعديل الدستور لتمكين ابن علي من دورة أخرى بعد التي سمح له بها الدستور في ذلك الحين : لذلك طلبت من ابني يعرب البحث عن النص في القدس ونشره خلال لعب المغفلين عن تهمة المناشدة.

مضمون النص

ومخلص البحث المطول (ثلاثة صفحات كاملة من القدس) هو محاولة فهم العلل التي جعلتني أخرج عن الصفين في علاج قضية التعديل للتمديد وتقديم حل ينبني على تحليل سياسي قانوني (العلاقة بين الشرعيات الثلاث : التاريخية لبورقيبة والإنقاذية لابن علي والديموقراطية للرئيس المنتظر بعد فقدان الإنقاذية لفاعليتها وشرعيتها) وانثروبولوجي تراثي واقتصادي سياسي للمرجعيات (العلاقة بين المرجعيتين التراثيتين الإسلامي والقومي والمرجعيتين السياسيتين يساري يميني). وهو خروج شبيه بخروجي خلال الانتخابات الأخيرة عن الصفين المتصارعين. فقد انقسمت الساحة السياسة حينها إلى صفين لم يكن يعنيهما إلا الثمرة دون البحث في شروط إمكانها فضلا عن كلفتها:

1-مؤيدو التعديل الدستوري لتمكين ابن على من دورة أخرى تمدد الشرعية الإنقاذية التي تضاءلت شعبيا وفقدت الحق دستوريا ما احوج إلى التعديل. وهي قد بدأت تفقد فاعليتها لكنها لم تفقد القوة لأنها تحولت إلى استبداد لم يعد يبرره مفهوم الإنقاذ من أزمة النظام البورقيبي بل المصالح التي هي أشبه بتحالفات مافياوية (وما أشبه اليوم بالأمس).

2-ورافضوه ممن ينوون منعه من الترشح حتى ينجحوا إذ كانوا مرشحين بالقوة دون أن يدركوا أن الحكم السياسي لا تكفي فيه النصوص وأنه يحتاج إلى ما كان مفكرونا القدامى يسمونه الشوكة أي القدرة على جعل أجهزة الدولة تستيجب للسلطة الشرعية.

فما الذي جعلني اقف موقفا أغضب الصفين من نصي الذي يخالفهما معا ويعلل ذلك ببيان أن الصفين يعتبران القضية متعلقة بالتعديل الدستوري وليس بضرورة إيجاد الحل لتجاوز الشرعية الانقاذية التي هي بالجوهر مؤقتة للوصول إلى الشرعية الديموقراطية .

موقف المؤيدين للتعديل الدستوري

فالنسبة إلى مؤيدي التعديل الدستوري لمجرد التمديد للرئيس كان موقفي متصفا بجرم الجرأة على وصف الشرعية الإنقاذية التي خلفت الشرعية التاريخية بأنها بالطبع مؤقتة وبضرورة الإعداد لنهايتها السلمية (أي ما كان يمكن أن يجنبنا الثورة) : وإذن فموقفي كان القبول بالتغيير بشروط تهدف إلى تحقيق هذه الغاية أعني تنمية المسرح السياسي الذي تصحر خلال أزمة خلافة بورقيبة ومدة حكم ابن علي حتى ننتقل من الشرعية الإنقاذية إلى الشرعية الديموقراطية.
ومنها استنتجت خمسة شروط اعتبرتها ما به نقايض ابن علي الدورة الإضافية و هي شروط نصصت عليها صراحة في المحاولة المنشورة كما أسلفت والتي وصلت إلى إبن علي عن طريق استعلاماته دون شك:
1-أن يكون رئيس كل التونسيين لا رئيس التجمعيين وهذا يقتضي أن يفصل الدولة عن الحزب الذي يصبح أحد اللاعبين في الحياة السياسية لا اللاعب الوحيد.
2-أن تفتح المنافسة السياسية لأربعة أحزاب أخرى تمثل الحساسيات الأربع الأخرى أي اليسارية والقومية والإسلامية والليبرالية مع التجمعيين.
3-ويقتضي ثانيا أن تفتح حرية الإعلام والتنظم والتظاهر وحرية الضمير والممارسات التعبدية دون تدخل من الدولة.
4-ويقتضي ثالثا أن يبدأ ذلك كله بعفو تشريعي عام يحرر المسجونين السياسين حتى يمارسوا حقهم في المعارضة أو في الانحياز للحكم بعد حصول هذه الإجراءات.
5-والشرط الأخير كان متعلقا بضرورة أن يكون التعديل جذريا فيمس الدستور لتغيير طبيعة النظام وذلك بالحد من سلطان رئيس الدولة حتى يكون النظام أشبه بنظام الجمهورية الفرنسية الخامسة وببرلمان ذي غرفتين واحدة يكون التمثيل فيها شخصيا لأنها أداة التشريع والحكم والثانية يكون بالنسبية المطلقة لأنها أداة التفكير والنقد والاقتراح.

