أبو غريب أو وحشية مغول الغرب – أبو يعرب المرزوقي

أبو غريب أو وحشية مغول الغرب

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2014.12.12

تنبيه مدير الصفحة :

هذا نص كتبه الأستاذ ابو يعرب مباشرة بعد فضيحة سجن أبي غريب ونشر حينها في القدس العربي بلندن. وها أنا أعيد نشره بمناسة نشر التقرير المتعلق بسياسة التعذيب النسقي للإرهاب الأمريكي الذي يدعي أصحابه أنهم جاءوا للعراق من أجل تحقيق الديموقراطية والقيم الإنسانية. وقد اخترت اسم مغول الغرب قياسا على مغول الشرق الذين غزوا دار الإسلام. وها هم يغزون قلبها الوطن العربي وطبعا فسيكون مآلهم مآلهم : غزوننا ماديا وفي النهاية سيكونون المغزوين روحيا.

 

لا أصدق مسلمات التحليل النفسي بنوعيه الفردي وتطبيقاته علي الجماعات

(مدرسة فرويد وما تفرع عنها من مذاهب وآراء) ولا الجمعي وتطبيقاته علي الأفراد (مدرسة يونج وما تفرع عنها من مذاهب وآراء) فضلا عن التحليل النفسي الميتافيزيقي المستند إلي أرواح الشعوب أو أشواق الحياة العمياء تعويضا لعقد النقص والفناء (مدرسة أدلار وما تفرع عنها من مذاهب وآراء). فقد بين تقدم علوم الاحياء أن جل التفسيرات النفسية للامراض الذهنية أوهام تعوض الجهل بعللها العضوية ما يجعل أغلب الخطابات التحليلية من جنس تعاويذ السحرة والدجالين في المجتمعات البدائية.
ومع ذلك فلا بأس من استعمال هذه النظريات لتحليل سلوك المؤمنين بها جمعيا كان أو فرديا خاصة إذا بلغ إيمانهم بها حد العصاب بل وحد الذهان من أمراض الأنفس والابدان فصار للمحللين عند الأمريكان المنزلة التي توليها الشعوب البدائية للسحرة والمنجمين وكل الدجالين الذين يدعون فهم الغيب والتأثير فيه. ويمكن لعلاجنا أن يجري علي مستويين:

  1.  ـ الأول هو التعليل الظاهر الدي يفسر به العدو نفسه سلوكه الشاذ مع المسلمين جماعة وأفرادا.
  2.  ـ والثاني هو التعليل الباطن الذي يمكن أن نستخرجه من تعليله الظاهر إذا طبقنا علم النفس التحليلي علي المؤمنين بنظرياته إلي حد العبادة لفهم السلوك الشاذ جماعة وأفرادا كما تعين في فضيحة ابو غريب.


وبذلك تكون محاولتنا مؤلفة من مسألتين كلتاهما مضاعفة:

  •   مستوي التعليل الظاهر لسلوك الأمريكان في العراق جماعة وأفرادا (ويمكن أن يقاس عليه سلوك الإسرائيليين في فلسطين)
  •   ومستوي التعليل الباطن لهذا السلوك جماعة وأفرادا.

مقدمتان لا بد منهما

ولكن قبل البحث في المسألتين لا بد من التنبيه إلي مقدمتين ينساهما الجميع فيقصر الكلام علي ما جري في ابو غريب.

