مسالك الفقه الإسلامي إلى القانون الغربي

مسالك الفقه الإسلامي إلى القانون الغربي

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2014.01.21

تنبيه مدير الصفحة:

هذه مسودة محاضرة كان الأستاذ أبو يعرب سيقدمها في سلطة عمان بدعوة كريمة من السيد وزير الشؤون الدينية. لكنه فضل عدم المشاركة لما علم أن مفتيي مصر المشاركين في جريمة الانقلاب دعيا إليها. فاعتذر لدى السيد الوزير. ونحن ننشر المسودة لأهميتها رغم أن الأستاذ لم يواصل العمل عليها وتخليه عن استكمالها لتصل إلى الصورة الأكاديمية التي تليق بالموضوع. والمعلوم أن الأستاذ درس القانون عامة والقانون الدستوري والإداري خاصة خلال طلبه الفلسفة في فرنسا في السبعينات.

تمهيد:

ما معنى القانون الغربي:

إذا كان القصد بالقانون الغربي القانون الوضعي فالوضع المقابل للشرع ليس خاصا بالغرب فضلا عن كون القانون الغربي ليس واحدا إلا من حيث غلبة الوضع على شكله الحديث. وهذا الوضع متعدد ومتنوع. ولا يمكن أن نطلب المسالك لأمر بهذه الصفات بل القصد المسالك إلى خصائص الوضع القانوني بصورة عامة. وإذا كان المفهوم بالمسالك الطرق التي علينا اتباعها لجعل الفقه شبيها بالقانون الوضعي فإن ذلك يضع عدة أسئلة سنقتصر على أهمها:

  1. أولها ما الداعي لذلك؟
  2. والثاني ما الإضافة المنتظرة من مثل هذا المسعى؟
  3. والثالث ما الخسارة الممكنة التي قد تنتج عنه؟
  4. والرابع كيف نوازن بين الربح والخسارة في هذا المسعى؟
  5. والسؤال الأخير أي الطرق اقل كلفة إذا سلمنا بضرورة ذلك؟

والجواب عن هذه الأسئلة يقتضي عدة أمور أهمها:

  1. أن نبدأ مسلمين بأن مفهوم القانون الوضعي غني عن التعريف فنعرف الفقه الذي قد يتصوره الكثير واضح المعنى والدلالة.
  2. ثم لا بد من تحديد ما به يختلف الفقه عن القانون حتى نحدد فيه ما يمكن أن يقبل التقريب منه ثانيا.
  3. ثم لا بد من تحديد طبيعة الصلة بين القانون الوضعي وعلاقته بالإرادة المشرعة الواضعة له وما يمكن أن ينتج عن ذلك من علاقات بينه وبين الفقه في صلة مع الإرادة القابلة به تشريعا دون أن تكون واضعة له ثالثا.
  4. وهذا يقتضي رابعا أن نحدد طبيعة العلاقة بين الطبائع والشرائع في القانون الوضعي وفي الفقه وما به يتميز به أحدهما عن الآخر في علاج هذه المسألة المؤسسة لأي تشريع.
  5. لننتهي أخيرا إلى أهم القضايا التي لا بد من علاجها ليكون هذا التقريب ممكنا أعني الحوائل دون تقدم الفقه الإسلامي بصورة تمكن من فهم الجمع الثمين بين بعدي الشريعة: التربية والقانون.

ومن مقتضيات ذلك كله تقديم وجيز يحدد أصل الخلاف حول شروط إمكان التقريب أو عدمه. وهذا الأصل هو طبيعة العلاقة بين العقيدة والشريعة أعني بين شروط النظر والعقد وشروط العمل والشرع لأنها هي المحدد الحقيقي لشروط هذه القابلية أو عدمها. فالشريعة تعتبر منظومة المقومات التربوية الواقية والمعالجة إيجابا بما تربي عليه المؤمن من مقتضيات العقيدة في القيم السلوكية التي يخضع لها فعل الإنسان في الأذهان (نظره وفكره) وفي الأعيان (عمله وإرادته) وسلبا بما تقتضيه من أدوية لما قد ينجر عن عدم العمل بتلك القيم في الأذهان وفي الأعيان.

وهذه النسبة مماثلة بنيويا ومن حيث الوظيفة للنسبة بين الطبائع وعلمها والشرائع وعملها في الفلسفة أو بين الفلسفة النظرية وأساسها الميتافيزيقي والفلسفة العملية وأساسها السياسي1. فتكون الشريعة الدينية نظرية عملية أساسها السياسة الشرعية مثلما أن الشريعة الفلسفية نظرية علمية أساسها السياسة العقلية. وعندما يتطابق العقل والشرع تكون الشرائع التي تنظم حياة الجماعة جامعة بين العقل من حيث هو عالم بقوانين الطبائع وبما يترتب عليها في الشرائع والنقل من حيث هو عالم بقوانين الخلائق وما يترتب عليها في الشرائع. فيتحقق ما يعتبر أساس الدولة الجامعة بالجوهر بين الدين والسياسة بمعناهما الفلسفي والديني جمعا متعينا حقيق التعين في القرآن الكريم الواصل بين الديني والسياسي بتوسط التربية والثقافة.

خطة البحث

  • المسألة الأولى: حقيقة الفقه والشرائع عامة.
  • المسألة الثانية: ما يقبل من الفقه التقريب إلى القانون.
  • المسألة الثالثة: نوعا تعبير القانون عن إرادة الجماعة.
  • المسألة الرابعة: نظر الطبائع وعمل الشرائع.
  • المسألة الأخيرة: العلاقة بين الحكم الشرعي وعلته الغائية.

