طبيعة الأزمة الدستورية في جمهوريات العرب

طبيعة الأزمة الدستورية في جمهوريات العرب – تحليل فلسفي حقوقي من منظور خلدوني – أبو يعرب المرزوقي

 

تونس صائفة2006

تمهيد

يقتضي تحليل معادلة الوضعية الدستورية في الأقطار العربية التي تسمى جمهوريات خلال لحظتها الراهنة فهم الماضي الذي جعلها تكون ما كانت واقتراح حلول نظرية تمكن من التخطيط لمستقبل الإصلاحات الدستورية في وطننا الكبير. ولن يكون المدار القول في هذه المحاولة حول مناقشة النصوص الدستورية. فهي كما سنرى لا تمثل شيئا يستحق النقاش عدا الحاجة إلى فهم خلوها من المسمى وانحصارها في الإعلان الاسمي. فكل الأنظمة التي انتقلت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري في الوطن العربي نكصت في الوجود الفعلي بالنظام الملكي إلى شكله البدائي بعد أن بدأ ينتقل من سلطان يتحرر من عصبية الشوكة (التي أسست النظام الملكي) إلى سلطان يصبو إلى عصبية الشرعية (الدينية والتاريخية) حتى وإن بدت نقلة منه إلى النظام الجمهوري في الوجود النصي عادت به إلى شكل النظام الملكي البدائي دون تصريح تحت اسم النظام الجمهوري الذي استبدلته به.

فهي قد جمعت كل السلطات التي تتقوم بها الدولة الحديثة من أدوات الفعل في يد رجل واحد سواء جاء عن طريق الانقلاب العسكري أو عن طريق الشرعية التحريرية من دون ما تتقوم به الدولة الحديثة من كوابح إخضاع فعلها للقانون. ويسمى هذا في سلم الدساتير الأرسطية استبدال المبدأ الأسمى بالمبدأ الأدنى نزولا من الملكية إلى الاستبداد.

ذلك أنه لما كان سلطان الرجل الواحد ليس إلا ظاهرا من الأمر لامتناعه بالذات فإن السلطة الحقيقية هي دائما بيد بطانة تنتهي في الغاية إلى أن تصبح مافية عنيفة وفاسدة تسيطر باسمه على مقاليد الدولة ومصائر المواطنين. فليس بوسع فرد مهما بلغ من العبقرية أن يمسك بمفاصل دولة مهما صغرت خاصة بعد تعقدها في الشكل الحديث الذي يجعلها تتحكم في كل واردة وشاردة من الشأن العام بل وحتى الخاص. وليس بوسع الرجل الواحد مهما بلغ من الصلاح والبراءة أن يحول دون مآل الفساد الناتج حتما إلى استبداد الآليات العمياء باسمه. لذلك فالأزمة فقدت شروط التشخيص السوي بمعنيي الكلمة (تحديدا للداء ونسبة إلى الأشخاص) لأن الكلام يدور عن شكل نظام الجمهورية الظاهر والمعلن في الدساتير في حين أن الحقيقة تتعلق بشكل نظام الملكية البدائية والباطن الجاري في الواقع السياسي: ويمكن أن تكون أي جمهورية من الجمهوريات العربية نموذجا تتعين فيه كل مكونات الأزمة الدستورية التي تعاني من هذا الازدواج والتناقض بين الاسم والمسمى فتبرز حقيقتها الفعلية أعني كونها ملكيات بدائية متنكرة تحت اسم الجمهورية.

فالانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري: حصل في خمس دول عربية هي: مصر وتونس وسورية والعراق وليبيا (واليمن يمكن أن يقاس عليها رغم أنه لم يكن نظامه ملكية بل إمامة). وبداية الاعتراف بأزمة النظام الجمهوري شكلا والملكي مضمونا تكاد أن تكون فيها جميعا. لكن في مصر وتونس امتازت بأمرين يجعلانهما جديرتين بأن تتصدرا قائمة الممثلين للظاهرة. ففيهما حصلت النقلة إلى النظام الجمهوري ثم الاعتراف بأزمته صراحة وتم ذلك في الحالتين سلميا ودون انقلاب عسكري ثم هما كانتا السباقتين إلى الوعد الرسمي حتى وإن تعثر التحقيق الفعلي فبقي الوعد مجرد وعدبملء الشكل الجمهوري وتحقيق مضمونه الفعلي لئلا يبقى ملكية متنكرة (محاولات أنور السادات وإعلان السابع من نوفمبر).

لكن أنور السادات يمكن أن يعد صاحب السبق الحقيقي في فهم أزمة النظام الجمهوري العربي وطابعه المخادع لأن محاولاته في علاج الأزمة تقدمت على ما حصل في تونس. فهو قد فهمها بالسلب على الأقل لأن ممارسته في الحكم كادت تصرح بضرورة الإعلان عن الملكية المتنكرة رغم تزيينه إياها بماكياج الديموقراطية الكمبارسية. ولعل سعيه لم يؤت أكله بسبب ما تطلبته السياسة الخارجية المصرية وما أحاط باللحظة التاريخية وبدور مصر فيها: معركة الصلح مع إسرائيل بعد قلب العلاقة النفسية بين العرب وبينها خلال حرب العبور. حاول دون أن يُفهم ولعله لم يحقق لمشروعه شروط قابلية الفهم حسم أمر هذا العائق بالاستفادة من النفس الأخير للحرب الباردة سعيا إلى إخراج مصر وفلسطين خاصة والعرب عامة من منطق الصراع الذي كان دائما لصالح إسرائيل ما ظل العرب لعبة في هذه الحرب.

لكن ذلك مع النتائج التي جرها على خطته تآمر المقاطعة العربية بديماغوجية صدَّامية حالت دون إخراج العرب مما حشروا فيه خلال الحرب الباردة حال دون العرب والفراغ للبناء الحضاري. فلجأ السادات مضطرا وبالتدريج إلى الوقوع المتزايد في حبائل أمريكا وإسرائيل بعد أن خذله العرب الذين لم يفهموا بعد نظر الخطة قبل أن تزرع إسرائيل المستعمرات في ما بقي من أرض فلسطين إلى حد يكاد يصبح الحل معه مستحيلا من دون الدولة الواحدة ذات القوميتين. عاد العرب إلى ما يلهيهم عن السعي إلى تحقيق شروط الانتساب إلى العصر والاندراج الإيجابي في المعترك الدولي خاصة بعد انفراط عقد الجامعة والعودة الصريحة إلى الحرب الأهلية منذ بداية التسعينات بعد أن ظنناها توقفت بعد 67. ولعل مشروع السادات المطابق لحقائق الأمور في الممارسة السياسية العربية كان يهدف إلى إعادة الملكية صراحة لو لم يقع اغتياله خاصة. وهو قد شرع فعلا في إحياء بقايا الطبقة التي استندت إليها الملكية إلى حد محاولة إلغاء ثمرات الإصلاح الزراعي والتخلص من الشكل الاشتراكي للاقتصاد المصري.

أما الوعد بملء الشكل الجمهوري بالصورة التي حصلت في تونس حصولا صريحا وموجبا فإنه يبدو خاليا من القصد الواعي لإعادة الملكية في البداية على الأقل لكنه يتضمن الاعتراف الصريح بفشل المرحلة السابقة فشلها في تحقيق حقيقة النظام الجمهوري ومن ثم فهو اعتراف بالظاهرة التي نصف خاصياتها بدليل الإشارة إلى ضرورة التخلص من الرئاسة مدى الحياة رغم أن ذالك بقي في مستوى القول مع ميل اللجوء إليها في الفعل كما تبين ذلك بالتدريج في علامته التي لا تخطي: تحوير الدستور لفتح عدد الدورات إلى غير غاية. ونظير ما جرى في تونس لم يحصل في مصر إلا بصورة ملتوية في برنامج الرئيس مبارك برنامجه الانتخابي الأخير ربما بسبب يأسه من التوريث المباشر –الذي رفضته نخب مصروتمهيد الطريق للتوريث بالآليات الديموقراطية التي هي طريقة أذكى وإن كانت من نفس الجنس: إذ لاشيء يمنع ابن الرئيس من أن يترشح للرئاسة ومن أن ينجح إذا أعدت العدة لذلك فلا يكون التغيير الشكلي إلا من الخدع الصريحة.

وعندئذ فلا عجب أن تكون الصعوبات الحقيقية للأزمة الجمهورية في مصر قد بدأت فعلا مع مبارك تماما كما بدأت قبل ذلك في تونس منذ أن بات النظام مضطرا للتمديدات التي ليس لها غاية. فمسألة التمديد التي تتكرر بلا غاية ليست علتها رغبة شخصية كما يتصور المعارض الساذج بل هي علة موضوعية حقا. وهذه العلة هي: غياب المخرج لعدم تجديد الطبقة السياسية أو لعدم إدراك عمق المأزق أو لعدم القدرة على علاجه أول للعلل الثلاث مجتمعة بصرف النظر عن حسن النوايا وصلاح الرجال الخلقي. لكن هذا الوصف ليس من جنس القول بالقضاء والقدر السياسيين. فليست الوضعيات السياسية الحرجة مرتبطة بالنوايا ولا بصلاح الرجال أو طلاحهم بل بالاستعداد الاستراتيجي المتقدم على حصول الأزمات أو عدمه كما يؤكد ابن خلدون عند حديثه عن تعذر إصلاح الأنظمة في مراحلها المتأزمة أعني إذا بلغت أرذل العمر ولم يلازمها فعل الإصلاح في كل مراحلها.

ويقتضي التناظر البنيوي أن تكون تونس أيضا قد مرت بين طوري الجمهورية التونسية بما يشبه مرور الجمهورية المصرية بطورين وإن تميزت عنها بأمرين هما قصر المدة (مدتها في تونس هي تقريبا نصف مدتها في مصر) وضآلة تأثير العامل الدولي لبعد تونس عن المسألة العربية الإسرائيلية أو لثانوية دورها فيها. فداخليا كان دور الاستاذ محمد مزالي شبيها إلى حد كبير بدور أنور السادات: كلاهما لم يكن يحكم باسمه بل كان يحكم باسم رمز حتى وإن كان هذا صاحب رمزه حيا وذاك صاحب رمزه ميتا وكلاهما كان يحاول أن يستعيد للدولة شرعية مستمدة مما تقدم على مرحلة الرمز للتخلص من سلطانه مزالي من بورقيبة والسادات من عبد الناصر. ولأن السادات كان يريد أن يقتل رمزا صاحبه ميت لم يغادر فعله إلا ميتا لسوء حظه ولأن مزالي كان يريد أن يقتل رمزا صاحبه حي غادر فعله حيا لحسن حظه.

وكلاهما أساء فهم الظرف في سعيه للتحرر من الرمز فآل به الأمر إلى فقدان مقاليد الأمر ولم يتخلص من الرمز إلا من أتى بعدهما: فالنخب التي كانا يسعيان إلى الاعتماد عليها لم تعد مؤثرة حتى وإن بقي منها فضالة أو حشاشة لا حول لها ولا قوة والنخب المؤثرة فقدت الانتساب إلى ما كانا يمثلانه من قيم. فالجمع بين الأصالة والحداثة (قيم الحضارة العربية الإسلامية وقيم البرجوازية الوطنية) عند الرجلين لا يمكن أن يجمع نخبا يمكن القول إنها قد جمعت بين الانبتات وما بعد الحداثة (قيم اللائكية واليسار عند المستعمرين ثقافيا وقيم البرجوازية التطفلية).

فالنخب التقليدية في النظام التربوي وفي النظام الاقتصادي التقليديين المتقدمين على النظامين البورقيبي والناصري كانت قد انتهت من حيث القدرة على التأثير في التاريخ. فلا تجار تونس ومعلميها ولا طبقتها العاملة بعد العهد البورقيبي يمكن أن يعتمد عليهم في تأسيس شرعية الدولة الوطنية كما كان الشأن في بدايات الحركة الوطنية والاستقلال ولا بورجوازية مصر وأزهرها وطبقتها العاملة بعد العهد الناصري مما يعتمد عليه في تأسيس شرعية الدولة كما كان الشأن عليه في بدايات الحركة الوطنية والثورة كذلك. وإذن فمن المنطقي أن تفشل التجربتان: لا يمكن أن نبني شرعية على نخب وقوى فقدت قدرتها على التأثير ونريد بعثها بشيء من الكُنتية. ومن المنطقي كذلك أن تنتهي التجربتان التونسية والمصرية بتأسيس سلطان النخب التي سيطرت على نظام التعليم بشرعية التحديث المزيف وعلى النظام الاقتصادي بشرعية الكمبرادورية الهوجاء والعمالية الزائفة لاعتماد الاتحادات العمالية المهترئة على أجهزة الدولة الجامدة.

وطبعا فكل هذه العناصر تبقى من المغفول عنه بسبب اللامبالاة التي تغلب على المتنفذ من النخب لامبالاتهم بالدور الريادي في نهضة الوطن العربي والأمة الإسلامية وحتى بالعروبة والإسلام. فالنخب التونسية المتنفذة مثلها مثل النخب المصرية فقدت الطموح التاريخي بفقدان الأفق الحضاري المستقل فأفقدتا بهذا الموقف تونس ومصر كل دور لكون هذه النخب صارت من خصايا النخب الغربية التي تحاكيها بآليات عقدة الخواجة. لذلك فهي تحط من منزلة تونس ومصر وتلغي دورهما في محيطهما فتنفي عنهما كل طموح إلى الريادة عدا التقليد البليد لنخب الغرب التي فقدت هي بدورها الريادة وباتت توابع روحيا لمافية الفكر الغربي المعولم المعلومة وتوابع ماديا لمافية الاقتصاد الأمريكي المعولم.

لكن تونس ومصر يمكن أن تستعيدا دورهما ومنزلتهما الريادية كما حصل ذلك في بداية النهضة بمجرد الالتفات إلى وجهتهما التي كانت لهما على مر تاريخهما كله حتى قبل الإسلام وكانتا بها دائما سيدتين ورائدتيـن 

فمن المرحلة الفرعونية والقرطاجنية إلى الفسطاط والقيروان كانت تونس ومصر عاصمتي الأبيض المتوسط الغربي.

