معادلة الثورة العربية الإسلامية – أبو يعرب المرزوقي

معادلة الثورة العربية الإسلامية
أبو يعرب المرزوقي
تونس 2014.12.06


تنبيه مدير الصفحة:
على أصحاب العجلة تجنب هذه المحاولة. فهي لمن يريد أن يفهم ما يجري بمقتضى المفهوم والتاريخ أعني من له الصبر على تجاوز سطح الأحداث إلى أعماقها وفهم القرائب بالبعايد


التأسيس النظري للمعادلة

من المعلوم أن أحداث التاريخ لا تقبل الصوغ العقلي الصارم. وهذه الحقيقة تشمل كل ما يتجاوز المتصور إلى الموجود : فالأعيان تخرج عن الصوغ العقلي الصارم الذي لا يمكن أن يتجاوز الأبنية الفكرية في الأذهان. لذلك فكل محاولة لفهم الأحداث وتعليل مجراها ليست إلا نمذجة تقريبية هدفها هداية الفكر في عملية الفهم النظري المشروط في العمل التطبيقي على علم : والسياسة هي ذروة العمل على علم في المجتمعات التي تدير شؤونها بحكمة وروية. لذلك فعندما نتكلم على معادلة فليس القصد القول الفصل بل إنما هي محاولة لجعل أصحاب القرار في الفعل الثوري يعاملون الأحداث بأقصى قدر ممكن من المعقولية لئلا تنقلب العلاقة فينكصون إلى رد الفعل تاركين الفعل للثورة المضادة.

مبدأ فهم الأحداث التاريخية

ولنبدأ فنضع المبدأ الرئيس في قراءة الحدث التاريخي استمدادا من ماهيته أو حده التي نضعه هنا فرضية عمل قابلة للتجويد. فكل حدث تاريخي يحكمه صنفان من القوانين طبيعية وخلقية المولدين لتفاعل البعدين الطيبعي والثقافي في كل حضارة وفي تكوين أي إنسان إذا فهمنا فلسفة التاريخ كما وضع أسسها فيلسوفينا ابن خلدون:

أولهما ينتسب إلى التاريخ الطبيعي

لأنه حدث لكائنات حية محكومة بقوانين المكان والزمان: ولهذا خصص ابن خلدون القسم الأول من باب المقدمة الأول لمسألة دور الجغرافيا الطبيعية والمناخ في تحديد الشروط الأولى للعمران البشري والاجتماع الإنساني من حيث وجهه الطبيعي.

والثاني ينتسب إلى التاريخ الخلقي

لأنه حدث لكائنات لها قدر معين من الوعي بوضعها التاريخي في صلته بمحتمات التاريخ الطبيعي (الزمان والمكان) الذي اختلط بتراكم مفاعيل التاريخ الخلقي (الزمان يتحدد بإيقاع تاريخي حضاري والمكان يتحدد بتضريس جغرافي حضاري) : ولهذا خصص ابن خلدون القسم الثاني من باب المقدمة الأول لمسألة دور البعد الرمزي والأديان والعلوم في تحديد الشروط الأولى للعمران البشري من حيث وجهه الثقافي.


وبذلك تكون محددات التاريخ الإنساني طبيعية وثقافية أي إنها نابعة من خصائص المكان والزمان (لأن الإنسان مهما تحضر يبقى حيوانا) اللذين يصبحان بالتدريح الجغرافيا و التاريخ (لأن الحيوان الإنسان مهما توحش له بعد حضاري). وهذه الأبعاد الأربعة تتفاعل في إطار يعلو عليها رغم كونه يصدر عن تفاعلاتها المتراكمة إطار يصبح بالتدريج محددا للهوية الحضارية التي تنزل تلك الجماعة في التاريخ العالمي. وهذا الإطار هو الذي يصبغ الصفات التي تتألف منها طبيعة تفاعلاتها مع الجماعة البشرية ككل.

فالتاريخ والجغرافيا كائنان حضاريان يضفيان على الزمان والمكان الطبيعيين طابع المجال الحي الجامع بين المادي والرمزي وسطا مزيجا بين الطبيعة والثقافة بين الوراثي والمكتسب. وفيهما تجري صراعات الأمم وتعاونها وتبادلها وحتى استبدالها وتوارثها خلال تواليها في تاريخ الحضارة البشرية ككل. وهذه هي المقومات الخمسة التي منها يمكن أن نستمد معادلة أي حدث تاريخي مهما كان معقدا تعقيد الثورة أي : 1-الزمان 2-والمكان طبيعيا 3-والتاريخ 4-والجغرافيا حضاريا 5-ووحدتها جميعا في هوية حضارية مؤلفة منها ومتعالية عليها تتحدد بالتضايف والتجاور مع هويات حضارية لها أبعاد من نفس الجنس صوريا رغم اختلاف المضمون عند النظر إليها كونيا. وإذن فهذه المقومات هي التي ستمكننا من فهم معادلة الثورة العربية كما نحاول بيانها هنا.