المسألة الأولى

حقيقة الفقه الإسلامي وحقيقة الشرائع سواء كانت عقلية أو نقلية

البعد الخلقي والبعد القانوني

ليس الأمر في مسألة التقريب بين الفقه بما هو منظومة الأحكام التي تنظم حياة الجماعة بحكم السياسة الشرعية والقانون الوضعي بما هو منظومة القوانين التي تنظم حياة الجماعة كذلك بحكم السياسة العقلية متعلقا بكل الفقه ولا بكل القانون بل ببعض وجوههما التي علينا تحديدها. لذلك فلا بد من التمييز بين مستويات الفقه الخمسة التالية لحصر ما يقبل المقارنة بين الفقه والقانون ومن ثم التقرب الممكن بينهما:

  • أولا:

فللفقه مستويان اثنان ينتسبان إلى الشريعة بما هي قضاء في المسائل العملية:

  1. المستوى الأول يخص حرية الفتوى بما هي مساعدة المؤمن في الاحتكام إلى من هو أعلم منه في مسائل ضميره الديني سواء في العبادات أو في المعاملات أي إن الأمر يتعلق بمؤسسة فقيه تعالج خصومة بين المرء وذاته حول قضية ضمير فلا يكون المفتي فيها قاضيا بل هو مستشار روحيا.
  2. والمستوى الثاني يخص الفقه بما هو قضاء بمعنى مؤسسة يحتكم إليها أحد المتقاضين في نزاع مع خصم يدعى للتقاضي في موضوع الخصومة. وطبعا فما يعني بحثنا هنا هو هذا الجانب الثاني من المؤسسة الفقيه: القضاء بمعنى الحكم في النزاعات بين المؤمنين في قضايا المعاملات والجنايات والأحوال الشخصية.
  • ثانيا:

وللفقه مستويان اثنان ينتسبان إلى العقيدة بما هي قضاء في المسائل العقدية:

  1. والمستوى الثالث إفتائي ويخص حرية المعتقد.
  2. والمستوى الرابع قضائي ويخص أحكام العقيدة.

وكان من المفروض ألا يوجد إلا الوجه الافتائي بسبب حرية المعتقد التي لا تسمح بتدخل السلطات العامة ومن ثم القضاء في المسائل العقدية. لكن الفقه أصبح له هذا الوجه بسبب تجاوز الحكم مبدأ حرية المعتقد فأصبح يحاكم المؤمنين ووضعت لائحة في ما يعد جرائم ضد العقيدة بسبب ما أنتجه المتكلمون من صيغ رسمية للمعتقدات يحاسب المؤمنون بمقتضاها بعد الاستتابة2. ولعل أفضل مثال يمكن أن يضرب في هذه الحالة هو مثال حد الردة خاصة وفعل الاستتابة يوقف الإرجاء القرآني الذي لم يحدد له وقت عدا الموت. وما يعنينا في مسألة التقريب هو الجانب القضائي في الشرائع والعقائد لأن الجانب الإفتائي ليس فيه نزاع إلا في مستوى العقائد التي صارت من مشمولات القضاء3.

  • ثالثا:

والمستوى الخامس والأخير الذي هو أصل المستويات الأربعة السابقة يخص فهم الدين عامة ويتعلق بأصول الدين شريعة وعقيدة. إنه فوق كل الأبعاد السابقة وقبلها لأنه يؤسسها. وهو في الحقيقة جوهر التربية الدينية في الجماعة. فيكون ذلك ذا صلة بموضوعنا من ناحيتين:

  1. أولا مضمونيا أعني الوجهين السابقين التابعين للقضاء بمعناه المعتاد أعني الحسم في الخلاف بين المتقاضيين.
  2. وثانيا شكليا أعني مناهج التربية التي يمكن أن يشملها القضاء إذا لم تحترم حرية المتعلم وأخلاق المعلم.

وتلخيصا لهذا التحديد يمكن القول إن ما يقبل التقريب بين الفقه والقانون الوضعي هو الوجه القضائي من الفقه الشرعي والفقه العقدي والوجه التربوي من التربية الدينية أو من فهم الرسالة بصورة تحترم حرية المتعلم في تقبل المعتقدات وأخلاق الرسالة وضمنها يمكن إدراج سلوك المفتين إما من حيث هم مساعدين للمؤمن في نزاعات الضمير أو بما هم من قادة الرأي العام.

المسألة الثانية

ما يقبل من الفقه التقريب إلى القانون الوضعي

فما الوجوه من هذه العناصر التي تعنينا في هذا البحث والتي يمكن أن نطلب مسالك تقريبها من القانون الوضعي وبمعنى آخر ما الذي نريد أن نجعله متصفا بخصائص تتميز بها القوانين الوضعية؟ فهذه الوجوه يمكن أن تكون متعلقة بالأمور التالية بعضها أو كلها:

  1.  مضمون التشريع الفقهي أو أحكامه في ما هي ما يقضي فيه القاضي كليه وخصوصيه: أعني المعاملات من عقود والتزامات والجنائيات والأحوال الشخصية والإداريات واعتبار حقوق الإنسان فيها جميعا.وغالبا ما يتصور من ليس له علم بالقانون الوضعي أن الخلاف بينه وبين الشريعة يتعلق بالأحكام عامة وبالحدود خاصة لأنه يتصور أنها من الخصائص الذاتية للشريعة. وهذا مجرد وهم ناتج عن عدم فهم مقومات الحكم في الشريعة وفي القانون وعلاقته بالحد فيهما كليهما. فالحد هو أحد درجات الحكم وغالبا ما يكون أقصاها وهو أداة تحقيق الحكم المتعلق خاصة بالغاية منه سواء كان ذلك في الشريعة أو في القانون الوضعي. مثال ذلك حكم الإعدام فهو حد فيهما كليهما. وهو أقصى الأحكام الجنائية إذ هو ينهي وجود الجاني من أصله.وليس الهدف من تطبيق غاية أدوات تحقيق الحكم معاقبة المجرم الذي حكم عليه بذلك ولا حتى ردع المجرمين المحتملين بل هو التعبير عن منزلة الجرم المعاقب في منظومة قيم الجماعة. ويمكن أن يكون الهدف موجبا كالحال في منع لجوء الناس إلى الثأر بتطبيق معنى القصاص الذي هو المرحلة الأولى من العدالة المرحلة المجانسة للمقايضة في الاقتصاد. وهو في هذه الحالة أقوى دلالة على معنى أن القصاص حياة لأنه يوقف منطق الثأر بين البشر ويؤسس لشرعية الحكم الذي يغني عن الاقتصاص الذاتي.وإذن فالحكم بمعنى الإرادة المحايدة لتطبيق منظومة شرائع تغني الناس عن الاقتصاص الذاتي ينبغي أن يبقى واحدا مهما تغيرت الأدوات التي تستعملها السلطة الشرعية التي ترضي الخصمين بشرعيتها المتلازمتين4 لتحقيق الغاية منه كما نبين عند الكلام على حد السرقة. فالحد غير الحكم وهو ضمنا يعني ما يعنيه لغة أي الغاية في أداة تحقيق مطلوب الحكم.وشرعية السلطة القضائية مضاعفة. ففرعها الأول يؤسس للرضا بها وفرعها الثاني يحافظ على هذا الرضا. فالأول المؤسس للسلطة القضائية سياسي إن صح التعبير وهو كون السلطة القضائية ذات وجود شرعي بمعايير الجماعة أعني أنها صادرة عن سلطة سياسية شرعية. والثاني المحافظ على الرضا خلقي إن صح التعبير وهو صورة القضاء في الرأي العام بوصفه سلطة عادلة ومحايدة ونزيهة.وقد يظن البعض أن الشريعة تختص بخاصيتين لا وجود لهما في القانون الوضعي. لكن ما يظن خاصا بها مشروط فيه كذلك لأنها من مقومات كل قانون وضعيا كان أو شرعيا: تمثيل قدسية القانون وقدسية الدولة. فهاتان القدسيتان اللتان تضافان عادة عند الكلام على الشريعة يخطئ من يتصورهما مقصورين عليها بل هما ضروريان في كل نظام قانوني. وظنهما مقصورين على الشرائع السماوية هو الذي ينتج عنه سوء الفهم المؤدي إلى القبول بما هو في الحقيقة توظيف للدين لإفساد مقصده الأساسي أعني العدل:
    فالقانون المطبق يمثل القيم العليا عند الجماعة حتى وإن لم يكن صادرا عن شريعة منزلة. وذلك أمر ضروري في قوة القانون إذا كان صادرا عن سلطة شرعية ممثلة للجماعة تمثيلا حقيقيا.
    والسلطة السياسية الممثلة للدولة التي عليها واجب تعيين القضاة ليست بمنأى عن النقد والتغيير في الإسلام لأنها ليست دينية بل هي اجتهاد الجماعة لرعاية الصالح العام (الغزالي وابن خلدون).
  2.  شكل القضاء الفقهي أو كيفيات قضاء القاضي أعني بمقتضى النصوص القانونية مع شرط حكم الضمير والقناعة والتحرر من كل التدخلات لتحقيق شرط استقلالية القضاء: كليه وخصوصيه.
    من الخطأ نقل قدسية النص القانوني إلى الحكم به. فالقاضي يمكن ألا يكون ممن تتوفر فيه شروط تطبيق النص القانوني فيكون القدح متعلقا بشكل القضاء وكيفياته تحقيقه وليس بالقانون المطبق.
  3.  إجراءات القضاء الفقهي أو قواعد علاج النزاع وحماية الحقوق لتحقيق غرضها: الآجال وقواعد الإثبات وحقوق الدفاع.
    يمكن أن تكون القواعد الإجرائية حائلة دون تحقيق العدل وهذه الشروط الإجرائية ينبغي أن تكون واحدة بصرف النظر عن طبيعة القانون المطبق شرعيا كانا أو وضعيا
  4.  المؤسسات القضائية ودرجاتها لتحقيق أكبر قدر ممكن من الحكم بالحق والعدل: مكونات الهيئة القضائية ودرجات القضاء.
    لا بد للفقه القضائي من أن يستفيد من التنظيم المؤسسي المحقق للعدل وخاصة بالتحرر من القاضي الواحد ومن الدرجة الواحدة ومن الاقتصار على العلاج الشفوي الذي لا يحفظ وثائق المنازعات والأحكام التي يتوصل إليها القضاء؟
  5. وأخيرا مصادر التشريع الذي يقضي به القاضي وخصائص الأحكام أو الصفات التي تجعل القانون قانونا. وهنا لا بد من الجواب عن السؤال التالي: كيف يكون المتقاضي راضيا عن القانون الذي لم يشارك فيه بوصفه مواطنا يعبر القانون عن إرادته؟ هنا لا بد من التمييز بين نوعين من التعبير عن الإرادة:
    التعبير المطلق باعتبار المواطن مبدئيا مشرعا للقانون الوضعي وخاضعا له.
    التعبير النسبي باعتبار المؤمن مبدئيا غير واضع للتشريع الديني وخاضع له.

المسألة الثالثة

نوعا تعبير القانون عن إرادة الخاضعين له

التعبير المطلق بالماشرة في لوضع: القانون الوضعي الديموقراطي والقانون الوضعي الدكتاتوري. لكن الوضع الديموقراطي مجرد غطاء لإرادة الأقوياء. فالمشرع ليس المواطن بما هو مواطن فعلي بل القوى السياسية التي لها القدرة على فرض إرادتها إما بالقوة الصريحة أو بالقوة الخفية بالآليات الديموقراطية في الظاهر والأليغارشية في الحقيقة.

التعبير النسبي بالمشاركة في القبول: القانون الشرعي والقانون العرفي. لكن الشرع وهم. ذلك أن الشرع يصبح مجرد غطاء لإرادة الاقوياء. لكن الإسلام أدخل بعض الحرية في الخضوع للتشريع الشرعي. إذ إن من ليس بسلم في الدولة الإسلامية يطبيق شريعته. والمسلم يختار مذهبه في فهم الشريعة التي يريد أن يخضع له في حياته.

لكن الثابت تاريخيا أنه لا وجود لنظام قانوني كله وضعي سواء كان ديموقراطيا أو دكتاتوريا ولا نظام قانون كله غير وضعي سواء كان شرعيا أو عرفيا بل كل قانون له هذان البعدان المضاعفان والفرق بين الأنظمة القانونية هو في النسبة المقدارية بين دورها في كل تشريع. ولنا على ذلك دليلان: تاريخي نأخذه من تاريخنا الدستوري وفلسفي يعم البشرية.