لكنهما بمجرد الالتفات إلى الغرب تصبحان تابعتين لروما قديما وللاستعمار الغربي الفرنسي والانجليزي حديثا.

فبمجرد أن تصعر نخبهما خدها إلى الشرق معينها الأساس فتتوجه عكس هذه الوجهة تصبح تونس ومصر مستعمرتين تابعتين كما يتبين بكامل الوضوح من بعد قضاء روما على مصر وعلى قرطاجة إلى محاولات فرنسا وانجلترا القضاء على شرطي استقلالهما: العروبة والإسلام.

ثم إن الأزمة الدستورية ليست مقصورة على مصر وتونس بل هي تشمل أقطار الوطن العربي التي استبدلت النظام الملكي اللطيف بسب ما حاز عليه من شرعية العادة والتاريخ في الوعي العام ذي الخلفية الدينية بالنظام الجمهوري الذي عاد بالبلدين إلى الملكية المستبدة واللاشرعية في الوعي العام كذلك لأن موقفهما من الخلفية الدينية مبهم ولأن الخلفية العلمانية متنافية مع السلوك الملكي المنتسب إلى العصور الوسطى. لكن الأزمة مع ذلك وبصورة تحكمية لا تحلل عادة إلا بما يجري في تونس ومصر فتصبح الظاهرة الدستورية وكأنها أمر شاذ في حين أنها ظاهرة عامة في كل أقطار الوطن العربي التي انتقلت من الملكية إلى الجمهورية ومن ثم فهي تقبل العلاج العلمي الدقيق.

وأولى مزايا هذا العلاج العام إخراجه إيانا من عقدة التقابل بين المشرق والمغرب العربيين: فكلاهما يتبع نفس المسار الآيل إلى الدمار إذا لم نتدارك أدواءهما بكل الإصرار. فالتناظر التام بين أهم قطرين فيهما أعني مصر وتونس يلغي وهم الاختلاف السخيف الذي آل إلى الكلام على عقلانية المغرب ولا عقلانية المشرق أم ما شابه: مصر وتونس هما رائدتا النهضة دون منازع بمقتضى قانون كوني يجعل الاستئناف الحضاري يستأنف دائما من المراكز الأصلية للنشأة الأولى أعني في هذه الحالة وطني الزيتونة والأزهر.

ثم إن تاريخ الأزمة الفعلي تكاد مراحله تتناظر وتتشاكل في كل الأقطار العربية التي ألغت الملكية المحتضرة وعوضتها بجمهورية اسما وملكية مسمى مع الاستبداد الذي تخلصت منه الملكية التقليدية بسبب حصولها على الشرعية التاريخية التي أغنتها عن القوة والعنف إلى حد بيعد. وبحصر الكلام في ما يجري في مصر غاب دور تونس بل وسبقها في مسألتي النهضة والإصلاح سبقها الذي لا ينكره إلا معاند. فما حصل في السبق إلى تباشير النهضة شبه مجهول رغم أن تونس بدأتها قبل مجيء نابليون إلى مصر حتى لو لم نغال فنعود إلى محاولة ابن خلدون لتأسيس شروط النهوض النظرية من خلال نقد المؤسسات العربية الإسلامية سلبا ووضع مقومات السياسة العقلية إيجابا مقوماتها المطابقة لخصائص الظاهرات العمرانية بمقتضى قوانينها الكونية.

ولما كانت تونس هي أقرب الأمثلة العربية إلي لأنها موطني فيسكون التركيز عليها في التحليل مساعدا على فهم الظاهرة دون حصرها فيها لشمولها كل الأقطار العربية التي زعمت نخبها نقلها من الملكية إلى الجمهورية اقتصارا على الاسم دون المسمى لأن الوضع الحقوقي لم يتحسن بل ازداد سوءا. فتونس هي الأفق الجغرافي التاريخي الذي من خلاله أطل على الوطن العربي الإسلامي منبع جذوري الحضارية وعلى العالم معين قيامي الوجودي. لذلك فسآخذ الأزمة الدستورية فيها عينة من الأزمة الدستورية للنظام الجمهوري في كل أقطار الوطن العربي التي انتقلت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري انتقالا اسميا أعادها إلى أفسد أشكال النظام الملكي: النظام الاستبدادي بلغة أرسطو وابن خلدون مع ما توفره الشروط الحديثة للدولة من ادوات لتحقيق الاستبداد الفعلي (سرعة الاتصال وطاقة الاستعلام وأدوات التنفيذ). فهي أزمة يعاني منها النظام الجمهوري في البلاد العربية كلها.

وقد أدركت نخب تونس أزمته وزعمت تداركه في ما يسمى بحركة التحول لكنها مثلها مثل النخب العربية في كل الأنظمة العربية الأخرى عجزت عن علاجها لأسباب كثيرة يخطئ من يقصرها على نوايا الرجال أو أخلاقهم متناسيا أن التاريخ مثل الرياح ليس راجعا إلى ما تشتهيه السفن. لذلك فهذه الأزمة تستأهل أن تكون نموذج الأزمة الدستورية في الجمهوريات العربية التي من جنسها.

ولن نتمكن من علاج هذه الأزمة علاجا نظريا موضوعيا إلا بافتراض التحليل خاضعا لقاعدتين موجزتين كلتاهما مضاعفة أعتقد أنه من واجب كل من يعالج الشأن السياسي في جمهوريات العرب أن يلتزم بهما إذا أراد لعلاجه أن يكون نظريا متحررا ما أمكن التحرر من التحيز الإيديولوجي. فالعمل بهاتين القاعدتينوهو ما حاولت الالتزام به كل تحليلاتي السابقةيحسم مسألة التنافس بين نوعي النخب:

نخب الممارسة السياسية المباشرة

ونخب التحليل العلمي للظاهرة السياسية لئلا يعتدى أي منهما على مجال عمل الثاني.

ومعنى ذلك أني أخرجت نفسي من كل منافسة سياسية حتى أفرغ للعلاج الفلسفي طالبا الحياد الضامن للموضوعية ما أمكن ذلك للعقل الإنساني. وأملنا أن يجنبنا ذلك ما ساد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية من خلط بين العمل السياسي والنظر السياسي بسبب عدم الفصل بين العمل السياسي المباشر والعمل الفكري غير المباشر رغم تسليمنا بأن الفصل المنهجي في العلاج لا يعني عدم الوصل في مستوى العلاقة بين النظر والعمل خلال النظر إلى تاريخ الأمة الحضاري. وتلك هي العلة الرئيسية للفشل العملي والنظري الذي آلت إليه النهضة والصحوة عند مقارنة ثمراتهما بما حققته نهضات الحضارات المؤثرة في التاريخ الكوني.

فيكون المطلوب في هذه المحاولة علاج أربع مسائل مع التنبيه إلى أن الكلام عن الوضع الراهن بوصفه ملكيا في المضمون بأفسد أشكاله حتى وإن كان جمهوريا في الشكل بأكثر أشكاله سطحية لا يعني أننا نميل إلى إعادة النظام الملكي بل نريد تحديد الموجود لنفهم شروط البلوغ إلى المنشود بطرق تتوخى الفعل الإيجابي لا سلبي الردود:

المسألة الأولى تركز على التحليل النظري المعمق للازمة الدستورية التونسية بمرحلتيها أعني مرحلة النقلة من الملكية إلى الجمهورية (بورقيبة) شكلا ومرحلة الوعد بالنقلة من الجمهورية الشكلية إلى الجمهورية المضمونية (ابن علي). فتكون تونس بهذه المرحلة الثانية قد سبقت كل الأقطار العربية في الإعلان الرسمي عن الحاجة إلى ملء الشكل بالمضمون الجمهوري لإتمام النقلة حتى وإن لم تتمكن من إنجاز الوعد بل عادت إلى أسوأ مما كان قبلها.

المسألة الثانية تصف مراحل التغيير الدستوري الذي حصل في المثال الذي انتخبناه نموذجا لما تعينت فيه الأزمة الدستورية الجمهوريات العربية لعلة ذاتية هي قربنا الشخصي من المثال وعلة موضوعية هي سبق تونس في الإعلان الرسمي فضلا عن الشعبي بضرورة ملء الشكل الجمهوري بالمضمون الفعلي للجمهورية رغم عدم حصول التغيير المطلوب ما يعرض تونس إلى هزات قد لا تكون محمودة العواقب.

المسألة الثالثة تعرض مراحل العلاج النظري السابق لمسألة تونس الدستورية من منظور تاريخي وتصوري نلتزم فيه بقيم النظر المتحرر من الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع في الساحة التونسية

المسألة الرابعة نخصصها لمفروضات البحث في المسألة السياسية عامة وفي الوطن العربي خاصة لفرط ما نتج عن الخلط بين عدم التحيز المضطر فضالة في كل عمل إنساني والتحيز المقصود نفيا للموضوعية العلمية..

وكان يمكن أن نكتفي بأولى المسائل. فهي تتصدى للأمر المنقود تصديا مباشرا فتبدو من ثم مقصورة على القصد الأساسي من المحاولة. وكان يمكن الاستغناء عن المسألة الأخيرة (والتي كان من المفروض أن تكون الأولى لطابعها التميدي) لولا ضرورة الحد من غلو من يمارس المعارضة والنقد غير البنائين بسبب عدم التمييز بين الشروط الموضوعية التي لا يكفي فيها نقد الحكم لأن شروط السياسة الموضوعية ليست من الأفعال الاختيارية بل هي من جنس الضرورات الطبيعية بينها وبين الشروط الذاتية التي يعود فيها اللوم على الحكام لأنها من الأفعال الاختيارية لوما لا يتعدى القواعد التي تعالجها هذه المسألة الأخيرة : فليست الوقائع السياسية كلها من باب الاختيار. كما أن المسألة الثانية لا حاجة لنا بها لو لم تكن جامعة بين إثبات التزام صاحب المحاولة بهذه القواعد في سابق علاجه لقضايا الشأن العام والتمهيد لفهم تدرج الوعي بالخطر الذي تعاني منه الأمة عامة والنموذج المختار خاصة.

و الأهم من ذلك كله هو أن الأمور الموضوعية التي نتكلم عليها حتميتها التاريخية تعم جميع أقطار الوطن التي حاولت الاستعاضة بالجمهورية عن الملكية بمقتضى طبيعة المرحلة المخضرمة التي تمر بها ثقافتنا: النقلة من ثقافة العصور الوسطى التي نكصت عن قيم ثورة القرآن فلم تعد تعترف بمفهوم الإنسان الحر والكريم إلى الثقافة الحديثة التي تتقوم بمقومات مفهوم الإنسان والتي لم نأخذ منها إلا سكلياتها في النصوص والأقوال دون الوقائع والأفعال. لذلك فكل ما نتوجه به إلى الحكام يصح على المعارضة التي لا تختلف خلقياتها السياسية عن خلقيات الحكام في المعارضة فضلا عنها لو حكمت. وكل من نتوجه به إلى المعارضة يصح على الحكام الذين لا يختلف موقفهم عن موقف المعارضين في نقد ما لا يمكن أن يكون على خلاف ما هو عليه وهم في الحكم فضلا عنهم لو كانوا في المعارضة.

المسألة الأولى: ضرورة العلاج النظري

أعلم أن السكوت أكثر المواقف سلامة خاصة ومحاولاتي السابقة قد عورضت بالكثير من سوء الفهم والصد بين نسور الطرفين الحاكم والمعارض : أقصد النص الذي كتبته سنة ألفين وعرضت فيه القبول المشروط بالتمددي لابن على بشرط أن يحقق خمسة مطالب تجعل تكوين نخب سياسية ممثلة لإرادة الأمة ممكنة بعد فساد الحياة السياسية وفقدان النخب المؤهلة لقيادة الحكم والمعارضة في آن(يمكن الاطلاع عليها بالعودة إلى النص الذي نشر في القدس العربي في الأيام الأخيرة لسنة 2001). لكن الخروج منه آن أوانه أيا كان حسبانه على الأقل بمناسبة العيد الخمسين لإعلان الجمهورية.

فالإحجام عن الكلام بين آخر محاولة كتبت نهاية سنة 2000 ونشرت في القدس العربي نهاية سنة 2001 وهذه المحاولة لم يكن لعدم المبالاة. كما لم يكن تفصيا من مسؤولية المواطنة التي هي عندي من أهم مقومات التواصي بالحق مع العلم بما يترتب عليها من ضرورة التواصي بالصبر في حالة حصول الضيم. إنما الواجب كان يقتضي أن أسلم بعدم جدوى الصياح في الوادي الذي قد لا يكون فيه حي لمن تنادي. طلبت البعد الزماني للغوص في أسباب الأزمة التاريخية التي آلت إليها الأمور في حضارتنا العربية الإسلامية عامة إذ إن المسألة ليست مقصورة على تونس أو على مصر. ثم لجأت إلى البعد المكاني فغادرت البلاد لأسباب كثيرة أهمها طلب مسافة الرؤية المجردة والمتجردة خاصة وقد اخترت بلدا (ماليزيا) يظن الكثير أنه قد حقق الجمع بين الأصالة والحداثة جمعا ناجحا فيزعمون أن العرب لو تدبروه لما كان مآلهم العودة إلى عصر إمارات الطوائف التي عرفتها أندلس الكرب.

لكني أعتقد الآنبعد أن عدت إلى تونس منذ بداية السنة (غرة جانفي 2006)- أن استئناف المشاركة في محاولات الفهم مع الاستناد إلى بعض ما يناسب البدائي من العمران البشري استلهاما لفكر ابن خلدون بات واجبا على كل من يحب تونس ويحرص على الإصلاح السلمي قبل فوات الأوان. فمن المفيد أن يغوص التحليل إلى العلل العميقة لمنطق تاريخ الوطن السياسي فهما لثوابته التي علينا أن نطلبها بعد تشخيص الأعراض ذات الدلالة المساعدة على الفهم والتأويل.