فمكان الحدث الثوري وزمانه مع ما يضفيه على المكان جغرافيته في الجيوستراتيجيا الخاصة بحضارته وبمنزلتها في الحضارة العالمية وعلى الزمان تاريخه في الهستيريواستراتيجيا الخاصة بحضارته وبمنزلتها في الحضارة العالمية هما منطلق تحديد المعادلة من خلال زمانية الثورة ومكانيتها وتاريخية الثورة وجغرافيتها: فزمانية الثورة ومكانيتها وما يضفيه عليها تاريخيتها وجغرافيتها عند وصلها بالإقليم والعالم تقبل التحديد بحسب موجاتها المتوالية. وليعذرنا القارئ على تعقيد المعادلة وتعدد مقوماتها وتشابك تفاعلاتها : فليس ذلك من باب التعسير بل هو إن صح التعبير تبسيط إلى أقصى حد ممكن لئلا تضيع المعاني.


مستويات المعادلة الخمسة

المستوى الأول : منطق الموجة الأولى من الثورة

فالموجة الأولى من الثورة حدثت في تونس (مكان+جغرافيا : قلب المغرب العربي وعاصمة الفتح الإسلامي في بداية الخلافة) بعد بلوغ التحديث المستبد أقصى مبلغ وفشله (التحديث البورقيبي) وانتقلت إلى مصر (مكان+زمان=قلب المشرق العربي وعاصمة الصمود الإسلامي بعد سقوط الخلافة) بعد بلوغ التأصيل المستبد أقصى مبلغ وفشله (القومية العربية الناصرية).

والمعلوم أن النقلة من تونس إلى مصر غيرت وزن الثورة بنسبة يمكن قيسها بفرق الدور والوزن بين قطري البداية (تونس) والغاية (مصر) : فقد كان يمكن أن تبقى حدثا قطريا بسبب هامشية الدور التونسي في المجال العربي لولا هذه النقلة إلى مصر بسبب مركزية دورها في المجال العربي وهي نقلة حولتها إلى حدث أصبح يهم الإقليم كله. ومن ثم فالحدث الثوري قد أصبح عالميا لعلتين مضاعفتين :

العلة الأولى برانية أو إن صح التعبير مصدرها المنزلة في المكان والزمان الدوليين مطبوعين بأثر الجغرافيا والتاريخ الدوليين : فالحدث الثوري بات يهدد الخليج مصدر الطاقة المادية ويخيف إسرائيل مصدر الطاقة الروحية بالنسبة إلى الغرب كما يتصور نفسه بعد أن سيطرت عليه الإيديولوجيا وشبكات الضغط الصهيونية.

العلة الثانية جوانية إن صح التعبير مصدرها الهوية الحضارية للجماعة : فهي التي جعلت مسار العدوى الثورية يخيف الأنظمة ا لعربية بصنفيها القبلي والعسكري كل لأنه يجري في الإطار العربي لوحدة المجال الثقافي الميسر للتواصل بين الشباب.

إن وحدة المجال الثقافي وتيسيره للتواصل مع وحدة الظرف والمقومات البنيوية للمصير جعلت الشباب فيها جميعا يشعر بالوحدة خاصة بعد أن انتقل بين عاصمتين تمثلان قطبي نهوض هذه الهوية الحضارية مغربيا ومشرقيا أي تونس ومصر. وقدرة التأثير على الانتقال من الأقل وزنا في السياسة العربية (تونس) إلى الأكثر وزنا (مصر) يعني أنه لا أحد في منعة من العدوى الثورية التي عمت كل الأقطار العربية : وذلك هو أساس الوحدة التي حصلت بين كل الأنظمة العربية تماما كما حدث في أوروبا بعد الثورة الفرنسية. وقد تنجح الثورة المضادة فتعطل الثورة في الأعيان. لكنها لن تستطيع إيقاف ما أحدثته من نقلة نوعية في الأذهان.