الدليل التاريخي: فلسفة ابن خلدون: الأحكام السلطانية والأحكام الشرعية

وما يترتب على ذلك من ضرورة التربية التحررية حتى لا تفسد الفطرة

إن الجمع بين الشريعة المنسوبة إلى الوحي وتمثلها الخلافة والتشريعات المنسوبة إرادة الحاكم وتمثلها السلطنة من الأمور التي لا يجهلها مطلع على التاريخ الدستوري في الدولة الإسلامية. وغالبا ما يتحاشى السلطان معارضة الشريعة صراحة لكن تشريعه ليس مشروطا بالصدور عنها. وطبعا فبعض الفقهاء يمكن أن يعتبرها معارضة للشريعة. من ذلك أن ابن خلدون مثلا يعتبر كل ما يفرضه السلطان على الرعية من إجراءات مالية إذا تجاوزت الزكاة تسمى مغارم وهي عنده غير شرعية. أليست الدولة الإسلامية مبنية على نظامين أحدهما هو الخلافة وشرعها يغلب عليه المصدر القرآني والسني والثاني هو السلطنة

وشرعها يغلب عليه المصدر الوضعي وإرادة الحاكم؟

الدليل الفلسفي: فلسفة كنط الحاجة إلى الاثيولوجيا الخلقية.

الجمع بين القبول بالمبادئ المنسوبة إلى الفطرة العقلية أو القانون الطبيعي وهي معتقد فلسفي والمبادي المنسوبة إلى الفطرية الإيمانية وهي معتقد ديني.

وتلخيصا لهذه المسألة يمكن القول إن القانون أو قواعد تنظيم الحياة الجماعية لجعل التعاون والتبادل والتعايش والتآنس التي هي علل وجود الجماعة لا بد فيها من هذين الوجهين المضاعفين: الوضع وبعضه طوعي وبعضه كرهي والشرع وبعضه ديني وبعضه عرفي.

المسألة الرابعة

نظر الطبائع وعمل الشرائع

أفلاطون والمقالة العاشرة من الشرائع: من الطبائع إلى الشرائع. حيث

يتبين أن استنتاج الشرائع من الطبائع يقتضي أن تكون الطبائع هي بدورها ثمرة لشرائع أرقى. الله مشرع للطبائع والإنسان مشرع للشرائع من خلال علمه بثمرات التشريع الإلهي.

ابن تيمية وسورة النساء: العلاقة بين الطبائع والشرائع. الآية الأولى من النساء تحدد العلاقة بين عالم الربوبية وعالم الألوهية وبين مستويين من الوحدة: وحدة البشرية طبيعية ووحدة الجماعة وضعية. التشريع بأبعاده الخمسة:

  1. التشريع للملكية التي هي جوهر المدد المادي من العالم واساس القدرة التي يمتحن الإنسان بحسن تصرفه فيها في العالم.
  2. والتشريع للأسرة التي هي أساس الأنس الوجودي في محل الامتحان في العالم
  3. والتشريع للدولة التي هي الوسط الواصل بين الخصوصي والكوني في شكل مؤسسات محققة لشروط التعاون والتبادل والتعاوض والتعارف والتآنس بين البشر في الداخل والخارج5.
  4. والتشريع للبشرية سلما وحربا بداية للقانون الدولي الجامع بين الجماعات البشرية لنقلها من التناكر إلى التعارف في المجال البيني وضمن كل واحدة منها ومثال ذلك قانون التعامل مع الجار ومع ابن السبيل.
  5. والتشريع للعالم باعتباره المعين المادي ومجال الامتحان الذي يقاس به أداء الأمانة التي تحملها الإنسان بما لاستئهال الخلافة. وذلك يكون إما بمعزل عن السماء أو بعلاقة معها.

المسألة الأخيرة

العلاقة بين الحكم وغايته6 أو بين الوسيلة والغاية

خطآن وقع فيهما فقهاؤنا أولهما يتعلق بما وظف من القرآن الكريم في التشريع والثاني يخص ما وظف من الحديث والسنة الشريفة:

سوء فهم لطبيعة الإحكام في آيات الأحكام ظنا أن الحكم يرد إلى الحد في حين أن الأول هو خضوع المسألة للحكم والثاني هو مقدار العقوبة التي يقضي بها الحكم لتحقيق غايته.

سوء فهم لطبيعة دور السنة في التشريع لما لا تشريع قرآني فيه: فالعلاقة هي من جنس علاقة القانون التطبيقي الذي يحكمه الظرف السياسي بالدستور لأن السنة لا يمكن أن تكون تشريعا مضاهيا للتشريع القرآني وإلا كان النبي شارعا وليس مبلغ تشريع. ومن ثم فالسنة تتعلق بمستويين من التقنين: إما قانون يحقق اغلتناسب بين التشريع الدستوري والقانون أو قرار يحقق التناسب بين القانون وتطبيقه إن صح التعبير. فتكون أحكام السنة القضائية أحكاما سياسية وليست أحكاما دينية لأن الرسول كان في آن مبلغا للرسالة وحاكما سياسيا.

الإشكال الجوهري للحسم في هذه المسألة

لا بد من التمييز بين نوعين من المتشابه: نضع نظرية غير مسبوقة تحل الكثير من الإشكالات في فهم القرآن الكريم عامة وفي فهم الوجه التشريعي منه. ففي الوجه العقدي من القرآن الكريم يكون المتشابه متعلقا بالغيب ومن ثم فتأويله محرم قرآنيا. لكن الوجه التشريعي فيه بعد يتعلق بالغيب وهو العبادات وبعد يتعلق بالشاهد وهو ما في المعاملات من غير التعبدي. فما هو تعبدي في الأحكام المتعلقة بصفات المعاملات هو مراعاة الأحكام العامة التي تضبط شروط الحياة المشتركة للجماعة المؤمنة أعني كونها مطابقة للقيم والأخلاق القرآنية: وجملة هذه الخصائص تسمى في القانون الوضعي النظام القانوني العام الذي لا يمكن مثلا أن يصح التعاقد بين الأفراد إذا هو تعداها ولعل أفضل مثال هنا هو أطول آية قرآنية حول العقود. وما عدا ذلك فهو معاملات غير تعبدية.