المقدمة الأولى

فأما المقدمة الأولى فهي أن كل التعذيب الجاري في كل السجون العربية والإسلامية ينتسب إلي السياسة الأمريكية بصورة إيجابية لأنه في خدمتها علنيا أو بصورة خفية. فكل الذين يخدمون سياسة أمريكا إيجابا أعني بالاندراج فيها تقوم زبانيتهم بما يغني زبانية أمريكا عن القيام به لتحقيق شروط بقائهم في خدمتها وقد تتدخل هي أو من يقوم مقامها عندما يغلبهم طوفان الثورة الشعبية كما حدث في الانقلاب علي الانتخابات في الجزائر.
فالجميع يعلم أن التعذيب مسلط علي كل الذين لا يمكن أن يقبلوا بانتهاك أمريكا وحليفتها إسرائيل لارضنا وعرضنا ومن ثم كل الذين ينبغي منعهم من الوصول إلي الحكم بكل الوسائل. ومن ثم فكل الأنظمة المتحالفة مع أمريكا تغنيها عن ابو غريب بما هو أبشع منه وتجد في الصحافة الغربية من يلمع صورتها بحجة أنها تحرر المرأة أو تحدث المؤسسات علي الورق. ومن ثم فحتي إذا لم تكن اليد أمريكية كما في ابو غريب فإن الإرادة أمريكية فضلا عن الأهداف.
وحتي في ابو غريب فإن اليد ليست أمريكية بالمعني الدقيق للكلمة. فالمعذبون ورئيس العمليات علي الأرض سانشيز والقائد الاعلي في المنطقة أبو زيد فضلا عن مباشري التعذيب مرتزقة من الحالمين بالصيرورة أمريكان وهم من الواردين غير البيض الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدين الأمريكان ومن عداهم دخيل. وهؤلاء نوعان إما ما يؤلف اسمه من مفردات جرمانية مثل الذئب الماكر (فولف ـ فيتز) أو المقامر الغشاش (رامس ـ فيلد) أو مثل رجل السلم بالاسم والذي جل أحلامه صياغة لطيفة لغايات الصهيونية البعيدة (فريد ـ من) فضلا عن الأسماء الدالة علي المهن المتعلقة بالأحجار الكريمة كالصائغ (غولد ـ سميث وجولد ـ شتاين) الخوهؤلا هم القليل القليل الذين يعتبرهم بيض الأمريكان أمريكان. إنهم اؤلئك الذين يخططون ويحركون عن بعد فقط. وهم إما جرمان أو عبران كما بات مفضوحا في الإدارة الحالية التي هي من الصهاينة والشكل الأخير من النازية الجامعة بين الصهيونية والمسيحية المحرفة.
بل أكثر من ذلك. فالأمر لا يقتصر علي الوطن العربي ودار الإسلام. فكل تعذيب يجري في كل سجون العالم دون استثناء أوروبا التي كانت خلال الحرب الباردة مثلها مثل العالم الثالث خاضعة لهذه السياسة الأمريكية بصورة صريحة أو خفية. ويكفي أن نذكر بما حدث في أوروبا الغربية التي بنيت فيها الاستراتيجية الأمريكية علي التحالف بين المافيا والفاتيكان والاستعلامات الأمريكية لمحاربة الأحزاب اليسارية الأوروبية أو ما حدث في التشيلي وأغلب بلاد أمريكا اللاتينية وافريقيا وجنوب شرق آسيا. فكل الأنظمة الدكتاتورية في هذه البلاد يعمل سجانون لحساب الولايات المتحدة. وبذلك يمكن لأمريكا أن تجمع بين القول المعسول حول الديموقراطية وحقوق الإنسان والفعل المرذول بالسجون التي تسلب الإنسان انسانيته في عالم كله ابو غريب يستحيون نساءه ورجاله بسلب عرضه وماله.

المقدمة الثانية

وأما المقدمة الثانية فهي خدمة السياسة الأمريكية سلبا. فالأنظمة المعارضة لأمريكا تحاول أن تحمي نفسها من العملاء ومن اندساس أعوانها وخدمتها في المجتمع المدني وفي دوائر تحديد الرأي العام بمستوياته الخمسة الذوقي (في مجال الابداع وفيه اخطر عملاء الغرب في حربه الثقافية) والرزقي (في مجال الاقتصاد وقليل منه ليس عميلا لأمريكا) والنظري (في مجال البحث العلمي والجامعات وأغلبهم يستمد اعتراف الغرب به من محاربة الإسلام) والعملي (في مجال السياسة الحاكم منها والمعارض وكلهم هو حيث هو برضي الغرب عنه) والوجودي (في مجال الفكر الديني والفلسفي وهؤلاء لم يبق لهم الا الكلام) فتضطر أحيانا إلي ما يتجاوز الحد الذي ينقلب إلي الضد. ففي كل هذه المجالات يؤدي الخوف غير الحكيم من سياسة أمريكا إلي ما يخدمها سلبا لأن كل التحوط ينتهي إلي خنق المجتمع بأبعاده التي ذكرنا فيصبح سهل الابتلاع ويتحول الدواء إلي أكبر الأدواء.
وهذا ما حدث في كل الأنظمة التي سقطت لاعتمادها علي فنون للحماية فنون العدوان دونها ضررا لمصالح الأمة. يكفي مثالا لذلك ما جري في عهد عبد الناصر أو في عهد صدام حسين في الوطن العربي أو ما يجري في كوبا وكوريا الشمالية. ولعل من أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي فشل هذه الاستراتيجية التحوطية التي أفقدت المجتمع المدني من كل فاعلية ذاتية لفرط التحكم في حركته باسم التحوط من التدخل الأجنبي. فسخف حربه علي الإديان ودور اليهود في روسيا ودور بابا الفاتيكان في محمياته الأوروبية كان من الأسباب الرئيسية في التعجيل بسقوطه.

نهاية استعباد العالمين على أيدي المسلمين

وإذا كان الأمر كله بوجهيه الموجب والسالب قد بلغ ذروته الصريحية عندنا فإن نهايته ستكون بمشيئة الله وحوله في الوطن العربي. ذلك أن كل الخطط الأمريكية والاسرائيلية باتت مفضوحة علي حد بلغ فيه التحدي إلي صريح التعدي احتقارا لشأن العرب الذين باتوا نهبة لكل من هب ودب. ومن ثم فإن المخلصين من العرب والمسلمين يعلمون أنها حرب الوجود التي تحسم الصراع الذي بدأ بين الحضارتين منذ شروعنا في اصلاح التحريف التوراتي كما تبين ذلك سورة آل عمران. فتأسيس الطاغوت الكوني وصل إلي حد تأليه أحد أبناء الشعب المختار للسواد علي البشر: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعملون الكتاب وبما كنتم تدرسون .
كل من يؤمن بأن هذه الأمة حملها الله رسالة الشهادة علي العالمين سيكون من الحريصين علي تحرير البشرية من شر البرية. وطبعا فتحميلنا هذه الرسالة يقتضي أن يصل الداء الكوني عندنا إلي الذروة حتي يكون علاجه علي أيدينا علاجا حاسما يقضي علي تعينيه الخبيثين بمعني الخبث وصفا للأورام السرطانية:

  1.  ـ التعين الذي يدعي تمثيل قوته المادية القصوي (أمريكا) بمشروعيه الصريحين: الجغرافي السياسيي (الشرق الأوسط الكبير المزعوم) والحضاري الرمزي (الإصلاح الديموقراطي المزعوم).
  2.  ـ والتعين الذي يدعي تمثيل قوته الروحية القصوي (اسرائيل) بمشروعيه الصريحين: الجغرافي السياسي (اسرائيل الكبري) والحضاري الرمزي (تحقيق السلطان الاندساسي في الحضارة العربية الإسلامية نظيرا لما حققوه في الحضارة الغربية).


ومن ثم فليس من الصدفة التاريخية أن يجتمع التعينان وأن يكون مشروعهما صريحا ومفضوحا غنيا عن التدرق وراء مغريات تمويهية في المعركة الحاسمة عندنا إذ حتي الخونة من النخب تعلن أنها لا تصدق دعاوي أمريكا لعلنا نصدقهم في سعيهم للبرهان علي استقلالهم.
أمريكا تعلن صراحة أنها تريد إعادة تشكيل الخارطة السياسية والحضارية للمنطقة. واسرائيل جهزت نفسها لكي تكون القوة الوحيدة التي يمكن أن تفعل بعد أن قضوا علي العراق وألهو السعودية بخلافات الاسرة الحاكمة ومصر بخبز شعبها اليومي.
ومثلما كانت بداية اسطورتهما منهما (من العراق وفلسطين) كما يؤكد علي ذلك تعليل إيجاد الأولي باسطورة الارض الموعودة الجديدة وتعليل استئناف الثانية بأسطورة الأرض الموعودة التليدة فإن نهايتهما ستكون فيهما إن نحن أدركنا منزلتنا في المعادلة الكونية وأحسنا تحريك الأحداث التاريخية بحسب معانيها لئلا نبقي كما نحن الآن مقتصرين علي تخبط ردود الأفعال الناتجة عن الفوضي الروحية وانعدام الرؤية ذات الأفق المبين: الحرب الكونية مع أمريكا واسرائيل لن تحسم إلا إذا تحملنا مسؤولية حسم الحرب الأهلية الداخلية بين عملائهما في كل أرجاء الوطن وكل من يمثل إرادة التحرر من أبناء الشعب العربي روادا للامة الإسلامية في كل المعمورة. وقد نذرت نفسي لمهمة التفحص المكين لهذا الأفق المبين حتي نخرج من التخبط في وحل الطين: ذلك أن الأمة لا يمكن أن تفوز إذا ظلت غافلة عن دلالة الرموز التي تصلها بمقومات الرسالة الكونية التي من دونها لا معني لوجودها إلا إذا سلمنا القياد لأرذل العباد الذين قضوا علي خير ما في البلاد من أجل تحويلها إلي خدمة كراسي دليلة تخدم الأوغاد خدمة يورثونها أبناءهم والأحفاد.

المستوى الأول: التعليل الظاهر

ولنبدأ بما أعلن عنه العدو المريض نفسه لتفسير سلوكه مع المسلمين. فهو يعتمد علي فكرتين أعلنهما صراحة: حكم عام عن الحضارة العربية الإسلامية التي يعتبرها حضارة العنف وما ينسبه للمقاومة من ارهاب. فكيف يمكن أن نفهم هاتين الفكرتين الآن بما هما معبرتان عن أعماق نفس الذات القائلة بهما لا نفس الموضوع الموصوف بهما وقصد هذه الذات من استعمالهما في حربها علي المسلمين جماعة وأفرادا؟ أليس في ذلك دلالة مضاعفة علي الجهل بالحضارة العربية الإسلامية وبمحركات أصحابها العميقة وعلي الاسقاط علما بديلا كما هو الشأن عند كل من يجهل شيئا فيقيسه علي نفسه؟

أولا: الجهل

ولنسأل أولا عن مصدر الجهل الغربي بالحضارة العربية الإسلامية ما أصله؟ الأصل هو خطط الكنيسة الخفية في حربها علي الإسلام في القرون الوسطي وهي خطط لا تزال سارية المفعول وقد استعملها الاستعمار الغربي في هجومه الاستعماري علينا أولا ثم في عملية دفاعه خلال انهزامه في حروب التحرير التي أخرجته من أرضنا وساعدت علي ارجاعه إلي حجمه الطبيعي: فرنسا وانكلترا خاصة. خمس حروب هي إذن ما يفسر وصف المسلمين بالعدوانية والارهاب:

  1. حروب الفتح
  2. وحروب الصليب 
  3. وحروب الاسترداد
  4. وحروب الاستعمار
  5.  وحروب التحرير العربية الإسلامية.