المستوى الثاني : منطق ما لا يخضع لمنطق الموجة الأولى

وقبل أن نمر إلى الموجة الثانية من الثورة فعلينا أن نشير إلى ما يتوسط بين تونس ومصر من أقطار حدثت فيها الثورة وتعثرت موجتها الأولى فلم تصل إلى ما وصلت إليه في تونس ومصر استعدادا للموجة الثانية. ولم يحدث ذلك بالصدفة بل هو حصل بسبب ما نبين هنا من علل : أربعة أقطار عربية بدأت فيها الثورة لكنها تعثرت فيها جميعا بسبب عودة العائقين الموروثين عن الانحطاط الذاتي للحضارة العربية الإسلامية أعني القبلية والطائفية مع غلبة الأولى على ليبيا واليمن وغلبة الثانية سوريا والبحرين. وإذن فللثورة العربية إيقاعان مختلفان تماما : إيقاع مداره المعركة الحديثة حول شكل الدولة (مدينة دينية) وإيقاع مداره المعركة القديمة حول وجود الدولة نفسه (قبلية طائفية أم دولة).

ومعنى ذلك أن المقابلة بين التأصيل والتحديث هي التي تفهمنا ما جرى ويجري في تونس ومصر. لكن المقابلة التي تفهمنا ما يجري في البلاد الأربعة الأخرى هي إما القبلية (ليبيا) أو الطائفية (البحرين وسوريا) أو كلاهما معا (اليمن) أعني إما ما قبل الإسلام من انتظام العمران أو ما نتج عنه في الفتنة الكبرى من حرب أهلية بين التسنن والتشيع. ومعنى ذلك أن الثورة العربية تعيش معركتيها الحاضرة التي وضعت في تاريخنا الحديث والماضية التي وضعت في فجر تاريخنا الماضي وبقيت دون حسم : والمعركة الحاضرة تجاوزت تأسيس الدولة إلى طبيعة مدنيتها (تونس ومصر) والماضية مازالت دون الدولة لأنها محكومة بالقبيلة (ليبيا واليمن) والطائفة (سوريا والبحرين).


المستوى الثالث : منطق الموجة الثانية

والموجة الثانية بدأت وهي بصدد الحدوث في مصر أعني أنها في الاتجاه المقابل لاتجاه الموجة الأولى : بداية الموجة الأولى من تونس إلى مصر وبداية الموجة الثانية من مصر إلى تونس. فبعد بلوغ الثورة المضادة أقصى مبلغ ستفشل حتما في مصر. ثم هي ستنتقل إلى تونس حيث ستبلغ المهادنة أقصى مبلغ وستفشل حتما. ويتمثل الفرق بين الموجتين الأولى والثانية في أن الثورة المضادة كانت بعد الموجة الأولى ترد الفعل أو تستعد للفعل خلال الانتقال من تونس إلى مصر. لكن الحاصل الآن هو العكس تماما : الثورة المضادة هي التي تفعل والثورة هي التي ترد الفعل وتستعد للفعل ثانية.

لذلك فالأقطار الأربعة الأخرى التي تعثرت فيها الثورة والتي ما تزال في معركة ما قبل الدولة أي في القبلية والطائفية هي التي سيكون الحسم فيها محددا للأحداث المقبلة ومن ثم فنقلة الثورة إلى الفعل مرهونة بطبيعة الحسم فيها : فإما أن الفعل الثوري في مصر وتونس سيصبح مسلحا مثلها أو أن الفعل فيها سيصبح من جنس الفعل في تونس ومصر بحيث إن أسلوب الفعل الثوري سيتحد ليصبح عاما ومن جنس واحد حتى يواجه وحدة الفعل عند الثورة المضادة وسندها الاستعماري. وتحديد هذه الاستراتيجية هو الذي سيمكن من الحسم السريع لصالح الثورة : فإذا اتحدت الثورة اسلوبا واستراتيجية فإنها لن تقهر وستتغلب على الثورة المضادة بشرط أن تجعل أهدافها الغائية (الحرية والكرامة) غير منفصلة عن شروطها التي ينبغي أن تكون الأهداف الأداتية : ثورة الحرية والكرامة بشرطيها أي الوحدة العربية في ولايات متحدة عربية ذات دولة مدنية حديثة قوامها المواطنة بقيم القرآن وحقوق الإنسان