  1. المتشابه الخاص بعالم الشهادة
  2. المتشابه الخاص بعالم الغيب

ومن عجائب الأمور أن المتكلمين عجلوا بما أرجأه القرآن7 وأجلوا ما عجله. فما أرجأه الله هو الحكم في متشابهات العقائد التي هي كلها من الغيب وأهمها معرفة من المؤمن بحق ومن الكافر فسارعوا إلى تكفير بضعهم بعضا. وما عجل به الله في متشابهات الشهادة وأهمها تقويم الحكام من حيث أداء الأمانة أرجأوه إما خوفا من الحكام أو طمعا وتواطؤا. فكان أن أصبحت شريعة الله تدور حول أحكام العقائد بدلا من أن تكون دائرة حول الشرائع. وبذلك فهم قد جعلوا الحكم في العقائد من مشمولات الحكم في الشرائع وجعلوا حاكم الأرض بديلا من حاكم السماء في ما اختص به وأجلوا ما يتعلق بحاكم الأرض خارج عن سلطان حاكم السماء: وبذلك فقد جعلوه مطلق الحكم في الدنيا.

ما المحكم في الأحكام وما المتشابه فيها؟ فالمتشابه في الأحكام ثابت في ما يتعلق منها بالشاهد من الوجود الإنساني. لكن المتكلمين أجمعوا على أن المتشابه مقصور على العقدي والخبري ولا صلة له بالشرعي والإنشائي. وهم في ذلك بعيدون كل البعد عن الصواب8: فالمحكم في الأحكام لا ينفي ما فيها من متشابه كما نبين هنا. والعلة هي أنهم حصروا المسألة في فهم النص دون نسبته إلى مرجعه المحددة لشروط تطبيقه. فهو من هذا الوجه متشابه متعلق بالشاهد. ومن ثم فهو بالجوهر مقتض لمفهوم التأويل بمعناه القرآني الحقيقي أعني تحقيق ما ورد في النص في الوجود الفعلي. لكن المتشابه المنهي عن تأويله هو المتعلق بالعقدي والخبري حول الغيب. فهذا هو الذي يمتنع فيه التأويل.

لذلك فعند اعتبار هذا الشرط يصبح من الواجب النظر في ما تقتضيه طبائع الأشياء. وهي في هذه الحالة تجعل آيات الأحكام التي توجب التطبيق على الوجود الشاهد آيات متشابهة الجوهر: ولهذه العلة كانت تحقيق المناط من أسر مسائل الفقه ببعديه الإفتائي والقضائي في الشرعية وفي العقيدة على حد سواء: ذلك أنه يقتضي تأويل القرائن والوجودية لتحقيق الوصف القضائي وتأويل المعاني النصية لتحديد شروط الانطباق.

أما العقدي بما هو خبري حول الغيب فليس فيه مطابقة مع الوجود الشاهد لأنه يتعلق بالغيب سواء كان هذا الغيب متعلقا بسريرة المؤمن التي لا يعلمها إلا الله أو بحقيقة موضوع الإيمان الذي لا يمكن أن يحدد بصورة معينة من دون وقوع في التشبيه. لذلك كان الكلام في الغيب سواء تعلق بالله ذاتا وصفات أو بالبعث أحوالا ومقامات مشروطا بنفي التشبيه ومن ثم فلا إمكان فيه إلا للإحكام النصي أو إن شئنا للإحجام على التأويل المؤدي بالضرورة إلى التشبيه. ولعل الذروة في قضية الصفات التي ينفي عنها القرآن التشبيه بمجرد وضع مبدأ ليس كملثه شيء“.

أما الشرعي والإنشائي فيتعلق بشروط المطابقة بين ما في القول وما في الوجود ومن ثم فهو يخوض معركة العمل ضمن المتشابه ويقتضي تجنب التأويل خلال الانتقال من النص إلى النازلة بالقياس. تحقيق المناط هو المشكل.

المصدر ردوه إلى الله وإلى الرسولهل تعني إلى الله أو إلى الرسولأو تعني إلى الله والرسول. فالمعنى الأول يجعلنا إزاء ثلاث فرضيات إما أن الشارع هو الله وحده أو أن الشارع هو النبي وحده أو أنهما الشارعان معا. وهذا هو ما يجري به العمل بمعنى أن بعض الشرائع لهأصل قرآني وبعضها له أصل سني وبعضه يجتمع فيه الأصلان. والمعنى الثاني يعني أن الشارع الوحيد هو الله وأن الرسول مبلغ وشارح لتشريع واحد واضعه هو الله نفسه. فيكون كل ما لا أصل له في القرآن في موضوع الفقه لا يقبل بوصفه شرعا مطلقا بل هو من باب الاستحسان لأنه اجتهاد نبوي وليس شرعا.

لكن العبادات ينطبق عليها الطابع التوقيفي وليس الاجتهادي وهي عملية والعملي يصعب حصره في النصوص لذلك فتعليم الرسول ترجمة لما لا ورود له في النص إلا ضمنا.

وفي الحكم القضائي لا بد من التمييز بين الحكم القضائي الأخروي والحكم القضائي الدنيوي: مثال ذلك حكم الردة الذي أرجعه الفقهاء إلى القضاء الدنيوي تقديما للسنة على القرآن.

ومن ثم ضرورة التمييز بين الحكم القضائي الجامع بين الدنيوي والأخروي والحكم القضائي المقتصر على أحدهما. وحتمية وضع السؤال التالي: هل الحكم الدنيوي يحرر من نال عقابه بمقتضاه من عقاب الحكم الأخروي؟

وضرورة السؤال عن الترتيب بين الأحكام من حيث الشدة والخفة وهل الأحكام الفقهية ليس فيها إلا الحد الأقصى من الحكم أم إن للقاضي حق الاجتهاد في تقدير الحد الأدنى أو ما بين الحدين الأدنى والأقصى بحسب حيثيات النازلة التي يقضي فيها.

المشكل:

لماذا ينبغي أن تكون المتشابهات هي آيات الأحكام ولماذا لا يمكن لآيات الأحكام أن تكون محكمة:

  1. لأن الحكم لا يحدد مقومات وصف ما ينطبق عليه اللهم إلا إذا اعتبرنا مجرد تسمية الأفعال وصفا قانونيا كافيا.
  2. لأن النوازل التي ينطبق عليها الحكم متغيرة وغير ثابتة أعني تاريخية النوازل.
  3. فإذا فرضنا ثبات 1 على 2 المتغير لم يعد للقانون معنى.
  4. وإذا فرضنا تغير 2 على 1 الثابت لم يبق للنص الشرعي معنى.
  5. وإذن فالأحكام متشابهة وينبغي حل مشكل التشابه الحكمي قبل مشكل العلاقة بين النصوص المحدودة والنوازل غير المحدودة.