وكل التاريخ الغربي الحديث كان ولا يزال متأثرا بهذه الخطط: التي لا تريد أن تعترف بالإصلاح المحمدي للتحريف الذي أدخلوه علي الرسالات المتقدمة عليه تأليها لشعب مختار ثم تأليها لأحد أنبيائه لاستعباد من عداهم وذلك هو الطاغوت الذي اشترط القرآن الكفر به في الايمان الصادق. وحتي اكتشاف أمريكا وجزائر جنوب شرقي آسيا واستراليا فإنه كان جزءا من خطة التصدي للاصلاح الاسلامي بسياسة للاحاطة به من أطرافه بعد الفشل في التصدي له في أرضه كما تفعل أمريكا الان توسيعا للحلف الأطلسي وتحالفا مع المحيطين به مثل الهند والصين وروسيا وأوروبا.
ومع ذلك فإن الحقيقة التاريخية تبين لكل من يريد أن يعلم الحقيقة دون خطط شيطانية تشوهها أن ما حدث في هذه الحروب كلها كان فيه سلوك المسلمين دائما أكثر انسانية وحضارية من سلوك المسيحيين. فمن أين أتي إذن وصف المسلمين بالعنف والارهاب؟ أليس هو في الحقيقة من جنس كلام أمريكا واسرائيل حاليا عن الإرهاب الاسلامي: يهجمون علي المسلمين في عقر دارهم ويقولون إنهم لا يستعملون العنف إلا للدفاع عن النفس ويصفون الدفاع عن دارهم بكونه عنفا وارهابا. إذا قتل المستعمر الاسرائيلي في الارض الفلسطينية سمي ضحية للارهاب الفلسطيني وإدا قتل الفلسطيني في أرضه سمي ارهابيا خلص الاسرائيلي المتحضر الحضارة منه ممثلا للبربرية. ونفس ذلك يقال عن الأمريكي في أي أرض حل بها غازيا.
وليكن مثالنا حروب الفتح أولا ثم الحروب الدينية الداخلية ثانيا. فبالنسبة إلي حروب الفتح يكفي أن تقارن فتح المسلمين بعربهم وبربرهم للاندلس وفتح الاسبان أولا والانجليز من بعدهم لأمريكا. نحن لم نفن أي شعب ولم نلغ من الوجود لا الشعوب ولا الحضارات ولا اللغات بل بالعكس تعايشنا مع الجميع وحققنا مطلوب آية التعارف فكان لذلك الإسلام اليوم دين جميع الأجناس دون وصاية عليهم لأن العرب ليسوا في نسبتهم إلي الإسلام مثل اليهود في نسبتهم إلي المسيحية التي بلغ الوهم بأكبر فلاسفتها قصدت باسكال في رسائله الرعوية إلي حد التكذيب برسالة محمد (صلعم) لمجرد كونه ليس يهوديا.
أما هم فإنهم أفنوا الشعوب والثقافات واللغات (المسلمون بقوا في الهند مئات السنين ولم يقتلوا تعدده اللغوي والثقافي والانجليز في أقل من قرن قضوا مع النخب الخائنة علي هذه الثروة تماما كما يفعلون مع انواع النبات والحيوان في المعمورة. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن ثقافات افريقيا ولغاتها) وبقيادة قساوسة الكنيسة ليأخذوا أرهم ويرواتهم. ومع ذلك ما زالوا يدعون أن الاسلام انتشر بالسيف والمسيحية بالحب. اي حب يسأل قساوسته هل صاحب الجلد الأحمر والأسود والأصفر له روح أم لا سؤالا لا تجده عندنا حتي عن الكلاب والقطط؟
أما بالنسبة إلي الحروب الدينية الداخلية فيكفي أن نقارن الحروب الدينية بين السنة والشيعة والحروب بين الكاثوليك والبروتستنت مثلا. فالمعلوم أن الخلافين متناظران مع التعاكس في الترتيب الزماني للتماثل بين سنتنا والبروتستنت وشيعتنا والكاثوليك. هل سمع أحد بحرب بين السنة والشيعة دامت مائة سنة؟ ثم عن حرب بينهم دامت ثلاثين سنة؟ ثم عن حرب بينهم ما تزال جارية منذ قرون كما في ايرلندا؟ ثم هل يمكن أن نتحدث عن حروب قادها العرب والمسلمون أودت بحياة مائة مليون خمسهم من الروس؟ أو حرب قادها العرب والمسلمون استعملت فيها الأسلحة النووية ليس ضد الجيش المعادي بل ضد مدينتين آهلتين بالسكان المسالمين؟ ثم بحرب الانتقام الانكليزية ضد مدن ألمانيا حتي بعد هزيمة جيش هتلر؟
أي كلام عن العنف والعدوان والارهاب ينبس به أصحاب هذا السلوك؟ كيف يحق لمسيخ قلب الأسد أن يتحدث عن الحرب بين الحضارة والبربرية ولم ير الناس في حياتهم أكثر بربرية من الشعب الذي يقبل بأن يحكمه كذاب مثله ما يزال يؤمن بالاسرائيليات التي اشربها في صباه وعاش عليها في منفاه متسكعا في شوارع باريس؟ والحقيقة أن للظاهرة تفسيرين لا ثالث لهما:

  • الأول هو الهزيمة النكراء للغرب في كل هذه الحروب جميعا بخلاف ما يبدو في الظاهر. ولست أتحدث عن الهزيمة العسكرية فحسب بل وكذلك الهزيمة الخلقية. كل حروب الإنسان الابيض انتهت إلي بداية نهايته مهما حاول من تنويع للحل التكنولوجي تعويضا للفشل البيولوجي . فهم اليوم أقلية حتي في أرضهم فضلا عن الشيخوخة الغالبة علي السكان الشيخوخة التي صار مؤشر التكاثر فيها سلبيا منذ عقود. لن ينجيهم تركيب الأعضاء ولا تخصيب الخلافا إذا عقمت الخصايا. كل عنصري من البيض لم يفهم بعد أن العنصرية قد أصابتهم بالداء القاتل الذي ليس منه مخرج. فالحاجة الملحة للاختلاط السريع وغير المتدرج بالشعوب الأخري علي الأقل للبقاء العضوي فضلا عن البقاء الحضاري بخلاف الاختلاط المتدرج ينتهي إلي ما حصل في جنوب افريقيا. كل بلاد الغرب الأبيض إذا كانت عنصرية سيحصل لها ما حصل في جنوب افريقيا. سيكون أقلية تبتلعها الأعراق الأخري التي لم يفنها وهم الصفاء العنصري.
    والثاني لعل الناس لا يصدقونه بيسر: الهزيمة الحضارية. فالحضارة الغربية تبدو أنجح الحضارات إذا احتكمنا إلي التاريخ القصير. لكن الإنسان الأبيض منذ أن تغلب عليه المنظور العنصري فشل في إيجاد حضارة تخصه تماما كما فشل اليهود. فكلاهما آمن بعقيدة رفض الآخر وتحصن بالعنصرية التي أدت إلي فقره البيولوجي والحضاري. لذلك فالتعدد الثقافي والعرقي اللذان حاولت الحضارة الغربية رفضهما سينتهيان إلي اغراقها في طوفان يلغي كل خصوصية بحكم الفشل البيولوجي الذي أشرنا إليه. ولا يتصورن أحد أننا نتكلم عن الكم قبالة الكيف بحيث يتصور أن الغرب انهزم كميا لكنه منتصر كيفيا. كلا وألف كلا. الغرب العنصري انهزم كميا وكيفيا. ولن يبقي منه إلا غير العنصري. فكيف الكم الجم أكبر من كل كيف إذا كان بكمه دون كم الكيف الاول: مهما كان ابداع اليهود فإن عدد المبدعين في الحضارات الأربع الكبري الحالية (الإسلامية والصينية والهندية وأمريكا اللاتينية) الذين هم من مستواهم بل وأفضل منهم في كل أصناف الابداع (بما في ذلك الابداع العلمي) يفوق عدد اليهود وعنصريي البيض كلهم بأغبيائهم وأذكيائهم. كل ما في الأمر هو عدم استفاقة اليهود وعنصريي البيض في أوهامهم. فلنتركهم يحلمون.
    لذلك فإن حضارته بخلاف ما يتصور من لا يفهم التاريخ البطيء وبخلاف مزاعم العنصريين ـ الذي هو التاريخ الوحيد المفيد في معرفة آثار الشعوب ـ ليست إلا مجرد مصب للحضارات السابقة الميت منها والحي ولم تبدع شيئا يذكر عدا التهديم بمعنييه: تهديم الطبيعة (العالم المادي: يكفي عدد الأنواع النباتية والحيوانية التي أفنوها) وتهديم الشريعة (العالم الرمزي أو الحضارات التي أبدعها الإنسان: يكفي عدد اللغات التي قتلوها). فمصدر الدين من الشرقين الأقصي (الأديان الطبعية) والادني (الأديان المنزلة). ولن نطيل في هذا المصدر الأول لانه لا أحد يشكك فيه ومن ثم فلا حاجة للدليل بخلاف المصدرين الثانيين.
    ومصدر العلوم من الشرق الأوسط والغرب الأوسط (لم يكن أحد من كبار مفكري اليونان يعتبرها أوروبية). وتكفينا هنا شهادة أرسطو. فهو قد قسم أخلاق الشعوب إلي ثلاثة أصناف: الصنف الأول يمثل له بالصينيين الذين ينسب إليهم الذكاء والجبن والاوروبيين الذين تنسب إليهم الشجاعة والغباء واليونان الذين يعتبرهم صنفا ثالثا يجمع بين ذكاء الصينيين وشجاعة الأوروبيين. وهو بالطبع يقصد بهذا الصنف الثالث كل أهل الشرق الأوسط لاعترافه بدور حضاراته السابقة والمعاصرة للحضارة اليونانية. فمصدر العلم اليوناني وخاصة الرياضيات يعود تأسيسه النظري إلي رجال الدين المصريين وإلي التنظيم السياسي المصري الذي أوجد نخبة متفرغة للبحث العلمي. والمعلوم أن نشر المعارف اليوم صار من أيسر الأمور وأن السبق مؤقت وكل الشعوب ستكون قادرة علي المعجزات بمجرد أن تفهم النخب شروط تحقيقها النظرية والعملية ما قرب منها وما بعد كما نحاول في علاجنا لقضايا الأمة المصيرية.
    ومصدر الفنون ابداعا رمزيا (كل الفنون المعبرة بالعبارة الرمزية) وألعابا (كل الفنون المعبرة بالإشارة الحركية) كلها مستوردة من الشعوب المستعمرة والمستعبدة وخاصة ما تعلق منها بأرقاها لكونه ليس إلا تطبيقا للعلوم شكلا وللأديان مضمونا وكلاهما كما أسلفنا من الشرق والغرب الأدنيين اللذين لا يمكن أن يعدا غربيين إلا عند من يوهم الناس بأن اليونان من الغرب. الغرب من اليونان لكن اليونان ليست من الغرب. ونسبته إليها من جنس نسبته إلي الهند عند كلامه عن اللغة الاوروبية الهندية. إذ المنطق أن يعود الفرع إلي الأصل لا العكس. والأصل هنا لم يستمد مقوماته من الفرع: كل مقومات الحضارة اليونانية شرقية بما في ذلك العلوم والأساطير فضلا عن الحروف والمؤسسات رغم وهم المصدقين بتزكية الغربيين الحاليين لأنفسهم تزكية يحاولون بها التغطية عن فشلهم الحضاري.
  • أما التفسير الثاني فهو الاسقاط الذي يمثل العلم البديل عند المهزوم الذليل. كل من يتصور الإسرائيليين والأمريكان منتصرين لم يفهم معني النصر. فهم منهزمون روحيا وعسكريا. روحيا نراهم يبنون كل وجودهم علي أساطير التوراة. وعسكريا نراهم يعتمدون علي ما لا يمكن أن يحقق انتصار: الآلة والمرتزقة. فهاتان الأداتان فاعليتهما في الظاهر تدل علي عجزهما الباطن. فالآلة علامة علي الجبن وكلفتها الاقتصادية تلغي فاعليتها التقنية. فالدبابة التي تكلف ملايين الدولارات يكفي للقضاء عليها رجل واحد مؤمن لا يريد من الحرب قتل الأبرياء بقنبلة المدن بل فقط منع العدو من الجريمة تكفيه دراجة نارية سرعتها أضعاف سرعة الدبابة وقدرتها الفتاكة كافية لتفجيرها. والمرتزق يرتزق ليحيا بأجره المقرر لذلك فهدفه ليس القتال بل تجنب الموت للاستمتاع بما نال من مال. لذلك فلا يمكن للمرتزق أن يربح حربا أبدا إلا ضد مرتزق من جنسه. أما أن يربح حربا ضد مؤمن بحق فهذا من رابع المستحيلات. وكل الامبراطوريات انهارت بمجرد أن تفرغ أهلها لحياة وتركوا الدفاع للمرتزقة. فالمرتزق لا يقاتل في الخارج بل يفتك الحكم في الداخل لأن ذلك يحقق له الربح دون خطر الموت.