وإنه لمن المجحف أن يقتصر المحللون على اتهام المباشرين للأنظمة السياسية فلا يحللون البنى التحتية التي تعلل ما يبدو على سطح السياسة فيظن أمرا إراديا علته سلوك الأفراد الذين بيدهم الحكم والمعارضة ويكون التاريخ كله مجرد إرادوية تخلو من القوانين الموضوعية التي يعمل في مناخها وبمقتضاها كلا الصفين. لذلك فنحن نعتقد أن التحليل لن يكون مؤثرا معرفيا وربما عمليا إلا بالنظر في ثلاثة أمور عميقة منها أمران حدان وأمر جامع بين الحدين وسنركز على ثانيهما ونكتفي بالإشارة إلى أولهما إشارة سريعة رغم كونه ثمرة ماضي الداء وبذرة مستقبله لنختم بالثالث الجامع بينهما في الصفة الانكماشية للمجتمع الذي يصاب بهما:

الأمر الأول : أخلاق النخب عامة

الأمر الأول هو أخلاق النخب عامةدون حصر في مباشري الحكم السياسيوطبيعة عمل المؤسسات التي يشرفون عليها. وهو ما سنكتفي بالإشارة إليه دون التعمق في درسه لكونه لا ينصلح مباشرة بل يرد إصلاحه إلى إصلاح الأمر الثاني. فالنخب المؤثرة بمنطق الحدث الفعليالسياسي وزمانيته هي دائما من جنس نخب الدولة الذين استبدوا بمؤسسات المجتمع بعد أن صار شموليا بمقتضى قدرات الدولة الحديثة ووسائلها عامة وفي العالم الثالث خاصة حيث توجد آليات الفعل التي تتوفر في الدولة الحديثة من دون كوابحها القانونية والسياسية والخلقية كالحال في البلاد ذات العراقة الديموقراطية.

فالدولة الحديثة في العالم النامي جمعت بين تقدم تقنيات التحكم وتأخر أخلاقه جمعا جعلها تعمل بأدوات الاستبداد المطلق الذي يقتل المجتمع لانعدام الملطف الحضاري والقانوني الذي نجده في المجتمعات المتقدمة. وقد أشار ابن خلدون إلى الأمر عندما اعتبر المجتمع السياسي بوجهي الدولة والتربية اللتين تتكون منهما صورة العمران قابلة للانقلاب إلى جهاز قاتل يخنق مادة العمران التي هي المجتمع المدني بوجهيه الاقتصادي والثقافي إلى حد يؤول بالأمة إلى الموت البطيء: فيكون الفاعل الوحيد في العمران ممثل الصورة القاتلة (الدولة والتربية) وتصبح المادة (الاقتصاد والثقافة) جثة هامدة لتحولهما إلى مجرد أداة بيد المستبدين بالدولة والتربية فيكون المجتمع ببعديه مجرد متفرج فاقد لكل فاعلية في كل مجالات الفعل الحضاري أعني في مجال القيم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية.

أما النخب التي ينتسب تأثيرها إلى منطق الحدث الرمزيالفكري وزمانيته فأثرها تحدده طبيعة تأثير أدواتها الرمزية جمالية وخلقية كانت أو تقنية وعلمية: فهي تبعد عن مؤسستي التأثير الرمزي أعني التربية والثقافة ويحرم عليها الاقتراب من مؤسستي التأثير الفعلي أعني الدولة والاقتصاد إلا من كان منها في خدمتها الإيديولوجية لا العلمية والتقنية. وهذا النوع الثاني من النخب يمكن أن ينقرض إذا طال عهد السلطان الذي بيد النخب الأولى العنيفة والفاسدة لأن ذلك يمكنها من إقصاء شبه تام لكل من هو صالح من الاقتراب من أدوات التأثير الرمزي والفعلي بمقتضى استحواذ المتطفلين على مؤسساتها (الثقافية والتربوية والاقتصادية والحكمية) فتقتلها وتقتل معها كل قدرة إبداعية في مجالات التأثير الرمزي الخلقي والجمالي والمعرفي والوجودي. لذلك اعتبر ابن خلدون هذه الظاهرة العلامة الأخيرة لهرم الدولة القاتل والذي لا علاج له لأنه داء ليس له أي علاج سلمي. وهو ما ينبغي تجنبه بكل الوسائل لما يتسم به البنيان العربي الحالي من الهشاشة التي لا تحتمل الهزات الدموية.

فالدولة الحديثة مستبدة بالطبع حتى في أكثر بلاد العالم ديموقراطية لما لها من أدوات نافذة تسلطها على كل الوظائف الاجتماعية وأهمها التحكم في الأرزاق والرقاب خاصة إذا غلب عليها الجمع بين تشوهات الاشتراكية وتوحشات الرأسمالية كما هي الحال في كل الدول العربية التي حصلت فيها ظاهرة النقلة من الملكية إلى الجمهورية: استبداد الإدارة المتمركزة لإيقاف المبادرة الخلاقة رمزية كانت أو مادية وتحكم المتنفذين المتوحش للاستحواذ على الثروة والمنزلة الإجتماعية. ويبرز هذا الطابع الذي هو كوني يبرز بوضوح لما فيه من استفزاز صارخ يختص به العالم الثالث للفجاجة والغلظة في استعمال أدوات الدولة الحديثة استعمالا خاليا من القفازات الحريرية التي تلطف استبداد الدولة الحديثة في ديموقراطية البلاد المتقدمة.

وقد اعتبر ابن خلدون أخلاق النخب المتمكنة أكبر العلامات على صلاح الدولة أو فسادها بحسب القانون الذي وضعه في كلامه على قوة الدول وضعفها بل هو ذهب إلى أكثر من ذلك: فقد اعتبر سواد حثالة المتناخبينعلى فكر الأمة علامة هرم الدولة هرمها الذي ليس له علاج. وهو في ذلك لا يختلف عما أجمعت عليه جل الفلسفات والشرائع رمزا للأمر بهلاك المدن لفساد مترفيها. والنخب المتنفذة كما هو معلوم تستحوذ على مجالات النخب الحقيقية بأنواعها الخمسة وعلى مؤسسات الإنتاج الرمزي (نخبة قيم الرزق أو الاقتصاد ونخبة قيم الذوق أو الثقافة ونخبة قيم النظر أو المعرفة ونخبة قيم العمل أو السياسة ونخبة قيم الوجود أو الفكر الديني والفلسفي) بأبعاد وظيفتها الأربعة (إنتاجا وحفظا وتوزيعا واستهلاكا لمجالات اختصاصها) فتجعلها على شاكلة من اختارته الدولة منهم للاستبداد بهذه المجالات. لذلك فهذه المجالات تصلح بصلاح نخب الأمة إذا كانت من أفاضل الأمة أي نخبة بحق عقلا وخلقا لا مافية. وتفسد هذه المجالات بفساد من سودته الدولة إذ هم قد لا يكونون في هذه الحالة إلا من أراذل الأمة أي مافية بحق لا نخبة عقلا وخلقا: وذلك ما يعتبره ابن خلدون غاية الانحطاط.

الأمر الثاني : الشروط المؤسسية للحياة السياسية

الأمر الثاني هو الشروط المؤسسية للحياة السياسية أدوات للحكم والمعارضة ومؤسسات محايدة بالإضافة إلى المتداولين على السلطة (الإدارات القارة المسيرة لوظائف الدولة الثابتة) من منظور مشاركة لا يكون مؤثرا إلا إذا صار من تقاليد الأمة فيجعل البشر يرون بعضهم البعض مواطنين أي رعاة ورعايا في نفس الوقت لا مجرد رعايا لمن هو مجرد راع. وتلك هي الخاصية الخلقية التي ينتج عنها الدستور فيحدد نظام السلطات بمقتضى قيم الأمة العليا فتكون أهم ثمراته تحديد دور العدل وسلطان القانون في توزيع الثروات المادية والمنازل المعنوية التي تتجلى فيها كرامة الإنسان: وهو ما يمكن أن نعتبر رجالات ماليزيا ونخبها قد فهموه فحصنوا بلادهم واستطاعوا أن يحققوا القفزة النوعية رغم أن ماليزيا قد استقلت في نفس السنة التي استقلت فيها تونس ورغم أنها لم تر حاجة إلى الانتقال من الملكية إلى الجمهورية. وهذا الأمر هو موضوع المحاولة بالقصد الأول.

الأمر الثالث : الجامع بين الامرين

أما الأمر الثالث فهو جامع للأمرين السابقين في شكل كساح شامل يصيب المجتمع الذي تخنق صورتُه بفساد نخبها (نخب الدولة والتربية) مادتَه بإفساد نخبها (نخب الاقتصاد أو الإبداع المادي ونخب الثقافة أو الإبداع الرمزي): كل القدرات تذبل بالتدريج فتنكمش إلى حد اللامبالاة الشبيهة بحياة القبور حتى إن الحياة الفكرية والثقافية أصبحت من جنس لقاءات الأحزاب التي يباع الحضور فيها ويشترى بلمجة اليوم. فخوف النخب المتسلطة من فقدان ما استحوذت عليه يزيل كل ما أطلق عليه ابن خلدون اسم المعاني الإنسانية التي للإنسان من حيث الاجتماع والتمدن: كل السلوك يصبح نفاقا مطلقا لأن ما يستند إليه هو قدرات كاذبة بالجوهر. تصبح الأسماء بدائل من المسميات وذلك بسبب إحاطة كل أحد ذاته بمن يكون تابعا له ومن ثم أكثر منه تدنيا في الكفاءة والقدرة حتى يصبح شرط النجاح هو الغباء الفطري أو التغابي للمتحيلين من النخب التي وصفها ابن خلدون أفضل وصف حين جعل سلطانها العلامة التي لا تكذب على احتضار الدولة التي آلت شأنها إلى هذا الدرك.

وقد فسر ابن خلدون ذلك بأثر العسف والعنف اللذين أصبحا السمة الأساسية لصورة العمران الحديث عند انعدام شروط الحداثة الغائية والاقتصار على الحداثة الأداتية في الدولة بوجهيها الفعلي (الوجه السياسي ممثلا بالنخب السياسية) والرمزي (الوجه التربوي ممثلا بالنخب الثقافية). وقد أطلق ابن خلدون ذلك فجعله مبدأ يفسر به ما يجري داخل الأمم أمة أمة وبين الأمم أي إنه مبدأ تفسير الأخلاق الجماعية في المستوى الوطني وفي المستوى الدولي على حد سواء. ويكفي أن ترى كيف فقدت مصر وتونس دورهما المؤثر في السياسة الإقليمية والدولية حتى تعلم صحة مبدأ ابن خلدون: فما يجري في الإقليم صارت مصر وتونس على هامشه وما يجري في العالم صارتا تبدوان فيه مجرد أداتين في سياسة أمريكا بالاصالة وإسرائيل بالتبعية فأدى ذلك إلى موت الجامعة العربية والرابطة الإسلامية وهما مجالا فعلهما وأداتاه بسبب تهميش الأزهر والزيتونة في الثانية وبفضل تهميش فكر النهضة التحديثية في الأولى تهميشا أبقى في الحالتين على الظرف الخاوي أعني كثرة الكلام على الإسلام والحداثة بمضمونات فاقدة للتأثير لفقدان أصحابها الإيمان الفعلي بها ومن ثم فهم أول من يلغي مصداقيتها.

لذلك فقد أصبح الإسلام المؤثر في الساحة الدولية بيد غير العرب عامة وبيد غير القوى السياسية النظامية بصورة خاصة: فهو إما بيد إيران أو بيد الحركات التي تتسم بالعودة إلى القرون الوسطى وهو في الحقيقة بينهما بالتساوي والتحالف وكلاهما خطر على النهضة العربية نواة لبناء الكامنوالث الإسلامي. فإيران تستعمل الحركات السياسية السنية المغالية استعمالها للحركات الشيعية من وراء ستار لتساوم عليهم أمريكا من أجل مساعدتها على مقاومة ما تسميه أمريكا إرهابا وتسميه إيران تكفيرا: فتحقق سياستها القومية التي ليس الإسلام فيها إلا مجرد غطاء إيديولوجي وقد يلجئها الظرف إلى استعمال الحركات الشيعية لنفس الغرض إن لزم الأمر ودون تردد. أما الحركات السياسية الإسلامية التي تدعي الفعل المنظم فإنها هي بدورها قد أصابها ما أصاب الأنظمة التي اهترأت فضلا عن كونها لم تتجاوز ردود الفعل على سلوك الأنظمة التي سلكت طريق التحديث الاستبدادي: فهي على صورتها حتى في التنظيم الحزبي الخاوي ولو فرضناها وصلت إلى سدة الحكم لكانت حاكمة بنفس النموذج التابع.

كما أن فكر التحديث المؤثر في الساحة الداخلية انتقل من النخب السياسية المنظمة حاكمة كانت أو معارضة إلى فوضى الهامشيين من الأدباء والمبدعين المزيفين إما بسبب تبعية النخب التنويرية للفكر الشيوعي سابقا وللفكر الليبرالي حاليا تبعيتها التي لا يستفيد منها إلا هم إذ ليس لهم أدنى دور قيادي في المستوى الجمهوري بدليل أن أي جماعة منهم لا تعيش إلى على التمويل الأجنبي للقاءات عدد الحاضرين فيها أقل من عدد المستفيدين من فتات مموليها: فلا يكون دورهم إلا دور المبرر الإيديولوجي للهجوم الغربي على قيم الأمة ومن ثم دون أن يعلموا دور تقوية التيار اللانظامي من الحركات التي تتوسل العمل العنيف باسم الدفاع عن الهوية.

المسألة الثانية: وصف التغيير الدستوري التونسي

ولنبدأ فنذكر بطبيعة التوالي الذي خضعت له شرعية الحكم شرعيته التي بررت بها نخب تونس السياسية أفعالها الدستورية لحكم تونس منذ الاستقلال وانتخاب النخب المسيرة للمجالات القيمية التي أحصينا أعلاه وما يناسب ذلك في أعماق أخلاق الأمة أخلاقها التي تعم كل أقطار العالم الإسلامي وراء الوطن العربي: فلا معنى للكلام في دساتير الأمم من دون ربطها بمقومات أخلاقها العامة أو ما يسمى بالمعروف والمنكر Die Sittlichkeit. ويمكن أن نتكلم على مرحلتين أساسيتين تلتا الاستقلال هما:

1- مرحلة التغيير الشكلي من الملكية إلى الجمهورية (رئيس الجمهورية الأول) مباشرة بعد الاستقلال تأسيسا للنظام الجمهوري.