المستوى الرابع : المعادلة العامة


معركتان لحسم فتنتين تتعلقان بالنظام السياسي وبعلاقته بالدين أي إننا نعيش صدام حضارات داخلي (بين التأصيل والتحديث الكاريكاتوريين) وحرب أهلية مضاعفة (في صف الإسلاميين وفي صف التحديثيين). ولا يمكن للأمة أن تستأنف دورها التاريخي الكوني من دون فهم هاتين الفتنتين والتمكن من التخلص منهما لتجاوز الفوضى الحالية التي يعيشها المسلمون عامة والعرب منهم على وجه الخصوص:
صدام الحضارات الداخلي :

  1. فالنخب التي تدعي التأصيل تخلط بين الجاهلية وقيم القرآن التحررية. ومن ثم فنحن نعيش حربا ذاتية في الروح الإسلامية بين الناكصين إلى الجاهلية والمجدين في تحرير الإسلام مما شابه بسبب الانحطاط الاسلامي.
  2. والنخب التي تدعي التحديث تخلط بين التبعية للاستعمار وقيم الحداثة التحررية. ومن ثم فنحن نعيش حربا أجنبية في الروح الغربية أي بين الناكصين الاستعمار والتبعية والمديد في تحرير الحداثة مما شابها من الانحطاط الاستعماري.


المستوى الأخير : علل الفصام المزدوج مرض الأمة


وإذن فنحن نعاني من فصام مزدوج : فصام في حضارتنا وفصام في الحضارة الغربية اجتمعا عند نخبنا فولدا خليطا متفجرا أقوى من القنابل النووية. وتلك هي علة الأزمة الحالية التي تمر بها الأمة. ولعلاجها نذرت نفسي تحليلا وتأويلا لأنه لا يمكن لأمة لم تفهم ما أصاب روحها من اهتزاز أن تكون قادرة على الفعل الموجب. فمن دون هذا العلاج ستبقى الأمة وكأنها جثة بلا رأس أو جسد بلا جهاز عصبي تعمها الفوضى والاستبداد والفساد.

الحرب الأهلية المضاعفة هي :

  1. عودة الصراع المحيط بالثورة القرآنية أي قبلها إسلام جاهلية أي دولة قبيلة (ليبيا واليمن خاصة) وبعدها إسلام طائفية أو سنة شيعة (سوريا والبحرين).
  2. نشأة الصراع المحيط بالنهضة العربية الإسلامية : قبلها الانحطاط الذاتي أو التأصيل غير المدرك لحقيقة ثورة الإسلام الدينية (النقد الروحي) وبعدها انحطاط مستورد أو التحديث غير المدرك لحقيقة ثورة الفلسفة العقلية (النقد المعرفي).

وكلتا العودتين نكوص لأن الحل القرآني بين في الحالتين : فهو تجاوز القبلية تأسيسا للدولة الأمة دون أن ينفي ما للقبيلة من دور في تكوين الأفراد القادرين على الاجتهاد والجهاد. وهو تجاوز الثيوقراطيا بجعل الدولة في خدمة التعدد الديني والشرعي حتى يتعلم الإنسان التسابق في الخيرات والتنافس في الفضائل إعدادا للكونية الإسلامية التي تؤمن بأن البشر أخوة (النساء 1) . والمسلمون قبل الانحطاط مدركن لذلك بل وقد صاغوه نظريا : يكفي قراءة فضائح الباطنية للغزالي (الحكم اختيار لا وصية) أو ابن خلدون (الحكم اجتهاد لخدمة الصالح العام وليس عصمة ولا صلة له بالعقيدة).

كما أن الفتنة الحديثة حول الحكم اختلاق محض لأن أدعياء العلمانية يحالفون الثيوقراطيا الشيعية ضد الدولة المدنية السنية مشروعين للأمة وذلك دليل على أنهم يفتعلون معركة لا معنى لها في الإسلام السني لأن الدولة فيه مدنية الجوهر. وسوء النية في الخلط بين النكوصين والنظرية الإسلامية في الدولة ليست إلا خطة استعمارية هدفها منع القوة الرئيسية عند المسلمين من العودة إلى التاريخ الكوني لتعديل كفة العالم الذي صار ضحية المافيات الراسمالية والصهيونية وحليفهم البين الآن أي الصفوية التي توظف شيعة العرب الذين تحولوا إلى مليشيات إيرانية في جل الدول العربية لزعزعة بناء القوة التي هي الوحيدة القادرة على إعادة الإسلام إلى دوره الكوني. وهدفي إنجاز هذه المهمة التحليلية لمساعدة شباب الثورة بجنسيه وما توفيقي إلا بالله.


أبو يعرب المرزوقي

cropped-d8bad984d8a7d9811.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s