ثانيا: الاسقاط علما بديلا.

وبذلك يتبين أن الأمر كله يعود إلي الاسقاط. الأمريكي والإسرائيلي يقوم بعملية اسقاط مضاعف: للخارج علي الداخل وللداخل علي الخارج. فهو يسقط علي عدوه شناعات الآلة والمرتزقة الذين يعتمد عليهم في حربه عليه ويسقط علي نفسه فضائل العدو الذي هزمه حتي يزكي نفسه. فيدعي أنه يدافع عن الحق في حين أنه يأتي إلي أرض الغير ليفتكها مؤسسا حقه المزعوم علي أساطير الأولين. ثم هو ينسب إلي العدو فضائع الآلة الحربية والمرتزقة الذين يقتلون ذبابة بدبابة فيهدمون مدينة كاملة لئلا يموت الجبناء المختفون وراء الدبابات القاصفة والطيارات العاصفة. لكن ذلك كل يذوب بمجرد أن ينتقل العدو إلي تحقيق القيام الفعلي للحضارة: أعني النجاح العضوي والنجاح الثقافي.
ولست أقول هذا من باب التفاؤل مما يحدث بعد أن بدأ يحدث بل إني قد قلته قبل أن يحدث شيء. تحليل المعطيات الموضوعية والتاريخ البطيء يبين أن الأمور ينبغي أن يكون مآلها ما وصفت. ذلك ما كتبت يوم سقوط بغداد في مقالتين حول النصر لا ريب فيه وحول أوهام القوة الأمريكية. لكن من لا يقرأ ليس العرب وحدهم فالغرب أيضا لا يقرأ: أمريكا لم تعد تقرأ لا المكتوب ولا العواقب. فلتبق في عماها وسنري النتائج. لكننا لسنا من الغباء بحيث يلهينا غباء الأمريكان والاسرائيليين عن الخطر الحقيقي الدي يتهددنا بضربيه. من الداخل أعني الطابع المغشوش للنهضة والصحوة ومن الخارح أعني الكماشة المحيطة بدار الإسلامي أعني قطبي الشرق المقبلين (الصين والهند) وقطبي الغرب المقبلين (أوروبا الغربية وروسيا).
فهؤلا أكثر حاجة لما في أرض الإسلام من أمريكا. وهم أقرب إلينا منها جغرافيا ومن ثم فعدم الاستعداد لهذين الخطرين سيكون النكبة الحقيقية: الاستعداد بمعنييه أعني شروط المسالمة التي قد تغني عن المحاربة إذا لم تلغها من حساب الممكنات. أما أمريكا واسرائيل فأمرهما هين.