2- ومرحلة الوعد بملء الشكل الجمهوري بمضمونه (رئيس الجمهورية الثاني) تسليما برشد الشعب وحقه في أن يحيا بحسب قيم الجمهورية (بيان السابع من نوفمبر).

فشرعية المقاومة التحريرية ممثلة بالزعيم المرحوم الحبيب بورقيبة أزاحت شرعية النظام الملكي بسبب ما شابه من تهاون في التحرير وما صاحب ذلك التهاون من هرم في الفاعلية السياسية. والدليل أن النظام الملكي لم يجد معه قوى سياسية ممانعة خلال إزاحته فسقط كالثمرة الخامجة. لكنها أزالت معه نوع من الشرعية كان غنيا عن اللجوء إلى العنف ليبقى بسبب صيرورته من ثوابت الوعي الجمعي وتكامله مع المؤسسة الدينية التقليدية. ويمكن وصف وضع الملكية في تونس بالمقارنة مع وضعيتها في المغرب الأقصى حيث كان سلوك محمد الخامس مطابقا لشرعية حركة المقاومة التحريرية مع ما فيه من بقايا الشرعية الدينية فتواصلت الشرعية التاريخية التقليدية مع الشرعية التاريخية التحريرية. لم يكن من اليسير إلغاء إمارة المؤمنين في المغرب كما ألغيت الملكية في تونس. ولما حاولت المعارضات المغالية نقل المغرب من هذه الشرعية التاريخية المغنية عن العنف السياسي اضطر الحسن الثاني إلى ما نعلم من عنف وتنكيل ليس لهما مثيل. وكان يمكن لتونس أن يحصل فيها نفس الأمر لو تحقق الاستقلال في عهد المنصف باي مثلا رغم أن عدم تمييزه بين شرعية الالتصاق بمطالب الشعب وما يمكن أن يتهم به من التورط مع النازية قد يفسر النهاية الأليمة التي حاقت به.

و شرعية الإنقاذ التي استند إليها الرئيس الحالي أزاحت بنفس المنطق تقريبا النظام البورقيبي الذي فقد بريق الشرعية التحريرية لفرط ما حل ببلاطه وبالنخب الدائرة في فلكه من ترد وصراع دال على عدم توفر صفات رجال الدولة الحقيقيين في أغلبهم أو على الأقل في من استحوذ منهم على الحل والعقد في البلاط خلال آخر أيام بورقيبة حتى صار البلاط بمقتضاه خاضعا لتحكم بعض النساء الجاهلات ولخطل بعض الرجال الأكثر حمقا منهن. فالشرعية التحريرية لم تعد كافية لبقاء النظام بسبب ما شابه من تهاون في تحقيق قيم التحرير وما صاحب ذلك التهاون من هرم في الفاعلية السياسية فضلا عما جره عليه الصراع غير المبرر مع الشرعية الحضارية للأمة الشرعية التي تعد في كل الفلسفات العملية الأساس العميق لكل سلطان يستمد شرعيته الحقيقية من أخلاق الأمة.

فمن الحمق السياسي أن تبني دولة شرعيتها على الصدام مع قيم شعبها مهما حسنت نوايا الإصلاح إذ من شروط الإصلاح رفض الصدام وتوخي القواعد التي تستوجبها تربية الشعوب ذات الأمد الطويل. ذلك أن جدل الإصلاح القيمي ليس من وظائف الدولة بل هو من وظائف المجتمع المدني في تدافعيه المادي (صراع المصالح المادية بين فئاته) والروحي (صراع المصالح الرمزية بين فئاته). والمعلوم أنه قل أن تثبت دولة وقفت الموقف البورقيبي من ثقافة شعبها كما يؤكد على ذلك كل فلاسفة الحق وعلماء التاريخ. فليس من مهام السياسي أن يصبح مصلحا دينيا حتى وإن كان بوسعه أن يساعد عليه عند نبعه من مؤسسات المجتمع الرمزية نفسها (المؤسسة الدينية والتربوية خاصة) كما حدث في حركة الإصلاح الدينية الغربية (علاقة لوثر بولي العهد الألماني).

والدليل أن بورقيبة لم يجد معه قوى سياسية تمانع خلال إزاحته بل كان الجميع أشبه بمن تنفس الصعداء رغم منجزات عهده التي لا ينكرها إلا جاحد وخاصة في مجال نشر التعليم وغلبة تساوي الحظوظ فيه وفي ثمراته على الأقل في البدايات فضلا عن مزايا التشريع القانوني الثوري لحماية المرأة وتحقيق شروط كرامتها بشكل هو أقرب إلى أخلاق القرآن الكريم من كل الآراء المتحفظة عليها تحفظا لا يبرره روح الدين الإسلامي بل توظيفه السياسي في غير ما جعل له: قلبه من ثورة تحريرية وتنويرية إلى لحام للتقاليد الرجعية.

وحصول النقلتين الدستوريتين بهذه الصورة هو الذي سيجعل مهمة النظام الثالث في حالتي مصر وتونس أمام عقبات لا تكاد تحصى. فقد تعينت هذه العقبات تعينا أشد وضوحا في كل من مصر وتونس. وسقط نظام الشرعية الملكية (باي تونس وملك مصر) ونظام الشرعية التحديثة التي كانت شعبوية من حيث سد الحاجات المادية واستبدادية من حيث معارضة التقاليد الثقافية (نظام بورقيبة ونظام عبد الناصر). ولكي نفهم التناظر بين الحقبتين في البلدين فلا بد من فهم الحد الوسط بين نظام عبد الناصر ونظام مبارك وبين نظام بورقيبة ونظام بن علي ما طبيعته. فنسبة أنور السادات إلى مصر من حيث هو حد وسط بين النظامين الناصري والمباركي هي عينها نسبة محمد مزالي بورقيبة وبن علي. والفرق الوحيد بين النستبين هو يتمثل في أمرين: فعبد الناصر كان ميتا بالفعل وبورقيبة كان ميتا بالقوة ونظام عبد الناصر يحتاج إلى مدة أطول للحاق بصاحبه ونظام بورقيبة يحتاج إلى مدة أقصر والأمر كله رهن حجمي الدولتين والثورتين.

فبعد قضاء شرعية النظام الملكي التي وصلت بمقتضى التاريخ إلى مرحلة الاندماج في التراث الروحي للأمة بمعناها الوسيط قضاء ذاتيا على نفسها ربما لأنها لم تحقق شروط النقلة إلى الديموقراطية الليبرالية كما حدث في الأنظمة الملكية الغربية لم يضطر عبد الناصر وبورقبية لإزالتها إلى انقلاب دموي بل هما عادا بالشعبين إلى الجمع بين مضمون الملكية وشكل الجمهورية مستفيدين من الشرعية الجديدة التي كانت تخول لهما هذا الجمع. وبعد القضاء على شرعية النضال التحريري الساعي إلى شرعية الدولة الشعبوية الحديثة شكليا قضاء ذاتيا على نفسها كذلك ربما لأنها لم تحقق شروط النقلة إلى الديموقراطية الليرالية كما حدث للأنظمة الاستبدادية الغربية لم يحتج الرئيسان مبارك وبن على لإزالتها إلى انقلاب دموي كذلك: كان يكفي أن يعدا بملء الشكل الجمهوري الخالي بالمضمون الجمهوري وهو حسب رأي وعد متسرع لما يحوط هذه النقلة من المصاعب الموضوعية التي نراها الآن في ما نصفه بأزمة الأنظمة الجمهورية العربية.

لذلك فهاتان النقلتان السلميتان لم تكن السلم فيهما إلا سلما سلبية لأنهما لا تنبعان من شرعيتين بديلتين أنجبتهما: فهما نقلة بلاطية وليست نقلة مدنية حقيقية بسبب انعدام الشروط الموضوعية أعني ما وصفه ابن خلدون بمقومي صورة العمران (نخبة الإبداع السياسي ونخبة افبداع التربوي) ومقومي مادة العمران (نخبة الإبداع الاقتصادي ونخبة الإبداع الثقافي) اعني النخب التي حققت النقلة من الملكية إلى الجمهورية الفعلية في أروبا الأنوار. لذلك فكل العقبات التي ستعترضانهما تنتجتان عن كونهما تحتاجان إلى تحقيق ما يناظر هاتين الشرعيتين اللتين ماتتا من ذاتهما حتى يستقر النظام وهما شرعيتان معارضتان لأساسيهما: فطلب النجاعة الاقتصادية يعارض الدولة الحاضنة التي تقدمت وشعار الحريات السلبية تبدو للمجتمع وكأنها تواصل حرب العهدين الناصري والبورقيبي على قيم الأمة. لذلك فهما مطلبان غير كافيين لتحقيق الشرعية الغنية عن العنف سواء كان فعليا أو بالقوة خاصة وهما تنافيان مفهوم الدولة الحاضنة الناصرية والبورقيبية والدولة الدينية الملكية السابقتين على الناصرية والبورقيبية.

ولعل التماثل بين مقدمة النقلة الثانية ومقدمة النقلة الأولى في تونس التي نركز عليها بعد بيان التناظر من الأمور التي ينبغي تدبرها. فالنقلة من حكم الملك أمين باي إلى حكم الرئيس بورقيبة كانت مقدمتها تآكل الشرعية التقليدية والنقلة من حكم من الرئيس بورقيبة إلى حكم الرئيس بن على مقدمتها تآكل الشرعية التحريرية كذلك رغم اختلاف الشرعيتين المتآكلتين في الشكل الدستوري الظاهر على الأقل. والداعي غير المباشر لهذه المحاولة هو التنبيه إلى وحدة المقدمة التي قد تجعل النتيجة واحدة إذا لم نبادر بوعي وتدبر استراتيجي يحولان دون الأحداث والذهاب إلى الغاية. فكل أملنا ألا تكون النتيجة من نفس الجنس خاصة إذا لم تتحقق شروط الشرعية البديل التي وعد بها إعلان السابع من نوفمبر.

ففي الحالتين كان تعليل ضرورة النقلة بالوعد الساعي إلى تحقيق سيادة الشعب أي ملء الشكل الجمهوري بمضمون جمهوري والتحرر من المضمون الملكي الذي أبقى عليه بورقيبة (وقد فعل عبد الناصر قبله). والفرق الوحيد أن النقلة الأولى كانت شكلية (النقلة من الملكية إلى الجمهورية في التغيير الدستوري البورقيبي والناصري) فكان إنجاز التغيير الشكلي أمرا يسيرا: ومعنى ذلك أن مهمة بورقيبة كانت أيسر بكثير من مهمة بن علي إذا كان بيان السابع من نوفمبر صاحبه يعني به ما قال فيه. فمن اليسير أن يحصل تغيير يقتصر على تعويض اسم الملكية باسم الجمهورية والإبقاء على الملكية الفعلية من حيث المضمون بل والعودة بها إلى العنفوان بمقتضى حماس الحركة الوطنية المنتصرة. لكن وعود الحالة الثانية لا يمكن أن تكون إلا مضمونية (وعد النقلة من الجمهورية الاسمية إلى الجمهورية الفعلية وذلك هو جوهر وعود التحول). ومن ثم فهي بالذات عسيرة جدا فضلا عن انعدام الحماس التحريري الذي صاحب النقلة البورقيبية: رومانسية التحرير لم تعد موجودة والحزب تآكلت كل قدراته التنظيمية والنخبة السياسية في صراع مرير فضلا عما طرأ على الساحة الدولية من رياح التغيير.

كان ينبغي على الجميع حكما ومعارضة أن يفهموا أن إنجاز الوعد المضموني أصعب بكثير من إنجاز الوعد الشكلي لئلا يقفوا كما فعلوا مواقف أكثر انجرافا في البداية وأقل احترافا في الغاية. فتكون المعارضة أبعد من النظام عن القيام بمقتضيات الظرفية ومطلب النقلة لظنها الأمر مرهونا بإرادة الأشخاص وليس بمحددات موضوعية قد لا يكون للأشخاص عليها سلطان. فالأمر يتعلق بتجاوز تعويض الاسم باسم إلى ملئه بالمسمى فضلا عن اختلاف الظرف: ذلك أن رومانسية التحرير وتأسيس الدولة الحديثة في الحالة الأولى من الظروف المساعدة بما يصحبهما من حماس التأسيس أما واقعية البناء ومواصلة تحقيق شروط الدولة الحديثة في الحالة الثانية فهما من الظروف المعطلة لما يصحبهما من انعدام الحماس والتشكيك فضلا عن فضالة النظام السابق في جهاز النظام اللاحق وصراع بطانتيهما على مصدر الإثراء السريع الوحيد في العالم الثالث (تحول أجهزة الدولة إلى آلة حالبة للمجتمع) وفضلا عن عائقي الشرعيتين اللتين صارتا حائلتين دون البناء: فكيف يمكن أن نبني اقتصادا ناجحا بعقلية الدولة الحاضنة وكيف يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية الدولة الدينية ؟

ومع ذلك فطبيعة المقدمة كما أسلفنا واحدة: الوعد بتحقيق سيادة الشعب شكلا في الأول ومضمونا في الثاني يعني أن الوعد الثاني ليس وعدا خالصا بل هو اعتراف بالخواء السابق قبل أن يكون وعدا بالملء اللاحق. لذلك فمن الصعب ألا تكون طبيعة الحكم على النتيجة من مقتضاها الأساسي (أن يقارن الإنجاز بالوعد) ما لم يسع الجميع حكاما ومعارضة وأكد على دور المعارضة لأن اقتصارها في كل بلاد العالم يكون على المثال أكثر من الواقع فيصبح من العوائق بدل من أن يكون من المساعدات في مثل هذه الحالاتإلى التحرر مما يترتب على وحدة المقدمة والظرف غير المساعد لتجنب حصول نفس التالي عن نفس المقدم: 1- فكيف لنا أن نخرج من الأسماء؟ 2- وماذا ينبغي أن نفعل لئلا تصبح الأسماء سيدة الموقف كله فيصبح المضمون نفسه اسميا ومن ثم خاليا من كل حقيقة جوهرية ؟

ذلك أن المهرب اليسير في هذه الحالات هو دائما إطلاق الشكلانية الاسمية فيتحول وعد الملء المضموني ملء النصوص لا ملء الممارسة ويملأ الشكل بشكل أكثر منه خواء. فتكون النصوص أكثر تقدمية حتى من نصوص الدول الديموقراطية المتقدمة. وتكون الحقائق أكثر رجعية من حقائق الدول الاستبدادية المتخلفة. لذلك فالنصوص القانونية في مصر وتونس يمكن أن تعتبر متقدمة شكليا على نصوص أكثر بلدان العالم ديموقراطية لكن الممارسة لا تزال من القرون الوسطى بل دونها بكثير لعدم توفر أدوات الاستبداد عند أصحابها وتوفرها عند أصحاب الدولة الحديثة.