ملاحظة:

وللأمانة فينبغي القول إن وزير التعليم العالي حينها – وقد كان رجل قانون هو الأستاذ والزميل الصادق شعبان – أدرك أهمية النص فلقاني بكلية العلوم الإنسانية بمناسبة اقتتاح السنة الجامعية ودعاني للوزارة ليعلمني أنه يستحسن العلاج ويقترح علي أن ألخصه بصورة مبسطة حتى يعرضه على الرئيس باسمي (لعل مسؤوليته كانت تحول دونه وجرأة العلاج) فلعل ذلك يكون مخرجا مشرفا.
لكني بكل أدب رفضت وأعلمته أني لا أوجه النص له بل للرأي العام وللتاريخ.
كما علمت والعهدة على الراوي – لعله أحد النواب – أن النص وصل إلى الرئيس بطريق ما فقال ما مفاده أن ابا يعرب لا “يدبر على ….كلمة وقحة باللهجة التونسية تفيد عضوه التناسلي”.
وقد أجبت من أخبرني بأني لا أتكلم في رزق ورثه عن أبويه بل في مصلحة تونس التي هي فوق الجميع حاكما ومحكوما.
لسوء الحظ من بلغني هذا الكلام وأجبته هذا الجواب لم يعد حيا ليشهد إذ قد توفاه الله مباشرة بعد الثورة : إنه الناقد الأدبي التونسي المعروف حريف قهوة باريس الشهير – أبو زيان السعدي .

موقف رافضي التعديل

أما بالنسبة إلى رافضي التعديل الدستوري الذين اتهموني بالمناشدة حينها وخلال حملة الانتخابات الأولى بعد الثورة لأنهم هم أنفسهم من يتصور الشرعية السياسية تكفي فيها النصوص وليست مشروطة بتوازن القوة التي تضفي عليها الفاعلية فهم لم يروا إلا القبول بالتعديل للتمديد دون الشروط التي وضعتها ليكون التمديد من أجل إنهاء المؤقت.
رأوا أن التعديل قد يمكن ابن علي من دورة أخرى فتحرمهم من الوصول إلى الرئاسة وغفلوا عن شروط القدرة على الحكم الذي ليس مقصورا على الإرادة : وهنا تكمن العلاقة بالوضع الحالي. فالانتخابات الأولى بعد الثورة حققت بالنصوص شرعية لا غبار عليها خاصة والذين حاربوها لاحقا هم الذين أشرفوا على الانتخابات وسلموا الحكم لاصحاب الشرعية حينها.

لكن ما حصل هو ما نبهت إليه عندما كتبت نصي في ظرف كانت الجزائر في وضع يشبه الحرب الأهلية التي لم تخمد بعد: لايوجد في ذلك الحين – سنة 2000 – أحد غير ابن علي ومحيطه يستطيع التحكم في أجهزة الدولة التي بها تعمل وخاصة أجهزتها السيادية مع الإدارة بحيث إن أي مرشح آخر حتى لو نجح – وهو أمر مستبعد حتى بانتخابات شفافة ومطلقة النزاهة لأن ابن علي كان سيحصل على ما يفوق الخمسين بالمائة دون أن تكون 90 في المائة كالعادة وكان ذلك سيؤدي إلى جعل شرعيته ديموقراطية دون الشروط التي تجعلها ديموقراطية حقيقية لأن نجاحه دليل على الخلط بين الشرعية الديموقراطية والشرعية الإنقاذية التي أجمع الشعب التونسي عليها على الأقل في البداية : علما وأني كنت من رافضي ما يسمى بالميثاق الوطني (النص منشور في الصباح لمن يريد التثبت).