الحل النظري:

الفرق الجوهري بين القانون الوضعي والقانون الشرعي أن القانون الوضعي ليس له إلا علاقتين بموضوعه: الوقاية بالخوف من العقاب والعلاج بالعقاب.

لكن القانون الشرعي يضيف أمرين آخرين يغيران روح القانونية فيه:

فهو يعمل بالوقاية أو الخوف من العقاب وبالعلاج أو العقاب مثل القانون الوضعي بل أكثر منه لأنه يغلب العلاج على العقاب.

لكنه لا يعمل بهما على نمط القانون الوضعي بل هو يضع بينهما أمرين آخرين هما أحكام التربية وأحكام الإصلاح. فلا يكون روح القانون الشرعي هو الوعيد والعقاب بل الوعد والجزاء.

لذلك فالمرء في القانون الوضعي لا يعاقب إذا لم يجرم لكنه لا يجازى كذلك عندما لا يجرم بخلاف الأمر في الحكم الشرعي فهو يجازى إذا لم يجرم. وهذه الروح الإيجابية تفرض أن تقرأ كل الأحكام بها أي قلب كل وعيد فيها إلى وعد بعد أن وضع القرآن الكريم مبدأ عاما خلال الكلام عن الاستغناء عن المعجزات: التخويف لم يعد مؤثرا في الإنسانية فبات الإقناع المحمدي بديلا من معجزات الأنبياء المتقدمين عليه: الإسراء 59.

وفي ذلك معيار للتمييز بين ثابت الصورة الدينية ومتغير المادة السياسية في التشريع: فكل ما هو وعيد وعقاب في الدنيا يخلوان من مقصد التربية والإصلاح ولا ينتسبان إلى الصورة الدينية بل هما من مجال التعين السياسي للصورة الدينية. فينبغي أن نحفظ منه الصورة الدينية ونغير المادة السياسية. وهذا الفهم يمكن من فض الخلاف الزائف حول العلاقة بين تاريخية النوازل ولاتاريخية النصوص الدينية في مجال التشريع.

المثال الأول:

لا يمكن للعقاب البدني أن يكون إصلاحا فضلا عما ينتج عنه من عدم قابلية التغيير بحيث إن العقاب يصبح ثابتا فلا يبقى لمكافأة التائب معنى. لذلك فهو ينبغي ألا يعتبر من مقومات الوجه الديني من الحكم بل هو أحد أشكال تعينه السياسي أحدها المتعلق بالشدة واللين في العقاب بحسب ما يقتضيه الظرف. فقطع اليد مثلا كان مفيدا بوصفه علاجا قانونيا لمنع السرقة في بداية تأسيس دولة لمجتمع بحاجة إلى التخلص من أهم عائق أمام الملكية في العصر الجاهلي (أخذ مال الغير عنوة بالسرقة أو بقوة السلام). فكان ذلك يقتضي علامة بدنية ليس المقصود منها الألم الحاصل من القطع بل الوصمة الثابتة الدالة على أمرين:

سالب هو الفعل ومن ثم فهو عقاب بهذا البعد الرمزي المذل لصاحب الفعل الدال على الخسة وعلى البقاء على أخلاق الجاهلية.

وموجب هو أهمية حفظ المال والملكية والانتقال من المجتمع المبني على النهب والسلب إلى مجتمع الملكية المستقرة.

والدليل على أن القصد هو أخلاق جديدة تقطع ما الجاهلية أساسها حفظ المال شرطين لا يتحمل فيهما السارق المسؤولية الأولى حسب شروط الحد بل رعاية الملكية من صاحبها خاصة ومن السلطة العامة عامة. وهذه الرعاية هي بدورها ذات وجهين سلبي هو منع السارق ومنع تهاون رعاة الشأن العام وإيجابي هو تكوين الرعاة القادرين على حماية الشأن العام والمواطن الغني عن السرقة. وكل ذلك يفيد بأن معنى قطع اليد متعدد الدلالة مثله مثل معنى قطع الدابر حيث القصد ليس إزالة الدابر بل منع حصول الأثر9.

فيكون القصد من قطع اليد منع السرقة وحماية الملكية وليس إزالة اليد خاصة واليد في العربية لها الكثير من الدلالات10. لذلك فأفضل إصلاح هو ما ترمز إليه اليد التي تحتاج إلى السرقة واليد التي تستطيع أن تصبح غنية عنها بالعمل المغني وعدم الحماية الممكنة منها. وإذن فالحل الواجب هو:

  1. تشغيل السارق بيديه شغلا يربيه على تعلم مهنة يدوية تدر عليه ما يغنيه عن السرقة ويعوض المسروق مؤقتا من عند الدولة التي لم تقم بواجبها بتربية المواطنين على العمل المغني عن السرقة ولم تؤد الوظائف الأمنية الحائلة دون السرقة ثم يعوضها السارق بالعمل الذي ينجزه يعد تكوينه وتمكينه من عمل يغنيه عن الحاجة الملجئة إلى السرقة.
  2.  القيام بالواجب في حرز الملكية لمنع السرقة. فيكون مدلول القطع إزالة العلة التي هي نوعان: وجود الحاجة وعدم وجود الحرز.
المثال الثاني:

الحرابة وحدها هو أشد الحدود. فالعلاج مضاعف هنا أيضا إنه:

  1. استخدام كل الأعضاء المشار إليها في الحكم لإصلاحها: اليدين السارقتين والساقين الناقلتين للمحترب. والعلاج هو التربية بالخدمة العسكرية بقدر يحدده القاضي.
  2. مقاضاة الدولة التي لم تقم بواجبها الأمني لأن الاحتراب غير ممكن كما يبين ابن خلدون من دون تواطؤ قصدي أو غير قصدي (الإهمال) من المتنفذين في الدولة11.
المثال الثالث:

الرجم رغم أنه لا يوجد نص قرآني فإن الممارسة النبوية كانت من السياسة وليست من الدين. والحل هو الرجم الرمزي أي التشهير عند ثبات الجريمة مع الحرمان من الحياة الجنسية الطبيعية لمدة معينة (وهو أمر منصوص عليه قرآنيا). والحكم القرآني الواضح يلغي اللجوء إلى الرجم ما يعني أن حصوله في عهد الرسول كان لعلتين: لوجوده في التقاليد التي كانت قائمة في المجتمع اليهودي المسيطر على المدينة وثانيا لأن الدولة كانت في بدايتها وكان من المفروض أن تحقق النقلة من أخلاق الجاهلية.