ومن التماثلات التي تحتاج دلالتها إلى توضيح كذلك حدوث التغيير في الحالتين تغييرا سلميا: أزيح الباي وبورقيبة من دون أن تسيل قطرة دم واحدة وهذا يذكر فيشكر دون شك. فذلك كان أمرا سعيدا. لكن إذا لم نقنع بسطح الأحداث التاريخية فقد نجد فيه علامة على أمر خطير يتعدى الأشخاص إلى خصائص الأزمة الحضارية التي تعيشها امتنا كلها وليس شعب تونس وحده: لأن نفس الظاهرة حدثت في مصر كذلك. فالطابع السلمي للتغيرات التاريخية ليس من علامات الصحة دائما فهو لا يكون سويا إلا إذا لم يكن ثمرة للحظة الوهن التي تجعل عدم ذهاب السابق قبل قدوم اللاحق أمرا مضطرا وليس فعلا مختارا. ذلك أنه يعد علامة مرض لا علامة صحة في الحالة المقابلة لدلالته على النقلة المضطرة بدل النقلة المختارة التي تنتج عن حيوية الطبقة السياسية القادرة على سبق حالات الضرورة: إذا كان التالي يأتي لأن السابق لم يعد قادرا على البقاء يكون التغيير عضويا وليس حضاريا فيكون التداول السياسي بين الأنظمة من جنس توالي الأجيال وليس من جنس توالي الأنظمة الدستورية التي من المفروض أن يكون التغيير فيها فعلا استراتيجيا يخطط للمسار الحضاري وليس انفعالا بايولوجيا ينفعل بها بمجرد رد الفعل.

فكل نقلة مضطرة تدل على غياب الوعي والتخطيط وعلى عدم تواصل الفاعلية السياسية في الحكم والمعارضة ومن ثم فهي علامة على خمول الشعب بكل فئاته وليست دالة على تحول فعلي في النفوس والرؤوس: لذلك فهي تتخذ طابع الإنقاذ أي إنها صدفة تنجي غريقا ولا تزيل علل القابلية للغرق لأنها ليست خطة تبني بها الجماعة مرحلة أفضل في النمو الصحي لكائن متحفز. لذلك فهي علامة على تراخي النخب وعدم حيازتها لاستراتيجية فاعلة ومن فهي دليل على بقائها متفرجة تعمل باستراتيجية منفعلة عاجزة عن استباق الحدث قد ذهابه إلى مرحلة اللارجع. لذلك فهو سيتكرر إلى غير غاية. إنها نقلة تستمد شرعية الرضا بها من أمرين كلاهما سلبي. فلا السابق ذهب في الوقت المناسب باختياره لأنه لم يذهب قبل فوات الأوان ولا اللاحق جاء في الوقت المناسب باختياره لأنه لم يستعد للقدوم بتوفير شروط النجاح بل هي سانحة عرضية. فيكون التاريخ مهيئا لتهديد خطر ينبغي الانتباه إليه حتى نتجنبه: خطر الجمع بين أعراض المرض السابق وعوارض التطبب اللاحق.

فالنقلة في مثل هذه الحالات ليست وضعا طبيعيا من جنس الفعل السياسي الصادر عن مؤسسات فاعلة بل هو عملية قيصرية بطب رعواني في غياب النظر وتحليل المعاني: الفكر السياسي العربي لم يخرج بعد من الكلام الإيديولوجي لكأن ابن خلدون ليس من تراث العرب الفلسفي في المجال. ذلك أن المرور من الملكية إلى الجمهورية أو المراجعات الإصلاحية في البلاد العربية لم تكن حلولا سياسية مؤسسية بل هي عمليات أجهضت باقتصارها على المنظور الإيديولوجي التطور الدستوري السوي. فنموذجها كان في البداية اليعقوبية الفرنسية والعلمانية الفصامية وهو في الغاية استسناح فرص مرتجل لم يتقدم عليه الاستعداد الموفر لشروط تحقيق الوعود: فهي لم تصدر حتى عن مؤسسات الأحزاب الحاكمة بل هي مبادرات فردية في البلاط أو في الأجهزة وليست الأحزاب فيها إلا مجرد أجهزة ثانوية تأتمر ولا تأمر وأقصى فاعلية لها هي فاعلية العطالة التي تمنع التقدم بدل المساعدة عليه.

لذلك فكون النقلة تحصل بدون دماء لا يدل على التغيير السلمي إذ هي خلو من الشرعية المؤسسية بل هي دالة على خلو المجتمع السياسي العربي من الدم الحي لفقدان القوى السياسية والمدنية المنظمة التي تقود التغيير بشروطه المحققة للنجاح. ولا يعني ذلك أننا نفضل النقلة الدموية. فهي كذلك قد حصلت في بعض البلاد العربية (العراق مثلا) دون أن تكون دالة على الحيوية الحضارية بل كانت ثمرة لعكسها إذ هي عودة إلى البداوة العربية الجاهلية (أي التي تقدمت على الإسلام) عن طريق إيديولوجية الفاشية الأوروبية (الأحزاب القومية العربية كلها من هذا الجنس تبدأ فاشية أروبية وتنتهي بداوة عربية إذ ينحصر الحكم في قبيلة رئيس الحزب).

علينا ألا نخلط بين الوضع والإجهاض. فكل ما نراه من تغيير في الوطن العربي هو في كل الأحوال سوانح عرضية لا يمكن أن تحقق الفعل الإصلاحي العميق بل هي تحول دونه والقدوم بشروطه النابعة من أعماق الأمة بمقتضى تطور أخلاقها وقيمها تطورهما الطبيعي. ولا تطور يمكن أن يكون مثمرا في المستوى المدني إلا إذا نبع مما استقر في أخلاق الأمة أو في ما يسمى بالمعروف والمنكر بحسب قيم الأمة وتقاليدها Die Sittilichkeit: العلة هي إذن بالقياس إلى الماضي سلوك النظام المزاح الذي لم يعد مقبولا وهي بالقياس إلى المستقبل وعود النظام المزيح وعودة التي هي متعذرة التحقيق لانعدام شروطها الحقيقية.

فلو تساءلت النخب السياسية عن مصداقية الوعود في الحالتين لكان همها أن تطلب شروطها الموضوعية فتسهم في تحقيقها أو على الأقل في عدم الحيلولة دونها ولا تكتفي بالنوايا مهما صدقت فتميز بين الممكن والممتنع بمقتضى شروط الفعل وليس بمجرد القول عملا بقوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون“. وأكبر منه أن تقولوا ما لا تستطيعون فعله لعدم السعي إلى توفير شروطه كما تعبر عن ذلك كل تقارير التنمية العربية التي تطلب ما لا يتصور إلا في دولة اشتراكية بمنطق السياسة الرأسمالية: فليست رياح التاريخ جارية بما تشتهي سفن النخب. وكان يمكن عندئد أن تسهم في تحقيق الشروط الموضوعية لتيسر النقلة فتجعلها نقلة فعلية تعبر عن نضوج حقيقي للجمهورية التي يكون فيها المواطن من حيث انتسابه إلى مكونات المجتمع المدني –وهو عندنا موجود بشكله التقليدي الذي هو الوحيد المحرك للتاريخ الكوني حاليا في التصدي لأمريكا وإسرائيل لكن الإيديولوجيا تريد قتله وتعويضه بمجتمع مدني متسورد باسم التحديث المستبد تماما كما فعلنا بالنسبة إلى عمران مدننا التي شوهناهاالعامل بالآليات المؤسسية الركن الأساسي ويكون فيها القانون فوق الجميع:

فالنقلة الأولى التي حققها الزعيم بورقيبة لم تكن نقلة من الملكية إلى الجمهورية إلا في الظاهر لأنها في الحقيقة عوضت ملكية صريحة مهترئية بملكية ضمنية وقوية: الدستور البورقيبي جمهوري شكلا لكنه ملكي مضمونا بل وملكي بدائي إذ هو ليس ملكيا دستوريا (ويمكن أن نقيس عليها جميع التحولات من الملكية إلى الجمهورية في البلاد العربية: وكذلك نسبة الجمهورية المصرية في عهد عبد الناصر. إنها ملكية بدائية مضمونا). لذلك كان لبورقيبة سيرة ملوك القرون الوسطى في ممالكهم حتى وإن صاحبته في البداية عاطفة الآباء كما هو شأن الملوك ذوي الشرعية اليافعة خاصة إذا كانت تابعة لإمبراطورية حامية بقصد أو بغير قصد. فالإمبراطوريات من خصائصها أنها لا تقبل بمن تعينه نائبا إلا في حدود حفظه لمصالحها وأول شروط ذلك قبول الجماهير له. وقد اتصفت هذه الجمهورية بمقومات الملكية التقليدية في الواقع وإن كان ذلك بدون نص. ثم تم التنصيص عليها بصورة مواربة لما بلغت أرذل العمر فأصبحت بحاجة إلى الاستعاضة عن الشرعية بالقانونية: عندئذ أصبح رئيس الجمهورية رئيسا مدى الحياة وبين يديه سلطة تعيين خلفه بنص الدستور. وذلكما هما صفتا الملكية المطلقة إذا أضفنا إليهما شمولية الاستبداد بالسلطات الثلاث وحصر إرادة الشعب في إرادة الزعيم.

لذلك فمن المفروض أن نفهم تاريخ الجمهورية التونسية الأولى على أنه تاريخ تجلي حقيقتها الضمنية تجليا متدرجا: ملكية بدأت غير معلنة وانتهت معلنة في الواقع حتى وإن ظلت غير منصوص عليها في الدستور. وكان ينبغي أن تنتهي بمجرد أن تتجلى هذه الحقيقة فتبدو على الحال التي كان عليها النظام الذي أزاحته لاتصافه بما صارت متصفة به في نهايتها المطابقة لبدايتها. وليس من الغريب ألا يكون هذا الأمر خاصا بتونس فجل البلاد العربية التي انتقلت من الملكية إلى الجمهورية يبين تاريخها الحديث أنها ملكيات ضمنية ثم تجلت حقيقتها بالتدريج لما سعت صراحة إلى التوريث البايولوجي على الأقل في ثلاث حالات منها أعني في العراق قبل سقوط النظام وفي سورية بعد وفاة حافظ الأسد وفي ليبيا كما نشاهد حاليا: وربما في مصر واليمن والجزائر حتى والرئيس ابتر إذ يمكن أن يتبنى فالإرث المحرم في القرآن ليس إرث الحكم بل إرث المال. وكما أسلفنا فنحن نصف أزمة ذاتية تعم الحضارة العربية الإسلامية وليست أزمة عرضية تخص تونس أو أي بلد عربي بعينه. والتوريث البايولوجي هو ما كان يمكن أن يصل إليه المرحوم بورقيبة لو طال به العهد وكان ابنه ممن يرضي بذلك.

لذلك فهذه البنية لا يمكن أن تكون بنت الصدفة بل هي ضاربة العروق في المنحط من تراثنا العربي الإسلامي ومن ثم فهي بنت خمول مجتمعاتنا الحضاري لابتعادها عن التربية الإسلامية السوية طيلة عصور الانحطاط فلم ترب لا التربية الإسلامية السوية التي تعدها للحكم الارستقراطي (حكم الخلفاء الراشدين) ولا التربية الحديثة التي تعدها للحكم الجمهوري. لم يحصل ذلك لا قبل الاستقلال ولا بعده. وليس هذا الأمر من عيوب الشعوب العربية الإسلامية العضوية ولا من عاهاتها السلالية بل هو من إخفاق نخبها التربوية والسياسية التي واصلت الحكم والمعارضة رمزيا (التربية) وفعليا (السياسة) بعقلية القرون الوسطى وإن بخطاب ليس فيه حديث إلا الشعارات: جمهورية قبالة ملكية لكأن جمهورية فرنسا أكثر ديموقراطية من ملكية انجلترا.

وهذه البنية المنحطة يخطئ من يتصورها مقصورة على النخب السياسية. فالنخب الثقافية العربية والإسلامية أكثر استبدادا وطغيانا وفسادا من النخب السياسية. والأخطر أنها أقل منها فهما لمقتضيات الظرف وضرورات التطور السياسي المندمج في ثقافات الأمم ظنا منهم أن الدساتير قابلة للاستيراد مثل السيارات. ذلك أن النخب السياسية بمقتضى وجودها في الواجهة قد تتحوط فلا تترك الحبل على الغارب. أما النخب الأخرى وخاصة الجامعية منها فلا يخبرك بها إلا بصير!

فكيف يمكن في هذه الحالة أن نفهم النقلة الثانية التي تتحد مع الأولى في المقدمات والتعليل بوعد تحقيق سيادة الشعب لكي نحلل النتائج ونحاول تجنب نفس المآل فضلا عن كون الشعوب لم تعد الوعود تكفي لإقناعها بعد أن تجاوزت كل أمم العالم ما فرضه تقاسم العالم في الحرب الباردة من سكوت على الدكتاتورية ؟ الجواب عن هذا السؤال صعب جدا لعلتين أولاهما خلقية والثانية معرفية:

العلة الأولى خلقية بمعنيين عند المخاطب وعند المتكلم. فهي تتطلب أن يتسع صدر النظام لقبول التشخيص الشجاع فييسر التصريح به والاستفادة منه لئلا يبدو المفكر بمظهر من ينحاز إلى أحد أطراف النزاع بين الحكم والمعارضة في الساحة السياسية تسليما بأن له الشجاعة على الجهر به. وبذلك تبقى المسافة بين النظرية والممارسة المسافة التي تعد المحافظة عليها من شبه المستحيل عامة فضلا عنها في المجتمعات النامية لعدم ارتقاء الفكر فيها إلى القبول بوجود مفكرين خارج وطيس معركة الكراسي.