وليس مهما أن ما توقعته قد انتظر الثورة ليتبين للجميع بل المهم أن تونس أضاعت فرصة أولى للخروج من المؤقت بصورة سلمية وآمل ألا نضيع الفرصة الحالية باسم شرعية نصية تخلو من السند المستمد من توازن القوى أعني ما لأجله رفضت ترشح المرزوقي وقاومته بكل قواي لأني اعتبر أن الشرعية ينبغي أن تتألف من عاملين هما شرطا مهابة الدولة أي التمثيل العادل للجماعة والقوة القادرة على حمايته.

فقد رأينا كيف أن شرعية المنتخبين – وكنت واحدا منهم في قائمة أنا رئيسها حصلت على نسبة تمثيل كانت كميا ضعف كل ما حصلت علية الحزيبات اليسارية – لم تمكنهم من السيطرة على أجهزة الدولة السيادية التي ظلت متلكئة في تطبيق الأوامر وشارفت أحيانا الخروج على السلطة الشرعية في مناسبات لست بحاجة للتذكير بها لأنها ما تزال ماثلة للجميع : يكفي ذكر حادثة ثكنة الحرس أمام الرؤساء الثلاثة فضلا عن السلوك اللامقبول لنقابات الأمن. وهي أمور لا يمكن بوجودها أن نتكلم على الدولة فضلا عن هيبتها.

ذلك هو مضمون النص الذي اعتبره عباقرة السياسة التونسية مناشدة اتهموني بها وشككوا في فهمي للسياسي فإذا بهم بفهمهم العبقري قد تحالفوا مع حفار قبرهم فأزالهم من المسرح السياسي جملة وتفصيلا. وهو نص يتضمن فضلا عن هذا التحليل السياسي الدستوري تحليلا انثروبولوجيا وتراثيا لعلل تصنيف الأحزاب بهذه الصورة المضاعفة :
بمعيار المرجعية الروحية والثقافية (إسلامي عربي).
والمرجعية السياسية الخالصة (يساري ليبرالي).

مبينا أن الأولى علتها مرور الأمة بمرحلة الاستعمار الذي اضطهدها وأن دورها السياسي إلى زوال بمجرد أن تترسخ التجربة الديموقراطية فينقسم المسرح السياسي بالطريقة الطبيعية المتمثلة في : اليسار واليمين ويمين اليسار ويسار اليمين والوسط بمنطق الصراع بين تقديم القانون الطبيعي على القانون الخلقي أو العكس وبمنطق الجمع بين الفاعلية الاقتصادية والفاعلية الاجتماعية أعني أداتي كل سياسة مبينة على التخطيط العقلي للحكم الرشيد.

تلك هي المناشدة التي أتهم بها. وهي كما يرى أي قارئ موضوعي من جنس النصوص التي جعلت البعض يتهمني بالخيانة لأني حاولت تجنبيب تونس بما يسعني عملي الفكري من الوقوع في تهريج الثوروية التي تتجاهل الوضع الإقليمي والدولي المعادي للثورة عامة ولدور الإسلاميين فيها خاصة : هدفي هو منع إتاحة الفرصة لإلحاق تونس بليبيا ومصر وسوريا واليمن وتمكين شعبها من هدنة تثبت ما تم تحقيقه.
هذا المسعى وذاك شرف أعتز به لأن المطلوب اليوم هو ما حاولت التعبير عنه سنة 2000 وما سعيت للمشاركة من أجل أن تنجح الثورة في تحقيقه.
“أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ” صدق الله العظيم.


أبو يعرب المرزوقي

cropped-d8bad984d8a7d9811.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s