المثال الرابع:

جلد شارب الخمر: نفس الأمر إذ يمكن تعويض الجلد الفعلي بالجلد الرمزي.

المثال الخامس:

عقاب قتل النفس. ومن عجائب التشريع أن هذه الجريمة التي تعد في القرآن اكبر الجرائم عقابها فيه الكثير من الرحمة في النص. لكن يمكن إضافة ملطفات أخرى بتمكين الدولة من حق الاعتراض على رفض أهل القتيل بالثأر وتأجيله لمدة معينة تبرد الغيظ فتمكن من العفو الذي تطلبه الآية.

شروط وضع نظرية القانون الإسلامي:

  1. القانون المدني

  2. قانون الأحوال الشخصية

  3. القانون الجنائي

  4. القانون الإداري

  5. القانون الدستوري

وحتمية ربط ذلك كله بفلسفة القانون وروحه

ويمكن تصور هذه الدرجات بمعيارين:

معيار التنجيم القرآني الذي يتكلم على لحظة كمل فيها الدين (يعني تبليغه) وينبغي أن يناظره كمال بلوغه عند الإنسان العيني: لأن كمال التبليغ متكرر إلى يوم الدين تماما كالتعلم الذي هو متكرر إلى يوم الدين ولا يمكن لجيل أن يدعي أن ما مر به من تجارب مغن للجيل الموالي عنها. فيكون الناس مراتب في تطبيق الأحكام لأنهم مراتب في تلقي البلاغ كما يوجب ذلك خصوصية القانون الشرعي الذي يتقدم فيه الهدف التربوي والوقائي على الهدف الزجزي والعقابي.

ومعيار الوظيفة في تحقيق معاني الإسلام التام التي بدايتها (بل أسلمتم ولما تؤمنوا) وغايتها (أسلمتم وآمنتم).

فيكون كل حكم منطبقا في حدود ما تقتضيه الأركان المفروضة في سلم التربية باعتبارها دالة على سلم التدرج في تلقي الرسالة وبلوغها إلى الأثر المرجو في وجدان المؤمن وإرادته: كيف يكون الحكم لمن يتجاوز إسلامه الشهادة ونريد ترقيته للمرحلة الموالية ثم التي بعدها إلى الأخيرة مرورا بها جميعا معتبرين شروط كل فرض محددات الحكم في المساعدة على تربيته التربية الإسلامية التامة.

وهذه المراحل قابلة للحصر في خمس كما نبين لأن المدارج ينبغي أن تكون مناسبة للتحقيق الفعلي لمقتضيات الأركان الخمسة حسب توالي الفروض في التنجيم وحسب دورها في إتمام مقتضيات الشهادة أعني حسب مقومات الوجود الإنساني التي ذكرنا:

  • الدرجة الأولى: وهي دليل على العقل المؤسس للتكليف وهي مجرد الشهادة دون مقتضياتها التامة عدا الولاء لدولة الإسلام وهو الحد الأدنى من العقل والشهادة. لكن الحد الأقصى هو ما تقتضيه كل المراحل الموالية إلى غايتها. وباقي الدرجات بين الحدين هذين. ولكل مدرج معنيان دالان على الحدين بداية وغاية وعلى الوسائط بينهما: والبداية هي معناه الناقص عند الاقتصار عليه وشروطه تعد فيه بالقوة ويمثل تحققها الغاية أو معناه التام وهي غاية تربيته الموالية فيكون الإسلام قد أصبح إيمانا بكل شروطه التي هي الإسلام التام وقد أصبحت الشروط بالفعل فيكون الإبلاغ أو التعليم والبلاغ أو التعلم قد تما معا.
    أما الدرجات الأخرى فينبغي قراءتها بحسب الدلالة العادية والدلالة الروحية:
    فحسب العادة يكون الترتيب هكذا أي إن أغلب المسلمين يمارسون الشهادة مع الاثنتين الأوليين (الحج والصوم) لغلبة الدلالة الظاهرة عليهما والقلة يضيفون الاثتنين الأخيرتين (الزكاة والصلاة). لكن لو أخذنا المعنى العميق لكان القائمون بالدرجتين الأولين أقل من القلة لأن المعنى الباطن للحج و الصوم هو التوجه المقدم للأخرى على الأولى ومن مقتضياته الاثنتين الأخيرتين.
  • الدرجتان الثانية والثالثة: اثنتان إحداهما بعدها والأخرى قبلها في ترتيب المقومات وتدلان ظاهريا عليها وتتممانها بالتوجهين الرزقي والذوقي:
    • الدرجة الثانية: الحج (= مقصد النفس لما فيه من المخاطر حتى في عصر السفر المريح بالطائرات).
    • الدرجة الثالثة: الصوم (=العرض لما فيه من دلالة على السلطان على الحاجات البدنية أو سلطان النفس على البدن هو أصل كل عرض).
  • الدرجتان الرابعة والخامسة: واثنتان إحداهما بعدها والأخرى قبلها في ترتيب المقومات وتدلان باطنيا عليها وتتممانها بالتوجهين الرزقي والذوقي وهما أعسر الفروض الدينية ومن ثم فهما أكبر العلامات على كمال الإيمان عند من يقوم بهما بشروطهما:
    الزكاة (=المال).
    الصلاة (=الدين).

ومثلما أن الإسلام يبقى على الأديان الأخرى ولا يلغي أحكامها العقدية والتشريعية فإنه من باب أولى يبقي على أحكامه الأدنى العقدية والشرعية ولا يلغيها بأحكامه الأسمى. وبذلك تتعدد الحياة الإسلامية بصورة تقوي استباق الخيرات كما أشارت الآية 48 من المائدة.