المستوى الثاني: التعليل الباطن

والتعليل الباطن يعتمد هو أيضا علي فكرتين برزتا في طبيعة الفنيات المستعملة للتغلب علي إرادة السجناء في شجون افغانستان وغوانتانامو والعراق: حكم عام حول محركات الإنسان المسلم العميقة حصرا إياها في بعض الأحكام المسبقة حول أهمية الجنس عنده وحصر المسألة في الحرب علي الفحولة العربية.
وطبعا لن نطيل القول في أهمية الجنس عند العرب والمسلمين. فهذا دليل علي صحة فترتهم. استنقاص هذه الأهمية واعتبار الجنس جريمة إلي حد بناء كل الحضارة علي اسطورة الخطيئة أمر لحسن الحظ تحررت منه حضارتنا لأنها اعتبرت اسطورة الخطيئة من ثمرات التحريف الديني إذ إن القرآن برأ حواء ولم يعتبر وجود آدم عقابا بل هي امتحان لأهلية الاستخلاف ما دام جعل آدم خليفة كان متقدما علي ما يعتبره التحريف خطيئة فضلا عن كون حجة الملائكة في تجريم آدم رفضها النص القرآني واعتبره مجتبي. لذلك حرم القرآن الرهبانية وحلل الطلاق ليمكن النساء من التعدد المتوالي الذي مكن الرجال منه في شكله المتساوق لتحرر الجنس الرجالي من خلط الأنساب الممكن بالنسبة إلي المرأة فضلا عن كون نبينا جعل حب النساء في منزلة حب الصلاة.
نحن أمة سوية نعترف بأهمية ما هو حقا مهم. ما يهمنا هنا هو فنيات الحرب علي الفحولة العربية علام يدل؟ لكي نجيب عن ذلك سنبحث أمرين لفهم الآليات النفسية التي جعلت الامريكان يفكرون بهذه الصورة. وسيكون الأدب الأمريكي والسينما الأمريكية مصدرنا الأساسي: أليس الجنس والعنف السهمين الحاملين لوقع المفعول السينمائي عندهم؟ ثم أليس معين المضامين يعود إلي غرضين لا ثالث لهما: فمن الإسرائيليات يستمد الأمريكان اسطرة ماضيهم لتأسيس افناء الشعوب بغزو المعمورة من اجل الارض الموعودة ومنها يستمدون أسطرة مستقبلهم لغزو الكون من أجل انجاء الشعب المختار خارج المعمورة. لذلك فكل فنهم معبر عن ضرورة التهديم من اخلاء العالم من كل من لا ينتسب إلي الشعب المختار بأداتين هما الجنس والعنف.
لكن الجميع يعلم أن الأدب غالبا ما يعبر عن المفقود الذي يتحول الي منشود بديل من الموجود حتي في شكله الأكثر واقعية. فالهوس الجنسي من علامات كون المرء عنينا. العاجز الجنسي هو الذي يغزو فكره الهوس الجنسي. وكذلك شأن الشعب الامريكي الذي صار مهوسا بالجنس. فالإنسان الأبيض الذي يقصر الأمريكية علي نفسه ويعتبر الآخرين دخلاء صار سلوكه سلوك الأخصياء تماما كما تفعل جماعة لوبان. فهؤلا يتصورون المشي المرح في المهرجانات الخطابية وتمويهات بعض بقايا المرتزقة الأحانب المتحنسين دالين علي الرجولة والفحولة. لكنهم في سرهم يتهامسون في مابينهم بما فعله بنسائهم العمال العرب الذين يعتبرونهم قد أكلوا خبزهم وناموا مع نسائهم وشغلوا محالهم فقلبوا الآية ليصبح المستعمرون فاعلا بعد أن كانوا مفعولا!
وليس ذلك إلا لأن الشيخوخة قد أصابت الإنسان الابيض المريض بالعنصرية تماما كما يقع للاسرة التي تؤمن بالتزاوج الداخلي حفاظا علي النقاوة العرقية والثروة المادية. فهي تنتهي بايولوجيا علي مدي ليس بالبعيد. ولنأت إلي الأدب الأمريكي. فمن مــــنا ينســـي قصــة قتل الطـــائر الساخر هاربر لي Harper Lee, To Kill a Mockingbird؟ أليست كل الجرائم التي تصفها من منطلق التعبير عن العجز الجنسي قبالة إنسان اسود اتهموه بمجامعة امرأة بيضاء؟ ثم من منا ينسي رواية المحبوب للكاتبة الســـوداء الحائزة علي نوبل للادب توني موريسون Tony Morrison, Beloved أليســت أغلب السلوكات تقبل التفسير بغيرة الإنسان الابيض من فحولة الإنسان الاسود؟ ثم ألا يكفي ما نراه في أوساط الموسيقي الأمريكية حيث تتساقط البيضاوات علي الفحول السود تساقط الذباب علي بقايا الكلاب!