وصعوبة الحفاظ على المسافة علته أننا نتكلم على الحاضر في صلته بالمستقبل وليس عليه في صلته بالماضي كما فعلنا في المحاولات الثلاث السابقات التي يتلو الكلام عليها في المسألة الثانية: إي إن المتكلم حتى وهو يحرص على عدم الانحياز لا يمكن له إلا يكون ملتزما بخيار معين هو خيار المستقبل الذي تصبو إليه الأمة العربية والإسلامية بكل تياراتها التي تعد تيارات تونس عينة منها. ذلك أن الأمر يتعلق بطبيعة المصاعب التي تعترض التداول السلمي على الحكم بعد الرئيس الحالي الذي لا يمكن أن يمدد الفترات بلا حد مهما دعونا له بطول العمر. فالشعوب لا يقاس تاريخها بطول عمر الحكام مهما عمروا بل بآثارها ومعالمها التي تنسب قيادتها إلى رجالاتها الذين يحرصون على رعاية حكم التاريخ لهم بدلا من حكمه عليهم: والتاريخ في حكمه على من لا يتدبره ليس بالرحيم خاصة لمن توفرت له فرص التدارك.

والعلة الثانية معرفية هي ضرورة تحديد هذه الطبيعة حتى نتمكن من فهم الأزمة: ذلك أن فهم الحاضر لا يكفي فيه فهم الماضي بل لا بد من توقع مسارات المستقبل. فالرئاسة مدى الحياة التي يمكن أن يحققها التمديد إلى لحظة الأجل تفقد ثمرتها إذا لم يكن لأصحابها سلطان تعيين الخليفة القادر على المواصلة على نفس الوتيرة كما هو شأن النظام الملكي الصريح عادة. وهذا هو العائق الحالي في كل أقطار الوطن العربي التي انتقلت اسميا للجمهورية ولم تتجرأ على العودة العلنية إلى الملكية حتى تتحرر من حرج التوريث إذ يكون عندئذ آليا: فالنخب العربية صارت كالمرأة العاقر التي تحيا على مناورات الوضع الكاذب واخراج اللعبة الديموقراطية الكاذب. فما حل بالنخب الصادقة والكفاءات الواعدة من استئصال مطلق جعل الساحة شبه خالية ممن يمكن أن يكون أهل حل وعقد قادرا على التمكن من السلطان على الأجهزة الداخلية غير القادرة على الاستقلال عادة عن سلطان الأجهزة الخارجية في عصر العولمة. نخب العرب الحاكمة جذوع نخل خاوية. وليست نخب المعارضة دونها خواء.

والمعلوم أن تعيين الخليفة من الحزب الحاكم في أي بلد عربي وهم لأن الأحزاب العربية الحاكمة أنهكها الحكم بل هي ابتلعتها الأجهزة والإدارة ففقدت الحس السياسي والقدرة على تنظيم الجماهير إلا بأدوات الدولة وأجهزتها: الأحزاب باتت عالة على ما بقي من الدول أي أكثر ما فيها من تجمد أو الإدراة والأجهزة. وبدلا من أن تسمد مؤسسات الدول حيويتها المتجددة من توالي القوى السياسية النابعة من الأحزاب والمجتمع المدني تواليها على السلطة التنفيذية فيها باتت أجهزتها الخفية المصدر الوحيد لقيام ما يسمى بالحزب الحاكم بفضل ما لديها من أدوات وسيلتي الفعل السياسي الرديء كما حددهما أوغست كونت: العنف والفساد.

لم تفهم النخب السياسية العربية بعد أن الحيلة في ترك الحيلة وأن الحل الأفضل هو التواصل المؤسسي الذي يجعل الأمم لا تنسى فضل أبنائها الكبار الذي نقلوها من التداول البايولوجي إلى التداول المعتمد على عمل المؤسسات الحضارية. لكن شرط ذلك الأول والأخير يبقى الصلح بين قوى البلاد السياسية وجعل الإدارة وكل الأجهزة مجرد أدوات بيد السلط الشرعية وليست بديلا منها. ويكفي لذلك تحرير النخب بأصنافها الخمسة (الرزقية والذوقية والنظرية والعملية والوجودية) نحريرها ممن سلطته الإدارة والأجهزة عليها من أفسد ما فيها للتحكم في مقدراتها تدعيما لفساد الشمولية الذي يحول المجتمع والدولة إلى رهينة في يد أخطبوط الأجهزة والمافيات التي تدعي أنها نخب لمجرد احتلالها مواقع النخب: تحرير نخب قيم الرزق ونخب قيم الذوق ونخب قيم النظر ونخب قيم العمل ونخب قيم الوجود.

وفي غير هذه الحالة وحتى لو سلما أن المتنفذين في الأجهزة التي ابتلعت مؤسسات الدولة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني قد يتفقون على خليفة في أي بلد عربي انتقل من الملكية إلى الجمهورية فإنهم لن يجدوه بينهم إلا بسند قل ألا يكون خارجيا مع ما يترتب على ذلك من فقدان لشروط الاستقرار الذاتي واستقلال القرار الوطني (كما هي الحال في كل البلاد التي ليس فيها مجتمع سياسي حي ذو مؤسسات فاعلة) لأن النخبة السياسية الحالية قبل الصلح المطلوب ليس من بينها من يستطيع أن يكون خليفة للرؤساء الحاليين في كل البلاد العربية بنفس ما لهم من القدرة على لجم الأجهزة فضلا عما لهم من فضالة شرعية.

لذلك اقترحنا في المحاولة التي تقدمت التمديد السابق في تونس منذ ست سنواتللاستفادة من الشرعية الإنقاذية التي هي شرعية بالجوهر مؤقتة وانتقاليةتحقيق الصلح بين القوى السياسية لإفراز نخبة سياسية قادرة على إدارة الشأن العام أو بصورة أدق النخب التي لها من القوة المدنية والسياسية والشرعية الديموقراطية ما يمكنها من الاستقلال عن سلطان الأجهزة المتزايد سواء كان داخليا أو خارجيا. فلا يمكن للنخب السياسية الفاقدة للشرعية الذاتية والتي أصبحت مجرد موظفين عند الدولة أن تكون قادرة على السلطان على أجهزتها. فإذا كان الوزير مجرد موظف ليس له سلطان ذاتي يستمده سياسيا من القوة السياسية التي يمثلها وقانونيا من وظائف الخطة التي حددها الدستور فكيف له أن يكون ذا قيام أمام الأجهزة المتغولة فضلا عن القدرة على الإبداع أو التطوير المبدع في مجال اختصاصه ؟

وما بالك إذا آل بنا الأمر إلى أن يصبحإن لم يكن بعد قد أصبحالرؤساء أنفسهم بعد الجيل الحالي من هذا الجنس تعينهم الأجهزة كما حصل في ماضي حضارتنا المنحط عندما أصبح الخليفة محجورا عليه بل لعل الأمر سيكون أدهى لأن الحجر لن يكون من مرتزقة أهلية بل من مرتزقة أجنبية هي قوة الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي ؟ فإذا لم تتحقق الشرعية الديموقراطية وأفلتت الأجهزة والمافيات الداخلية والخارجية من كل سلطان لن يبقى للرؤساء المقبلين في أوطاننا إلا صورة الكمبارس الذي تختاره الأجهزة بهلوانيا للكلام باسمها: وذلك تماما ما حدث عندما انحطت الخلافة بعد المعتصم بقليل فصار البلاط والأجهزة قادرين على عزل الخلفاء وتعيين من يشاءون من الدمى للحكم باسمهم.

المسألة الثالثة: مراحل العلاج السابقة

أعتقد أن من ينكر المنجزات ولا يتحرى الدقة في تقويم العاهات التي تصيب المؤسسات الاجتماعية وفي المساعدة على علاجها لا يستحق أن يتكلم فيها فضلا عن أن يسمع منه بخصوصها. إذ هو بذلك يبرهن على أنه ليس أمينا ولا موضوعيا في التشخيص فضلا عن العلم بطبيعة الدولة الحديثة التي هي رقابية بالأساس (إذ هي تعتمد على بطاقات الهوية الشخصية وتحزين المعلومات حول كل مواطن من الولادة إلى الممات وهو أمر كان موضوع تأسيس فلسفي منذ كتابات المثالية الألمانية في الفلسفة السياسية) وخاصة في ظرف العولمة الصعب.

فالعلاج الإصلاحي من شروطه ألا يؤول فيه طلب الأفضل المنشود إلى الإفراط الذي يقلبه إلى ما هو أدنى من الموجود فنقضي على المفضول المتحقق باسم الفاضل المتوهم. لذلك كان كلامي ولا يزال مقصورا على شروط المحافظة على هذه المنجزات وإصلاحها من منطلق مبدأ الفارابي القائل بأن حياة البشر لا تقتصر على شروط القيام بل هي تحتاج إلى شروط الكمال: فليست وظيفة الدولة مقصورة على تحقيق شروط الحياة فحسب بل وظيفتها التي تضفي على الشرعية الخلقية هي أن تحقق شروط الحياة الفضلى التي تليق بما هو في مستطاع الإنسان من الكمال. لكن طلب الكمال لا ينبغي أن ينسينا فضل تحقيق القوام: ومعنى ذلك أن جميع الحالات العربية التي وصفنا رغم كل ما يعاب عليها فإنها قد حققت شروط القيام بصورة يمكن أن تعتبر جيدة بالقياس إلى ما نراه في القارتين اللتين ننتسب إليهما أعني افريقيا وآسيا خاصة.

ومادمنا نعتمد في هذه المحاولة على أسانيد مستمدة من الفلسفة العملية عامة والخلدونية خاصة فقد وجب الاعتذار لدى المخاطبين بها عن الكلام على مثل هذه الأمور بلغة قد تبدو مفرطة في التجريد والتعقيد النظريين رغم الميل إلى أسلوب التذكير بالمواقف الشخصية. فلا يمكن أن يتكلم المرء من منطلق منظور ابن خلدون بمنطق الفلسفة العملية المطبقة على التاريخ الدستوري العربي في إحدى حالاته المميزة دون أن يجمع بين النظرية الفلسفية الكلية والمسؤولية الخلقية الشخصية إذا كان من مواطني الدولة التي اختيرت لضرب المثال: تونس نموذجا لما يجري في التحولات الدستورية العربية مع التعريج على أمثلة من الدول العربية الأخرى لبيان كلية العلاج فنتحرر من مواقف المزاج. ولما كان التذكير السريع بمراحل العلاج النظري الذي اقترحته لأزمة الأصول الدستورية بمعناها الفلسفي لا القانوني في تونس عينة من المسألة العامة في الوطن العربي بات ذلك تعليلا ضروريا للعلاقة بين القول النظري في المسائل العملية والالتزام الشخصي بالمصير.

لم أكتب في الشأن السياسي التونسي خاصة منذ التحول إلا كتابة نظرية مقتصرا على الشأن العربي والإسلامي من منظورين:

1- أولهما منظور المسافة التاريخية قبل الهجرة إلى ماليزيا

2- والثاني منظور المسافة الجغرافية خلال تجربة الحياة في الشرق الأقصى.

ولم أتكلم قبل هذه الهجرة في مسائل السياسة التونسية إلا ثلاث مرات كانت جميعها من المنطلق النظري لعزوفي عن العمل السياسي المباشر ومن باب النصح لمن بيدهم المقاليد حكما ومعارضة مع علمي بأن من خصائص السياسي عامة أنه قل أن ينتصح إلا بعد أن يفتضح. لكن خطابي للسامع المطاع منهم كان واجبا لإيماني بأن أقل درجات المشاركة في الشأن العام أو الكتابة فيه من منظور نظري في غياب السعي إلى المشاركة الشخصية في العملية السياسية عملا بنصيحة ابن خلدون نصيحته التي استوحاها من تجربته السياسية المرة: ضرورة ابتعاد أصحاب التنظير عن الممارسة في السياسية رغم كون نظرهم مستقرأ منها. ولعل هذا هو سر الدور الذي يقتصر عليه فكر النظر العملي في العالم المتقدم. فمعاهد البحث في الفلسفة العملية تدرس الظاهرات وتقترح السيناريوهات والاستراتيجيات لا غير.

المرة الأولى في بداية التحول لما استشارت الصحافة التونسية بعض المثقفين رأيهم في ما سمي عندئذ بالميثاق الوطني. وكان رأيي ردا على سؤال من جريدة الصباح التونسية في عبارة قصيرة خالية من التعليل النظري الصريح أن هذا الميثاق غير ضروري. كنت أرى أن ما يحتاج إليه الوضع هو تأسيس جمهورية ثانية تحد من إفراط السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي ومن تغولها على حساب السلطتين الأخريين إفراطا وضع الرئاسة في خضم الممارسة اليومية فنزل من قدرها وعرضها للصدمات التي ينبغي أن تبتعد عنها. كنت أميل إلى تعويض النظام الرئاسي الخالص بنظام نصف رئاسي مزيج من جنس النظام الفرنسي مع تنمية الحريات العامة وتطوير قوى المجتمع المدني: لأن ذلك حسب رأيي هو الطريق الوحيدة لتحقيق وعود التحول التزاما بما يترتب على وعد الحر.