والله ورسوله أعلم وأحكم.


1ومعلوم ما بين هذين الوجهين من إشكال فلسفي عميق حاول أرسطو علاجه في أخلاق نيقوماخوس.

2ولعل أفضل مثال يمكن أن يضرب في هذه الحالة هو مثال حد الردة خاصة وفعل الاستتابة يوقف الإرجاء القرآني الذي لم يحدد له وقت عدا الموت. وما يعنينا في مسألة التقريب هو هذا الجانب لأن الجانب الإفتائي ليس فيه نزاع

3 فبمجرد أن أصبح الإفتاء قابلا لأن يتجاوز الوظيفة الخاصة المتعلقة بنزاعات الضمير الشخصي للمستفتي وامتد إلى حكمه على غيره بالمعنى الحكم القضائي وما يترتب عليه من سلوك إزاءه قد ينجر عنه نزاعات عامة فإن المسألة تصبح ذات علاقة بموضوعنا من حيث إن الأمر يصبح ذا صلة بقيادة الرأي العام ومن ثم بمسألة ذات صلة بالقانون.

4شرعيتا السلطة القضائية مؤسسة للرضا بها ومحافظة عليه: والأولى المؤسسة سياسية إن صح التعبير وهي كونها ذات وجود شرعي بمعايير الجماعة أعني أنها صادرة عن سلطة سياسية شرعية والثانية المحافظة خلقية إن صح التعبير وهي صورتها في الرأي العام بوصفها سلطة عادلة ومحايدة ونزيهة. ويمكن القول إن الشريعة تضيف إلى هاتين الشرعيتين مشروطتين في كل قانون وضعيا كان أو شرعيا. لكن الشرعي يضيف إليهما شرعيتان أخريان يخطئ من يتصورهما مقصورين على الشرائع السماوية بل هما ضروريان في كل نظام قانوني. وظنهما مقصورين على الشرائع السماوية هو الذي ينتج عنه سوء الفهم المؤدي إلى القبول بما هو في الحقيقة توظيف للدين لإفساد مقصده الأساسي أعني العدل: فشرعية القانون المطبق يمثل الإرادة الإلهية حتى لم يكن شريعة منزلة إذا كان صادرا عن سلطة شرعية وشرعية السلطة التي تعين القضاة يمكن أن تكون قابلة للقدح في الإسلام لأنها ليست دينية بل هي اجتهاد الجماعة لرعاية الصالح العام (الغزالي وابن خلدون) وهما قابلان للقدح في القانون الوضعي وغير قابلين له عند المؤمنين في الشريعة السماوية.

5وهو ما غاب عن هيجل عندما زعم « Die Religion unterscheidet sich danach wesentlich, ob ihr Prinzip so ist, dass alles, was zum Begriff des Geistes gehoert, im religioesen Prinzip ausgeglichen ist, sein eigenes bestimmtes Prinzip erlangt hat. Wird der Geist nicht in seiner wahrhaften Tiefe gefasst, so gibt es, wie erwähnt, Seiten im Leben eines Volkers, wo es unvernünftig, seiner Willkür preisgegeben ist oder auf irgend eine Weise sich unfrei verhält….So auch bei der Mohammedanischen Religion. Der Fanatismus derselben hat ihre Bekenner getrieben, die Welt zu erobern, ist aber dazu unfähig, dass ein Staat sich zu einem gegliederten, organischen Statsleben, einer gesetzlichen Ordnung für die Freiheit bilde“. G.W.F. Hegel, Vorlesungen ueber die Philosophie der Weltgeschichte, G.Lasson, PB, Leipzig Verlag von Felix Meiner, 1920, s.112:“

6 تنبيه: نرفض المقاصدية لكننا نقول بالعلاقة بين الحكم والغاية مبدأ يرد على الغاية والوسيلة حتى يمكن تطوير الحكم والانطلاق هنا من الحكم بما هو وسيلة للإبقاء على هذه الوظيفة وليس من المقصد ليصبح الفقيه مشرعا.

7مسألة الفصل في إيمان الأفراد ومسألة الفصل بين الأديان ومسالة الردة وكل المسائل المتعلقة بتحديد الفهوم العقدية التي تنتهي إلى جعل علم الكلام مؤسسا للوساطة بين المؤمن والله يكون فيها الوسيط بما يسميه عقيدة كنيسة حقيقية تحدد حقيقة الإيمان. ويأتي الفقهاء ليحكموا في مثل هذه المسائل التي أجلها القرآن ولم يفوض القضاء فيها لأحد.

8وهذا المعنى من اللطائف التي غابت عن المفسرين: ذلك أن التأويل المتعلق بالغيب منهي عنه والتأويل المتعلق بالشاهد هو جوهر المعرفة نظرية كانت أو عملية. فلما كان الغيب محجوبا بات التأويل رجما بالغيب. لكن الشاهد تأويله الفرضي ليس رجما بالغيب لأن التجربة الحاصلة بعده تمكن من التأكد منه. والخطأ فيه قابل للتدارك بل هو العلة في كون الاجتهاد مجزي حتى عندما لا يوفق صاحبه إلى الصواب.

9 ينبغي أن تفهم العبارة بمعنى مناظر لما يفهم من عبارة قطع الدابرأي المنع. وهنا لا بد من فهم مدلول اسم الفعل في العربية. راجع كتاب الشعر المطلق. فعندما أقول يقدم رجلا ويؤخر أخرى فإن القصد هو اسم فعل تردد“. وعندما أقول حدكفالقصد اسم فعل وقف“. وعدما أقول صه فالقصد اسكتوعندما أقول أذن فالقصد التاثر بسماع الغير“.

10 فلها دلالة القتل أو التبذير: بسط اليد. ومد اليد لها دلالة الكرم والمساعدة والمبايعة. وهي لا تفيد بذاتها بل بما يصاحبها من مكملات في التركيب اللغوي الذي تضم إليه مثلها مثل الفعل في الأنجليزية أو في العربية الذي يستمد دلالته من الحرف الذي يصحبه.

11 نص ابن خلدون في الحرابة.


أبو يعرب المرزوقي

cropped-d8bad984d8a7d9811.jpg

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s