الخاتمة

وخاتمة القول فإن ماحدث في ابو غريب مثالا لسلوك الأمريكان ليس دالا علي علم عميق بالنفسية العربية بل هو مجرد ظهور لبعض أعراض النفس الأمريكية التي تعاني من أمراض حضارية وروحية علينا أن ننحي منها الإنسانية بمن فيهم زعيمي العنصرية الجامعة بين الصهيونية والنازية كما يفيد اسماهما: صاحب مكر الذئب:Wolfewietz وبائع الخردة بنطق السين شينا أو المقامر الغشاش بنطقها عربيا Rams(h)field.
وبخلاف مزاعم حطب جهنم كما يفيد اسمه (بوش) ما حدث في ابو غريب دليل علي خصائص نفسية العنصريين من بيضان أمريكا نفسيتهم التي لم تنتظر ما يحدث في العراق لتعبر عن نفسها فهي سارية المفعول في أمريكا نفسها ليس فقط في غلو الماضي العنصري مع سودانها بل وكذلك اليوم في كل سجونها وأحياء مدنها. وما استعملوه في فنيات الاستنطاق لا يدل إلا علي ما يعانون منه من أمراض نفسية اسقطوه علينا متصورين ذلك علما عميقا بالنفس العربية وبالثقافة الإسلامية حتي إن غباوات برنار لويس باتت تعتبر عندهم علما بالحضارة الإسلامية.
لذلك فليس من المزاح في شيء إذا قلنا إن نظرات شبه امرأة التي نشروا صورتها أولي بها أن تدل علي دهشتها أمام القضبان العربية منها علي سلطة سجان أو ذكاء باحث عن استعمال العلم بالنفس العربية للعلم بأسرار الثوار. فنظرة واحدة لنظراتها تبين أنها لم تكن تعذب المسجونين بل كانت تتعذب من الحرمان الذي تعبر عنها شرارات الشهوة في تحديق عينيها وفي هستيرية تكشيرها الحيواني. كل ما في الأمر أن البرنوغرافيا لم تبق في سجن بوغريب مجرد صور لأجراء لهم قضبان صناعية بل كانت مناظر حقيقية لقضبان فولاذية رغم كونها ليست صناعية بل هي عربية طبيعية لم تفسدها أمراض الحضارة الأمريكية وطالما حلم بها نساؤهم ورجالهم. ولعل زوجها نفسه كان يتعذب. فرغم تمييل قبعته الدال علي مظاهر الرجولة تدل هيأته بما عليها سمات المأبونيته علي الشهوة الانفعالية. ومن أدرانا فقد يكون ممن ينتظر الترخيص في الزواج اللواطي ليخلص من شبه المرأة التي يعاشرها.
ومن أدراني فلعل الصور أهملت المهم. فمن الصعب أن يتصور المرء المصور قد حرم نفسه مما أراد المحافظة علي ذكراه. ولا شك أن الكثير من المسجونين قد نالوا الوتر من الكثير من السجانين من دون شك. وسيبين التاريخ أن الهزيمة الأمريكية التي توقعتها والتي ستكون أكبر نصر للعرب والمسلمين في التاريخ المعاصر لا تقتصر علي ساحة القتال. لكننا في تحليلنا لآليات النفس الجماعية والفردية عندنا وعند أعدائنا لا نغفل عن كون البشر متماثلين في الجملة وعن كون أحداث التاريخ البشري متماثلة من حيث اساسها الطبيعي ولا تختلف إلا بالعرضيات الثقافية التي تفسر ما يخرج عن الفطرة أعني غير الطبيعي من السلوك الإنساني السوي خلافا لما صار يقول به اصحاب الموقـــــف التاريخاني نفيا منهم لكل كلي طبيعي ودعــوي بأن كل شيء من العرضيات الثقافية. وكل غلو في المقابلة بيننا وبينهم مجرد فن جدلي لرد دعاوي الأعداء لتحييد الحرب الرمزية علي النفس العربية وليس ادعاء لصفات يتجاوز بها المسلمون الفطرة البشرية. فالإسلام يؤمن بفطرة الله التي فطر الناس عليها ولا يميز بين البشر إلا بالأعمال.


أبو يعرب المرزوقي

cropped-d8bad984d8a7d9811.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s