وكان ضمير هذا الرأي أن الداء الذي أتى على العهد البورقيبي علته شيخوخة النظام ذي الطبيعة الشمولية التي قتلت المجتمع السياسي والمدني وليست شيخوخة الزعيم بورقيبة شيخوخته التي ما كانت لتضر لو لم يكن الحزب أكثر شيخوخة من الدولة ومنه فضلا عن موت الأحزاب الأخرى بسبب الحظر الذي سلط عليها أو على نشاطها فضلا عن قتل المجتمع المدني: فملكة بريطانيا لا تقل سنا عن بورقيبة لكن سنها ليس مهما لأن ما بيدها من السلطة هو البعد الرمزي لا البعد الفعلي. وبورقيبة كان يريد البعد الفعلي ففقد الرمزي بعد الفعلي. وقد حاولت خلال لقاء بعض الجامعيين مع الدكتور حامد القروي في دار الحزب بالقصبة (حضرته نزولا عند رغبة الأستاذ البشراوي حفظه الله وتم ذلك في السنة الأولى من التحول وإيمانا بضرورة تقوية الطابع المدني للحكم خوفا مما بدا يظهر في الأفق من طمع العسكر في التحكم في التحول) أن أقنعه دون كبير اقتناع بقابليته للإقناع بضرورة تحرير الحياة الحزبية والحريات السياسية في البلاد حتى تسترد القوى السياسية قوتها من خلال التنافس المفتوح فيما بينها فيستفيد الحزب الحاكم ويسترد عنفوانه.

وكان مدخلي لإقناعه الاستدلال (وذلك لسذاجتي المثالية إذ كنت أتصوره يستشيرنا فعلا) بخبرته في الطب (لحرفته) وفي الرياضة (لوزارته) عله يفهم علاقة القوة الحيوية في أي مؤسسة بالاستعمال التنافسي. لكن لاحي لمن تنادي! فقد بدا لي أميل إلى الاستهزاء بالتحليل النظري كما هو شأن كل النخب السياسية العربية الذين يسمون التفكير النظري تفلفسا ويعتبرون أصحابه طز حكمة” ! لكأن الممارسة الغفل ليست طز خبرةوتطبب يعمي بدل من أن يداوي. فالطب الرعوانيالذي يتصور طز الخبرةبديلا مما يسميه طز حكمةيقلب العارض من الأمراض إلى المزمن منها. لذلك باتت شعوبنا شعوبا معوقة. وقد فهمت ما فهمتخاصة بعد الاستماع لاحقا إلى تحليلات رئيس مجلس النواب حول ما يطلق عليه شعار مدرسة الغد في لقاء بالمدرسة الصادقية خلال الجدل الدائر حول التمديد الأول ظنا منه أن ما يصح على تجارب الأفراد قابل للتعميم على الشعوب.

لذلك قلوت كل عمل بعدها وفرغت لتعميق البحث في تحليلات ابن خلدون لعلل فساد العمران في حضارتنا وسر قوله بأن الدولة إذا هرمت لا يمكن تطبيبها علنا نجد مخرجا يحررنا من هذا الحكم الخلدوني القاسي: فلا أقبل بحكم نظري يؤول إلى التيئيس من الإصلاح السلمي. ولما كانت الدولة متماهية مع الحزب باتت أمراض الشيخوخة متبادلة بينهما وبات البديل من سلطانهما سلطان الأجهزة. فما المخرج إذا لم نتصارح أقصى ما يكون التصارح عملا بمبدأ التواصي بالحق المصحوب بالتواصي بالصبر ؟ هل نقبل بما زعمه أحد المتعالمين من ذوي الجرأة الدعية حتى على خير البرية في نقاش عرضي معه مخطيئا ابن خلدون في هذا الحكم فنقبل بما أوحى إليه به علمه اللدني: أن الدول يمكن لها تبقى في عنفوانها المؤسسي فلا تهرم مع تردي نخب صورة العمران (السياسة والتربية) ونخب مادته (الاقتصاد والثقافة)!؟

والمرة الثانية قبل التحوير الدستوري الأخير حيث كتبت نصا تشخيصيا وعلاجيابمنظور نظري طبعاحاولت إيصاله إلى من يهمه الأمر قبل نشره ثم حاولت نشره في تونس فلم أتمكن فاضطررت إلى إرساله إلى القدس العربي التي نشرته على ثلاث حلقات بعد ثلاثة أشهر بسبب طريان الانتفاضة الثانية ولخصته في حوار أجراه معي نائب جون أفريك في تونس لاحقا هو الصديق رضا الكافي. وكان رأيي عندئذ بضرورة التمديد للرئيس بشرطين: هما تأكيد التزامه ببرنامج التحول وربط ذلك ببرنامج دقيق ومعلل يحقق ما وعد به في هذا البيان بعد نقد ذاتي للتجربة الإنقاذية في دورتي الرئاسة السابقتين من كلا طرفي المعادلة الحاكم والمعارض. ذلك أني كنت أجد الأعذار للحكم لإيماني بتقديم حسن النوايا ولتسليمي بصعوبة المهمة: مهمة ملء الشكل الجمهوري بمضمونه الفعلي لا الشعاري فضلا عما أشرت إليه من جنس العوائق الناتجتين عن ضرورة إيجاد البديل من الشرعتين السابقتين.

فالداء كان قد وصل إلى العظم في كل النخب إذ يصدق فيها قول الناس على دين ملوكهم خاصة إذا بات الملوك لعبة في يد من رأينا في سنوات البلاط الأخيرة قبل التحول. ولا علاج من دون تجديد القوى السياسية تجديدا لا يحصل بعصا سحرية ولا بين عشية وضحاها. فلا بد من وقت كاف لتحقيق الصلح بين قوى الشعب بشرط الانتقال من التاريخ المتصالح في التصور إلى التاريخ المتصالح في الفعل لإفراز نخب سياسية يمكن أن تحقق استقرار النظام الجمهوري الذي هو بالطبع هش في كل البلاد التي تخلو من التربية الجمهورية طويلة العهد.

وقد اقترحت أن يتخلى رئيس الدولة في حالة التمديد عن رئاسة الحزب الحاكم ليكون فوق الأحزاب حتى يعتبره الجميع رئيسا لكل أبناء تونس قولا وفعلا وليس للمنضوين في الحزب فحسب فيشرع بذلك في الانتقال من السلطة الفعلية إلى السلطة الرمزية التي هي الضمانة الوحيدة لتعالي المؤسسات على الشأن اليومي. وقد كنت مدركا مخاطر العلاج إذ إن مثال الجزائر كان ماثلا للعيان: خطر انفراط عقد الحزب الحاكم يمكن أن يمتد لانفراط عقد الدولة فتعم الطامة. لكن ذلك لم يكن بسبب موقف مثالي مني بل لأنه هو الشرط الذي يحقق تعالي رئاسة الدولة على وطيس السياسة اليومية وفراغ المكلف بها لحراسة المؤسسات الدستورية وتنمية القوى السياسية دون انحياز لأي منها وتطوير المجتمع المدني ببعده المتعلق بالمصالح المادية والحقوق وببعده المتعلق بالمصالح المعنوية والقيم لتكون المؤسسات السياسية والمدنية.

فمن دون هذه الشروط لن يتمكن أي رئيس من الاقتدار الفعلي والشرعية الكافية للسلطان باسم الشعب على تغول الأجهزة التي تمثل داء المجتمعات الحديثة وخاصة إذا لم تكن شروطها قد تحققت في أخلاق الجماعة لبقاء المجتمع خاضعا لبنى تقليدية. وقد كنت اعتبر المرحلة حرجة جدا ولا يمكن الخروج مما هي حبلى به من مآزق إلا بالانتقال المنظم إلى الشرعية الديموقراطية بشروطها المدنية والسياسية قبل أن تستنفذ الشرعية الإنقاذية طاقتها المستمدة من الوعد بتحقيق مضمون الدستور الجمهوري: كنت أعتقد ولا زلت أن هذه النقلة إذا لم تحصل قبل استنفاذ شرعية الإنقاذ قوتها لن تحصل أبدا لأن تونس لن تجد بعدها من يمكن أن يسيطر على الأجهزة الداخلية والخارجية بمنطق عصر عولمة السلطان. لكن الرياح تجري في الأغلب بما لا تشتهي السفن التي نحن جميعا راكبوها.

والمرة الثالثة كانت بعد التحوير الدستوري الذي جعل معالم الأزمات التي أشرت إليها في النص السابق أمرا لا مرد له. لذلك كان لا بد من الغوص إلى علل فشل التحوير الدستوري الذي زاد الطين بلة لأنه أصبح عائقا يمنع التحقيق الفعلي لشروط النقلة من الشرعية الإنقاذية إلى الشرعية الديموقراطية ما دام قد اعتمد منطق التمديد غير المشروط بعلاج الظرفية فبات مبررا لتعويض المضمون الحقيقي للنظام الجمهوري والديموقراطي بالشكليات التي لا تسمن ولا تغني. وبذلك كان مآل الوضعية بعد التمديد إلى نفس العقبة طلب الخروج بتمديد التمديد إلى غير غاية: فكم من مرة سنمدد ؟

المسألة الأخيرة: مفروضات العلاج الموضوعي

من أخطر ما تعاني منه الأمم عدم التمييز بين فهم الظاهرات بتحليل شروط وجودها وتبريرها بإضفاء الشرعية عليها. فالتعليل بخلاف ما يتصور قصار النظر بيان لشروط الوجود ومن ثم فهو بيان للمشروطية التي هي أصل كل تغيير بالعمل على علم. فالمشروطية هي الشرط الضروري لجعل تغيير الظاهرات أمرا ممكنا بتغيير شروطها. ولولا ذلك لما فهمنا كيف أن ابن خلدون الذي كان أكثر مفكري الإسلام ثورة على الظلم يبالغ في نقد الثورات التي لم يوفر أصحابها شروط نجاحها لجهلهم بها وفي نقد المثاليات الفلسفية التي تجهل قوانين الظاهرات وتكتفي بما يشبه الأماني ؟ أليس ذلك هو البعد الإصلاحي من مشروعه الساعي إلى تأسيس علم العمران البشري والاجتماع الإنساني بدءا بتحرير الفكر من الخطاب الإيديولوجي ليس من أجل المعرفة فحسب بل من أجل العمل على علم ؟ ألسنا نراه قد درس آثار ظاهرة الظلم على توزيع المنزلة الاقتصادية (نظرية الحقوق الموضوعية) والمنزلة المعنوية (نظرية الحقوق الذاتية) ومن ثم على حياة العمران البشري لكي يحدد شروط وجودها وشروط التغلب عليها ؟

لهذه العلة فنحن نسلم في هذه المحاولة بما للظاهرات السياسية والإنسانية من الوجوه الموضوعية التي يجعلها لا تخلو مما يشبه الظاهرات الطبيعية من المحددات. فليس من الحكمة تصورها قابلة للوجود بمجرد تحكم الإرادة الإنسانية غفلة عن المحددات الموضوعية التي بعلمها يمكن أن نحسن شروط التأثير فيها وتحرير الإنسان من حتمياتها القاهرة فنكون في أحكامنا على الحاكم والمعارض منصفين. لذلك فإن محاولتنا تنطلق من مقدمتين كلتاهما مضاعفة.

فأما المقدمة الأولى فيعلق فرعاها بطبيعة الظاهرة السياسية حكما ومعارضة والموقف منها.

وأما المقدمة الثانية فيخص فرعاها طيعة العلاج والموقف منه.وينبغي الختم بهما لعلتين.

فلا بد أولا أن نقتنع بأن فوضى أفعال الأمة العربية كلها وفوضى ما هو مفروض نظام الأفعال أو العمل السياسي علته انعدام المعرفة النظرية الموضوعية فيها جميعا حتى إن ابن خلدون حكم بأن العلماء (من النوع الذي وصف) هم أبعد الناس عن السياسة حكما ومعارضة. ولا بد ثانيا أن نفهم أن انعدام القدرة على العمل على علم علته الأولى والأخيرة تجاهل ضرورة الفصل بين النظر والعمل رغم استحالة إطلاق هذا الفصل ورغم ضرورة الوصل بينهما بعده كما هو شأن كل عمل منظم مشروط بتقدم النظرية على التطبيق واستناد النظرية إليه لكونها ليست نظرية قبلية بل هي مستقرأة من التجارب السابقة.

فالعلم العملي يكون عديم الفائدة إذا لمن نستمد منه ما يمكن أن يسمى بالتكنولوجيا الاصلاحية التي تعالج الشأن الاجتماعي والسياسي علاجا يجانس علاجنا للظاهرات الطبيعية في ما لنا عليه سلطان منها في الحياة المدنية. ذلك أن تجاهل هذا الفصل والترتيب هو السبب الرئيس في سيطرة آليات التاريخ الطبيعي (التغيير يقع بمنطق الآليات البايولوجية والصراع) وامتناع النقلة إلى منطق يسيطر عليه التاريخ الحضاري (التغير يقع بمنطق الآليات الثقافية والحوار) في كل مراحل تاريخنا.

المقدمة الأولى بفرعيها:

الفرع الأول : طبيعة الظاهرات التاريخية

الفرع الأول يتعلق بطبيعة الظاهرات التاريخية: فلا يمكن القبول بالكلام الشرطي عند الكلام على الماضي لأننا نؤمن بأن ما حصل كان ينبغي أن يحصل كما حصل. لا معنى للوأو ليتفي الكلام على الماضي. ما حصل في تاريخ العرب الحديث – تمثيلا له بما حصل في تونس ومصرلم يكن بالوسع أن يكون على خلاف ما كان بمقتضى القوى المتفاعلة وكيفية تحديدها خصائص الظرفية التاريخية. لكننا لا نسلم بهذا القانون عند الكلام على المستقبل. فالإمكان في المستقبل مفتوح بخلاف ما عليه الحال في الماضي لتعلق الأمر بالحاصل من الممكن وليس بتوقعات ممكن الحصول. والإمكان المفتوح الوحيد في الماضي هو انفتاح التأويل المحدد لمعاني الأحداث الماضية من أجل توظيفها في فعل الحاضر أو في فعل المستقبل. ولما كنا نسعى إلى الفهم وليس إلى الفعل بات الأمر محسوما. فلا يحق للمنظر أن يعالج السياسة إلا من منظور النظرية تاركا العمل لغيره عملا بنهي ابن خلدون المنظرين من ممارسة السياسة لكونهم أبعد الناس عنها.

الفرع الثاني : طبيعة دور الفاعلين في التاريخ

الفرع الثاني يتعلق بطبيعة دور الفاعلين في التاريخ: فلا يمكن الزعم بأن ما يحصل في الوضعيات التاريخية العينية يقبل التفسير بحصر المسؤولية في أحد أطراف التدافع والتنافس على الرهانات السياسية دون الأطراف الأخرى. لذلك فلن نتهم أحدا حيا أو ميتا بأي ذنب حصرا فيه. المسؤولية مشتركة بين كل المسهمين في الوضعيات التي نصف. ومعنى ذلك أن المعارضين ليسوا دون الحكام مسؤولية بل هم مسؤولون بنفس القدر للتضايف التام بين قوى المعترك السياسي. وهنا أيضا أجدني مضطرا لتطبيق مبدأ وضعه ابن خلدون في كلامه على الحروب الخمسة التي نتجت بعد الفتنة الكبرى لتجاوز الماضي والتمحض للمستقبل: مبدأ عدم التأثيم.

فكل أطراف هذه الحروب كانوا عنده مجتهدين يصيبون ويخطئون ولا أحد منهم يتحمل مسؤولية الخطأ وحده عند التسليم بوجود الخطأ. وقد ذهب ابن خلدون إلى حد التشكيك في وجود الخطأ في العمل السياسي أصلا لامتناع الحكم على السرائر ولأن الجميع على صواب ما دام ما يحصل حصيلة لتفاعل القوى الحقيقية بالمعنى الفيزيائي لمفهوم الحصيلة لأن ما يصاحب تفاعلها من وعي في الماضي تضمنته الحصيلة وقد حصلت بخلاف ما يكون عليه الشأن خلال تحصيلها الذي يعد الوعي فيه محاولات الإرادة لترجيح بعض الخيارات على بعضها الآخر: وذلك هو مفهوم التدافع المستقرأ من القرآن الكريم.

وفضل مثل هذا الرأي الذي من دونه يموت الفكر الحر مزدوج. فهو يحرر الفكر من التسليم بأساس تبادل التهم بين أطراف النزاع فضلا عن الاندراج فيه فيخلصهم من اجترار الماضي ويجعلهم يلتفتون إلى المستقبل: ولو حصل ذلك لتحرر الشيعة والسنة من أهم أسباب الفرقة ولأتحدوا على الأقل من أجل الخلاص من الخطر المحيق بهم جميعا لا تفريق. ثم هو يجعل الفراغ للعلاج النظري المشروط في العمل على علم أمرا ممكنا لأنه ينفي مزاعم من ينفي الحياد في المسائل العملية تمييزا بين الالتزام الخلقي وحتمية الانحياز لأحد أطراف النزاع.

ولما كنا نعالج المسألة من منظور خلدوني فعلينا أن نشير إلى المقدمة الثانية بفرعيها اللذين يتحكمان في المنظور التحليلي الذي يطلب الإصلاح السياسي بديلا من الثورات إيمانا بأن الثورات تؤول بالأمم إلى أحوال أسوأ مما كانت عليه قبلها وخاصة عندما لا تكون ثمرة نضوج حضاري طويل واستراتيجية تحدد المطلوب بعدها لئلا تتحول إلى مغامرة مجهولة العواقب.

المقدمة الثانية بفرعيها:

الفرع الأول : الوجودي

فأما الفرع الأول فهو وجودي: ويتعلق بهشاشة الشأن السياسي في جميع المجتمعات. فليست المؤسسات السياسية بالأمر الطبيعي الذي يبقى قائما بمبدأ ثابت يحافظ عليه مهما طرأ عليه من انحرافات بل هي كيانات اصطناعية يصعب الحفاظ على بقائها وقل أن تثبت بمجرد أن تفقد توازنها الهش. فلو توقفت الدولة مثلا في حفظ الأمن أو في دفع الرواتب أو في الرعاية الصحية أو التربوية شهرا واحدا لعاد المجتمع إلى شريعة الغاب كما نلاحظ ذلك في الحروب الأهلية التي عرفت منها الأمة ما حدث في حرب لبنان الأهلية أو ما يحدث في حرب العراق الأهلية أو في الصومال إلخ….

والعلم بهذه الهشاشة هو الذي جعل علم الكلام السني يذهب في أغلب مذاهبه إلى حد القول إن الحكم الظالم أفضل من الفوضى وليس بسبب الرجعية أو رفض الثورة كما يزعم المغرضون: لأن ابن خلدون لا يعيب على الثائرين ثروتهم بل يعيب عليهم عدم توفير شروط نجاحها. فالثورة في أغلب الأحيان لا تزيل الظلم بل تضيف إليه العودة إلى شريعة الغاب بإطلاق. وذلك هو مصدر المبدأ المشهور في الفكر السياسي السني: الأمة التي تبيت ليلة واحدة من دون سلطة أمة كافرة. وهذا أمر كوني يكفي لفهمه أن نذكر ما يحدث في ليلة واحدة ينقطع فيها النور في بلد غربي ما رغم التقاليد الحضارية والنظام الديموقراطي والأمن الصلب. ولعل تجربة المعارضة العراقية تمدنا بالفرصة الغاية التي تضع الجميع حكاما ومعارضين أمام حقيقتين من يجهلهما لا يمكن أن يفهم هذا الموقف الذي يتصوره البعض موقفا رجعيا في تاريخ حكمتنا السياسية:

فأما الحقيقة الأولى فهي ما يعيشه العراقيون من مآس بعد ما آل إليه مسار التغيير العنيف. فقل أن تجد اليوم من لا يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على التغيير العنيف خاصة إذا لم يكن ثورة داخلية لها قوتها الذاتية القادرة على التغيير (وهذه القاعدة تعد أهم قواعد ابن خلدون في نقده للثورات) بل توظيف خارجي لتناقضات داخلية كما هي الحال في غالب التغييرات التي عرفتها بلادنا منذ بداية الاستعمار إلى اليوم.

وأما الحقيقة الثانية فهي ما نراه اليوم في بلاد الغرب من تضييق على الحريات بسبب ما باتت تخشاه مما تسميه إرهابا وهو تضييق عرفته كل بلاد الغرب في أزمنة الحروب. علينا ألا ننسى أن مجتمعاتنا لم تخرج من الحرب منذ قرنين الحرب الحامية خلال مراحل التحرير أو الحرب التآمرية والاستعلامية والاقتصادية والثقافية خلال مراحل بناء شروط القيام المستقل. فما من نظام يحاول البناء إلا وحاول الأعداء منعه من أن يكون قادرا على العمل المستقل عن تدخلاتهم بكل أشكالها فيضطروه بمقتضى حاجته للدفاع والحيطة إلى إفراط يقتل كل إمكانية للحياة السياسية السوية.

لذلك فإنه ينبغي أن نتخلى عن المواقف السلبية في تقويمنا للظاهرات السياسية لئلا نجعل طلب الأحسن مفسدا لتحقيق الحسن إذا لم نحترم كل هذه المعطيات الموضوعية في علمية النقد الإصلاحية. فمن يرفض الاعتراف بالايجابيات والعرفان بالفضائل لا يستحق أن يقوم مؤسسات العمران البشري والاجتماع الإنساني بلغة ابن خلدون وجهود القيمين عليها سلبا وإيجابا. ينبغي للتقويم السياسي أن يكون مبنيا دائما على بعدي الوجود الاجتماعي للأمم السوية كما يحدده فكرنا العملي في الفلسفة وعلم الكلام الإسلاميين: شروط الحياة المجردة أو القيام الإنساني وشروط الحياة الفضلى أو تحقيق الكمال الإنساني. وبلغة المقاصد الشرعية فإن شروط المحافظة على المقاصد الضرورية من الوجود الإنساني الجماعي تمثل الحد الأدنى لشرعية الدولة في كل العصور وحدها الأقصى أن تكون جامعة لمكملاتها الحاجية والتحسينية.

الفرع الثاني : المنهجي

وأما الفرع الثاني فهو منهجي: ويتعلق بمعيار الحكم للدول أو عليها. فعندي أن كل دولة حققت هذه الشروط التي هي شروط القيام أو وظائف الأمن الخمس تعد دولة صالحة ينبغي الحفاظ عليها بالنواجذ والحرص على تحسينها وإصلاحها دون المساس بمقوماتها الأساسية إلا إذا سعت النخبة الحاكمة إلى إخضاع المجتمع لآليتي الاستبداد: العنف والفساد. لذلك فنحن قد قصرنا البحث في كيفية الحؤول دون تحول شروط القيام إلى أدوات استبداد تحولا قل أن تخلو منه دول العالم الثالث عديمة التقاليد الديموقراطية. وهذه الوظائف هي أبعاد الأمن الخمسة التي نعتبر الدولة التونسية الحديثة ومثلها مصر قد حققت منها الكثير وإن دون تخلص من التبعية:

1- الأمن بمجرده (شرط شروط الوجود السوي وعلامته شعور المواطنين بالأمان على أنفسهم وأموالهم واعراضهم)

2- والأمن الغذائي (وعلامته تخلص الناس من الحاجة الخانقة للتخزين التمويني كما في حالات الحرب لتوفر ما يسد الحاجات الأولية بالفعل وبالقوة).

3- والأمن الصحي (وعلامته وجود العلاج الأولي للجميع وغياب الأوبئة والعاهات الدائمة بين المواطنين).

4- والأمن التعليمي (وعلامته تعميم التعليم بكل درجاته وتوفر شروطه المؤسسية والأداتية والبرنامجية حتى وإن لم يتم القضاء على الأمية وخاصة في مصر: فهذه مسألة إيديولوجية محظة إذ ليس لذلك علاقة بتحقيق التقدم والديموقراطية فأوروبا لما حققت هذه المطالب لم يكن كل شعبها متعلما وما يوجد عندنا من نسبة المتعلمين يفوق ما كان عندهم ومع ذلك لم يكف ذلك لتبدل الظرف).

5- وشرط قيامها الفعلي أعني مؤسسات التواصل والاتصال أو ما يسمى بالقاعدة الأساسية لكل أنشطة الدولة الحديثة (وعلامته يسر التنقل والاتصال).

وفي ذلك جميعا يمكن القول إن الجمهورية بطوريها الناصري والبورقيبي وما بعدهما قد حققت أكبر قدر ممكن في ظرف العالم الثالث بالقياس إلى الكثير من دول العالم الثالث في افريقيا خاصةرغم ما شابها أحيانا من الاحتكاك والتردي الذي يصيب المؤسسات البشرية إصابته للآلات الميكانيكية: فالفساد لا يمكن أن تخلو منه السياسة لأنه فيها من جنس الاحتكاك في الميكانيكا والمشكل كله في تجاوز القدر المحتمل الذي هو نسبي إلى تقاليد الأمة ومنزلة الحريات والكرامة فيها.

ولعل أهم الأسباب الموضوعية لهذا الاحتكاك فضلا عن عسر التغيير الدستوري المرور بتجربتين اجتماعيتين صعبتين هما التجربة الاشتراكية أو تجربة الدولة الحاضنة والتجربة الساعية إلى التخلص من التجربة الاشتراكية أو تجربة الدولة الراعية للمبادرة الحرة: إذ الدولة جهاز من المؤسسات هي في حقيقتها من جنس الآلات التي قد تفسد فتحتاج إلى الإصلاح والتعويض. والمعلوم أن ابن خلدون قد علل الفساد السياسي بعلتين لا ثالث لهما:

أولهما وأخطرهما هو فساد آليات إنتاج الثروة وتوزيعها بسبب استفحال الجاه أو الإثراء الناتج عن استغلال السلطة بديلا من العمل مصدرا للثروة المشروعة.

وثانيهما تابع للأول هو فساد شروط رعاية الحقوق أو فساد السلطة القضائية. وذلكما هما مدلول قولته الشهيرة: الظلم مؤذن بخراب العمران.

الخاتمة

حفظ الله تونس ومصر وكل أقطار الوطن ويسر على نخبنا السياسية السماع لنداء العقل ولدعاء النقل فيجعلوا غاياتهم أحسن من بداياتهم حتى يذكرهم التاريخ بما يستحقونه. فليس أفضل لمن دخل التاريخ بشرعية الإنقاذ أن يعد لخروجه بشرعية تحقيق شروط إنقاذ الإنقاذ وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة: ذلك أن بورقيبه رحمه الله وجيله قد خالفهم الحظ في تحقيق شروط الخروج المشرف للحاكم منهم والمعارض على حد سواء. ونأمل أن يكون حظ الجيل الموالي بصنفيه أفضل فلا يتجاوز حد اللارجعة في التردي.

آمل أن تستيقظ نخبنا السياسية الحالية من حكم منها ومن عارض فتحقق الصلح منطلقا للإصلاح لإنقاذ منجزات كل العهود فيذكرها التاريخ بما يجعل المشرفين عليها في مصاف كبار الزعماء الذين أنقذوا بلادهم مما يمكن أن تتردى إليهم من بعدهم. ولا يمكن لأي شرعية أخرى أن تنقذ الإنقاذ غير الشرعية الديموقراطية المشروطة بالصلح التام بين كل أبناء الوطن لإفراز نخب سياسية قادرة على تسيير دفة الحكم تسييرا مغنيا عن الهزات التي لا تتحملها تونس.

فجل ثروات بلدنا بنت عمل أبنائها ومن ثم فهي مشروطة بالاستقرار والسلم المدنية: الآن قبل قوات الأوان. حان وقت العقد الوطني الفعلي لا القولي. فتونس ينبغي أن تكون للجميع. وحتى يكون ذلك فلا بد من إنقاذ الإنقاذين: إنقاذ منجزات الجمهورية الثانية بملء الشكل وإنقاذ وعود الجمهورية الثانية بإنجازها. ويعني ذلك تأسيس الجمهورية الثالثة بنفس المطالب التي حددناها قبل التمديد الأول: الجمع بين الصوغ الشكلي (وعد الرئيس بورقيبة) والملء المضموني (وعد الرئيس بن على) ذلك هو مطلوب الجمهورية الثالثة التي إذا تحققت يصبح الرجلان بانيي تونس الحديثة فيدخلان التاريخ على قدم المساواة بوصفهما ناقلي البلاد من العصر الوسيط إلى العصر الحديث فعلا لا قولا


طبيعة الأزمة الدستورية في جمهوريات العرب – تحليل فلسفي حقوقي من منظور خلدوني – أبو يعرب المرزوقي

wpid-fb_img_1425908597217.jpg

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s